|
د.حسين
الهنداوي
منذ ديوانه الاول(اغاني القافلة)المكتوب في ازمنة
البراءة والعنفوان،والصادر في بغداد عام 1950 وحتى
اللحظة وكاظم السماوي يتألق متباهياً وأكاد اقول
متماهياً مع انسانية حالمة وآسرة في آن،هي رفيق
عمره الاخر:عبرها تسامى،ومن اجلها تناثر وبها اسمى
صحيفته(الانسانية) التي اصدرها في بغداد بعيد ثورة
14 تموز 1958،كما دسها علناً وغالباً سراً في كل
قصائده تقريباً مانحاً اياها للرائح والغادي
وللقريب والبعيد ودون مقابل دائماً واذا كان
الناقد الراحل (ميشال سليمان) رأى في شعر السماوي
رافداً باهر الخصب في نهر الشعر العربي الحديث
فإن من المؤكد لدي انه شاعر تلك الانسانية الصافية
الثائرة انما المغدورة،وليس في بعدها العراقي وحده
برغم ان هذا البعد كان نطفتها الاولى وظل حاضراً
فيها جوهرها الخفي.والسماوي ايضاً يساري وواقعي
وملتزم وكل ذلك بالمدلول العريق وأكاد اقول الاول
لهذا المعاني.وتحت ضوء هذه الخاصية وحدها أحياناً
ينبغي في رأينا قراءة معظم وربما كل قصائده اذا
اردنا استكناه اسرارها واصراره على العطاء فهذا
الشاعر الحالم مبكراً بالقمم المغسولة بالشمس يندر
ان لا يتقاطع قارئه في لحظة او اخرى سواء في قصيدة
من قصائده التي تتمدد على تباريح نصف قرن،او موقف
او وقفة في منفى من المنافي التي لم تعد تحصى بيسر
مع رموز غاية في التنوع والتناثر والتنائي الا
انها تتقاطع بل تتداخل دائماً عبر عمقها الانساني
المسكون بالامل الواثق ظاهرياً انما القلق في مكان
او لحظة منه.ويكفي ان اذكر من ديوانه الاول وحده
اسماء جعفر ابو التمن وبول روبنسن والشاعر الزنجي
الاميركي ماك كربا وبرنادشو والمعري وكارل ماركس
فيما تجسدت في مجموعته الاخيرة هذه باقة تضم(عروة
بن الورد)و(علي فودة) و(حلبجة) و(عطشان
الازيرجاوي) وشهداء قصر النهاية و(حسن
السريع)وكوردستان وردة النار الخالدة هذا الهاجس
وهذا الوفاء كان قد تأكد سلفاً وترهف انما تسيس
اكثر في ديوانه الثاني الى الامام ابداً الصادر في
بيروت عام 1954 والثالث (الحرب والسلم) ثم في(رياح
هانوي) و(الى اللقاء في منفى اخر) و(قصائد
للرصاص..قصائد للمطر) حيث الرصافي وبيروت والشاعر
الزنجي جوزيف نورث وحمالو ارصفة الموانئ
الامريكيون وديان بيان فو والشرق الاحمر وهانوي
وبيكن،هي الرموز التي تقاسمت الهواجس لديه انما
مناصفة،كما دائماً مع العراق الذي لئن صار محض طيف
كان في غياهب الدخيلة كي شيء ومركز النبض ساعة
الحساب الحقيقي لدى كاظم السماوي الذي ظل ينوع
ويزهر رموزه الانسانية ببهجة مدافة من الحزن عميق
هو ايضاً ومرير في زوايا منه.ذلك لان نزفاً ثراً
وجيسماً الى هذا الحد يخفي اخاديد غائرة واي
اخاديد واي اوردة تلك التي تختزن كل هذا العمر من
التغربات والمنافي الخارجية والاغبرة والانكسارات
لهذا الشاعر الذي كتب له وعليه مرة بعد اخرى ان
يرى بيته يحترق..واي احتراق.
وطن من رماد
لم يعد قبلة للاساطير،موقداً للسنا،وآيات نار
تلمست وجهي ولم يك وجهي
مرايا السلاطين ملء الزمان...
ملء المكان
في (فصول الريح ورحيل الغريب) الاوردة هي ذاتها من
سيشتعل هذه المرة فاجعة (رحيل الحلم)... وهل من
فاجعة يمكن ان تنهش القلب ارباً ارباً كرحيل ابنه
نصير:
هد حيلي مصابك الجلل
كيف اقوى وثقله...جبل
اهو العدل مسه الخبل
ان اطيل ثوى وترتحل
جئت ثوى وترتحل...
جئت حلماً ورحت حلماً،
رفيفاً،
جرحك الجرح
كيف يندمل؟
هكذا كان هيباً مشهد فقدان فلذة الروح لكن وكليث
بلا عرين يكابر كاظم السماوري مشاطراً الريح
براءتها وقلقها المكتوم ولا اباليتها الابدية
وبهجتها ايضاً مهما كانت هذه ناضبة وعابرة و(ملقى
وراء الليل) محروماً من وطن صار مسوراً على ابنائه
بالحراب،ورافضاً مهادنة انظمة ذئاب وامميات
مخابرات وجبهات ذليلة ظل السماوي يتفرى الدروب
هائماً بضميمته الاولى العراق وبـ(اصداء حلم نرممه
كل يوم) متلفعاً طواعية بجرح(انعكاس المرايا وموت
المناشير والثورة العاقرة)
غامت بعينك الديار
لم يبق منها-يا رحيل-سوى الغبار
سوى ظلال انكسار
نصحو على السكين في اعناقنا نغدو
ونكسر كالحجار
يقينا،ثمة استمرارية ووحدة داخلية مدهشة بين كل
مجموعات كاظم السماوي الشعرية تعتبر عنها نزعتها
الانسانية نصف العفوية المستوحاة والتي تعبر عن
نفسها في جملة من الخصال ليس ما تقدم الا جزءاً
منها،ولا اهادن مجموعته الشعرية الجديدة هذه تحمل
كل هذه الخصال دفعة واحدة ومن جديد،لكنها تحمل
خلسة،ومالحفيف حكمةشيخ انتمى ابداً الى الحلم والى
الحياة:
شجراً لرملكم طويت العمر
ما رسمت خطاي..سوي خطاي
لم تنطفئ جمرات حلمي
يا سواي..ولم يكن يوماً..
سواي
وطن؟
ومذ خمسين عاماً كان لي وطن
ومذ خمسين عاماً كان لي منفى
وما اغترب الزمان
الريح بعدكم تلم غباركم
وما انطفأ السراج
لعل شظايا القلب هي ما يتطاير هنا متسللاً من بين
ما يشبه الصخور ملتوياً من شدة غربته انما ايضاً
من وطأة وغلاظة تنوء باعباء خمسة وخمسين هجيراً
ولا يزال يغريها التراكم والتمدد وكما الى الابد..
ها انت مرتحل.. وكم هاجرت
يا لله كم دال الزمان..وكم تهاجر
ماذا تبقى من لهاث العمر يا شيخ المنافي
الليل يطفئ نجمه
الطرقات موحشة
وليل الصمت..ملح
لكن ليالي المنافي ستغدو اكثر عتمة من الملح ومحض
غبار حينما رحلت والى الابد بغتة رفيقة العمر
والدرب الطويل هذه المرة،وفي غبش اسود وتحت سماء
غريبة:
لم يبق
غير صدى يمور وينطفئ..نات الديار
راحت رسائلنا وعادت للغبار
من الغبار
الكون منكسر وكان الوهم يوماً..ان نعود
منديلم الفضي فاتحة النهار لم ترحلين..؟
العراق،الفرات،الثورة،السماوة،الابن،الزوجة،العائلة،الشعب..كل
منها ياخذ مكانه الخالد والرحيب والمشمس في صدر
هذا الشاعر انما كشجوج عميقة خاصة وكصلبان محمولة
على كاهل لا يريد ان يتطأطأ مهما تنادت على ثنية
غادرات السنين وقد تعصف الريح مقبلة او مدبرة لا
فرق:فما انت...ام لم تمت واقفاً،بيد ان للالم
غروره في لحظات الشدة:
انا ان خسرت العمر لم اخسر خطاي
حاصرت منتفضاً حصاري
ليس من احد سواي
فأنا التوازن والتناقض والمصير
وانا خطاي لا
لا فسحة ابدأ للهزيمة اذا لدى هذا الشيخ الذي لم
تعد له الذكريات سوى الانهر اليابسة وسوى زهرة من
حجر وقوارب مهجورة..غادرتها الرياح ولا فسحة
للنحيب..انما والى جوار القطب الاعلى للكون الى
المحيطات الشمالية المتجلدة في السويد سيحمل هذا
الجنوبي الاصل والفصل حطام نيازكه بانياص منها
منفى يحمي فيه وحدته:
وحدي اهوم في سهوب الارض
يا وحدي..
تمر بي تالوجوه وتختفي
وتجوس بي الاصداء عابرة
ولا تفضي الى قمر يضوي الليل
يا وحدي..ويسكنني الصدي
ويعود بي برد الجدار..
الى الجدار....
ووجها لوجه مع الريح..و(بين سماء وارض خاوية
الصدى) و(حقيبة هي وطني المهاجر في الحقيبة) ثمة
حبل سري يشد كاظم السماوي الى تلك الانسانية
الحالمة الاولى التي لا ترى بوصلته سواها في لحظات
رقاد الرياح كما انها الملاذ الاول والملاذ الاخير
والملاذ الوحيد دائماً... و(عروة بن الورد) هو
الرمز بداهة هنا بيد ان جاهلياً آخر تخطى زمانه
كعروة،النابغة الذبياني،السماوي الاخر هو الاقرب
في رثاء الحال:
تصبرت حتى مل من صبرك الصبر
فماذا يقول الشعر لو هدر الشعر
ومن انتم؟مر الزمان وانتم
سراب ولا ماء وشوك ولا زهر
واعلم اني من بلاد عتت بها شراذم لا فرع لديها ولا
جذر
ويالك عملاقاً تخطى زمانه
كما يتخطة في مشارفه النسر
هذه النبرة التي تذكرنا بوادي السماوة ورمل
مفازاتها الذهبي لم تفارق ايا من مجموعاته الشعرية
الكثيرة جاعلة من هذا الشاعر بين ابرز شعراء
القصيدة العمودية العراقيين في النصف الثاني من
القرن العشرين الى جانب طاقاته الشعرية الاخرى الا
انها تتوازى مع معطى رفيف آخر في شهره يتمثل في
ذلك التعاطف التلقائي بل الانتماء الذي يأخذ شكل
غنء شبه فطري وجارف في الدفاع عن الامة الكردية
المضطهدة انما المقاومة مما يميز بين نظرائه هذا
الشاعر العربي المعلن انتماؤه من قبل لثورات
الجزائر وفلسطين وظفار والعشرين والقرامطة والزنج.
كوردستان
مر العمر والايام غاربة
ومذ خمسين عاماً كنت عاشقك المتيم
كنت لي من غير ان تدرين..
ولو اني ولدت وعشت ثانية
لكان اسمي على الايام..كوردستان.
نعم (شاعر القافلة الانسانية) كاظم السماوي كما
اطلق عليه اللبناني الراحل(محمد شرارة) في 1955
مستقبلاً مجموعته الاولى(اغاني القافلة) ولقد ظل
وفياً لانتمائه الاول ذاك هو المجايل للسياب ونازك
الملائكة والبياتي وبلند الحيدري وهو المواكب
لمظفر النواب وسعدي يوسف لكن المتجه زبحرية منذ
ومضته الاولى الى اعتناق اراجة جماعية متطلعة
وحالمة وفردية وهذا لا شك به الا انها جماعية بكل
مساماتها كمل هي ثورية بينما كان هؤلاء بحماسة
عفوية وتطلع مماثلين متجهين بحرية ايضاً لا عتناق
تفرادتهم المباشرة وهذا تحديداً ما سيصنع
خصوصياتهم التأسيسية كأعتناقات عفوية متغايرة
انجبت جماليات متضادة غالباً ميزت كلا من التوجهين
منذ البدء رغم اوجه التقاطع العديدة الخفية منها
والظهرة التي انتمي لها جميع شعراء ذلك الجيل
السخي نفسه.
وهذه المجموعة الشعرية الجديدة تاتي لتؤكد تجربة
شعرية متميزة ومكتملة وموقفاً لم يتردد شيخ
المنافي وشاعر الانسانية العراقية الصافية كاظم
السماوي في دفع ثمنه باهضاً وكاملاً وما يزال مصرا
اصراراً رائعاً على الوفاء والعطاء. |