|
اثينا:
د. محمود الفيتوري
اثار القرار الذي اتخذته جمهورية منغوليا باطلاق
اسم جنكيزخان على مطار عاصمتها عواصف واسعة من
الغضب والاعتراض عند جارتها العملاقة الصين: وذلك
وفق اعتبار الاخيرة للامر سرقة تاريخية وتحديا
صارخا من الجارة الصغيرة بشأن ماتعتبره ارثا
تاريخيا يخصها بالذات.
على انه ولفهم هذا الموقف السياسي الغاضب يحتاج
الامر لمراجعة تاريخية لطبيعة هذا الجدل حول
جنكيزخان الذي مافتئ يحتدم بين جمهورية منغوليا
التي ترى بانها الوريث التاريخي الوحيد لذاكرة
وتاريخ زعيم المغول الذي امتد سلطانه على افق
الارض في سابقه تاريخية لاهل الشرق وبين الدولة
الوطنية الصينية التي ترى من طرفها انها وحدها
صاحبة المشروعية في هذا الارث وذلك بالقياس الى
احتواء الدولة الوطنية الصينية على رقعة واسعة من
اراضي وموروث الارث المغولي وعلى راسه ذاكرة
جنكيزخان نفسه الذي حكمت اسرته الصين لاكثر من قرن
حيث تعد الصين ضمن قومياتها الخمس والخمسين
المعترف بها رسميا بالاضافة الى قومية البوان التي
تنتشر في مناطق سينكيانج وشمال الصين عموما وهم من
اصول مغولية وعلى الديانة البوذية قومية المغول
الذين يعيشون من طرفهم على اراضيهم الام في
منغوليا الداخلية والتي تقع حتى الان داخل الاراضي
الصينية وذلك رغم انفصال جزء من منغوليا عن الكيان
السياسي الصيني في اطار جمهورية منغوليا واعلانها
عن قيام جمهورية منغولية المستقلة الاتي حازت على
اعتراف الصين نفسها عام 1944.
ويعود تنافس الصين ومنغوليا على ارث جنكيزخان الى
هذه الفترة التاريخية التي حملت بذور هذا الخلاف
السياسي والوطني القومي بكل ماتحمله الكلمة من
معنى الطرفين حيث ان غضب الصين يحمل اكثر من دلالة
في هذا الاتجاه لعل اولها عكسه لغضب الصين المستمر
تجاه ما تصورته استقطاع تعسفي لقطعة من اراضيها
الوطنية رغم احقية اهل منغوليا في المطالبة
بالاستقلال الامر الذي ولد تفاقم الرفض الصيني
لتفرد هذه القطعة المنفصلة عن منغوليا الام التي
ترها الصين في اراضيها الوطنية بتاريخ وذاكرة كامل
منغوليا التي مايزال الجزء الاهم منها يدخل في
التركيبة الوطنية للدولة الصينية.
مثل هذا الخلاف على ارث ذاكرة عظماء الترايخ او
حول الاحقبة في ملكية الارض او انتمائها التاريخي
لهذا الشعب او ذاك: نجده يتكرر في اكثر من رقعة
جغرافية اخرى من العالم منها نراه قائما هذه
الاونة بين اليونان وجمهورية مقدونيا في البلقان
حيث نجد ان قصة القائد المغولي التي تستل بشأنها
السيوف في الشرق الاقصى تتكرر بتفاصيل مشابه مع
قصة قائد اخر بسط نفوذه من البلقان وجنوب شرق
اوروبا حتى قارة اسيا بعد ان سيطر على كل الاراضي
اليونانية من مقدونيا وحتى شبه جزيرة البولوبونيز
وهو الاسكندر الاكبر او الاسكندر المقدوني كما
تسميه اغلب المراجع التاريخية على النحو الذي ينهض
معه هذا السيناريو الذي يتكرر في البلقان بعد ان
شهدته فضاءات الشرق الاقصى ليفند النظريات التي
تؤكد على تحول صيرورة الوعي القومي بالاحرى وتحت
تاثير السلطة السياسية او الاقتصادية للقومية
الاقوى نحو التخفيف من حدة النعرة القومية او
تلاشي هذه المشاعر على الارجح لصالح ثقافة وشخصية
السلطة الاقوى لدرجة توحد اللون القومي على اطراف
الحدود الفاصلة بين الدولة الاضعف والدولة الاقوى
والذي ولد المبدأ السياسي القائل بان التغلغل
الاقتصادي لدولة قوية وكبيرة لدولة مجاورة يقود
عبر تدرج مرحلي الى تلاشي الفروق في لون الانتماء
القومي على طرفي الحدود حيث اثبت واقع الحال في
منطقة البلقان ان المشاعر القومية مازالت على
اشدها على طرفي الحدود وان جذوتها هي مايشعل
النزاع اليوم حول اشكالية حق استخدام اسم مقدونيا
بين اليونان ومقدونيا اليوغسلافية السابقة التي
تصرالتحليلات اليونانية على تسميتها بسكوبيا وليس
مقدونيا كما هو الاسم الرسمي لها والاعتراض
اليوناني بالاخص على اطلاق الاخيرة لاسم الاسكندر
الاكبر على مطار عاصمتها.
في اسيا كانت قد تولدت عن جملة الاحداث السياسية
وانفصال جمهورية منغوليا عن الصين الى ظهور كيانين
سياسيين على الخارطة الدولية يحملان نفس الاسم
فرغم ان اقليم منغوليا كان قد استقل عن الصين مع
قيام الثورة الصينية عام 1911 الا ان القوات
الصينية عاودت احتلال المنطقة في عام 1919 وحتى
تدخل الجيش الابيض الروسي عام 1920 لنجدة القوات
المنغولية المنتفضه ضد الاحتلال الصيني الامر الذي
مهد لقيام حكم عسكري منغولي ثوري موال لروسيا في
عام 1921 على بعض من الاراضي المنغولية هي التي
عرفت بالجمهورية المنغولية والتي حظيت بالاعتراف
الدولي بها كدولة وطنية قائمة بذاتها وعدد سكانها
اليوم يقارب الثلاثة ملايين نسمة غير انه قد استمر
في نفس الوقت وجود كيان اخر يحظي بالاستقلال
الذاتي ويحمل اسم منغوليا الداخلية داخل الدولة
الوطنية الصينية وذلك رغم عدم رضوخ اهلها لهذه
الارادة الصينية والذين مافتلوا يخوضون مقاومة
احتجاجية صامته ضدها هي التي تتوقع التحليلات
المعنية بالتمرد القريب لحوالي ال 4 ملايين نسمة
من المنغوليين ممن يعيشون فيها والذين هم اصحاب
الحق التاريخي على اراضيها بالقياس الى عصف
التهديد الديمغرافي الذي توظفه الصين لطمس الملامح
المنغولية الخاصة لاهل البلد وتوظيف سياسة التهجير
من والي منغوليا بحيث صارت المنطقة تضم اليوم
بالاضافة الى سكانها من المغول حوالي تسعة عشر
مليون من الصينيين بالاضافة الى عدد من القوميات
الاخرى بما فيهم الخوي المسلمين: بما يجعل اجمالي
عدد السكان حوالي اربعة وعشرين مليون نسمة.
المشاعر القومية في ظل الحكم الشيوعي
في اطار الحكم الشيوعي الذي بسط جناحه على
الجمهورية المغولية الفتية والذي يرتكز الى
ايولوجية اممية تنحو بالاحرى الى لجم النعرات
الوطنية او الانتماءات القومية والى تطبيق النهج
الاشتراكي في الملكية كان الشعور القومي المغولي
قد ازيح الى مسافة الى مسافة خلفية بدأ معها
الشعور القومي المغولي قد ازيح الى مسافة خلفية
بدا ان تسارع الاحداث وسقوط منظومة الاتحاد
السوفيتي قد انتجت حقيقة سياسية واجتماعية/ثقافية
جديدة في المنطقة تاكد معها ان نسيج الشعور القومي
والديني بشكل عام في كامل مناطق اسيا واسيا الوسطى
مازال على حاله وان فترة الشيوعية لم تخمد من
جذوته على العكس كانت الصحوة الدينية والقومية على
اشدها في كامل مناطق اسيا الوسطى الاسلامية او
منطقة منغوليا او في التبت حيث تنتشر الديانة
البوذية وفق هذا المعنى وجد المغول في شخصية
جنكيزخان القائد المغولي الذي جمع شتات العرق
المغولي ووحد بين هذه الامة رمزا على درجة من
الدلالة للتعبير عن انتمائهم لهذا العرق وهذه
الامة وهو ماحدث تماما مع شعب سكوبيا المقدوني
جارة اليونان الذي توجه لان يجعل من شخصية
الاسكندر الاكبر رمزا قوميا تعتصم به الوحدة
الوطنية وتستند اليه الهوية القومية والتاريخية
لهؤلاء الفرق بين الحالتين ان الصينين والمنغوليين
يعيشون في نفس المنطقة منذ الاف السنين بينما نجد
ان السلافيين قد جاءوا الى منطقة البلقان في القرن
السابع بعد الميلاد اي بعد عهد الاسكندر الاكبر.
عام الامبراطور
انفقت منغوليا هذا العام، رغم كونها دولة متواضعة
الامكانات المادية، ملايين الدولارات للاحتفال
بمرور 800 عام على تاريخ توحيد جنكيز خان للقبائل
المنغولية تحت راية اكبر امبراطورية عرفها العالم،
والتي امتدت خلال القرن الثالث عشر من بكين وحتى
منطقة البلقان.
وكان جنكيز خان قد عاد الى الاضواء في نهاية القرن
حين اختارته صحيفتا واشنطن بوست والتايمز على انه
الرجل الاول في الالفية الماضية، بما اعطى مصداقية
اكبر للمغول بالقياس الى مشاعرهم تجاه هذا الرمز
العظيم.
على ان الاعتزاز الكبير من طرف المغول بشخصية
جنكيز خان وتنصيبهم اياه بأعتباره رمزا قوميا
وجزءا من تاريخهم يعشقونه ويعظمونه في حياتهم
اليوم.
حيث تجد صوره في كل مكان وعلى كل شيء بدأ من
زجاجات المشروبات وحتى الطوابع البريدية يجد
منافسة قوية له عند الصين، والتي تعتبر بدورها
جنكيز خان موروثا تاريخيا يعود الى ذاكرة الهوية
الوطنية للصين، وحيث يتعلق الناس بذكراه وارثه
الثقافي والتاريخي خصوصا في منغوليا الداخلية، وهم
يعتبرونه واحدا منهم بالرغم من ان جنكيز خان اخضع
الصين بالقوة (مثلما اخضع الاسكندر الاكبر جنوب
اليونان بالقوة).
ولكن ورغم كل هذا الصراع ما زال حكم التاريخ بشأن
ملكية قبر جنكيز خان نفسه لم تحسم بعد بين البلدين
، حيث ما زال قبره مجهولا حتى الساعة وتذهب
الاساطير بالاحرى الا ان تابوته سيظل الى الابد
معلقا بين جبال منغوليا بأسرها، لذلك نجد منغوليا
بأسرها، لذلك نجد منغوليا والصين قد دخلتا في هذا
الوقت في سباق حول من ستجد قبر جنكيز خان في مناطق
اراضيها الوطنية، وصارت سيرة جنكيز خان المسيطرة
في البلدين كأنها اسيرة احد القديسين (تماما مثلما
نجد سيرة الاسكندر الاكبر في منطقة البلقان تسيطر
في اليونان وعند جارتها مقدونيا) هكذا وعلى سبيل
المثال يغفر الصينييون والمنغوليون لجنكيز خان
انهار الدماء التي سالت في حروبه وغزواته، ويكتفون
بالتشديد على دوره كرجل سلام شجع على التجارة
والتقنية ونشر الحضارة بينما يعطيه الصينيون
ابعادا سياسية (مضادة للامبرالية) بالتركيز على
دوره باعتباره (الصيني الوحيد الذي انتصر على
الاوربيين).
على ان ما يقلق الصين بصورة خاصة ووفق هذا الصراع
ذاته هو انتعاش المشاعر القومية لدى المغول عبر
طرفي الحدود، حيث تراقب الصين اليوم بقلق انبعاث
روح (القومية المنغولية) التي وجدت منفذها من خلال
عشق وتعظيم جنكيز خان في كامل منغوليا، والتي تهدف
في النهاية الى اقامة (منغوليا الكبرى) ستشمل جزءا
من الاراضي الصينية ايضا وترى منغوليا من جانبها
ان محاولة الصين لجعل شخصية جنكيز خان باعتباره
موروثا تاريخيا يخصها هي ، عملا امبرياليا ومحاولة
لطمس هويتها وخصوصيتها القومية، كمقدمة لضمها الى
الصين وصهرها نهائيا في ثقافة الخان.
هكذا وبالقياس الى هذه التجربة التاريخية بالذات
يتأكد لنا بما لايترك مجالا للشك، عجز العلاقات
الاقتصادية في الحد من تنامي العامل القومي
والشعور الوطني فالصين اليوم هي اكبر مستثمر في
منغوليا واكبر مستورد لمنتجاتها... |