|
لا
تؤثر التغيرات المناخية على الأجزاء الأكثر دفئاً
في العالم بل أيضاً على المناطق التي كانت أكثر
برودة فيه. كما لا يعني الاحتباس الحراري أنه مجرد
شكل جديد من أشكال الهجرة والحروب والانتهاكات
الحدودية بين الدول في القرن الواحد والعشرين. بدأ
الغطاء الجليدي القطبي في المحيط المتجمد الشمالي
الكبير بالذوبان منذ بعض الوقت، وخلال عقودٍ قد
تكون الملاحة في المحيط المتجمد الشمالي أمراً
عادياً حيث يقول علماء إن معدل ذوبان الغطاء
الجليدي القطبي يسير بوتيرة متسارعة جداً، وهو ما
قد يؤدي لتحولات هائلة وكاملة في خريطة الموارد
الاستراتيجية في العالم. يعتقد أن قاع بحر القطب
الشمالي، وبخاصة الجرف القاري في شمال روسيا، يزخر
بكميات كبيرة ً من النفط والغاز الطبيعي والمعادن
النفيسة، وبأنه كان من المتعذرً الوصول إليها عبر
التاريخ بسبب درجة الصقيع الشديدة هناك، وبأن
الغطاء الجليدي القطبي جعل عمليات البحث الجيولوجي
واستخراج هذه المواد أمراً مستحيل التحقيق، ولكن
سيعود الآن الفضل للاحتباس الحراري المتسارع في
تغيير هذا الواقع.
تتعامل الحكومة الروسية مع مسألة وجود الطاقة
والمواد المعدنية تحت طبقات جليد القطب الشمالي
بجدية بالغة. كتب أرييل كوهين ولاجوس سازاسدي في
الأول من ديسمبر/ كانون الأول ليونايتد برس
إنترناشونال أن "روسيا تدرك أن هناك احتمالات
متعددة الأوجه للقطب الشمالي، ولذا فهي تتحرك الآن
بسرعة للتأكيد على مصالحها الوطنية فيه. قدمت
موسكو طلباً إلى مسؤولي اتفاقية الأمم المتحدة
لقانون البحار لفرض سيطرتها على مساحة في القطب
الشمالي مساحتها 640 ألف ميلاً، أي ما يوازي مساحة
ألمانيا وفرنسا وإيطاليا مجتمعة. أضافا أن
الكرملين يحاول أيضاً تحقيق مصالحه عن طريق إدخال
قواته العسكرية إلى المنطقة". وكما وثقّنا مراراً
في تغطيتنا لهذا الموضوع في يونايتد برس
نترناشونال، فإن فلاديمير بوتين، الذي كان حينها
رئيساً لروسيا قبل أن يصبح في ما بعد رئيساً
لوزرائها في عام 2007، أصدر أوامره باستئناف
دوريات مراقبة المقاتلات القاذفة الاستراتيجية
للمحيط الأطلسي وذلك للمرة الأولى منذ الحرب
الباردة. يصل المدى الذي تصله قاذفات الـ "توبولوف
تي يو -59 بير" الاستراتيجية الروسية، التي تستخدم
طاقة التوربينيا ولا تستهلك سوى كمية منخفضة من
الوقود وتطير ببطء، إلى أماكن بعيدة واستثناتئية
ما يجعلها، بحسب خبراء مثالية لنقل "رسالة" فعالة
عن الوجود العسكري لموسكو في القطب الشمالي. أرسل
سلاح الجو الروسي أيضاً طائراته الضخمة و الأكثر
تقدماً وكلفة وهي "توبوليف تي يو - 160 وايت سوان"
في دوريات جوية إلى القطب الشمالي من أجل إثبات
جدية موسكو حول تعزيز وجودها العسكري في هذه
المنطقة. لاحظ كوهين وسازازدي أن " قاذفات الدورية
الروسية اخترقت المنطقة الدفاعية التي يبلغ طولها
12 ميلاً جوياً التي تحيط بألاسكا 18 مرة في عام
2007. ومنذ أغسطس/آب عام 2007 قام الطيران الحربي
الروسي بأكثر من 90 مهمة فوق القطب الشمالي
والمحيطين الأطلسي والهادئ. وتابعا أنه في 14
يوليو/ تموز عام 2008، أعلنت البحرية الروسية أن
أسطولها "استأنف وجوده العسكري البحري في القطب
الشمالي.. ترفض موسكو حق النروج في ممارسة سيادتها
على المنطقة الاقتصادية حول أرخبيل سبيتزبيرغن
والذي تبلغ مساحته 200 ميلاً بحرياً حيث نشرت
مدمرة ضد الغواصات في تلك المنطقة وأعقبت ذلك
بأرسال طراد يحمل قذائف مزوداً بـ 16 صاروخاً
مصممة لتدمير حاملات الطائرات. لا أحد يتوقع
اندلاع حرب نووية بسبب القطب الشمالي، ولكن روسيا
تثبت مدى قوتها على نطاق واسع. ويبدو أن دولاً
أعضاء في حلف الناتو سوف ترد على ذلك. ليس من
المستبعد اللجوء في المستقبل للاستيلاء على
الأراضي الإقليمية للدول، وكلما كانت هناك موارد
استراتيجية مهمة وبخاصة كالغاز والنفط في العالم،
فإن القوى الكبرى سوف تتصادم وتتآمر ضد بعضها من
أجل الظفر بها، وهي لذلك قد تخوض نزاعات بالواسطة
عنها وهناك الكثير من المناورات التي سوف تستتبع
ذلك. لقد جلب الاحتباس الحراري هذه المنافسات
الشريرة والخطرة إلى القطب الشمالي الذي كان آمناً
في السابق. |