|
هادي الحسيني
لم يعرف المشهد الثقافي العراقي برمته شاعراً مثابراً
على مدى عقود طويلة يحفر في أعماق الثقافة والتاريخ
ويفتش بدقة متناهية عن كنوز الإبداع المتراكمة في تركة
حضارة وادي الرافدين التي يمتد تاريخها إلى آلاف
السنين مثل الشاعر العراقي الدكتور خزعل الماجدي
المولود في مدينة كركوك عام 1951 فهو أبرز العلامات
الشعرية في جيل السبعينات العراقي ، ذلك الجيل الذي
اتخذ لنفسه كتابة مغايرة ميزته عن جيل الستينات وجيل
الرواد .
وفي أتون الصراع السياسي والثقافي والاجتماعي الذي كان
يلهب الساحة العراقية استطاع خزعل الماجدي مع شعراء
جيله أن يؤسس لنصوص شعرية جديدة جعلت من المؤسسة
الثقافية حينذاك أن تحاربها . لكن بمرور الأيام فرضت
تلك النصوص جرأتها وآلياتها على الساحة الثقافية وهذا
ما جعل من الأجيال التي سبقتهم أن تحذو حذوهم لتنتقل
الشعرية العراقية من مشهد قصيدة التفعيلة إلى قصيدة
النثر وصولاً إلى كتابة النص المفتوح الذي قدمه
الماجدي عن طريق مجموعته (حية ودرج ) . فهو الشاعر
الذي أنتج ما يقارب ثلاث مجلدات شعرية تناولت مراحل
تطور الشعر العراقي منذ بداية عقد السبعينات وحتى
يومنا هذا، وقد أصدر عشرات الكتب في حقل التاريخ
والميثولوجيا والأديان القديمة ، كما ورفد المكتبة
الثقافية بالكثير من الكتب الفكرية والثقافية وأبدع في
المسرح ولا يزال خزعل الماجدي كثير العطاء في مشغله
الشعري والفكري والتاريخي .. إنه منجم مهم من مناجم
الثقافة العراقية والعربية . وخلال رحلته الأدبية
الطويلة التي ابتدأت بمجموعته الشعرية الأولى ( يقظة
دلمون ) الصادرة عام 1980 تمكن الماجدي من لفت الأنظار
إليه ليس على مستوى المشهد الشعري العراقي فحسب إنما
على المستوى العربي أيضاً ، ومن ثم توالت مجاميعه
الشعرية التي يتنقل بواسطتها في استكشافاته الجديدة
وأطاريحه المغايرة انطلاقاً من لغة شعرية صافية ، وهذا
ما أذهل النقاد ومتذوقي الشعر . وتوسع كثيراً في
أبحاثه وأطاريحه لينال شهادة الدكتوراه في التاريخ
القديم من معهد التاريخ العربي للدراسات العليا عام
1996 وشهادة دكتوراه دولية برتبة ( عالم باحث ) في
فلسفة الديانات القديمة من جامعة الحضارة الإسلامية
المفتوحة في بيروت لعام 2008 ، ولعل الشيء الذي يميز
الشاعر خزعل الماجدي عن غيره من الشعراء انه اخلص
للشعر وكرس جل جهده له وبطريقة المثابر الذي لا يتوقف
عطاؤه على الرغم من كدمات الزمان التي لحقت بالبلاد
بسبب الحروب المستمرة والحصار وما تلاها، إنه الشعلة
المضيئة في تاريخ الشعر العراقي في أحلك وأصعب الأيام
. وسأترك للقارئ عن طريق هذا الحوار أن يتعرف بعمق
وبدقة متناهية إلى هذا الشاعر المهم الذي أبدع كل
الإبداع في توصيله للمفردة والصورة الشعرية التي ظلت
لسنوات راكدة لا تتحرك حتى نزع عنها لجام الركود
لينطلق بها إلى فضاءات أوسع وأرحب محتفظاً بجماليتها
وسرعة وصولها إلى قلب القارئ . الماجدي شاعر من الطراز
الأول تقف له الثقافة العربية برمتها باحترام لمنجزه
الكبير الذي سيبقى واحداً من المراجع المهمة في الشعر
والتاريخ والفكر والميثولوجيا . وبعد أن استقر به
المطاف أخيراً في احدى الدول الأوروبية تمكنت من إجراء
هذا الحوار معه والذي يتحدث فيه وبثقة عالية عن حال
الشعر العراقي والتطورات التي واكبت القصيدة في العراق
وعن أبحاثه ودراساته في مشغله الثقافي الواسع وقد يكون
هذا الحوار وثيقة مهمة بالنسبة للأجيال الشعرية
الجديدة واللاحقة التي عليها أن تتعرف إلى شعراء اخطر
المراحل في تاريخ العراق.
* تنتج الشعرية العراقية في كل جيل من الأجيال منذ
الرواد وحتى جيل التسعينات مجموعة كبيرة من الشعراء
الذين يتصدرون المشهد الشعري ، وقد برز جيل السبعينات
في العراق بانطلاقته الأولى ب 73 شاعراً ، لكنهم سرعان
ما تواروا عن الأنظار ، ولم تبق إلا مجموعة قليلة
أخلصت للشعر وأمسكت بجمراته وأضافت أليه الكثير ، كيف
تفسرون ظاهرة الاختفاء هذه بوصفكم أحد أبناء هذا الجيل
؟ وهل وقع الكثير منهم في فخاخ الأيديولوجيات ؟
- تشخيصك للظاهرة صحيح ولكنها لا تخص جيل السبعينات
الشعري في العراق بل هي تخصّ كلّ جيل في كل مكان وزمان
. ولنأخذ العراق مثلاً نوعياً لذلك . لقد شهدت
الخمسينات ثم الستينات عدداً كبيراً من الشعراء الجدد
ضمنها ، لكنهم سرعان ما تواروا وبقيت نخبة قليلة تواصل
المسير وينطبق هذا على السبعينات والثمانينات
والتسعينات بنفس الكيفية . وأسباب هذه الظاهرة كثيرة
لعلّ أهمها أن هذا الكثير من الذين يظهرون وكأنهم
شعراء ذلك العقد هم ، في الحقيقة ، طارئون على الشعر
أصلاً منهم بلا مواهب حقيقية وربما كان الشعر وسيلة
ظهور في الوسط الثقافي ليس غير ، ثم أن قدرتهم على
المطاولة والإتيان بشعر جديد من الضعف بحيث لا تسمح
لهم بالاستمرار ، وهناك إغراءات أو فخاخ الأيديولوجيا
والوظيفة والمال والحياة الاجتماعية وغيرها الكثير
.الشعر يحتاج إلى من ينذر له كل حياته باعتباره نوعاً
من الخلاص الروحي والجمالي لا باعتباره وسيلة ظهور
أدبي أو اجتماعي . وهذا لا يستطيع عليه إلا الندرة
القليلة جداً من الناس . حمل الشعر ثقيل على الجسد
خفيف على الروح ، فمن ذلك الذي يستطيع أن يعبر بالشعر
بحور الحياة المتلاطمة ، ربما تمّر عقود ولا نجد أحداً
.
* كيف إذاً تفسر ظهور أجيال عقدية في العراق ؟
- هذه أجيال أدبية افرزتها تغيرات اجتماعية وسياسية
بدلّت المناخ العام فتبدلت النفوس والأهواء . ومن بين
هؤلاء الأدباء الجدد قد ينتبه شاعرٌواحد أو اثنان الى
خطورة الشعر فيسلك الدرب فيه وقد يخونه الطريق ، لكن
الشاعر الحقيقي وحده هو الذي يصل الى آخر الطريق مثل
نبيّ أو عّراف . ظهور الأجيال الأدبية يخضع لظروف
سياسية واجتماعية وظهور شاعر فريد يخضع لمخاض روحي خاص
. الأمر يتعلق هنا بالكائن الفرد ، أيستطيع أن ينتبه
لخطورة وأهمية الشعر . هذا هو التحدي الشعر ليس أدباً
بل هو عدوّ الأدب . الشعر شرسٌ والأدب مدجّن ولذلك
يصعب على الجميع الذهاب في هذا الطريق الصعب ..لكن
جميع الشعراء مرتاحون لانهم ادباء فكيف سننتظر ظهور
شاعر حقيقي؟
* ماذا تعني بذلك ؟ أنت تخوّض بديهية كون الشعر أدباً
؟
- نعم للاسف ، الشعر شيء والادب شيء آخر تماماً ،
الشعر كائن بدائي متوحش الى حدّ كبير يبدو وكأنه ولد
للتو وهو يمثل طهر الطبيعة وبكوريتها لانه متمرد على
الأعراف ولانه محبّ للحرية في اقصى اشكالها . الأدب
يختلف عن ذلك تماماً فهو نتاج المجتمع أولاً ثم نتاج
الثقافة التي طوّرها هذا المجتمع وأشرفت على تهذيبه ،
إنه وليد النظام والخبرة ولذلك تدخل الصناعة فيه كعامل
أساس بينما ينفر الشعر من الصناعة بسبب بكوريته .
الادبُ ، عادة ، متصالح مع الثقافة والمجتمع ، بينما
الشعر مضادٌ للثقافة والمجتمع لأنه يهدد أنظمتها .
وعندما نبتكرُ شعراً يتآلف مع الثقافة والمجتمع والأدب
فإن هذا الشعر يكون عادياً لا قوة فيه ولا يعود
مشحوناً بالروح الشرسة للشعر بل هو شعر تقليدي .. إنه
شعر أدبي إن صح التعبير .
* لنعد الى تجربتكم في العراق ، عام 1980
أصدرالسبعينيون ثلاث مجموعات شعرية مهمة وهي دخان
المنزل لسلام كاظم ووردة البحر لكمال سبتي ويقظة دلمون
لخزعل الماجدي ، وهذه المجاميع الثلاث أستطاعت تغيير
الذائقة الشعرية العراقية وكانت مؤشراً لكتابة مغايرة
، خاصة انها تتحدث عن المعرفة والجمال والانسان
وتحولات الطبيعة والاحلام انطلاقاً من رموز ودلالات
خاصة بها ، ألا تعتقد أن أصدار هذه المجاميع في تلك
السنة كان تحدياً للسلطة خاصة وأن الوضع السياسي في
العراق كان مرتبكاً وطبول الحرب مع ايران قد قرعت -
أنا لا انظر للامر بهذا الشكل . فقد كان ظهور هذه
المجاميع نتيجة طبيعية لاعلان ظهور جيل جديد في بداية
السبعينات ، وقد استطاع بعضنا أن يطور أدواته ويظهر
بشكل لائق في نهاية العقد . لكن ثورة جيل السبعينات
الحقيقية في الشعر ظهرت اثناء عقد الثمانينات بشكل خاص
. ففي هذا العقد ظهرت المضامين الروحية والجمالية لشعر
السبعينات والتي فارقت ما كانت عليه قصائد الستينيين
والخمسينيين تماماً.
|