|
الحلقة
الثامنة عشر
بغداد /البينة الجديدة
تنشر البينة الجديدة القصة الكاملة لهروب صهر
صدام(حسين كامل حسن المجيد) ابتداءً من بوادر
الخلاف مع الكسيح المقبور(عدي صدام) ومروراً بدعوى
اتصاله مع (المعارضة العراقية) التي كانت يوم ذاك
في الخارج وفشله في استمالتها وتحقيق مآرب شخصية
وانتهاءً برجوعه الى العراق ذليلاً كسيراً ثم
نهايته المأساوية على ايدي ابناء عمومته الذين
قتلوه تحت ستار (الثأر العشائري).
وقد كان لنبل ومبدئية موقف الأشقاء السوريين أثر
كبير في دعم عناصر القوة والثبات على المبادئ وعدم
الاهتزاز، أما مواقف البعض فقد حاولت ترهيبنا
وتخويفنا إضافة إلى البعض الآخر الذي حاول التدخل
في علاقتنا بالأشقاء من خلال التشكيك بمواقفنا لا
سيما فيما يتعلق منها بالقضية العراقية التي جهدنا
لشرحها وتوضيحها عبر لقاءاتنا الصحفية وظهورنا
الإعلامي المتزايد في الفضائيات.
لقد كان لموقف السلطات الأردنية بمنعي من دخول
الأردن شقاً مهماً يتعلق بالضغط النفسي على حسين
كامل وعزله عن محيطه وقد جرى في هذا الوقت بالفعل
تسخين الخط بين حسين كامل وبغداد التي كانت مطلعة
على كامل تفاصيل الوضع النفسي لحسين كامل الذي
منحته آنذاك عفواً خطياً باسم مجلس قيادة الثورة
إن أراد العودة إلى بغداد.
في عمان كان حسين كامل يقضي ومن معه أول أيام
العيد وكان عز الدين محمد ابن عمه وزوج شقيقته في
تركيا وحضر إلى القصر الملكي رئيس المخابرات
الأردنية آنذاك الفريق سميح البطيخي الذي قد تبوأ
موقعه حديثاً في أعقاب إحالة رئيس المخابرات
السابق الفريق القيسي إلى التقاعد ورئيس الديوان
الملكي الأردني والأمير فيصل بن محمد السكرتير
العسكري لجلالة الملك ونجد شقيقه الأمير محمد، كان
حسين كامل يعتقد أن ضيوفه جاءوا ليهنؤوه بالعيد
وأن جلالة الملك الحسين قد أحب أن يطمئن على أفراد
الأسرة باعتبار هذا هو العيد الأول الذي يقضونه
خارج بلادهم فابتهج حسين كامل بهذه الزيارة وشعر
بإمكانية إعادة العلاقة إلى طبيعتها مع الأردن إلا
أن الزوار كان لهم مهمة أخرى.
لقد كانت هدية العيد التي افترض حسين كامل أن
ضيوفه (رئيس الديوان الملكي ورئيس المخابرات
والسكرتير العسكري لجلالة الملك الحسين) قد حضروا
لتقديمها له في أول عيد يقضيه في ضيافتهم,كانت
موقفا أردنيا يمثل وجهة نظر الدولة والأسرة
المالكة مفاده إن لا أحد في الأردن فوق القانون
وجوهره أن هناك دعوى لدى المحاكم الأردنية مقدمة
من مواطن أردني ضد حسين كامل بتهمة القذف والسب
والتهديد وإنه يجب أن يتوجه بنفسه إلى مكتب المدعي
العام للإجابة عن الاتهامات الموجهة إليه وإنه لا
أحد بإمكانه حمايته من القانون. نزل الكلام
كالصاعقة على حسين كامل وشعر بألم حاد في أحشائه
واصفر وجهه وتناول إحدى وسادات الكنبة التي يجلس
عليها ووضعها على بطنه لقد فهم الرسالة أي إنه
أصبح شخصا غير مرغوب به في الأردن وأن عليه البحث
عن مكان آخر للإقامة.
تذكر وعود جلالة الملك له عندما وصل عمان وتعهده
له بالوقوف إلى جانبه مهما كلفه ذلك من ثمن وتذكر
أيضا إنه حين وصل عمان جاء دخيلا عند جلالة الملك
وقال له أنت عمنا ونحن جئنا مستجيرين بك ولم يكن
يخطر على باله يوم ذاك إنه سينخرط في عمل معارض ضد
عمه صدام حسين وإن الملك حسين هو من أقنعه أو ورطه
إن صح التعبير في العمل بعد أن تكلم مع الرئيس
كلينتون أثناء اجتماعه به وهو الذي جعل رئيس
ديوانه يومذاك مروان القاسم أن يطلب من حسين كامل
عقد مؤتمر صحفي يعلن خلاله معارضته للنظام في
العراق, وأدرك أيضا أنه يدفع الآن ثمن تعليقاته
اللاذعة التي كان يتعمد قولها في زوايا القصر التي
كان يفترض أن الأجهزة الأردنية قد وضعت بين
ثناياها معدات الإنصات وتذكر أيضا الأموال التي
قدمت عن طريقه لجلالة الملك الحسين وكيف يناديه
ب؛عمي" وكان جلالة الملك أيضا يخاطب حسين كامل يا
ابن أخي كل هذه الأشياء مر ت بذاكرته وهو يتلوى
ألما , مبهوتا لا يعرف ماذا يقول وماذا يرد. ربما
بالغ بالشعور بالألم لعجزه عن الرد. إنه موقف رهيب
لم يتصور حسين كامل أبدا أنه سيوضع فيه. لم يجد
إلا أن يقول لهم: إنني لن أذهب إلى المدعي العام
مهما كان الثمن والصحفي هذا الذي تتحدثون عنه هو
الذي استفزني وكأنه كان يريد أن يجرني إلى هذا
الموقف, قالوا له قل هذا الكلام في المحكمة قال
لهم سأسافر, افترض إن مضيفيه سيحاولون ثنيه عن ذلك
لكنهم قالوا له بإمكانك أن تسافر قال لهم أعطوني
بعض الوقت قالوا له نتمنى أن لا يطول وإلا عليك
المثول أمام المحكمة بعد عطلة العيد مباشرة. قال
لهم الرسالة وصلت وماذا بعد نهضوا وتغير وجه حسين,
مال إلى الاصفرار وخرج الزبد من فمه وطلب من شقيقه
صدام أن يحضر له مسكن لآلام المغص التي انتابته,
خرج الوفد, ودعوا بعضهم بشكل باهت عند الباب حيث
كان يودعهم, عاد إلى الصالة حيث شقيقه صدام وأخذ
يتمتم ببعض الكلمات ويهدد ويتوعد وكأنه لازال في
السلطة سأله شقيقه صدام: والحل قال له احزموا
الحقائب ولملموا أغراضكم! اذهب أنت وأبلغ النساء
والأولاد بذلك! عندما ذهب صدام لإبلاغهم بضرورة
التهيؤ للرحيل استفهمن عن الجهة التي سيذهبن إليها
هذه المرة قال صدام لا أعرف,لم يصدقن, فقلن له كيف
لا تعرف كان مكفهر الوجه أيضا يشعر بالألم لكنه
حقيقة لم يكن حسين كامل وصدام قد اتخذا قرارا حول
الجهة التي سيغادرون إليها, في الليل قال حسين
كامل لصدام سنستقل سياراتنا ونأخذ حاجياتنا
وعوائلنا ونذهب إلى سوريا واعتقد أن السوريين لن
يمنعوننا من الدخول, خصوصا إذا ما أبلغنا الصحافة
بنيتنا الذهاب إلى سوريا أو إن دعوناها إلى
التواجد في نقطة الحدود. السوريون يقولون إن
العربي ليس بحاجة إلى تأشيرة دخول مصدقة ونحن عرب
ولدينا جوازات سفر نافذة المفعول وعلينا أن نذهب
وإذا ما أعادونا سيكون لكل حادث حديث, كان هناك
عدة سيارات حديثة تقف في مرآب القصر هذه السيارات
تحمل لوحات عراقية كان حسين كامل قد وصل الأردن
مستقلا إياها أما الزوجتان فلم ترغبا بالذهاب إلى
غير بغداد. إلى أحضان الأهل والوطن. لكن توجيهات
حسين كامل كانت حاسمة, وأوامره ليست محل نقاش.
عندما كانوا يضعون حقائبهم في السيارات حضر من
يبلغ حسين كامل أن الجهة الوحيدة التي تسمح
السلطات الأردنية بالذهاب إليها هي بغداد أما حسين
كامل والرجال الآخرون فيمكنهم الذهاب حيثما يشاؤون
وسأل حسين كامل الرسول هل نحن ضيوف عندكم أم أسرى
أجابه الشخص المرسل من السلطات أنتم ضيوف وأهلا
بكم لكن سيدنا (يقصد جلالة الملك الحسين) كان قد
وعد صدام حسين في بداية لجوئكم إلى الأردن بأن
ابنتيه في الصون والأمان مع وعد طالب به صدام حسين
أن لا يسمح لكريمتيه بالذهاب إلى غير بغداد وإن
صدام يعتبر كريمتيه أمانة عند جلالة الملك ولهذا
فإن السلطات الأردنية ملتزمة بهذا الوعد, انهار
حسين كامل أمام هذا الموقف وتمتم بكلمات غير لائقة
لم يقل له الرسول أو المكلف غير كلمة شكرا .
أنزلوا الحقائب من السيارات والكل متألم إلا
كريمتي صدام فقد كانتا سعيدتين بمنع السلطات
الأردنية ذهابهما إلى غير بغداد وشعرتا بأن هذا
الكابوس الذي استمر عدة أشهر على وشك النهاية. دخل
حسين كامل إلى القصر وأخذ سماعة الهاتف واتصل
بمنزل سفير العراق في عمان نوري إسماعيل الويس وهو
تكريتي أيضا وقريبا من السلطة وسبق له أن أخذ
بسيارته الدكتور راجي التكريتي وهو واحد من أشهر
الأطباء في العراق وكان هاربا إلى عمان وهو قريب
من نوري الويس الذي ذهب إليه وأقنعه أن صدام حسين
يريده شخصيا وعندما توجس من الطلب وراوده القلق
وعده الويس وعد شرف, بأن الموضوع حسب ما يعتقد
تكليف الدكتور راجي بمسؤولية كبيرة في الدولة,
وعندما صدق راجي التكريتي وعاد مع السفير بسيارته
الخاصة أعدم فورا في بغداد وقال البعض إن صدام
حسين قدمه طعاما لأسود جائعة والجزء الأخير من
الموضوع ليس لدينا ما يؤكده من طرف محايد, لكن ما
هو مؤكد أن الدكتور راجي قد أعدم فورا , وهذا يعني
أن نوري الويس له تاريخ في أخذ الأشخاص إلى مقصلة
الموت المهم أن حسين كامل قال لنوري الويس سأحضر
لمعايدتك قال له أهلا وسهلا . كان منزل نوري الويس
مكتظا بالمهنئين الأردنيين من مسؤولين ورجال أعمال
لهم مصالح تجارية مع العراق وكان نوري الويس يسعى
لإنهاء جلسة استقبال التهاني بالعيد لينفرد بحسين
كامل ليعرف منه ما الخطب لكن ما هي إلا خمس عشرة
دقيقة وإذا الحضور في صالة الضيوف بمنزل نوري
الويس يفاجأون بدخول حسين كامل إليه مصافحا وبعد
قليل أخذه وذهبا إلى غرفة جانبية في المنزل. لقد
أصابت الدهشة الحضور وكان في المجلس بعض الوزراء
وغادروا الجلسة مسرعين وأعتقد أن الخبر قد أصبح
عند جلالة الملك بعد دقائق فقط.
قال نوري الويس لحسين كامل إن الذين شاهدوك هنا من
المسؤولين الأردنيين سيبلغون الملك وربما سيحاولون
ثنيك عما تريد قال حسين كامل أنا أريد العودة إلى
وطني ولم يعد بإمكاني البقاء في هذا البلد فهم
كانوا يريدوني عميلا أو خائنا لوحدة وطني مقابل
وعد بالسلطة وأنا رفضت ذلك رفضا قاطعا ولم أجد بدا
من العودة إلى العراق أريد عفوا معلنا وأن يقوم
صدام حسين بإعلانه بنفسه أو أن يذاع من وسائل
الإعلام مع تعهد بالحفاظ على حياتي.
قال له نوري الويس سيأتيك, كان نوري الويس يعرف أن
صدام حسين سيعطي كل الوعود من أجل ضمان عودة
ابنتيه إلى العراق.
قال له أمهلني بعض الوقت لكني أريد وعدا حاسما
بأنك لن تتراجع عن العودة. وعد حسين كامل نوري
الويس وترك منزل السفير عائدا إلى القصر وفي
الطريق كان يحاول أن يمرر رسالة من خلال السائق
الأردني بأنه سوف لن يغفر للأردنيين ما فعلوه
به.وكان حسين كامل يفترض أن الأردنيين سيأتون إليه
لثنيه عن العودة, لكن أحدا لم يأت ولن يأتي, كان
أول شخص استدعاه حسين كامل عندما عاد إلى القصر هو
نجله علي وقال له (شنو رأيك نرجع لبغداد) طبعا فرح
علي فهناك البلد الذي يحكمه جده وهناك الطعام بلا
حصص والترف والمال والعز وسيسمح له بالذهاب إلى
المدرسة. أراد علي أن يطير لإبلاغ أمه مثلما أراد
حسين كامل الذي أراد أن يكون ابنه أول من يخبر
العائلة بالعودة وكان يعرف أن هذا الخبر سيبهج
أفراد الأسرة لأنه وحده الذي يعرف حقائق ما يجري.
ذهب علي وأبلغ أمه وخالته وأيضا عمه صدام. لقد
فرحتا فرحا لم تشعرا به منذ أن غادرتا العراق
وربما أحستا أن هذا اليوم هو يوم عيد بحق ولكن
الشخص الوحيد الذي لم يفرح هو صدام كامل حيث ترك
الجلسة وعاد إلى شقيقه مستفسرا عما سمعه. |