|
لندن
/ البينة الجديدة
هل بدأت عرقنة السودان؟ السؤال مطروح بقوة بعد
صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف الرئيس
عمر البشير. الصراع يبدو اليوم مفتوحاً وهو يستهدف
رأس السودان مثلما استهدف رأس العراق قبل ست
سنوات, وهو ليس صراعاً بين الرئيس السوداني وقضاة
المحكمة الدولية بقدر ما هو صراع بين ارادتين:
الاولى تمثل او هي تدعي تمثيل العدالة الدولية,
والثانية تمثل ارادة عربية افريقية اسلامية تعتبر
المحكمة مجرد اداة استعمارية جديدة.
ماذا بعد القرار وهل يمكن تعريب الخيوط في هذا
الصراع؟ الامور ليست واضحة تماماً بعد. فأفضل
السيناريوهات هو ان يؤدي القرار الى تغيير سلمي في
السلطة السودانية يجنّب البلاد مخاطر مجابهات مع
المجتمع الدولي, قد تسفر في النهاية عن تقسيم
السودان الى خمس دول. لكن المحللين الغربيين
يعتبرون ان هذا السيناريو يحتاج الى معجزة كي
يتحقق, لسبب رئيس هو أن البشير €في رأيهم€ ليس
ديكتاتوراً في الواقع, وأن أقطاباً أخرى في النظام
أقوى منه بكثير ولعبوا دوراً أكبر بكثير في
التسبّب بمذابح دارفور ومآسيها. وهذا ما قد يدفع
هؤلاء الى التماسك والوقوف وراء البشير في وجه
الضغوطات الدولية, لأن الموسى في النهاية قد تصل
الى ذقونهم. المعركة على رأس البشير بدأت, وقد
دشنتها الحكومة السودانية برفضها القاطع لقرار
المحكمة بصفته مؤامرة من الاستعمار الجديد. كما
عمدت الى التضييق على كل منظمات الاغاثة الدولية
العاملة في البلاد, ما دفع الامم المتحدة الى
التحذير من تفاقم اوضاع اللاجئين وسكان دارفور.
وفيما كانت الحكومة السودانية تنظّم أوضاعها
الداخلية استعداداً لمزيد من المجابهات, بما في
ذلك احتمال اعتراض طائرة البشير خلال توجهّه
المقرر في أواخر هذا الشهر الحالي الى الدوحة
للمشاركة في القمة العربية, أوفد وزراء الخارجية
العرب بعثة الى نيويورك لمحاولة اقناع مجلس الأمن
بتجميد قرار المحكمة لمدة عام يصار خلالها الى
البحث عن مخرج هذه الأزمة. وفي أي حال, يراهن
البشير على أن الصين وروسيا ستمارسان حق النقض
€الفيتو€ ضد أي قرار يهدف الى جلبه الى المحكمة
الدولية. بيد أن هذا الرهان, على صحته المرحلية,
لا يستطيع أن يخفي الأبعاد التاريخية التي تضمنها
قرار المحكمة والمتعلقة بمسألة العدالة العالمية
ودور الدول الأمم €أو لا دورها€فيها. وتقييم هذا
الامر قد يحتاج الى وقفة تاريخية سريعة لتبيان
أهميته. نعود الى العام 1486مؤتمر السلام الاوروبي
في وستفاليا الذي يعترف بالحقوق العلمانية لصغار
الأمراء الألمانيين في مواجهة سلطة البابوية
الدينية, مشرّعاً بذلك سلطة الدولة على اي سلطة
خارجية أخرى. هذا الاعتراف الرسمي, شكّل أساس
العلاقات الدولية فيما بعد. لكن حينها, لم يكن قد
تبلور اي قانون دولي كالذي نعرفه اليوم. فحقوق
سيادة الدولة كانت محصورة في يد القوى الأوروبية
الرئيسة, ولم يتم وضع اي اطار علني لتأسيس مجتمع
دولي من شأنه ان يحدّ رسميا من ممارسة هذه القوى
لحقوق السيادة. وفي غياب قانون دولي, لم يكن
ممكناً ان يتخطى تنظيم العلاقات الدولية حدود
الاتفاقيات التي تعتمدها ارادياً الدول التي تتمتع
بالسيادة , اي التحالفات الاستراتيجية التي تهدف
الى صون المصالح المحلية والحفاظ على استقرار
ميزان القوى نسبيا. حقبة نظام الدولة- الأمة
الفوضوي هذه, الذي لم يضع حدودا لسيادة القوى
الأوروبية, كان ايضا عصر الاستعمار. والدول التي
حافظت على كيانها خلال ذلك العصر, هي تلك التي
تمكنت من الدفاع عن اراضيها بوجه أطماع الدول
الأخرى. لذلك كان من الطبيعي فقدان السيادة في
البلدان €المستعمرات€ التي لم تتمكن من تطبيق مبدأ
الدولة, في حين ان العكس كان يجري في البلدان
القوى العظمى- ذات القوة العسكرية الكافية للتدخل
في شؤون غيرها من الدول. أثناء عصر الاستعمار,
قامت هذه القوى اما بادارة مكتسباتها من الاراضي
بشكل مباشر كما في افريقيا والهند, أو برفض اي
تشريعات محلية داخلية من شأنها ان تضر بمصالحها
وممارساتها, مدّعية الحق بتملك الأراضي خارج
الحدود الاقليمية. وهذه كانت الحال مع الصين
واليابان والامبراطورية العثمانية وافريقيا.
فوفقاً لنظام وستفاليا, كانت القوة العظمى هي
الضمانة الوحيدة للسيادة الفعلية. غير ان هذا
النظام بدأ يتزعزع مع ظهور الدول القيادية غير
الاوروبية وتعاظم اهميتها على الصعيد العالمي.
وأدّت التحديات في وجه النظام الغربي وتزايد حالة
عدم الاستقرار الدولي الى بروز محاولات جديدة
لتنظيم الشؤون بين الدول. وقد شهد مؤتمر لاهاي في
العام 1899 مشاركة الصين واليابان والامبراطورية
العثمانية وبروسيا وسيام. وفي العام 1905 هزمت
اليابان روسيا موجّهة ضربة الى ثقة الاوروبيين
الكبيرة التي ترتبط بفرضيّة تفوّقهم العرقي. وجمع
مؤتمر لاهاي الثاني في العام 1907 لأول مرة, الدول
المعاصرة حيث فاق عدد ممثّلي الدول الاخرى
المشاركة عدد نظرائهم الاوروبيين. الحرب العالمية
الاولى شكلَت أيضاً مرحلة انتقالية في تخلي رجال
السياسة عن نظام وستفاليا وتحَولهم نحو مبدأ
قانوني للسيادة وبلورة اطار لقانون دولي. ونهاية
هذه الحرب شهدت انهيار الامبراطوريات الروسية
والنمسوية- الهنغارية والعثمانية. كما عرفت
انطلاقة حركات مقاومة الاستعمار وبداية قيام
الاتحاد السوفياتي وخطر اندلاع حرب عالمية جديدة.
في العام 1919 أعلن وودرو ولسن في مؤتمر السلام في
باريس مبدأ حق الأمم في تقرير مصيرها, لتستفيد منه
بشكل خاص الدول الجديدة في أوروبا الوسطى, لكنه
منع امتداد هذا الحق الى باقي دول العالم. وهكذا,
بقي تفوق مبدأ سيادة الاراضي على مبدأ الحق هو
القوة هو السائد في العلاقات الدولية. غير ان
تسوية العام 1945 الملحوظة في مبادئ ميثاق الامم
المتحدة, عكست وضعا دوليا جديدا تميّز بظهور
الاتحاد السوفياتي كقوة عالمية وانتشار الحركات
النضالية التحررية الوطنية في آسيا والشرق الاوسط
وافريقيا, فتلاشت ايديولوجيات العرق والامبراطورية
مع انهزام النظام النازي. كانت هذه المرحلة لحظة
حاسمة في الانقلاب على نظام وستفاليا. وفي هذا
الاطار, لم يعد ممكنا الابقاء على اتفاق الدول
الأوروبية القاضي بعدم امكان تطبيق حق الشعوب
المستعمَرة في تقرير مصيرها. وأدرك رجال السياسة
الاميركيون, في ترقّبهم انحلال الامبراطورية
البريطانية تمهيداً لوراثتها, انه على مؤسسات
ادارة العلاقات الدولية ان تتجنب اشكال
الامبريالية المتعارف عليها. وكانت النتيجة موافقة
القوى العظمى تقريباً على نظام دولي يحكمه
القانون, مهما بدا هذا الامر ريائياً. والآن,
وبفعل التغييرات الكبرى التي أدخلتها العولمة على
النظام العالمي, تجري مأسسة هذا القانون في شكل
محاكم دولية تنبت كالفطر هذه الأيام في كل مكان من
العالم €العالم الثالث بالطبع. هذه التطورات
الدولية ربما تلقي بعض الأضواء على خطورة ما يجري
الآن في السودان. ففي الميزان ما هو حتى أكبر
بكثير من مجرد اعتقال رئيس وهو في السلطة للمرة
الأولى في التاريخ. في الميزان اولاً وأساساً
احكام قبضة النظام العالمي المتعولم على كل دول
العالم الثالث, لكن هذه المرة عبر أقواس القضاء.
نعود الى قرار المحكمة الجنائية الدولية التي تحرك
مدعيها العام لويس مورينو اوكامبو في سابقة خطيرة
واقنع المحكمة باتخاذ قرار خطير وهو اعتقال رئيس
لا يزال في السلطة باعتباره مجرم حرب ومطلوباً
للعدالة الدولية, ولو أن بلاده لم توقع معاهدة
روما التي انشأت المحكمة. اوكامبو قال: اذا خرج
البشير خارج المجال الجوي السوداني فانه يمكن
اعتقاله.
والسؤال: من هي الجهة التي سوف تنفذ هذا الاعتقال؟
ليس من المتصور ان تقدم دولة عربية على اعتقاله ان
حط على اراضيها زائراً او مشاركا في حدث عربي او
اقليمي. صحيح هنا ان هذه الدولة العربية قد تواجه
نوعا من الحرج السياسي والمعنوي والاخلاقي, اذا هي
استقبلت البشير وتجاهلت مطلب المحكمة الجنائية
الدولية باعتقاله, ولكن هذا الحرج سيكون ثمنا
مقبولا, بدلا من ان تكون مشاركة في اعتقال رئيس
دولة عربية ما زال في سدة الحكم. وربما نشهد مثل
هذا الحرج لدولة قطر, التي ستشهد وقائع القمة
العربية نهاية شهر آذار €مارس€ الحالي, والتي
يزمع حسب ما اعلن رسميا الرئيس البشير ان يشارك
فيها, كما سيشارك في اي قمة افريقية اخرى. لكن مثل
هذه الاحراجات لهذا البلد العربي او ذاك البلد
الافريقي, ستبدو امرا هينا مقارنة بالتداعيات
المتصورة على الداخل السوداني وعلى الوضع في
دارفور وعلى مستقبل السلام في الجنوب. هنا, يلاحظ
بسهولة ان السودان الآن يمر بفترة انتقالية على
اكثر من مستوى: الاول, تعميق السلام في الجنوب
وتطبيق باقي بنود اتفاق نيفاشا, واهمها على
الاطلاق الانتخابات البرلمانية والتشريعية
والولائية المقبلة في صيف هذا العام وخريفه,
وبعدها سيأتي الالتزام الاكبر والاكثر حساسية,
والمتعلق بتطبيق بند حق تقرير المصير لاهل الجنوب
بعد حوالى العام. والمتصور هنا, ورغم موقف الحركة
الشعبية لتحرير السودان, والتي تحكم الجنوب فعليا,
المطالب بالوقوف مع الرئيس البشير بعد قرار
اعتقاله, ان لا يؤيد الجنوبيون البقاء في دولة
السودان بشكلها الراهن, والتي يعتبرها البعض منهم
انها تجلب المشكلات مع العالم الخارجي اكثر مما
تجلب المنافع. بعبارة اخرى, ان قرار انفصال الجنوب
يبدو الآن اقرب من اي لحظة تاريخية سابقة.
والمشكلة ايضاً, ان لا يكون هناك تطبيق سلمي لحق
تقرير المصير وان تعود التوترات بين الجنوب
والشمال الى سابق عهدها وان يعلق تطبيق اتفاق
نيفاشا. ومن غير المستبعد ان يتم التهديد بخيار
كهذا واللجوء الى ارباك حسابات الآخرين في الداخل
والخارج, ولكنه خيار سيكون مدمراً, لانه سيجر معه
توترات اكبر في دارفور, ومن ثم, وبدلا من التركيز
على حل سياسي في مدى زمني مناسب وتوظيف ذلك لاحقا
لوقف العمل بمذكرة الاعتقال عبر مجلس الامن, سيكون
هناك المزيد من الاتهامات والمزيد من الملاحقات.
ويرى مراقبون ان الحكمة تقتضي الفصل بين ما يجري
في دارفور وما يجري في الجنوب, وتقتضي ايضا
التأكيد ان سلام دارفور وامنها وتنميتها له
الاولوية في حسابات الحكومة وحسابات الرئيس قبل اي
شيء آخر, ليس لدفع الاتهامات, وانما لأن هذا هو
الحق الطبيعي لاهل دارفور وعموم اهل السودان.
هكذا, فإن الوضع في دارفور لن يكون مستثنيا من
التوترات والعنف والدماء. فحركات التمرد التي ترى
في قرار اعتقال الرئيس انتصارا كبيرا للعدالة
والمحاسبة, ستعمل على استثماره سياسيا, ليس للحصول
على مكاسب عبر مفاوضات او مبادرات سياسية عربية او
افريقية, بل عبر العمل المكثف لتغيير الواقع في
الاقليم المنكوب لصالحها ولصالح فرض حل عسكري تراه
بات اساسيا ولا مفر منه, بل ترى ان قرار الاعتقال
للرئيس البشير يعفيها من اي مسؤولية ازاء معاناة
اهل الاقليم, وكأنها لم تشارك في جرائم الحرب او
عمليات الهجوم على المدنيين, وهو الامر المشكوك
فيه قطعاً. باختصار انه عمر البشير على طريقة
صدام يجد نفسه فجأة €مع سابق انذار€ في "الحفرة"
التي حفرها اوكامبو, وهي في مداها الامني والسياسي
والاستراتيجي اعمق من حفرة صدام. هو السودان يجد
نفسه, مرة أخرى, مهدداً بالتفتيت والتجويع والحصار
لان المنظمات الانسانية العاملة في دارفور بدأت
تحزم حقائبها للرحيل. وسواء افترضنا ان العدالة
الدولية مسيسة أم لا, فإن السودانيين €ودول الجوار
السوداني€ سيدفعون الثمن في نهاية المطاف. |