القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (772) الخميس 12/ اذار/ 2009م

هذا التورط العاطفي ليس بالبريء

 قيس مجيد المولى
بمثابة نتائج معياريه يكون التوقع في ذهن الشاعر للحكم على منتجه أي توقفه وتفحصه لموجوداته إزاء ماتفعله في تكوين مدياته وقدراته الإنطلاقيه ثم كيف يكون تدفق هذه القدرات في بيئة النص وأيضاً مواجهته لتراكم المعلومات المعرفيه لديه وهل إن تراكم هذه المعلومات سيضعف قدراته التخيليه واين مقدار تورطه العاطفي والذي وصفه شكسبير بأنه (تورطاً ليس بالبرىء ) وهل ان هذا التوقع يقوم وبرأي (ابن رشد ) على تعاقب مقاطع وتكرارها وهو الذي يهئ للمتلقي نطقه وهل يأتي بالمعنى المفهوم من ظاهر النص ولا يأتي بمعاني العلاقات بوصف( الجرجاني) أي إدراك معنى المعنى ليكون البناء منظما بعد أن عمل الشاعر على الإفادة وتعبئة أي شئ وكل شئ بل عمل على عدم إضاعة أي وقت لان الأشياء تمهد لأشياء أخرى وتذكر بمرادفاتها وأضدادها وتفتح مجالا لمغنطة المكان لجذب أشياء كبيرة أخرى غن كل شئ نراه نضعه ضمن مفهوم مايثير اللذه ويحقق المتعه وإن تقدير الوصول الى الجمال يتم على أساس العلاقات المتبادله والإنسجام مع الذات الشعريه فحين تبدأ الإفادة من تذوق كل الأشياء يبدأ الإحساس بالإنطلاق لما يسمى إختراق الخيال ليتم التعبير عن الرغبات الإيهاميه ضمن اللغه المستعمله أو تلك التي على درجه من الغموض وكما هو معلوم فان في الشعر منطق صارم قال عنه كولرديج بأنه ألطف وأعقد وأكثر صرامه وفيه قول لخداع النفس فهويجمع بين مفهومين متناقضين كقيمه انسانيه وجنوحه نحو الخيال لينجز الشاعر من فطنته ونوعا من غموضه مالم يعد إلتباساً يصل حد اللغز مع قبول سلطة الماضي والاحساس بها ليتم إيقاظ المعطل من الكلمات لأنها في سكونها نوعا من البارود تُفجر بواسطته شرارة الخيال .إن القوى المتحركه للصور الشعريه وعند بناء النص تكمن فيها قدرات متفاوته كونها تزهر بالأشياء المتضاده وفيها ينمي الشاعر أشكال الصراع ليتم تناول المثير ضمن السياق الأفضل الذي يتقبله النص بعيدا عن العنيف والمشوه لان مجال الإغراء في الشعر واسع وكبير ومثير والمكوث فيه يكون خارج الحلم الحقيقي وفيه من قوة الخلق ومن الخصومات الداخليه ومن النزعات المتمردة ومن التشويش الذي يودي الى رفع مناطق التنميه والعبور الى ممرات اللاوعي للافادة من إصطفاف سلسلة الصور الأثيريه والتي بذل الشاعر جهدا لمعاينتها واستدراجها ضمن عملياته التخيليه ليعبر التعبير الملائم مع دالاته التذوقيه فالشعر لا حل له ولا يحتاج الى براهين لانه السخريه المعبره عن أعلى حالات التهكم والرمزيه للهروب من كل ماهو غير لذيذ وصلب ومقفر وهو خلاصه مفرحه لجوهر التعقيدات تارة وتارة لمواقع الإستكانات الأمنه :
ولكي تتم الإفادة من كل الأشياء يعني حسن تنظيم إستخدامها وفق دوافع اللغة فيما تعكسه داخل المعنى لتفي متطلبات الإلفه حاجاتها في النص لخلق الوجود الناطق ووضع المكان في الامكان والخلود للراحة المؤقته أمام حركة المخلوقات الجديده.

الشاعر والكاتب وديع شامخ:
تجربتي الشعرية تنضج في كل خطوة ابتعد فيها عن المؤثرات الضاغطة على حياتي النصية

أيّة كتابة هي محاولة للبقاء ضمن فضاء الإبداع الكّلي وإذا ما استعرنا من بورخيس قوله كلنا نكتب كتابا واحدا فهذا يعني أننا من تورّطنا في الدخول إلى مملكة الخيال سوف نحمل مشاعلنا المنارة بزيت أرواحنا للوصول إلى الكتاب .. الكتاب الطرس الذي نتناوب حفر هوامشنا عليه. لذا فالنصّ سوف يأتي خديجا ومشوّها وناقصا وفاقدا للأهلية إذا لم يصطبغ برغبة الكاتب في البقاء وقدرته على التنوّع والثراء.. الإبداع لا يولد من فراغ وهو ليس هبة مجّانية.
هكذا يرى الشاعر والأديب وديع شامخ علاقته بالنص والإبداع عموما. والشاعر وديع شامخ من مواليد العراق - البصرة، اصدر في حقل الشعر 1- سائرا بتمائمي صوب العرش، مجموعة شعرية عام 1995، 2- دفتر الماء.. مجموعة شعرية عام 2000 وصدر له في مجال التاريخ (الإمبراطورية العثمانية من التأسيس إلى السقوط) وكتاب (تاريخ الأندلس من الفتح الإسلامي حتى سقوط الخلافة في قرطبة) وله العديد من المخطوطات الشعرية، ورواية مخطوطة بعنوان " العودة إلى البيت"، كما كتب العشرات من الدراسات في حقل النقد الأدبي والحقل السياسي ...وله مجموعة شعرية ستصدر قريبا عن دار التكوين في دمشق بعنوان" ما يقوله التاج للهدهد".. كان لنا هذا الحوار مع الشاعر الذي يقيم حاليا في استراليا - مدينة بيرث .
- أيّهما أهمّ في الإبداع الأدبي من وجهة نظر الشاعر العراقي وديع شامخ الخلفية النظرية أم النصّ والإبداع؟ وهل تمتلك مشروعا جماليا يكسب نصوصك خصوصية وتفردا؟
- في الحقل الإبداعي لا توجد مفاهيم مطلقة أو حكم قيمة ثابت أو معيار أحادي لولادة التجربة النصية، فالنص المولود هو بالتأكيد حصيلة تراكم نوعي كبير لتجارب وأنوات وذوات وكتب وحياة. .
أية كتابة هي محاولة في البقاء ضمن فضاء الإبداع الكلي، وإذا ما استعرنا من بورخيس قوله" كلنا نكتب كتابا واحدا" فهذا يعني أننا، الذين تورطنا في الدخول إلى مملكة الخيال، سوف نحمل مشاعلنا المنارة بزيت أرواحنا للوصول إلى الكتاب .. الكتاب الطرس، الذي نتناوب حفر هوامشنا عليه. لذا فإن النص سوف يأتي خديجا ومشوها وناقصا وفاقدا للأهلية، إذا لم يصطبغ برغبة الكاتب في البقاء، وقدرته على التنوع والثراء.. الإبداع لا يولد من فراغ وهو ليس هبة مجانية، كما أنّ وادي عبقر وأشباحه وشياطينه قد صارت أطلالا أمام التعقيد الذي نعيشه والكشوفات العلمية والنصية الأدبية في تأكيد حقيقة، إن عقل المبدع ليس مرآة عاكسة لصور الواقع، ولا هو لاقط ومستقبل لموجات آتية من عالم خارجي تماما.. المبدع في النص هو خلاصة، ومصهر، ومنجم.. يقترن النص عند المبدع بالجنون والفوضى كما يرتبط بالتنظيم والصرامة، أو هي فوضى داخل نظام بحسب سوزان برنار. والذين مارسوا هذا التعسف والقسر في الفصل بين الخلفية الفكرية للكاتب ونصوصه إنما ينطلقون من وهم لا يقل سفاهة عن وهم الكائن الذي يرتبط شرطيا بمثيرات معينة كـ" الخمر والمخدرات، والاجترار، والصنعة.. ووو..." لإنتاج نص ما.
قد تكون هذه المثيرات مهمة في إطار التجربة الكلية لمراحل إنتاج النص الأدبي ولكنها ليست الشرط الذي تنبني عليه النصوص الكبيرة، النصوص التي تشكل علامات فارقة في مسيرة الكاتب، النصوص التي ستبقى صامدة إزاء عوامل التعرية الجغرافية والتاريخية والجمالية والإنسانية. النص الإبداعي هو نتيجة تفاعلات كيمائية وفيزيائية معجونة بصبغة روح المنتج. أما عن كوني أمتلك مشروعا جماليا، فهذا ما أسعى إليه دائما، وعندما أتوقف عن الحلم به سيكون كارثة تحيق بي، لأنّ المشروع الأدبي ليس مشروعا تجاريا وإن تشابها في صفات شكلية مخصوصة، المشروع الأدبي هو سلسلة من النصوص المنتجة في مشغل المنتج المبدع، نصوص تشبهه تماما، وهذا هو سر وجود المشروع، نصوص غير متشابهة، تدوين جديد في الكتاب الواحد، هوامش وخربشات وظنون وشكوك، براءة وطفولة ودهشة.. هذا ما أريده لي وحدي، فلا أحد يشاطرني دهشتي وبراءتي، وعمقي.. وشكي ويقيني.. هذا هو التفرد الذي سيكون نتيجة منطقية لوجود خلفية نظرية تتعاضد مع موهبة المبدع لإنتاج نصوص وتجارب متنوعة تمثل في خلاصاتها القصوى مشروعا جماليا خاصا.
- الثقافة والسلطة، الإبداع والرقابة، والأفق اللامحدود والخطوط الحمراء... ما هو موقفك من هذه الثنائيات؟
--- من طبيعة الخطاب الإبداعي أن يكون حرّا وغير مقيّد ولا مشروط، إلا بدواعي شروط الحقل، وأصول اللعب فيه، فلكل حقل أصول وشروط ومهارات، وبما أن الحقل الثقافي غير مرغوب فيه وبنتاجه في العقلية السلطوية العربية لكون المبدع خالقا، رائيا، ناقدا، مقوّما .. فكان لهذا الامتياز للنص ولكاتبه أن يسبب ردة فعل من الحقول المجاورة في الحياة، كالحقل الاجتماعي، والاقتصادي والسؤال عن أهلية المبدع فيه لتبوّئ هذه المنزلة، هذه الأسئلة التي تطرح عن جدوى وجود المثقفين والمبدعين، سوف يحوّلها السياسي المحترف إلى ظرف مناسب وفرصة ممكنة جدا لخلق ثنائية " الثقافة والسلطة" الثقافة والمجتمع... الخ، والبحث عن نار لإذكاء التعارضات القائمة بينهما!، لأنّ السياسي مغرم بالسلطة دائما وهي زائلة والمثقف الحقيقي هو الذي يراهن على ما يتبقى، لذا تظهر ثنائيات غريبة يبتكرها السياسي وحقله الإيديولوجي، مبتدئا بتسفيه الأديب المبدع اجتماعيا واقتصاديا ودينيا أيضا، ولو عدنا إلى بدايات التدهور والانحسار لسلطة العقل والمنطق إزاء السلطة ومنطقها الديماغوجي سوف نذكر هنا على سبيل المثال المهم مشروع الفيلسوف المتنور ابن رشد الذي لاقى مقاومة شديدة من التيار السلفي الذي كان يقوده فكر منظر السلطة " أبو حامد الغزالي "، فالفكر الفلسفي ضَمر كما نعلم في العالم الإسلامي بعد موت ابن رشد، وبدأ زمن ما يسمى بعصور الانحطاط التي استمرت منذ القرن الثالث عشر وحتى عصرنا الحالي، ومن مأساة وجود الثنائيات القسرية بين السلطة والمتنورين، هو أن النهضة الأوربية قامت على الاستفادة من فكر ابن رشد وأما نحن فقد لعناه واحرقنا كتبه!!
هذه بداية السطو السياسي المنظم على المثقف لمحاولة احتوائه وتهميشه والقضاء عليه كما حدث لابن رشد، أو تسويقه كراهب متصومع في محاولة إفراغه من رسالته الكلية وموقوفه الشمولي والإنساني، لأنّ السياسة فنّ الممكن وقصير الأجل، لذا تتولّد هذه الثنائيات التي ذكرتها وغيرها، طالما لم يمتثل المبدع المثقف لها، ثنائيات مصطنعة في ظاهرها ولكنها فاعلة وملموسة في الحياة، ويساهم المثقف دائما من حيث يدري أو لا يدري في ترسيخها، من حيث يدري بانعزاله عن المشاركة في الحياة وتأكيده لنظرية السياسي في صومعته وفوقيته عن المجتمع، ومن حيث يدري في انسحاقه أمام مغريات السياسي وابتلاع الطعم كاملا، فلا يصح هنا أن نقول عن هؤلاء المثقفين بأنهم أطراف معادلة ثنائية، هؤلاء انسحقوا، ولكن الخطير فعلا على عمل المثقف هو ان يكون دائما بمستوى الند والناقد والراعي والمقوّم بأفقه الكلي وأهليته للرؤيا الشاملة، هنا يصطدم المثقف الحقيقي بثنائيات واقعية، السلطة ونتاج الثقافة، الإبداع والحرية، فترى أن المفكر الايطالي غرامشي طرح مفهوم المثقف العضوي والذي أشار فيه إلى أن " لم يعد بالإمكان أن يتمحور نسق حياة المثقف الجديد حول الفصاحة والإثارة السطحية والآنية للمشاعر والأهواء. بل صار لزاما عليه أن يشارك مباشرة في الحياة العملية كبانٍ ومنظّمٍ مقنع دائما، لأنه ليس مجرد فارس منابر. بات لزاما عليه أن يتغلب على التفكير الحسابي المجرد، فينتقل من (التقنية - العمل) إلى (التقنية - العلم)، والى النظرة التاريخية الإنسانية، وألا يبقى اختصاصيا دون ان يصبح - قائدا- أي رجل سياسة بالإضافة الى كونه اختصاصيا" لقد أراد غرامشي يثبّت للمثقف حقوقه وواجباته ومسؤولياته إزاء مجتمعه والسياسي الذي انفرد في السلطة وبدأ في تسويق الثنائيات لإدامة خضوع المثقف والحقل الثقافي برمته للسلطة السياسية، وهذا إشكال نعاني منه في دولنا التي ما زلت تستمد سلطاتها من مراجع غيبية ومؤثرات خارجية، الثنائيات لا يمكن أن تتلاشى أو تنتهي، فهي من سنن تطور الحياة وديمومة صراعها، ولكنها تبدو حالة مرضية كطفح جلدي فاقع على وجه الحياة في بلادنا المثقلة بهيمنة الفكر الديماغوجي الإيديولوجي وخاصة الديني منه، بينما هذه الثنائيات، إن وجدت في الدولة الديمقراطية، فهي لديمومة الحياة بشرطها الحواري المتكافئ، والمثقف في كل الحالات هو من يضع نفسه إمّا رهن شارة " السلاطين والشياطين" أو يتنبّه إلى دوره الحقيقي ويكون فاعلا ومنتجا، مراقبا ومقوّما أزليا. 

حسين عبد اللطيف ..وذكريات نار القطرب

 نعيم عبد مهلهل
في 10 تشرين الأول 2008 قدمتُ محاضرة في مدينة أيسن الألمانية عن الفنان العراقي الراحل احمد جاسم الذي عمل بمنصب مديراً لورشة الديكور بمسرح شيلر في برلين ، وعرجتُ في الحديث عن الفنان الجاسم على علاقته الخاصة بالشاعر البصري حسين عبد اللطيف وأستعدت ذلك الأسى الجنوبي الماهر الذي صبغ وجه حسين عبد اللطيف يوم كنا معاً في أمسية بصرية وسمعنا نبأ رحيل الفنان احمد الجاسم ومن ليلتها كتب حسين عبد اللطيف مطولته الرائعة ( أمير من اور ) وهي مرثية تضج بالحنين والموسيقى والحزن لصديق العمر احمد الجاسم وكنت بين من ذكرهم الشاعر في سياق النص الذي نشرته مجلة الأقلام العراقية في حينها.
احمد الجاسم رحل ذات مساء برليني ، وحسين عبد الطيف يئن الآن من ألم المرض في مساء بصري . وبين هذين المساءين عليَّ أن أقف عند حافة الضوء أتضرع الى كل آلهة اور والتنومة لتشفي حسين عبد اللطيف الذي غادرت لقاء الألفة معه في آخر رؤية لي معه عندما كنا سوية في الكويت عام 2005 نحضر ندوة البابطين الشعرية وغير ذلك كانت لي معه هواتف ورسائل وشوق كتبهُ على الورقة الأولى من كتابه الشعري ( نار القطرب ) الذي أهداه أليَّ وكتبت عنه دراسة طويلة في صحيفة الزمان اللندنية عام 2005.
ونار القطرب هو كتاب للأناشيد التي تصنع وجود الإنسان والمكان والذاكرة ومديح الروح الإنسانية التي ترتدي محليتها الساحرة كما يرتدي نخيل البصرة ثوب نسائم الخليج ، وهو بحث روحي في جسد الجملة المؤثرة وصدى لذائقة الشاعر وهو يبحث عن الأشياء البسيطة ولكنها وحدها من تستطيع أن تصنع المجد والحلم وشراع السفن التي تبحر بنا الى جزيرة سندباد يقص علينا حكاية الليل الذي لاينتهي بفجر إلا مع صباح سعادة الفقراء من نواخذة البحر وفلاحي البساتين وإناث البصرة القديمة اللائي يصنعن للجنود العائدين من جبهات بحيرة الأسماك وشلهة الأغوات وابتسامة الغزل ولذة السرير وبريق احمر ( الشفاه) .
حسين عبد اللطيف مادة خام لشخصية بصرية جمعت بين الإبداع والبساطة والطيبة ، وتحس معه بألفة تخلو من مبالغة أنك مع شاعر من طراز خاص وهو مثقف بارع في أدبيات ثقافة الكثير من الحضارات ومن المعجبين جداً بريلكه، وطالما جعل منه بوابة لأناشيده المليئة بموسيقى البحث عن الأشياء التي تقربنا من بضعنا كما تقرب أشرعة السفن ضوء الفنارات لنصل قبل أن تصل أقدام الغرباء لشواطئنا الدافئة.
لي معه صداقة وتواصل وذاكرة نتشارك فيها بصناعة سلال الورد والأماسي واقتناء الكتب ، وأقدر كم كان شقاء حسين عبد اللطيف في هذه الحياة التي لم يملك فيها بيتاً حتى هذه اللحظة ، ولم يلتفت أي مسؤول الى عوزه الدائم وكفاحه المستميت ، فقد ظل يقتات براتب المعلم وينتج الشعر ، وظل بالرغم من موهبته الشعرية الهائلة بعيداً عن الأضواء فيما نالها غيره من مسوخ الشعر وأشباه الثقافة ، ولكنه ظل ممسكاً بقامة الشاعر المتفرد الذي لا يحلو فيه منتدى أو مربد أو مهرجان إلا وحسين عبد اللطيف مدعوٌ فيه .
والآن يحق لي ان أقول : كيف يكون مهرجان المربد بدون حسين عبد اللطيف.
هذه البرحية المصنوعة من ضوء ذهب صباحات البصرة القديمة ، ودموع العشار ، ومرقة ( شبزي) بيوت الأرمن ويهود الشناشيل ووجهاءها من ملاكي خانات التمر وتوابل الهند وأقمشة الموسلين.
شيء جميل أن أبقي معي ( نار القطرب ) أينما ذهبت ، فقد كنت أعيد معه متعة أمكنة الترحال ، كان معي في الناصرية ، وطنجة ، وحيدر آباد ، ودمشق ، وأسطنبول ، وأخيراً في فرانكفورت عندما لامسته أصابع ضابط الجوازات وسأل عنه بعد أن جذبه سواد لون الغلاف الداكن..فلم أستطع أن افهمه لجهلي اللغة ، ولكن مغربياً أسعفني ، ليهز الضابط رأسه راضياً بدخول كتاب ( نار القطرب ) الأراضي الألمانية.
وعندما سمعت بمبادرة السيد رئيس الوزراء بعلاج الشاعر حسين عبد اللطيف على نفقة الدولة سارعت الى الكتاب لأتصفحه وأستعيد ذكريات هذا العراب الطيب الذي يشعرك بدفء خصاله وطيب معشره ونقده الحاذق لمنتج الآخرين ليكرمه أبناء مدينته في فترة ما ويجعلوه رئيساً لاتحاد أدباء المدينة.
البصرة وحسين عبد اللطيف كما الشمس وظلها ، كما الخاتم والإصبع ، فالرجل لم يتصور يوما في حياته أن يطيل البعد عن هذا العش لعشرة أيام إلا في سبعينيات القرن الماضي عندما حمل حقيبته وصديقه الأثير القاص محسن الخفاجي ليؤدي لحظة التأمل أمام برج أيفل وليمشوا معاً في طرقات الشانزليزيه ويلتقطا الصور التذكارية في أروقة اللوفر وأمام كنيسة روتردام وليلتقيا بصديقهما الفنان الراحل احمد الجاسم ، ويبدو أن الأدب الفرنسي صنع في مخيلة حسين عبد اللطيف آفاق حداثته الشعرية التي تشعرك بسمو الشعر لديه وتناغم إيقاع أمكنته الممتدة من بومباي حتى رأس البيشه ، فهو شاعر لصناعة صدى المؤثر وليس شاعر مدح اللحظات الفائرة والتي تعصف فينا بفضل الحروب وتمجيد الملوك ولمعان أصباغ وجوه الإناث.
حسين عبد اللطيف شاعر للقلب وللذاكرة وللعمق الذي يرمي فيه مجاديفه الماسية للبحر ، وهو مدرك جيد لما كان يسميه ريلكه : العشق العميق الذي يسكننا في ليالي المطر العاصف.
شاعر ماهر وفقير جنوبي ثري ببساطته ونظرته التي تمتليء بأسى التشكي من لحظة أن لا يؤمن الإنسان سوى بمنجزه الشعري ، ولهذا كان حسين عبد اللطيف من الذين يتمنون ولكن بصمت.
الصمت الذي صنع منه أريكة لمقهى في العشار يأوي إليه كلما أحس برغبة لمشاركة الناس عزف نزهة التبضع في ساحة أم البروم والحديث عن متغيرات ما بعد بغداد ( وما بعد بغداد هو ما بعد خراب البصرة ) التي فقدت بفضل سياط البعض وخراطيم مياه إطفائية المليشيات بعضاً من بريقها الذي ورثته من بصيرة بشار بن برد ، وحكايات السندباد ، وأسى السياب ، وأجراس كنائس البصرة ، والنغم الصباحي العذب لصوت مؤذن جامع الأمام علي ( ع ) في العشار.
حسين عبد اللطيف مدينة في ذاكرة ، وذاكرة في مدينة ..يشكل اليوم مع محمد خضير ومحمود عبد الوهاب ثالوثاً لزمن الكتابة التي تمتلك بريق الماس ، وأذ امتلكت الشهرة والجوائز الثرية روح محمد خضير بفضل قوة أدبه وفرادة تجربته القصصية ، وأخذت شيخوخة السبعين محمود عبد الوهاب الى معاطف السعال والشيخوخة ، فحسين عبد اللطيف لا يأخذ سوى ما يدركه كحظ عاثر ظل يلازم حياته ويجعله يتشبث بالراتب والقدر كما الغريق مع نسمة الهواء..!
أعتقد أني أدليت دلوي بشهادة متواضعة عن مبدع كانت لي معه صداقة متينة ، وربما هذه الكلمات هي صورة لعجز ينتابني لعدم مقدرتي رؤية صديقي عن قرب وهو يتلوى على فراش المرض ، وكنت دائما أتمنى منه أن يحتاجني لأهب إليه مسرعاً ، مدركاً إن مثل هؤلاء من حكماء القصيدة يشبهون بوذا في رغبته لصناعة الضوء بصمت وهدوء وعزلة.
أنا فقط من اجله ومن أجل كتابه الجميل ( نار القطرب ) أرفع قبعة التحية وأمسك دمعتي الهابطة كما سعف النخيل على جسد العراق ، أضعها في البريد العاجل لتنطبع على خده الأسمر بترافة الموسيقى.

أضواء على الحركة السينمائية في الناصرية

 حيدر قاسم الحجامي
تلعب السينما في بناء الشخصية الثقافية دورا أساسيا ومؤثراً ،فالسينما كواحدة من الأدوات الثقافية الحديثة ينظر إليها باعتبارها ركنا ومرتكزا لنقل الخطاب الثقافي ،أضف إلى ذلك أنها أصبحت اليوم وبفعل الحركة التكلولجية الحديثة أصبحت صناعة مهمة لها قوانينها ولها روادها وأسواقها وإطارها الخاص بها ،ولهذا فهي إضافة إلى كونها فن أنساني خلاق ،فهي مورد جيد في دعم قطاعات الدول التي تهتم بهذه الصناعة الثقافية المتطورة،حتى ان بعض البلدان تدخل هذه الصناعة ضمن مواردها القومية ،ولذا فان الاهتمام بها كان من الأولويات الملحة لتشكيل مشهد ثقافي متكامل يستند إلى الحداثة ويعالج قضايا الإنسان المعاصرة وفق رؤى إبداعية وجمالية ،ويساهم في دفع حركة التنوير في المجتمعات من خلال طرح الإشكاليات على طاولة النقاش ان لم يكن المساهمة في طرح بعضا من الحلول ضمن رؤيا الكاتب والمخرج والممثل ،ولقد استطاعت السينما العالمية من إيصال ماعجزت عن إيصاله الكثير من الأدوات الثقافية الأخرى ،والناصرية كواحدة من المدن التي اتصلت بالعالم وتأثرت بأجوائه الجديدة عرفت السينما عبر دور عرض فتحت أبوابها في أربعينيات القرن المنصرم ،واستمرت هذه الدور بعرض كل ماتحصل عليه من أفلام محلية وعربية وعالمية ،وكان الدخول إلى السينما طقساً معتادا تمارسه العوائل بعلنية ،ويصل الأمر إلى التباهي بل ان الأمر كان يمثل دلالة على وجود طبقة برجوازية تريد إثبات وجودها الاجتماعي ،واستمرت دور السينما متواصلة في المدينة مع تغير الظروف وتقادم الأعوام ،إلا إن السينما ظلت محتفظة بطقسيتها الخاصة في النفوس ولها عشاقها الخاصين وروادها الدائمين ،ولكنها ظلت تمثل حالة اجتماعية أكثر منها ثقافية ،والذي يهمنا هو واقع هذه الدور اليوم ،فقبل سقوط نظام البعث كان في المدينة دارين للعرض السينمائي الأولى هي سينما الأندلس في شارع الجمهورية قريبة من كورنيش الناصرية ،والثانية هي سينما البطحاء قرب بريد الناصرية وأيضا ملتقى السينما في شارع الحبوبي ،وبعد السقوط أغلقت هذه الدور أبوابها لأسباب كثيرة لامجال لشرحها والخوض في تفاصيلها ولكن أبرزها هو المد الديني المتطرف ،إما الحديث عن الحركة السينمائية اليوم وكيف نعيد الحياة إلى هذا المفصل الحيوي بعد ماشهدته الساحة فيظل هذا الاهتمام محط تساؤل وخصوصا من النخبة التي تنظر إلى السينما باعتبارها مفصلا ثقافيا وخطابا إنسانيا له تأثيره المباشر في عملية البناء الفكري والمساهمة في الرقي المعرفي للإنسان ،ولهذا نرى ان هناك نخبة واعية تسعى جاهدة إلى إحياء هذا الجزء الحيوي من أجزاء المشهد الثقافي ويقف في الطليعة من هولاء الناقد السينمائي الشاب احمد ثامر جهاد الذي سعى إلى تأسيس منتدى سينمائي مختص في المدينة بعد سقوط النظام وحاول ونجح رغم الكثير من المعوقات والصعوبات التي تواجه عمله هذا ،يقول احمد ثامر عن فكرة تأسيسه لهذا المنتدى في لقاء اجري معه "منذ مدة ونحن نسعى إلى لتأسيس منتدى سينمائي يكون نافذة أخرى للجمهور لتلقي شحنة من الجمال والوعي في مقابل تفشي صور الموت والعنف والخراب .وها نحن اليوم نخطو باتجاه تحقيق هذا الحلم وسنواصل عروض المنتدى بانتقاء نماذج من السينما العالمية والعربية والعراقية وبحسب ما يتوفر لنا ،نعتقد ان التواصل مع العروض الجيدة والتحاور بشأنها من شانه ان يخلق ثقافة سينمائية لدى الجمهور،سيما وان السينما رافد مهم من روافد الثقافة المعاصرة وأداة جبارة لرسم الواقع والتعبير عنه بمديات إنسانية ذات تنويع لانهائي وكنا خلال سنوات الحصار قد عملنا نادي سينمائي استمر لسنتين تقريبا باستثمار إمكانيات محدودة ورغم ذلك تواصلنا في عروض الأفلام العالمية التي بقيت ذكراها في قلوب الجمهور ولكننا نواصل عملنا اليوم بأفق أوسع ونأمل إن ننسق عملنا مع جهات فنية وثقافية ذات علاقة يهمها تطوير ودعم هكذا خطوات لكي تصبح طقسا ثقافيا واجتماعيا ،خاصة إن انتعاش حركة السينما العراقية يبقى رهن إعادة الحياة الى الصالة السينمائية وعودة الحياة مجددا الى مفاصلها .

هل في بقايا الطريق اليكِ نوافذ؟

 حسام الدين النايف
على خطاكِ
نسينا التكايا
تهنا في الطريق
المؤدية الى الأندلس؛
لبسنا الفراشات
خوف الظلام
وخوف الدخان
ثم غسلنا المرايا
بأنامل ندى النعوش:
لِما اربكناكِ
ياكبيرة
وسطورك لم تشتهِ بَعدُ الكتابة؟
لِما فتشنا
عن سر ندى الخاتم
في رمشيكِ
ونحن نخفي اصابعنا
خوف المطر؟
لِما علمناكِ
قطف المساءات
برذاذ التياثاتنا؟
لِما فتشنا فيك
عن سر ثوب غرناطة
المزركش
دون ان نلتفت
الى مصارعنا؟
أردناه نطعا
- في خسارات النجوم الصغيرة -
لأشلائنا الخافية؛ نخفيكِ
لنستجلي حروبنا النافقة،
نحن المتخمون ليلَكِ
في الظهيرة
بالبرد وهرطقات السكر؛
لا البياض
لا العصافير في الغابات
لا عطايا الأسلاف
تنعش ليلنا؛
الوشيات الوشايات
سهلة في صعود المنحدرات
وفي شم الحرائق
هل في بقايا الطريق اليكِ نوافذ؟
نأتيها حبواً
نتوسد حريقها
وننعس يا كبيرة

الروائيون ومتعة المتخيل في كتاب جديد

 صدر مؤخرا عن دار التكوين في دمشق كتاب بعنوان "متعة المتخيل" يتضمن مجموعة من الحوارات مع أدباء عالميين ترجمها وقدم لها: د. نايف الياسين. من ابرز الأدباء الذين ترجمت الحوارات معهم: ماركيز، توني موريسون، ماريو فارغاس يوسا، كونديرا، غونتر غراس، نابكوف، هيمنغواي، شتاينبك، فوكنر.تلقي الحوارات بأضواء كاشفة على التجارب الإبداعية لهؤلاء الكتاب وتطور اساليبهم وتجاربهم الحياتية وخصوصا في القرن الماضي.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com