القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

  السنة الثالثة العدد (549) الاثنين 24 / اذار / 2008م ـ 16/ربيع الاول/ 1429 هـ

كاظم السماوي..شيخ المنافي وشاعر الاممية الصافية

 د.حسين الهنداوي
منذ ديوانه الاول(اغاني القافلة)المكتوب في ازمنة البراءة والعنفوان،والصادر في بغداد عام 1950 وحتى اللحظة وكاظم السماوي يتألق متباهياً وأكاد اقول متماهياً مع انسانية حالمة وآسرة في آن،هي رفيق عمره الاخر:عبرها تسامى،ومن اجلها تناثر وبها اسمى صحيفته(الانسانية) التي اصدرها في بغداد بعيد ثورة 14 تموز 1958،كما دسها علناً وغالباً سراً في كل قصائده تقريباً مانحاً اياها للرائح والغادي وللقريب والبعيد ودون مقابل دائماً واذا كان الناقد الراحل (ميشال سليمان) رأى في شعر السماوي رافداً باهر الخصب في نهر الشعر العربي الحديث
فإن من المؤكد لدي انه شاعر تلك الانسانية الصافية الثائرة انما المغدورة،وليس في بعدها العراقي وحده برغم ان هذا البعد كان نطفتها الاولى وظل حاضراً فيها جوهرها الخفي.والسماوي ايضاً يساري وواقعي وملتزم وكل ذلك بالمدلول العريق وأكاد اقول الاول لهذا المعاني.وتحت ضوء هذه الخاصية وحدها أحياناً ينبغي في رأينا قراءة معظم وربما كل قصائده اذا اردنا استكناه اسرارها واصراره على العطاء فهذا الشاعر الحالم مبكراً بالقمم المغسولة بالشمس يندر ان لا يتقاطع قارئه في لحظة او اخرى سواء في قصيدة من قصائده التي تتمدد على تباريح نصف قرن،او موقف او وقفة في منفى من المنافي التي لم تعد تحصى بيسر مع رموز غاية في التنوع والتناثر والتنائي الا انها تتقاطع بل تتداخل دائماً عبر عمقها الانساني المسكون بالامل الواثق ظاهرياً انما القلق في مكان او لحظة منه.ويكفي ان اذكر من ديوانه الاول وحده اسماء جعفر ابو التمن وبول روبنسن والشاعر الزنجي الاميركي ماك كربا وبرنادشو والمعري وكارل ماركس فيما تجسدت في مجموعته الاخيرة هذه باقة تضم(عروة بن الورد)و(علي فودة) و(حلبجة) و(عطشان الازيرجاوي) وشهداء قصر النهاية و(حسن السريع)وكوردستان وردة النار الخالدة هذا الهاجس وهذا الوفاء كان قد تأكد سلفاً وترهف انما تسيس اكثر في ديوانه الثاني الى الامام ابداً الصادر في بيروت عام 1954 والثالث (الحرب والسلم) ثم في(رياح هانوي) و(الى اللقاء في منفى اخر) و(قصائد للرصاص..قصائد للمطر) حيث الرصافي وبيروت والشاعر الزنجي جوزيف نورث وحمالو ارصفة الموانئ الامريكيون وديان بيان فو والشرق الاحمر وهانوي وبيكن،هي الرموز التي تقاسمت الهواجس لديه انما مناصفة،كما دائماً مع العراق الذي لئن صار محض طيف كان في غياهب الدخيلة كي شيء ومركز النبض ساعة الحساب الحقيقي لدى كاظم السماوي الذي ظل ينوع ويزهر رموزه الانسانية ببهجة مدافة من الحزن عميق هو ايضاً ومرير في زوايا منه.ذلك لان نزفاً ثراً وجيسماً الى هذا الحد يخفي اخاديد غائرة واي اخاديد واي اوردة تلك التي تختزن كل هذا العمر من التغربات والمنافي الخارجية والاغبرة والانكسارات لهذا الشاعر الذي كتب له وعليه مرة بعد اخرى ان يرى بيته يحترق..واي احتراق.
وطن من رماد
لم يعد قبلة للاساطير،موقداً للسنا،وآيات نار
تلمست وجهي ولم يك وجهي
مرايا السلاطين ملء الزمان...
ملء المكان
في (فصول الريح ورحيل الغريب) الاوردة هي ذاتها من سيشتعل هذه المرة فاجعة (رحيل الحلم)... وهل من فاجعة يمكن ان تنهش القلب ارباً ارباً كرحيل ابنه نصير:
هد حيلي مصابك الجلل
كيف اقوى وثقله...جبل
اهو العدل مسه الخبل
ان اطيل ثوى وترتحل
جئت ثوى وترتحل...
جئت حلماً ورحت حلماً،
رفيفاً،
جرحك الجرح
كيف يندمل؟
هكذا كان هيباً مشهد فقدان فلذة الروح لكن وكليث بلا عرين يكابر كاظم السماوري مشاطراً الريح براءتها وقلقها المكتوم ولا اباليتها الابدية وبهجتها ايضاً مهما كانت هذه ناضبة وعابرة و(ملقى وراء الليل) محروماً من وطن صار مسوراً على ابنائه بالحراب،ورافضاً مهادنة انظمة ذئاب وامميات مخابرات وجبهات ذليلة ظل السماوي يتفرى الدروب هائماً بضميمته الاولى العراق وبـ(اصداء حلم نرممه كل يوم) متلفعاً طواعية بجرح(انعكاس المرايا وموت المناشير والثورة العاقرة)
غامت بعينك الديار
لم يبق منها-يا رحيل-سوى الغبار
سوى ظلال انكسار
نصحو على السكين في اعناقنا نغدو
ونكسر كالحجار
يقينا،ثمة استمرارية ووحدة داخلية مدهشة بين كل مجموعات كاظم السماوي الشعرية تعتبر عنها نزعتها الانسانية نصف العفوية المستوحاة والتي تعبر عن نفسها في جملة من الخصال ليس ما تقدم الا جزءاً منها،ولا اهادن مجموعته الشعرية الجديدة هذه تحمل كل هذه الخصال دفعة واحدة ومن جديد،لكنها تحمل خلسة،ومالحفيف حكمةشيخ انتمى ابداً الى الحلم والى الحياة:
شجراً لرملكم طويت العمر
ما رسمت خطاي..سوي خطاي
لم تنطفئ جمرات حلمي
يا سواي..ولم يكن يوماً..
سواي
وطن؟
ومذ خمسين عاماً كان لي وطن
ومذ خمسين عاماً كان لي منفى
وما اغترب الزمان
الريح بعدكم تلم غباركم
وما انطفأ السراج
لعل شظايا القلب هي ما يتطاير هنا متسللاً من بين ما يشبه الصخور ملتوياً من شدة غربته انما ايضاً من وطأة وغلاظة تنوء باعباء خمسة وخمسين هجيراً ولا يزال يغريها التراكم والتمدد وكما الى الابد..
ها انت مرتحل.. وكم هاجرت
يا لله كم دال الزمان..وكم تهاجر
ماذا تبقى من لهاث العمر يا شيخ المنافي
الليل يطفئ نجمه
الطرقات موحشة
وليل الصمت..ملح
لكن ليالي المنافي ستغدو اكثر عتمة من الملح ومحض غبار حينما رحلت والى الابد بغتة رفيقة العمر والدرب الطويل هذه المرة،وفي غبش اسود وتحت سماء غريبة:
لم يبق
غير صدى يمور وينطفئ..نات الديار
راحت رسائلنا وعادت للغبار
من الغبار
الكون منكسر وكان الوهم يوماً..ان نعود
منديلم الفضي فاتحة النهار لم ترحلين..؟
العراق،الفرات،الثورة،السماوة،الابن،الزوجة،العائلة،الشعب..كل منها ياخذ مكانه الخالد والرحيب والمشمس في صدر هذا الشاعر انما كشجوج عميقة خاصة وكصلبان محمولة على كاهل لا يريد ان يتطأطأ مهما تنادت على ثنية غادرات السنين وقد تعصف الريح مقبلة او مدبرة لا فرق:فما انت...ام لم تمت واقفاً،بيد ان للالم غروره في لحظات الشدة:
انا ان خسرت العمر لم اخسر خطاي
حاصرت منتفضاً حصاري
ليس من احد سواي
فأنا التوازن والتناقض والمصير
وانا خطاي لا
لا فسحة ابدأ للهزيمة اذا لدى هذا الشيخ الذي لم تعد له الذكريات سوى الانهر اليابسة وسوى زهرة من حجر وقوارب مهجورة..غادرتها الرياح ولا فسحة للنحيب..انما والى جوار القطب الاعلى للكون الى المحيطات الشمالية المتجلدة في السويد سيحمل هذا الجنوبي الاصل والفصل حطام نيازكه بانياص منها منفى يحمي فيه وحدته:
وحدي اهوم في سهوب الارض
يا وحدي..
تمر بي تالوجوه وتختفي
وتجوس بي الاصداء عابرة
ولا تفضي الى قمر يضوي الليل
يا وحدي..ويسكنني الصدي
ويعود بي برد الجدار..
الى الجدار....
ووجها لوجه مع الريح..و(بين سماء وارض خاوية الصدى) و(حقيبة هي وطني المهاجر في الحقيبة) ثمة حبل سري يشد كاظم السماوي الى تلك الانسانية الحالمة الاولى التي لا ترى بوصلته سواها في لحظات رقاد الرياح كما انها الملاذ الاول والملاذ الاخير والملاذ الوحيد دائماً... و(عروة بن الورد) هو الرمز بداهة هنا بيد ان جاهلياً آخر تخطى زمانه كعروة،النابغة الذبياني،السماوي الاخر هو الاقرب في رثاء الحال:
تصبرت حتى مل من صبرك الصبر
فماذا يقول الشعر لو هدر الشعر
ومن انتم؟مر الزمان وانتم
سراب ولا ماء وشوك ولا زهر
واعلم اني من بلاد عتت بها شراذم لا فرع لديها ولا جذر
ويالك عملاقاً تخطى زمانه
كما يتخطة في مشارفه النسر
هذه النبرة التي تذكرنا بوادي السماوة ورمل مفازاتها الذهبي لم تفارق ايا من مجموعاته الشعرية الكثيرة جاعلة من هذا الشاعر بين ابرز شعراء القصيدة العمودية العراقيين في النصف الثاني من القرن العشرين الى جانب طاقاته الشعرية الاخرى الا انها تتوازى مع معطى رفيف آخر في شهره يتمثل في ذلك التعاطف التلقائي بل الانتماء الذي يأخذ شكل غنء شبه فطري وجارف في الدفاع عن الامة الكردية المضطهدة انما المقاومة مما يميز بين نظرائه هذا الشاعر العربي المعلن انتماؤه من قبل لثورات الجزائر وفلسطين وظفار والعشرين والقرامطة والزنج.
كوردستان
مر العمر والايام غاربة
ومذ خمسين عاماً كنت عاشقك المتيم
كنت لي من غير ان تدرين..
ولو اني ولدت وعشت ثانية
لكان اسمي على الايام..كوردستان.
نعم (شاعر القافلة الانسانية) كاظم السماوي كما اطلق عليه اللبناني الراحل(محمد شرارة) في 1955 مستقبلاً مجموعته الاولى(اغاني القافلة) ولقد ظل وفياً لانتمائه الاول ذاك هو المجايل للسياب ونازك الملائكة والبياتي وبلند الحيدري وهو المواكب لمظفر النواب وسعدي يوسف لكن المتجه زبحرية منذ ومضته الاولى الى اعتناق اراجة جماعية متطلعة وحالمة وفردية وهذا لا شك به الا انها جماعية بكل مساماتها كمل هي ثورية بينما كان هؤلاء بحماسة عفوية وتطلع مماثلين متجهين بحرية ايضاً لا عتناق تفرادتهم المباشرة وهذا تحديداً ما سيصنع خصوصياتهم التأسيسية كأعتناقات عفوية متغايرة انجبت جماليات متضادة غالباً ميزت كلا من التوجهين منذ البدء رغم اوجه التقاطع العديدة الخفية منها والظهرة التي انتمي لها جميع شعراء ذلك الجيل السخي نفسه.
وهذه المجموعة الشعرية الجديدة تاتي لتؤكد تجربة شعرية متميزة ومكتملة وموقفاً لم يتردد شيخ المنافي وشاعر الانسانية العراقية الصافية كاظم السماوي في دفع ثمنه باهضاً وكاملاً وما يزال مصرا اصراراً رائعاً على الوفاء والعطاء.

السلام على من ينشد السلام

 ابو الغوث
اخبرني احد اصدقائي من الشعراء بان الانسة ميسون الموسوي المذيعة في تلفزيوني العراق-القناة العامة-وتلفزيون الشباب سابقاً قامت بنشر تهديدات ووعيد على شبكة الانترنت وعلى موقع (النور) تحديداً معلنة عن “قطع لسان اي كائن يتصدى بالنقد للشاعر عبد الرزاق عبد الواحد”.
هذا الخطاب المنفعل باعتقادي لا يليق بالدكتورة الموسوي حتى وان كانت لديها تقاطعات وآراء متناقضة مع حشدٍ من الادباء والفنانين على المستويين السياسي والاجتماعي وحتى الثقافي،لاعتبارات عديدة اهمها:
الشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد هو ملك العراقيين جميعاً وثروة وطنية نفخر ونحتفي بها على مدى الدهر والدفاع عنه لا ينحصر على فئة معينة من الناس لاننا نعرفه لا يؤمن لا بالاعراق والقوميات والطوائف وحتى (الطوباويات)،بقدر ما يذوب بالمنهل الاول والاساس وهو الانسانية التي قال عنها سيد البلغاء وإمام المتقين ابا الحسن علي(عليه افضل الصلاة والسلام):
الناس صنفان،اما اخ لك في الدين..او نظير لك في الخلق.
فالخلق نسبة الى الخالق وهو القاسم المشترك الحقيقي في مدى التقارب بين بني البشر وما دونه مجرد وسائلٍ للوصول الى ذلك المطلق الجليل في التعبد وتقويم السلوك العام.
اعود الى مناقشة ذلك الخطاب الذي نعته بـ(المنفعل) والعَود محمودُ كما يقال... دعونا ايها الاصدقاء وانتِ يا ميسون الى ان نغادر ثقافة العنف والتهديد والوعيد ونتركها بصفحتها السوداء التي طويت وصارت جزءًا من الماضي ونحاول ان نهذب انفسنا ونأقلمها على ثقافة الاختلاف السلمي -ان صحة تسميته-لانه الوسيلة الوحيدة التي تنقلنا الى الاصطفاف الموضوعي مع الآدمية التي تناضل وتجاهد من اجل خلق مناخات متطورة غايتها الرقي والسمو والاعتدال،وبذلك يصح القول علينا باننا نستندُ الى موروثات بمجموعها العام تصطبغ بالانسانية بدءًا من الحضارة القديمة الى الميثولوجيا الهائلة ومروراً بالاعراف والتقاليد وانتهاءً بالاديان السماوية جميعها التي تنشد السلام...والسلام على من ينشد السلام.

شـعــر
قصائد قصار

 مناضل التميمي
1-أحدهم وشى لي بسرقة العنفوان العربي....
من منزله ليلاً...
ما الشاهد...ما البرهان...؟
اذا ما افتعل ذاك العنفوان...؟
2-لما نجونا..
كنت انا ثاني اثنين
جلادنا النفاق...
تمثل ولائي له في باب الزنزانة
حمامة إمام..وكاليل غار
فلترتد الصداقة العدوانية..؟
3-هرم النهر حين انبئوه
بمشقة الضفتين للثقل الثاني....؟
4-يقال ان هناك ثمة مبانٍ في أمريكا...
تلامس السماء..وتنطحها على حد تعبير احد الاغبياء...
مالجدوى من ذلك؟..ازاء الله...
هل تدرك امريكا..طبعاً لا..؟

جلالة الإمبراطورة
قصة قصيرة

 عادل كامل
لم تكن أوامرها غامضة .. فقد كانت بإشارة منها تضع حداً لأية قضية تخص الإمبراطورية أو العالم .. وليس ثمة معارضة . أخيراً ، عشية الاحتفال بفصل الخصب ، أمرت بدفن أفراد حاشيتها . فتجمع السكان عند مقبرة الإمبراطورية التي يرقد فيها الآباء والأجداد .. وكانوا يشاهدون أفراد الحاشية يذهبون إلى المدافن مسرورين فرحين وهم يودعون عالم التراب . إلا أن زوجها العجوز كاد يعترض على هذا الأمر لولا أنها أمرت بحجزه في مكان سري ، وتركه يموت جوعاً وفي اليوم نفسه خرجت إلى الشعب وتجولت في الشوارع وزارت عدداً من المنازل ودور العبادة بحثاً عن حاشية جديدة وعن زوج جديد .. فعثرت على طفل وسيم في العاشرة من عمره نصبته إمبراطوراً . ففرح الشعب وأعلنت المباهج وتحول ذلك النهار إلى عيد . في الليل ، مع جلالة الإمبراطور الجديد ، اشتاقت نفسها للحب . لكن الطفل الإمبراطوري عجز عن عمل شيء . فأمرت بجلب كتيبة الدفاع عن القصر . وبالفعل نامت في تلك الليلة مع أفرادها جميعاً ثم أمرت بذبحهم ودفنهم في حدائق القصر . كانت الإمبراطورة قد بلغت التسعين من عمرها ، ولمناسبة عام الخصب ، احتفل الشعب كله بخلودها .. أما هي فكانت تشعر بكآبة وحزن .. لا لأنها تقترب من الموت .. بل لأن الحياة لديها لم تعد ذات معنى .. أنها لا تخاف من الموت .. لكنها كانت تعيش بلا لذة .. لقد استطاعت ان تخمد الفتن في إمبراطوريتها وهي في سن العشرين .. كما دمرت قوى الدول المجاورة لها تدميراً نهائياً .. وعقدت الصلح مع قوى السماء .. لكنها كانت ذات طموح بلا حدود ، الأمر الذي جعلها تسجن أطباء البلاد ، وتأمر الناس بعدم استعمال العقاقير . واشتاقت نفسها للحب في اليوم التالي ، وكان الإمبراطور الصغير يجهل أمور الكبار . فأمرت بجلب كتيبة جديدة . ونامت مع أفرادها ، فرداً فرداً ، أمام جلالة الإمبراطور ، ثم أمرت بذبحهم ، ثم قالت لزوجها : هل تعلمت ؟ كان يبكي بصمت ، ولا يعرف ماذا يقول لها ، فصرخت ، وهي تمسك بأصابعه الطرية : هل أنت من قوى السماء لكي لا تعرف لذات الأرض ؟ لا أعرف .. يا سيدتي ! كانت حاشيتها المكونة من عشرة آلاف امرأة يقمن بواجباتهن وينتظرون أية إشارة من الإمبراطورة .. وبالفعل طلبت من أميراتهن أن يعلمن الولد الحب . وبعد خمسة أعوام جاء الإمبراطور ونام معها سبعة أيام متتالية .. فسجدت له ، وقبلت الأرض ، ومنحت الإمبراطور وسام الخلود . ألا أن الضجر كان يلازمها .. وبسببه شنت الحرب على قوى السماء ، ودارت رحى المعارك في كل مكان .. وكادت تخسر الجولات الأولى لولا قيادتها للجيش بنفسها .. وتكريم الأبطال بالذهب والوعود . لكن مسيرة الحرب امتدت .. وطالت أيام القتال .. فسألت الإمبراطور ، الذي كان يرافقها أخطر معاركها : والآن ماذا تفعل ؟ قال – نعود إلى السلم .. و.. صرخت غاضبة : مع الأعداء ؟ لن ننتصر . ثم أنني الرجل الوحيد الذي بقي في البلاد .. والنساء لا يجدن الحب .. والذخيرة نفدت .. وليس لدينا .. قاطعته : لا .. لا .. ما هذا الكلام الغريب .. فأنا سأحاربهم بنفسي .. وحتى آخر لحظة في حياتي .. قال بهدوء : وماذا يعني النصر آنذاك .. أو الآن .. أو حتى في الماضي ؟ شحب محياها .. وسألت أميرة الحاشية : هل الأطباء السجناء على قيد الحياة ؟ نعم . أريد أن أراهم الآن .. قال الإمبراطور: لا فائدة يا سيدتي .. أنتِ حولتِ الدنيا إلى خرائب .. فماذا يفعل هؤلاء الأطباء .. الآن .. ؟ قالت : أني أشعر بالضجر العميق .. لا فائدة . لكنها صرخت : اقتلني إذاً .. وخلصني من هذا الشعب الذي لا أعرف ماذا يريد.. فقال بهدوء : يا إمبراطورة النساء .. فقالت بصوت غاضب : نعم .. يا صاحب الجلالة .. لأنك ستكون الأب الحقيقي لهؤلاء السكان .. لا أعرف لماذا تعترض .. فأنت الوحيد الذي كان دمه مثل دمي .. أنت الطفل الذي لا أب له .. ولا مأوى .. الذي عثرت عليه في الغابة .. وجئت بك إلى القصر .. وعلمتك الحب مثلما علمك الحكم.. فقال بهدوء : قوى السماء تقول لي : ليبدأ السلام .. وأنا ؟ أنت .. أيتها المبجلة ، ستكونين سيدة السلام كله .. وجاءت أميرة الحاشية بالأطباء . قالت صاحبة الجلالة لهم : أريد أن تعيدوا لي الأموات .. فقال كبيرهم : سنفعل ذلك .. لكن الإمبراطور قال له . أنك تخون. أعرف .. لكن ماذا نفعل .. أنها تريد أن نعيد الموتى إلى الحياة .. ونحن موتى .. فماذا نفعل .. يا سيدي .. ؟ صرخت الإمبراطورة : سأعيد الموتى إلى الحياة بنفسي .. والآن لا أريد أن أرى حفنة من الحشرات .. ومضى عام بعد حادث قتل الأطباء . ولم يبق في الإمبراطورية ألا الإمبراطور الذي أفلح ، بواسطة الحاشية ، من الاستيلاء على العرش ، وتقديم الإمبراطورة إلى المحاكمة ، لكنها استطاعت ، بفعل أجهزتها السرية ، وبعد أيام قليلة ، من العودة إلى العرش الإمبراطوري . في ذلك العام كان الأعداء يزحفون نحو العاصمة . وخلال أسابيع ، بعد معارك خاطفة ، تم الاستيلاء على البلاد بأسرها. قالت الإمبراطورة لزوجها : أنها النهاية إذاً .. فقال بصوت مرتجف: الآن تعلمت فن الحب .. ! قالت : أنهم يحاصرون القصر .. وفي اعتقادي أن لا جدوى من المقاومة .. أني الآن تعلمت فن الحب ! في الواقع لم تكن ثمة مقاومة .. فقد استسلمت كتائب النساء ، وتحول القصر إلى سجن .؟ قال الإمبراطور: الآن تعلمت فن الحب! وأمسك بها بقوة فتوته الطاغية . ونام معها سبع ليالٍ ،حتى أفاقت ، لتقول له بصوت حزين: لا تتركني .. لا تتركني . أبداً .. لن أفعل ذلك.. ثم قال لها بعد صمت قصير : هيا.. إلى أين؟ إلى الفضاء البعيد .. إلى الهواء .. كان بودي أن أعترض عليك وأنا في العاشرة من عمري .. عندما مات والدي في السجن .. ولكن من ذا الذي سيصدق كلامي .. ثم تم القبض عليّ وأرسلتُ إلى المنفى لتعلم فن الحب ، مع أفراد حاشيتك .. وجاءت الحرب .. وها نحن سجناء داخل هذا القصر .. فماذا تريدين أن أفعل .. ؟ لن أتركك وحيدة .. أننا سجينان ها هنا .. فقالت بمرارة: كنت أستطيع قتلك .. أو نفيك .. أو .. لم .. لم تفعلي ذلك يا جلالة الإمبراطورة .. فأنا نفسي كانت مشتاقة للموت .. قالت بعذاب عميق : أني الآن لا أريد العودة إلى قريتي .. إلى كوخي القديم .. ولكن علينا الآن أن نذهب إلى الهواء.. ونغادر المقبرة الإمبراطورية.. أجل .. سيدتي .. فالأشياء تساوت .. والقبر هو القبر ! قالت وهي تفقد وعيها ، وتقترب من الموت: أنك الوحيد .. الوحيد .. على مدى قرن .. من عارضني .. الوحيد الذي قال لي لا.. الوحيد الذي أحبه ولا أريد أن أفقده .

شـعـر
لا وقت للهذيان

نبيل زكي الشاوي
لا وقت للهذيانات
دعني أرمم مائدة البروق وسماط
الغيم
وأرقم الطرقات بالاقدام
المثقلة بجمر الحروف
لا وقت للحزن
فدعني اعمد عيني بالدموع
وابعد عنهما نعاس السنين
عيون المدينة ظمائ للسهر
والبلاد مقفرة
الا من الحروب والدمار
والشظايا
وثلة من لصوص النهار
والاغنيات مشبوبة بالاسى
والدموع
والحروف خاوية
وورود الكلمات تذوي رويداً
كعيون بغداد الحزينة
لا وقت للبكاء
الحزن يقطف وردة العمر الافل
والاشجان تطوف حول عيوننا
المزدحمة بالمرارات
لا وقت للبكاء
دعني ارسم شرفات للريح
واسطر اسمائي على لوحة
الرحيل.......
لا وقت عندي لكلام مباح
فما نقوله اصبح بلا معنى...
بلا جدوى
وعصافير الكلام اصبحت
خرساء
فهي لا تنطق الا بما يمليه عليها
العابرون
وشهرزاد أغلقت فمها فما
عادت لياليها الالف تقنع خليفة
الارض بالسراب الكاذب 

سجل الحداثة لا يثير البهجة

 باقر صاحب
في البدء كانت الكلمة، اللبنة الاولى في البناء الهرمي للمعرفة الانسانية، انى لنا ان نعرف واقعة القتل الاولى في تاريخ الانسان من دون وجود سابق للكلمة، لولا التدوين لما سوّد العنف البشري صفحات التاريخ المثقل بسرديات الحروب ووثائق انتهاك حقوق الانسان بمظالم متأصلة بالقهر الاقتصادي والاجتماعي، فقر وبطالة وجوع، وعنف سياسي يزكم الهواء النقي، تكميم الافواه وتسطيح العقول وكبت الرغبات الانسانية، وتكديس اقبية السجون والمعتقلات بمن ولدتهم امهاتهم احرارا، وارادوا ان يبقوا كذلك برغم انف السياسة وتسلط الساسة، عشاق الكراسي الثابتة الى الابد.
اذن دوافع شطب ذات الآخر وحقه في العيش بامان وسلام وحرية وطرائقهما تعد مسببات لتكريس ثقافة الانتقام بالمثل اي العنف المضاد، فمنظومة الثقافة بتفرعاتها الفكرية والادبية والفنية تشكل نواضح مستديمة لروائح الدم والتقنيات الفائقة الخيال في فن الابادة البشرية والتدمير العمراني، مثلا زخر ديوان الشعر العربي القديم بما تصب دلالاته في مديح العنف واسبابه،ّ فغرض الحماسة في تأجيج جذوات الحروب وشهوات الابادة لدى المتحاربين، والفخر في تقريض الشاعر لشجاعة قومه وبأسهم في فنون القتال، حتى الهجاء فان في دخيلة الشاعر الهجاء نزعة عنف خبيئة تحت مشاعر الكراهية والسخرية من المهجو بالكلمة والصورة العنيفتين، ما يخلق عداء عواقبه الحاق الاذى بالهاجي سجنا او قتلا كما حدث مع شاعر كالمتنبي اذ قتله فاتك بن يزيد الاسدي أشرس قتلة بسبب اهاجي المتنبي الفاضحة لخاله، تلك ذاكرة الشعر العربي، وتعد من اهم روافد الثقافة العربية في تغذية قاموس العنف في لغتنا، كما ان في التحديث المستمر لهذا القاموس بمسببات الحروب المحلية والعالمية والحرب الباردة والحرب على الارهاب وسيروراتها ونتائجها وعبرها ما يدل على تجدد ازمات الانسان في العالم المعاصر، حتى ان المفكرين الفرنسيين الجدد يعتقدون بان (سجل الحداثة لا يثير البهجة ) ويرى هؤلاء(ان العالم الحديث قد دخل بوضوح عصر الرأسمالية والتفكير العلمي ولكنه قد دخل ايضاً في عصر الحرب النووية المحتملة، وفضائح النازية والاستعمار الجديد والمركزية الاوروبية ومجاعات العالم الثالث).(مجلة مسارات ع2- 2006: ما بعد الحداثة وفرضيات التحول الاجتماعي-باري بيرك، ت: باسم علي خريسان وحارث محمد: ص17 ) هي ردة فعل مفكرين ازاء الاحداث العنيفة اواخر ستينيات القرن الماضي التي القت باوروبا واميركا في فوضى كبيرة، ومن ثم ليست هناك نهايات قريبة للعنف وثقافته المضادة لامال الانسانية في العيش في ربوع السلام الدائم ليس القلق الحقيقي ليس المزيف، اذ ازدهر قاموس الارهاب بدايات هذا القرن في الدول التي تعد انها تعيش في سلام ورفاهية وتقدم، فيما شكل معجم ثقافة العنف في العراق الان فائق الوحشية والقساوة والضيم والالم والرعب ضمن مدونات العنف في العالم، لم تتفوق عليه المفردة والصورة والسرد الخبري والتحليل الاعلامي والتنصيص الادبي والنقد الثقافي، فروافد ثقافة الارهاب لها جذورها الدينية والاجتماعية والسياسية تبغي تهميش ثقافة التسامح واللاعنف والعيش بشراكة اخوية حقيقية.
مفردات ارهاب الاخر واقصائه والغائه وان تسللت الى انماط سلوكنا اليومي، وخرائط تفكيرنا الى نصوصنا، لكنها نمّت معيارا حقيقيا لشجاعتنا في المناورة والانفلات من شراك القسوة والانحطاط والهمجية، ومن ثم الابتهاج بتجاوزها الى ضفاف السلم والمساواة والعدل، لقد تمكنا من تحدي الموت بمواصلة الحياة بابسط جزئياتها، استحضر شهرزاد انموذجا في التجسير بين ثقافة العنف ودوافعها وآلياتها وثقافة الاحياء بعمقها ونبلها وذكائها الفنتازي، شهرزاد التي استحدثت خيارا سلميا بديلا للقتل الهمجي لبنات جنسها على يد شهرزاد وسيافه”الاعمى“ واداته الجاهلية”السيف “ يتزوجهن ليلا ويقتلهن ليلا، ويرمي جثثهن للمجهول، اختارت شهرزاد بثقافتها المؤازرة للحياة ان تسرد عليه القصص، فاستمدت من ثقافة القص والخبر الطريف والبيت المأثور، انحيازها لثقافة السلام بنصوص ذات قيمة ادبية نادرة، عدت احدى روائع الادب السردي للعرب والعالم، تلك حكايات الف ليلة وليلة.
هنا تعظم مسؤوليات المثقف والشاعر والسارد والقاص والمؤرخ في ازدهار او نكوص ثقافتي العنف واللاعنف، العنف طوفان من الدم والخراب، وان صافحته الكلمة اصبحت قاتلة وتخلت عن براءتها بوصفها مشكاة النور والعدل والسلام، المثقف عندما يتحول الى نافخ بوق في حرب انما اصبح آلة غائبة عن الوعي الانساني المؤثر لحب الحياة، اصبح ثاكلا للعقل الذي اجله الفكر التنويري، فهو اداة تحقيق التحرر الانساني من الجهل والفقر والعنف.
ان ظلم الانسان لاخيه لن ينتهي، ورد الفعل الانساني الفردي والجماعي تجاه الظلم، يتغذيان دائما من ثقافتي الخير والشر، ولذا فان العنف نصوصا وانماط سلوك لن يموت، وما هو مأمول للتخفيف من ثقافة العنف البشري يكمن في تهاوي قلاع دكتاتوريات العالم، والنمو المضطرد لتيارات الديمقراطية الوليدة والراسخة وترسيخ التداول السلمي للسلطة (بيت الداء) ووأد بيانات رقم(1).
ينبغي ان يتجدد الايمان بان العنف بشتى مشاربه، الارهاب، العنف الطائفي، الاغتيالات السياسية، فوضى القتل المجاني، والجريمة المنظمة، واعمال الثأر والانتقام المتفاقم في الشخصية العراقية طيلة ازمنة الاستبداد، مسالك الخاسرين كل شيء.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com