|
خالــد
القشطيــني
قياس الذكاء من الامور التي حيرت العلماء، ولكنني
اعتقد انه كان من الاجدى لهم لو ركزوا على قياس
الغباء، فمن الصعب لمرء ان يقيس ذكائه ولكنه
يستطيع ان يقيس غباء غيره، هذا هو السر في اننا
نتحسس بسهولة غباء جل حكامنا. فمقاييس الغباء
متيسرة، انا مثلا اعتقد ان تحمل الضوضاء من علامات
الغباء.
التفت الى ذلك قدماء العراقيين في العهد السومري
ففي اسطورة الطوفان التي جاءت في الميثولوجيا
البابلية، روى السومريين ان الاله انليل تضايق
كثيرا من ضجيج العراقيين ولغوتهم فقرر ابادة الجنس
البشري، مما يدل على ان الهة بابل كانت ذكية ولا
تحتمل الضوضاء، قرر انليل ان يفتح الماء على الكرة
الارضية ويغرقها وبذلك يتخلص من البشر وضوضائهم.
بيد ان مخططه هذا لم يرق للاله لنكي، فكر بأنه
مثلما يحتاج البشر للالهة يحتاج الالهة للبشر،
فأذا انقرض البشر فمن سيقدم النذور للالهة؟
عرف انكي بحب الخمرة، فكيف سيحصل عليها اذا اختفى
العراقيون من الوجود؟ ولكنه لم يشأ ان يحرج زميله
انليل ويتحدى قراره. فالالهة القديمة حسب
المعتقدات البابلية كانوا يختلفون عن سكان العراق
في انهم كانوا يحترمون بعضهم البعض ولا يتهاوشون
فيما بينهم.
عز عليه ان يرى البشر ينقرضون كليا من سطح الارض،
فنزل واتصل بالرجل الحكيم اتراهاسس من اهل مدينة
شوروباك. ففي ذلك الزمن البعيد كان كثير من الناس
في العراق عندهم بالفعل حكمة وعقل.
واشار انكي على الحكيم اتراهاسس ان يبادر الى بناء
فلك كبير يحمله وكل اسرته مع زوج اثنين من كل
الحيوانات.
فلا تنقطع الحياة من الارض بسبب الطوفان وهو ما
حصل كما تقول الاسطورة التي يرجع تاريخها الى
اربعة الاف سنة قبل الميلاد.
وظل الفلك يطوف بهذه المخلوقات من بحر الى بحر حتى
انقطع الماء عن الارضوجفت.
وما ان انحسر الماء ورسى الفلك على اليابسة، حتى
بادر اترهاسس الى تقديم نذور الحمد والشكر للالهة،
كالإاه الاله انكي على حسن صنعه بأن منحه وزوجته
حياة ابدية خالدة يقضونها في مكان رخي سعيد من
العالم خال من الضوضاء.
لاحظ عندئذ ان جل ما في الدنيا من ضجيج وضوضاء
يعود للاولاد فقرر الحد من عددهم بتسليط العقم على
الكثير من النساء وتجنيد عفاريت وظيفتهم ابتلاع
الاطفال حال ولادتهم، وهي مهمة اصبح يقوم بها في
ايامنا هذه الخطافون العلاسة، وبهذا يمكننا ان
نعتبر انكي المؤسس الاول للسيطرة على النسل، وهذه
في الحقيقة مفخرة من مفاخر التراث العراقي اغفل عن
ذكرها سائر المؤرخين. |