القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

العدد (545) الاثنين 17 / اذار / 2008م ـ 9/ربيع الاول/ 1429 هـ

جنكيز خـان يثير عـاصفة بين مـنغـوليا والصـين
الــدولـتـان تـريـان فـيـه رمـزا للـقـومـيـة والـهوية الـوطـنـيـة

 اثينا: د. محمود الفيتوري
اثار القرار الذي اتخذته جمهورية منغوليا باطلاق اسم جنكيزخان على مطار عاصمتها عواصف واسعة من الغضب والاعتراض عند جارتها العملاقة الصين: وذلك وفق اعتبار الاخيرة للامر سرقة تاريخية وتحديا صارخا من الجارة الصغيرة بشأن ماتعتبره ارثا تاريخيا يخصها بالذات.
على انه ولفهم هذا الموقف السياسي الغاضب يحتاج الامر لمراجعة تاريخية لطبيعة هذا الجدل حول جنكيزخان الذي مافتئ يحتدم بين جمهورية منغوليا التي ترى بانها الوريث التاريخي الوحيد لذاكرة وتاريخ زعيم المغول الذي امتد سلطانه على افق الارض في سابقه تاريخية لاهل الشرق وبين الدولة الوطنية الصينية التي ترى من طرفها انها وحدها صاحبة المشروعية في هذا الارث وذلك بالقياس الى احتواء الدولة الوطنية الصينية على رقعة واسعة من اراضي وموروث الارث المغولي وعلى راسه ذاكرة جنكيزخان نفسه الذي حكمت اسرته الصين لاكثر من قرن حيث تعد الصين ضمن قومياتها الخمس والخمسين المعترف بها رسميا بالاضافة الى قومية البوان التي تنتشر في مناطق سينكيانج وشمال الصين عموما وهم من اصول مغولية وعلى الديانة البوذية قومية المغول الذين يعيشون من طرفهم على اراضيهم الام في منغوليا الداخلية والتي تقع حتى الان داخل الاراضي الصينية وذلك رغم انفصال جزء من منغوليا عن الكيان السياسي الصيني في اطار جمهورية منغوليا واعلانها عن قيام جمهورية منغولية المستقلة الاتي حازت على اعتراف الصين نفسها عام 1944.
ويعود تنافس الصين ومنغوليا على ارث جنكيزخان الى هذه الفترة التاريخية التي حملت بذور هذا الخلاف السياسي والوطني القومي بكل ماتحمله الكلمة من معنى الطرفين حيث ان غضب الصين يحمل اكثر من دلالة في هذا الاتجاه لعل اولها عكسه لغضب الصين المستمر تجاه ما تصورته استقطاع تعسفي لقطعة من اراضيها الوطنية رغم احقية اهل منغوليا في المطالبة بالاستقلال الامر الذي ولد تفاقم الرفض الصيني لتفرد هذه القطعة المنفصلة عن منغوليا الام التي ترها الصين في اراضيها الوطنية بتاريخ وذاكرة كامل منغوليا التي مايزال الجزء الاهم منها يدخل في التركيبة الوطنية للدولة الصينية.
مثل هذا الخلاف على ارث ذاكرة عظماء الترايخ او حول الاحقبة في ملكية الارض او انتمائها التاريخي لهذا الشعب او ذاك: نجده يتكرر في اكثر من رقعة جغرافية اخرى من العالم منها نراه قائما هذه الاونة بين اليونان وجمهورية مقدونيا في البلقان حيث نجد ان قصة القائد المغولي التي تستل بشأنها السيوف في الشرق الاقصى تتكرر بتفاصيل مشابه مع قصة قائد اخر بسط نفوذه من البلقان وجنوب شرق اوروبا حتى قارة اسيا بعد ان سيطر على كل الاراضي اليونانية من مقدونيا وحتى شبه جزيرة البولوبونيز وهو الاسكندر الاكبر او الاسكندر المقدوني كما تسميه اغلب المراجع التاريخية على النحو الذي ينهض معه هذا السيناريو الذي يتكرر في البلقان بعد ان شهدته فضاءات الشرق الاقصى ليفند النظريات التي تؤكد على تحول صيرورة الوعي القومي بالاحرى وتحت تاثير السلطة السياسية او الاقتصادية للقومية الاقوى نحو التخفيف من حدة النعرة القومية او تلاشي هذه المشاعر على الارجح لصالح ثقافة وشخصية السلطة الاقوى لدرجة توحد اللون القومي على اطراف الحدود الفاصلة بين الدولة الاضعف والدولة الاقوى والذي ولد المبدأ السياسي القائل بان التغلغل الاقتصادي لدولة قوية وكبيرة لدولة مجاورة يقود عبر تدرج مرحلي الى تلاشي الفروق في لون الانتماء القومي على طرفي الحدود حيث اثبت واقع الحال في منطقة البلقان ان المشاعر القومية مازالت على اشدها على طرفي الحدود وان جذوتها هي مايشعل النزاع اليوم حول اشكالية حق استخدام اسم مقدونيا بين اليونان ومقدونيا اليوغسلافية السابقة التي تصرالتحليلات اليونانية على تسميتها بسكوبيا وليس مقدونيا كما هو الاسم الرسمي لها والاعتراض اليوناني بالاخص على اطلاق الاخيرة لاسم الاسكندر الاكبر على مطار عاصمتها.
في اسيا كانت قد تولدت عن جملة الاحداث السياسية وانفصال جمهورية منغوليا عن الصين الى ظهور كيانين سياسيين على الخارطة الدولية يحملان نفس الاسم فرغم ان اقليم منغوليا كان قد استقل عن الصين مع قيام الثورة الصينية عام 1911 الا ان القوات الصينية عاودت احتلال المنطقة في عام 1919 وحتى تدخل الجيش الابيض الروسي عام 1920 لنجدة القوات المنغولية المنتفضه ضد الاحتلال الصيني الامر الذي مهد لقيام حكم عسكري منغولي ثوري موال لروسيا في عام 1921 على بعض من الاراضي المنغولية هي التي عرفت بالجمهورية المنغولية والتي حظيت بالاعتراف الدولي بها كدولة وطنية قائمة بذاتها وعدد سكانها اليوم يقارب الثلاثة ملايين نسمة غير انه قد استمر في نفس الوقت وجود كيان اخر يحظي بالاستقلال الذاتي ويحمل اسم منغوليا الداخلية داخل الدولة الوطنية الصينية وذلك رغم عدم رضوخ اهلها لهذه الارادة الصينية والذين مافتلوا يخوضون مقاومة احتجاجية صامته ضدها هي التي تتوقع التحليلات المعنية بالتمرد القريب لحوالي ال 4 ملايين نسمة من المنغوليين ممن يعيشون فيها والذين هم اصحاب الحق التاريخي على اراضيها بالقياس الى عصف التهديد الديمغرافي الذي توظفه الصين لطمس الملامح المنغولية الخاصة لاهل البلد وتوظيف سياسة التهجير من والي منغوليا بحيث صارت المنطقة تضم اليوم بالاضافة الى سكانها من المغول حوالي تسعة عشر مليون من الصينيين بالاضافة الى عدد من القوميات الاخرى بما فيهم الخوي المسلمين: بما يجعل اجمالي عدد السكان حوالي اربعة وعشرين مليون نسمة.
المشاعر القومية في ظل الحكم الشيوعي
في اطار الحكم الشيوعي الذي بسط جناحه على الجمهورية المغولية الفتية والذي يرتكز الى ايولوجية اممية تنحو بالاحرى الى لجم النعرات الوطنية او الانتماءات القومية والى تطبيق النهج الاشتراكي في الملكية كان الشعور القومي المغولي قد ازيح الى مسافة الى مسافة خلفية بدأ معها الشعور القومي المغولي قد ازيح الى مسافة خلفية بدا ان تسارع الاحداث وسقوط منظومة الاتحاد السوفيتي قد انتجت حقيقة سياسية واجتماعية/ثقافية جديدة في المنطقة تاكد معها ان نسيج الشعور القومي والديني بشكل عام في كامل مناطق اسيا واسيا الوسطى مازال على حاله وان فترة الشيوعية لم تخمد من جذوته على العكس كانت الصحوة الدينية والقومية على اشدها في كامل مناطق اسيا الوسطى الاسلامية او منطقة منغوليا او في التبت حيث تنتشر الديانة البوذية وفق هذا المعنى وجد المغول في شخصية جنكيزخان القائد المغولي الذي جمع شتات العرق المغولي ووحد بين هذه الامة رمزا على درجة من الدلالة للتعبير عن انتمائهم لهذا العرق وهذه الامة وهو ماحدث تماما مع شعب سكوبيا المقدوني جارة اليونان الذي توجه لان يجعل من شخصية الاسكندر الاكبر رمزا قوميا تعتصم به الوحدة الوطنية وتستند اليه الهوية القومية والتاريخية لهؤلاء الفرق بين الحالتين ان الصينين والمنغوليين يعيشون في نفس المنطقة منذ الاف السنين بينما نجد ان السلافيين قد جاءوا الى منطقة البلقان في القرن السابع بعد الميلاد اي بعد عهد الاسكندر الاكبر.
عام الامبراطور
انفقت منغوليا هذا العام، رغم كونها دولة متواضعة الامكانات المادية، ملايين الدولارات للاحتفال بمرور 800 عام على تاريخ توحيد جنكيز خان للقبائل المنغولية تحت راية اكبر امبراطورية عرفها العالم، والتي امتدت خلال القرن الثالث عشر من بكين وحتى منطقة البلقان.
وكان جنكيز خان قد عاد الى الاضواء في نهاية القرن حين اختارته صحيفتا واشنطن بوست والتايمز على انه الرجل الاول في الالفية الماضية، بما اعطى مصداقية اكبر للمغول بالقياس الى مشاعرهم تجاه هذا الرمز العظيم.
على ان الاعتزاز الكبير من طرف المغول بشخصية جنكيز خان وتنصيبهم اياه بأعتباره رمزا قوميا وجزءا من تاريخهم يعشقونه ويعظمونه في حياتهم اليوم.
حيث تجد صوره في كل مكان وعلى كل شيء بدأ من زجاجات المشروبات وحتى الطوابع البريدية يجد منافسة قوية له عند الصين، والتي تعتبر بدورها جنكيز خان موروثا تاريخيا يعود الى ذاكرة الهوية الوطنية للصين، وحيث يتعلق الناس بذكراه وارثه الثقافي والتاريخي خصوصا في منغوليا الداخلية، وهم يعتبرونه واحدا منهم بالرغم من ان جنكيز خان اخضع الصين بالقوة (مثلما اخضع الاسكندر الاكبر جنوب اليونان بالقوة).
ولكن ورغم كل هذا الصراع ما زال حكم التاريخ بشأن ملكية قبر جنكيز خان نفسه لم تحسم بعد بين البلدين ، حيث ما زال قبره مجهولا حتى الساعة وتذهب الاساطير بالاحرى الا ان تابوته سيظل الى الابد معلقا بين جبال منغوليا بأسرها، لذلك نجد منغوليا بأسرها، لذلك نجد منغوليا والصين قد دخلتا في هذا الوقت في سباق حول من ستجد قبر جنكيز خان في مناطق اراضيها الوطنية، وصارت سيرة جنكيز خان المسيطرة في البلدين كأنها اسيرة احد القديسين (تماما مثلما نجد سيرة الاسكندر الاكبر في منطقة البلقان تسيطر في اليونان وعند جارتها مقدونيا) هكذا وعلى سبيل المثال يغفر الصينييون والمنغوليون لجنكيز خان انهار الدماء التي سالت في حروبه وغزواته، ويكتفون بالتشديد على دوره كرجل سلام شجع على التجارة والتقنية ونشر الحضارة بينما يعطيه الصينيون ابعادا سياسية (مضادة للامبرالية) بالتركيز على دوره باعتباره (الصيني الوحيد الذي انتصر على الاوربيين).
على ان ما يقلق الصين بصورة خاصة ووفق هذا الصراع ذاته هو انتعاش المشاعر القومية لدى المغول عبر طرفي الحدود، حيث تراقب الصين اليوم بقلق انبعاث روح (القومية المنغولية) التي وجدت منفذها من خلال عشق وتعظيم جنكيز خان في كامل منغوليا، والتي تهدف في النهاية الى اقامة (منغوليا الكبرى) ستشمل جزءا من الاراضي الصينية ايضا وترى منغوليا من جانبها ان محاولة الصين لجعل شخصية جنكيز خان باعتباره موروثا تاريخيا يخصها هي ، عملا امبرياليا ومحاولة لطمس هويتها وخصوصيتها القومية، كمقدمة لضمها الى الصين وصهرها نهائيا في ثقافة الخان.
هكذا وبالقياس الى هذه التجربة التاريخية بالذات يتأكد لنا بما لايترك مجالا للشك، عجز العلاقات الاقتصادية في الحد من تنامي العامل القومي والشعور الوطني فالصين اليوم هي اكبر مستثمر في منغوليا واكبر مستورد لمنتجاتها...

الإسـكـنـدريــة أخـت الـشـمـس والـقـمــر

 د. نبيل سليم
مدينة الاسكندرية تمثل بانوراما لحضارة قامت وغبرت وجعلت من هذه المدينة المتحفية أسطورة حضارية وأثرية، ولغزاً دفيناً قابعاً في أعماق البحر ومن الغريب أننا نعيش موروثات قد لا نجرؤ على مناقشتها، من بينها شائعة تقول ان الإسكندر المقدوني هو الذي أنشأ مدينة الإسكندرية مؤكدة أنه حضر للمدينة (ترانزيت ) بلغة عصرنا
، وهو في طريقه إلى واحة سيوة قادماً من منف - عن طريق محافظة (البحيرة) حالياً -، ولم تستغرق رحلته سوى بضعة أسابيع، وافق خلالها فقط على مشروع لإعادة تخطيطها، وليس من المعقول أن تبنى الإسكندرية على يديه في بضعة أسابيع.الإسكندرية. . لؤلؤة البحر الأبيض المتوسط والمحبوبة التي يهرع إليها أحباؤها من جميع أنحاء العالم لتغمرهم بنسمات بحرها المتدفق حيوية ومحبة، هي المدينة البيضاء بلون قلوب سكانها، والزرقاء بلون عمق البحر الذي يحتضنها بدفء وحنان، وهي المدينة التي لفتت أنظار المؤرخين العرب والعالميين بتاريخها الموغل في القدم وباَثارها الفريدة في شكلها ومعناها، والتي تضم كنوزاً من المعالم الحضارية القديمة عبر تاريخها الذي يمتد لأكثر من خمسة اَلاف سنة، وهي أيضاً المدينة التي تتمتع بطبيعة نادرة وطقس معتدل طوال العام، وتحفل بعشرات المزارات السياحية الحديثة والقديمة، فتضم بين أحضانها المساجد والكنائس والقلاع والاَثار الفرعونية واليونانية والإغريقية والإسلامية، والأسواق القديمة والقصور الفخمة والحدائق الغناء والشواطئ الخلابة العامرة بالمنشاَت السياحية والمنتجعات، والتي تعج بالسائحين صيفاً وشتاءً بل على مدار العام مستمتعين بهوائها العليل ومناخها المنعش الجميل.المدينة نشأة ولأن مدينة الإسكندرية من أشهر المدن السياحية على ساحل البحر المتوسط، أطلق عليها لقب (عروس البحر المتوسط)، فكانت هي المحل المختار للجاليات الأوروبية، وكان الوصف الشائع لها بأنها تبدو كمدينة أوروبية أكثر منها مدينة مصرية، أما شوارعها فكانت تزدان بالتماثيل والأقواس والأعمدة الرخامية الضخمة. ولعل وجود شبه بين ميناء مدينة صور الفينيقية الحصينة وموقع ميناء (راقودة) الساحلي - أو (راكوتيس ) هو الذي استرعى انتباه الإسكندر الأكبر خلال حملته على مصر سنة 333 ق. م. ، ودفعه إلى اختيار هذه البقعة الواقعة فوق الزاوية الغربية للدلتا، على خط عرض 11- 30 شمالاً وخط طول 29 - 51 شرقاً، مكاناً لتسميته باسمه قبل أن يرحل متابعاً غزواته بعد قضاء عدة أسابيع قليلة بها.
عندما حضر الإسكندر الأكبر، كانت الإسكندرية أكبر ميناء في العالم حينذاك، وهو الذي عثر عليه في عام 1910- أي في العصر الحديث - غارقاً تحت الأمواج، وقد ذكر (هوميروس ) هذا الميناء في رائعته (الأوديسة) قبل ميلاد الإسكندر بخمسة قرون كاملة على الأقل. فعند بداية القرن الرابع قبل الميلاد ، لم يكن هناك شيء سوى رمال بيض وبحر واسع وجزيرة ممتدة أمام الساحل الرئيسي تدعى (فاروس ) بها ميناء عتيق، وعلى الشاطئ الرئيس مدينة صغيرة تدعى (راكوتيس ) أو راقودة تحيط بها قلاع صغيرة أخرى تنتشر كذلك ما بين البحر وبحيرة مريوط، ويقول عنها علماء الاَثار إنها ربما كانت مجرد مدينة صغيرة - وليس قرية كما قال شرابون في القرن الأول الميلادي - تعتمد على الصيد ليس إلا. هذا هو وصف المكان المعروف الاَن بمدينة الإسكندرية، التي كانت بلا منازع ولقرون طويلة مركزاً للفكر في العالم القديم.
بطليموس . . أول الحكام أما الحدث الذي حول تلك الرمال إلى أشهر مدينة على البحر المتوسط، فقد بدأ حينما برز فيليب ملك مقدونيا خلال القرن الرابع قبل الميلاد، فوحد المدن اليونانية، ثم قام بمحاولة عبور اَسيا الصغرى (تركيا الاَن) لمواجهة الفرس ، غير أنه توفي، ليكمل المسيرة ابنه الإسكندر الأكبر وهو مازال في العشرين من عمره، فزحف ليفتح اَسيا الصغرى ثم الشام ثم فلسطين، إلى أن وصل إلى مصر بعد هزائم ساحقة للفرس ، وفي مصر (عام 333) قبل الميلاد استقبله المصريون بالترحاب نظراً للقسوة التي كانوا يعاملون بها تحت وطأة الاحتلال الفارسي، وبعد أن زار مدينة منف (جنوبي الجيزة) تم تتويجه ملكاً على مصر، وفي طريقه إلى سيوة أعجبته تلك الأرض الممتدة بين البحر المتوسط وبحيرة مريوط، وتلك الجزيرة الممتدة أمام الشاطئ، فتوقف القائد المقدوني عند مدينة مصرية على ساحل البحر المتوسط هي راقودة (راكوتيس ) وأطل على جزيرة صغيرة في مواجهتها هي (فاروس ) والتمعت في ذهنه فكرة تخطيط جديد للمدينة، فأمر مهندسيه بضم المدينة والجزيرة معاً، فربط المهندسون بينهما بطريق ضيق أطلقوا عليه اسم (هيبتا ستاديوم) وذلك لأن طوله سبعة (استادات) أي ما يوازي 1200 متر، قسم المياه أمام المدينة الجديدة - الإسكندرية- إلى حوضين (الميناء الشرقي) و(الميناء الغربي)، وكان الأول هو الميناء الرئيس ، فهو الذي يستقبل أهم السفن الحربية والتجارية، وتحيط به القصور والحدائق والمباني الحكومية، فيما كان يسمى (الحي الملكي)، وهذه المنطقة هي التي حُكمت منها مصر لمدة 298 سنة، بداية بحكم بطليموس الأول، القائد المساعد للإسكندر الأكبر، الذي جاء معه إلى مصر، وعينه أول حاكم على الإسكندرية، حتى كليوباترا السابعة، اَخر ملوك البطالمة، وأشهرهم على الإطلاق، التي انتهى حكمها بمعركة (أكتيوم) الشهيرة عام 30 ق. م. حين هزمها أوكتافيوس ، وأصبحت مصر بعدها مستعمرة رومانية.أهمية المدينة قبل مجيء المقدوني بعد بضعة أسابيع قضاها الإسكندر الأكبر في الإسكندرية، ووضع تصوره لإعادة تخطيط تلك المدينة، ترك مصر متجهاً نحو الشرق ليكمل باقي فتوحاته، ففتح بلاد فارس ، ليصبح الإسكندر الأكبر هو حاكم كل الإمبراطورية الفارسية بلا منازع، حيث لقب ( سيد اَسيا)، ولكن طموح الملك الشاب لم يتوقف، بل سار بجيشه حتى وصل إلى الهند وأواسط اَسيا، وبينما كان عند منطقة الخليج العربي فاجأه المرض مبكراً ولم يدم طويلاً حيث دهمه الموت بعد عشرة أيام وهو لم يتجاوز الثالثة والثلاثين من العمر، ونقل جثمانه إلى مصر ليدفن في الإسكندرية، التي أصبحت أكبر مدينة في حوض البحر المتوسط.الأنفوشي وبحري كانت توجد في الإسكندرية أبنية فرعونية مهمة، عثر على بقاياها، وتخص المجالات الدينية والجنائزية، كما أن التحنيط كان يمارس لأجساد المصريين في الجبانة الغربية في المدينة قبل عصر الإسكندر الأكبر، وهي المنطقة التي تقع الاَن بحي القباري، وحي الورديان غربي الإسكندرية وتلك الأحياء ومعها أحياء أخرى كاللبان وكرموز وكوم الشقافة وغيط العنب ومحرم بك ثم بحري وغيرها، هي المعاقل الرئيسة لسكان المدينة، فقد كانت منطقتا الأنفوشي ورأس التين خاويتين من السكان لزمن طويل، والإسكندرية القديمة الممثلة في أحيائها الشعبية الاَن كانت هي المدينة المأهولة بالسكان الإسكندريين، ثم امتد العمران وزحف إلى قرب البحر ومنطقة راقودة وفاروس ، فأطلق عليها الناس منذ ذلك الحين اسم (بحري) نسبة إلى البحر الذي جاوروه. وكان أحد (بكوات) الزمن الغائر قد سُمي بحري، فأطلق اسمه على شارع رئيس هناك باسم شارع بحري بك، ويظن بعض الناس خطأ أن المنطقة باسم هذا البك.بعد أن أمر الإسكندر الأكبر ببناء مدينة هناك لتكون نقطة وصل بين مصر واليونان، كلف المهندس المعماري الإغريقي (دينوقراطيس ) بتصميم وتنفيذ المدينة الجديدة، التي شهدت عملية بناء وتطوير كبيرين بعد موته وطوال حكم البطالمة، حيث تم وصل المنطقة المائية ما بين فاروس وراقودة، وقد بدأ هذا الردم كخط طويل ضيق، اتسع بمرور الزمن ليكون تلك الأرض المعروفة الاَن بمنطقة (المنشية)، كما تم بناء سور للمدينة له بوابتان: بوابة شرقية، أطلق عليها (بوابة الشمس )، وبوابة غربية أطلق عليها (بوابة القمر) كما تم بناء شارعين رئيسين أحدهما عمودي على الاَخر، كما تم كذلك ربط الإسكندرية بنهر النيل عن طريق حفر قناة سميت (كانوب) من فرع النيل الذي كان يمتد حتى أبي قير، حيث كانت للنيل عدة فروع بجانب فرعي رشيد ودمياط، على أن أهم ما تم بناؤه في الإسكندرية كان المكتبة الشهيرة التي ظلت مصدر جذب لجميع طلبة العلم في العالم بأسره ومنارة الإسكندرية التي كانت إحدى عجائب الدنيا السبع.الإسكندرية. . مدينتان في مدينة إن مدينة الإسكندرية القديمة تعد من المدن الساحلية التراثية، وقديماً كانت الضاحية الرئيسة للإسكندرية، المسماة (أبو قير) حالياً، هي الأخرى مدينة ساحلية تراثية، وقد نسجت حول هاتين المدينتين العديد من الأساطير فيما رواه المؤرخون والزوار من الإغريق والرومان والعرب. وكانت المدينتان من المدن المتحفية التي تضم اَثار الغابرين الذين عمروهما. وقد كانت هذه الاَثار قائمة لكنها لم تتحد الزمن فوق الأرض . ف (أبو قير) القديمة طمرت وغاصت تحت مياه خليج أبو قير. والإسكندرية القديمة بقصورها الملكية المنيفة ومعابدها مالت لتغوص تحت مياه الميناء الشرقي، مابين قلعة (قايتباي) ولسان السلسلة في أواخر القرن الثامن. والغريب أنهما مالتا في اتجاه واحد وكأن المدينتين كانتا ماثلتين فوق جرف أرضي انهار بهما فجأة. فاختفت المدينتان بعدما كانتا أثراً لكل عين منذ ألف عام. ويقال إنه حدث هذا بسبب الزلازل، ويقال أيضاً بسبب الفيضانات التي دهمت المدينتين وأغرقتهما بما فيها منارة (فنار) الإسكندرية الشهير. ولعل من أهم ما عرف عن الإسكندرية (المنارة) التي عدها الجميع واحدة من أهم عجائب الدنيا السبع، وبالغوا في وصفها باعتبارها أسطورة، والثابت تاريخياً أنها قد أنشئت عام 280 قبل الميلاد، في عصر بطليموس الثاني، وقد بناها المعماري الإغريقي سوستراتوس ، وبلغ ارتفاعها 120 متراً، ما جعلها أعلى بناية في عصره، ولأن المنارة لم تعد شاخصة أمام أعيننا اليوم، سنلجأ إلى مؤرخي العرب المشهورين، حتى يحكوا لنا عن هذه المنارة أو تلك المنارة العجيبة، فقد وصفها المسعودي في عام 944 م بقوله: إن الذي بناها جعلها على كرسي من زجاج على هيئة حيوان السرطان (الكابوريا) في جوف البحر، وعلى طرف اللسان الذي هو في داخل البحر، وجعل على أعلاها تماثيل من النحاس وغيره، ومنها تمثال قد أشار بسبابته من يده اليمنى نحو الشمس ، أينما كانت من الفلك، وإذا كانت الشمس عالية أشار إليها، وإذا انخفضت فإن يده تشير إلى أسفل، وهناك تمثال اَخر يشير بيده إلى البحر إذا صار العدو على نحو ليلة من الإسكندرية، فإذا اقترب العدو حتى يصبح من الممكن رؤيته بالعين، فإن هذا التمثال يصرخ بصوت هائل يمكن سماعه على بعد ثلاثة أميال، فيعلم أهل المدينة أن العدو قد اقترب منهم فيخرجون للحرب، وتمثال اَخر بمثل هذه الغرابة كلما مضى من النهار أو الليل ساعة فإنه يصدر صوتاً واضحاً مختلفاً عن صوت الساعة السابقة، وصوته جميل وبه طرب! ) . لم تكن المنارةة بناء بسيط التركيب أو التصميم، بل يمكن اعتباره متاهة حقيقية، فكان من يدخلها يضل فيها إلا أن يكون عارفاً بالدخول و الخروج لكثرة بيوتها وطبقاتها وممرراتها، وذكر أن المغاربة حين جاؤوا في خلافة (المقتدر) في جيش كبير، ودخل جماعة منهم على خيولهم إلى المنارةة، تاهوا فيها في طرق تؤدي إلى مهاوٍ تهوي إلى السرطان الزجاجي، وفيه سراديب تؤدي إلى البحر، فهوت الخيول وفُقد عدد كبير من المغاربة، وحتى أيام المقريزي كان ثمة بقية للمنارة تتجاوز مئتين وثلاثين ذراعاً، وكان في المنارة مسجد يرابط فيه المتطوعون من المصريين، كما يذكر أن المنارة، كانت مبنية بالحجارة المنتظمة والمطلية بالرصاص على قناطر من الزجاج، وتلك القناطر على ظهر سرطان بحري، وكان فيه 300 بيت بعضها فوق بعض ، وكانت الدابة تصعد بحملها إلى سائر البيوت من داخل المنارة، ولهذه البيوت طاقات تشرف على البحر، وكان على الجانب الشرقي من المنارة كتابة تم تعريبها، فإذا هي تذكر: (بنت هذه المنارة منذ فترة قريبة مرينوس اليونانية، لرصد الكواكب) وهناك من يرجع بفكرة بناء المنارة إلى ما قبل الإسكندر الأكبر واليونانيين. ومن الحكايات الغريبة عن المنارة ما ذكرها المقريزي من أن البحر من حول المنارة كان مليئاً بالجواهر، وكان الناس يخرجون منه فصوصاً للخواتم، ويقال إن ذلك من اَلات اتخذها الإسكندر للشرب، فلما مات كسرتها أمه ورمت بها في تلك المواضع من البحر، ومنهم من رأى أن الإسكندر الأكبر اتخذ ذلك النوع من الجواهر حول المنارة لكيلا يخلو من الناس حوله ، لأن من شأن الجواهر أن تكون مطمعاً للناس في كل عصر ، أما عن المراَة التي كانت في أعلى المنارة فيذكر المقريزي سبباً لوجودها، وهو أن ملوك الروم بعد الإسكندر كانوا يحاربون ملوك مصر والإسكندرية ، فجعل من كان بالإسكندرية من الملوك بتلك المراَة ما يمكن من خلالها أن يرى أي شيء في البحر.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com