|
البينة
الجديدة/ نوري صبيح
استعادة أحداث الماضي القديم وملاحظة دور
الإمبراطوريات و الدول الكبرى التي هيمنت على
الشعوب لحقب تاريخية طويلة لأسباب مختلفة ، وخصوصا
في المسائل القومية أو الدينية ،للعرب والأكراد
والآشوريين والأرمن وغيرهم ، ومن خلال العودة
للتاريخ نحصل على دروس ثمينة وفي أغلب الحالات
الراهنة والسابقة كانت مخططات فرق تسود هي المذهب
الرئيسي للقوى المهيمنة والمتسلطة سابقا ، و
المصالح والتحالفات بكافة أشكالها حاليا،وفي
الفترة المنصرمة القريبة أثيرت القضية الأرمينية
في كل من فرنسا ، ومن ثم الولايات المتحدة
الأمريكية ، حول مذابح الأرمن في تركيا !!!
لكسب الأصوات الانتخابية للجالية الأرمينية في
أمريكا . ومن قبلهم جيش الاحتلال البريطاني في
العراق بعد الحرب العالمية الأولى من مذبحة حادثة
(سميل ) في الموصل ، التي قام بها ونفذها الضابط
في جيش الليفي الآشوري (مالك ياقو) . وريما تعامل
البعض بطيب نية مع خطة الإنكليز في نشر السلاح
حينذاك تحت حجة قد تبدو بريئة ، وهي أن كل عسكري
يخدم أربعة أعوام في جيش( الليفي) يمنح بندقية
هدية ، وقد استغلت هذه البنادق في عهد الملك غازي،
بعد ظهور توجهات قومية واضحة لدى هذا الملك الراحل
، لإحداث فتنة بريطانية بين بعض الفئات في العراق
.وفي تركيا حرض الإنكليز فئات الأكراد ضد
الآشوريين ، ووقعت مجزرة بدر خان ، ولم يكتف
الإنكليز بتلك المجزرة ، بل واصلوا لعبتهم الحاضرة
على الدوام ، وهي فرق تسد ، وفي هذه المرة بين
الآشوريين أنفسهم ، حرضوا الطائفة النسطورية ضد
القائد القومي الآشوري( أغا بطرس) تحت ذريعة أنه
من الطائفة الكاثوليكية ، وهنا قال (أغا بطرس)
قولته المعروفة (( أنا قومي آشوري قبل أن أكون
كاثوليكيا )، والشعب الكردي يعرف جيدا ماذا كان
مصير ( معاهدة سيفر) أي معاهدة السلام التي تم
التوقيع عليها في 10/أب /1920عقب الحرب العامية
الأولى بين الإمبراطورية العثمانية وقوات الحلفاء
. ومن المعروف أن موقف المعاهدة ليس من حقوق
الأكراد بل من الأرمن والآشوريين وغيرهم أيضا .
وبصدد موقف الإدارة الفرنسية هذه الأيام باعتبارها
أول من تبنى طرح قضية المذابح ضد الأرمن في الحرب
العالمية الأولى وأقول إن أسلافها هم أول من خان
القضية الأرمينية في تقرير مصير (كيليكيا ) السنجق
ذي الأغلبية الأرمينية ، وقد انحازت إلى جانب
تركيا في كل المواقف ، بعد أن حصلت على العديد من
الامتيازات في تركيا ، ومن أشهرها امتياز (فرجينا
تباك). وكذلك فعل الانكليز بعد حصولهم على امتياز
نفط كركوك ، قبل ضم لواء الموصل رسميا إلى العراق
، وأمريكا نسيت أن رئيسها ( ولسن) هو الذي رسم
خريطة أرمينيا ، وضم إليها أراضي تركية ، واختفى
الدور الأمريكي خلال كل الفترة المديدة الماضية
التي طمرت فيها ( معاهدة سيفر) إلى أن أثيرت اليوم
من جديد قضية مذابح الأرمن من جانب الدول الكبرى ،
والهدف من هذه الإثارة ، هو مصالح الدول الكبرى
نفسها ، وليس مصالح شعوب المنطقة ، ولا يذهب
باتجاه إقرار الحقوق لهذا الطرق أو ذاك . أن على
الجميع أن يحددوا الحلفاء الثابتين ,أن تتمسك بهم
، وهم الشركاء في الوطن ، أن الدول الكبرى تبيع
وتشتري ، وهي التي تقرر ، بغض النظر عن الحزب
الحاكم في هذا البلد أو ذاك ، والحلفاء الثابتون
للأكراد في العراق هم الوطنيون العرب ، وفي إيران
هم الوطنيون من كل القوميات ، والحال ذاته في
تركيا وسوريا وغيرهما. أن تسوية القوميات
والمكونات الاجتماعية مرتبطة ارتباطا وثيقا بقضية
الديمقراطية في البلد المعني ، وأن الحل يعتمد على
القوة الذاتية والحلفاء الثابتين في ظل وضع
ديمقراطي مستقر ومزدهر . وبعد مرور تسعين عاما على
المذابح الأرمينية في تركيا، تدعي الحكومة التركية
وتطرح مسألة المبالغة في أرقام الضحايا الأرمن
،ولا ينبغي الغرق في مسالة الأرقام على أساس
حسابات ذات طابع تجاري ، سواء كان العدد ناقصا أو
زائدا ، وهو على أهميته لا يشكل المسألة الرئيسية،
كما أن التعويضات ليست هي المسألة الرئيسية أيضا ،
المهم أخذ المسألة من الناحية الإنسانية ، ومن
زاوية حقوق الإنسان ، وضمان أمنه و مستقبله
وكرامته في وطنه وتثقيف الأجيال الشابة والقادمة
بما يخدم مبدأ التعايش المشترك أو قيم الجيرة
الآمنة . .
أصل الأرمن وأين يقطنون ؟
الأرمن شعب ينتمي إلى العرق الآري (الهند أوروبي)،
ويعود وجودهم في الهضبة الأرمينية التاريخية (أرض
أرمينيا العظمى والصغرى) الممتدة في الأجزاء
الوسطى والشرقية من أسيا الصغرى (تقع حالياً في
تركيا ) يعود إلى الألف الثالث ق.م، حسب الدراسات
اللغوية والأثرية الحديثة والتقليد المتوارث
القديم. وتمتد أرمينيا التاريخية إلى الشرق من
المنابع العليا لنهر الفرات،وحتى بحر قزوين وتحدها
من الجنوب سلسلة جبال طوروس الأرمينية على حدود
العراق الشمالية، في حين تمتد أرمينيا الصغرى إلى
الغرب من منابع نهر الفرات. وتبلغ مساحة أرمينيا
العظمى وأرمينيا الصغرى معاً، حسب بعض fلمؤرخين،
نحو 358 ألف كيلومتر مربع، وهي تعادل نحو اثني عشر
ضعف مساحة جمهورية أرمينيا الحالية.
وتنبع من أرمينيا عدة أنهار رئيسة مثل آراكس،
والكر،ودجلة والفرات. وعُرفت أرمينيا في مدونات
الملك سركون الآكدي وحفيده نرام سين (الألف الثالث
ق.م) باسم أرماني-أرمانم دخلت الإمبراطورية
الآشورية مع الجارة الشمالية مملكة اورارتو
(آرارات) في أرمينيا في علاقات تحالف تارة وحروب
تارة أخرى. ويذكر المؤرخ اليوناني هيرودوتس
(484ق.م-435ق.م) عن علاقات أرمينيا والعراق
القديمة أن الأرمن كانوا ينقلون عبر نهر الفرات
بالمراكب البضائع إلى بابل ، حيث كانوا يبيعونها.
ومن القرن السادس ق.م. وحتى بداية القرن الأول
الميلادي، حكم أرمينيا ملوك من الأسرة
اليروانتية-الارداشيسية. ومن أشهر ملوك هذه الحقبة
الملك ديكران (تيكرانيس)الثاني ( 95ق.م- 55ق.م)
الملقب بـ (ملك الملوك) بعد أن تنازل عن اللقب
الأخير له ملك فارس. وقد ضم إلى مملكته أجزاء من
بلاد فارس وشمال العراق (نواحي نينوى
وأربيل)وسوريا وفلسطين ولبنان. وكانت تلك بداية
للعلاقات الأرمينية-العربية الفعلية في التاريخ.
في عام 301 م، اعتنقت أرمينيا الديانة المسيحية
بشكل رسمي. وبهذه الخطوة، تكون أرمينيا أول دولة
اعتنقت المسيحية في العالم. وفي عام 406م، اخترع
الراهب مبسروب ماشدوتس الأبجدية الأرمينية ، وتمت
ترجمة الكتاب المقدس إلى الأرمينية، وبذلك بدأ
العصر الذهبي للأدب الأرميني، إذ تمت ترجمة أغلب
المؤلفات العلمية والثقافية والتاريخية والدينية
الموجودة آنذاك إلى اللغة الأرمينية، حتى أن
الأصول لبعض هذه المؤلفات قد فقدت وبقيت ترجماتها
الأرمينية. وقد سبق عصر الترجمة في أرمينيا عصر
الترجمة في الدولة العربية الإسلامية بعدة قرون،
وسبق الشعب الأرميني الشعب الألماني في ترجمة
الكتاب المقدس (على يد مارتن لوثر) بنحو 1100 سنة.
الأرمن والدولة البيزنطية
لقد مرت تلك الفترة بين القرنين الرابع الميلادي و
السابع الميلادي بمراحل تقارب و تنافر في العلاقات
الأرمينية-البيزنطية. فبعد أنشاء أرمينيا الكبرى
على يد ملك الملوك دكران التي امتدت من البحر
الأسود و قزوين شمالا حتى سوريا و فلسطين
جنوبا,وقعت أرمينيا مجددا تحت سوء الطالع فلقد
تشكلت حولها دولتان كبريان ،الإمبراطورية الفارسية
شرقا و الإمبراطورية الرومانية غربا و لقد تناوب
الجانبان على احتلالها حتى أضحت أرمينيا منطقة
تصارع قوى. و في بداية القرن الثالث الميلادي
تشكلت مملكة أرمينيا مجددا.و قد اعتنق ملكها
الديانة المسيحية و أصبح أول شعب مسيحي في
العالم,و في القرن الخامس الميلادي احتلها الفرس و
قد عرف في تلك الفترة أميرها (فارتان ماميكونيان)
الذي حارب الفرس من اجل دينه المسيحي لأنه رفض
السجود للنار و قد قتل في هذه المعركة 100000
ارمني و مثليه من الفرس الذي اعتبر انتصارا
للأرمن. ولقد جمع الأرمن و البيزنطيين الدين لكنهم
اختلفوا في القومية و حب الأرمن للاستقلال و
الحرية.
الأرمن والأمويون
شهدت هذه الفترة من تاريخ الأرمن تحالفات مع
الأمويين باعتبار أن الدولة الأموية قد وصلت
بحدودها إلى أرمينيا التي كانت تمتد حتى إقليم
كيليكيا الذي يجاور أنطاكية . و انشأ الأمويون
ولاية خاصة بتلك الأرض أسموها ولاية أرمينيا و
أذربيجان. و قد شهدت تحالفات للأرمن مع الأمويين
لمواجهة الخطرين البيزنطي والفارسي بما أن أرمينيا
تقع بين هاتين الدولتين الكبيرتين.
الأرمن والعباسيون
و لقد شهدت فترة الحكم العباسي واحدة من فترات
المد و الجزر بين الأرمن و المسلمين ،فلقد أكمل
العباسيون احتلال كامل أرمينيا لكنهم لم يكونوا
كالأمويين في علاقتهم مع الأرمن فلقد كانت أرمينيا
واحدة من أغنى الولايات و لقد جعلوا حاكمها أميرا
أرمينيا من عائلة بقردونيان الذي أصبح جد هذه
العائلة التي حكمت أرمينيا لفترة طويلة. و خلال
هذه الفترة قام العباسيون باستقدام شعوب كثيرة
أسكونها في تخوم أراضي الأرمن و منهم السلاجقة
الأتراك أجداد هؤلاء الترك الحاليين. فلقد قام
السلاجقة الأتراك بمحاربة البيزنطيين و احتلوا
خلال هذه الحروب أراضي أرمينية كثيرة بمساعدة
الخلفاء العباسيين و استمر هذا الصراع حتى قدوم
الصليبيين. |