|
فلاح
العكيلي
الأخلاق تعني أيثار الغير على الذات , و تعني دفن
الضغائن و الأحقاد و التسامح و الدعوة إلى وحدة
الصف و جمع الكلمة و نبذ الخلاف و الاختلاف المؤدي
إلى الفرقة ... و الأخلاق هي صفاء الروح و نقاؤها
من شوائب الرذائل ثم السمو بها في عالم الملكوت
لتقف الموقف الذي وقف به الرسل و الأنبياء و عباد
الله الصالحون ... فالأخلاق منهاج الصالحين , و
الهدف الرئيس في دعوة الأنبياء و المرسلين , و قد
قال الرسول الكريم محمد ( ص ) في بيان دعوته ((
أنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )) . فبالأخلاق
الرفيعة يلبس الإنسان ثوب أدميته و من دونها يرفع
عنه الحياء فيتحول من جنس الإنسانية إلى صورة وحش
مفترس في قالب إنسان عامل على تحويل ما يحيط به
إلى شريعة الغاب ... فبالأخلاق تنهض الحياة و ينهض
معها الأمن و الأمان و يسود العدل و تحفظ الأمانة
و ينتشر الإحسان , و إذا ضعفت انخرط عقد الحياة
بانحلال أواصرها و عندئذ تتفشى و يؤخذ البرئ
بالقيم ... و لذلك دخلت الأخلاق في النفوس في
السلم و الحرب , في السلم كان لها في كل زاوية من
زوايا البناء النفسي و المعنوي نصيب , و أصبحت
محورا رئيسيا لقوانين الحرب وصفة ملازمة للبطولة و
الشجاعة فهي إحدى المستلزمات الرئيسية للانتصار
على العدو ... اهتماما خاصا بأخلاق المقاتلين عند
مواجهتهم لأعدائهم فلا غرابة عندما نجد إن العرب
يولون اهتماما خاصا بأخلاق المقاتلين عند مواجهتهم
لأعدائهم , و أن أي خروج على أخلاق القتال و الذي
تعارفوا عليه ( شرف القتال ) يعد - ذلك الخروج -
عار لأدميته عار يلتصق بالفرد و القبيلة معا ,
فكان الجبن أمام العدو أو القرار منه أهون من
انتهاك قواعد القتال ... و قد أكد الإسلام هذا
الشرف على التمسك و الالتزام به , وقد اتضح جليا
من خلال سيرة الرسول محمد ( ص ) في حروبه مع أعداء
الإسلام و من بعده الخلفاء الراشدين ( رض ) فكان
الأمام علي ( ع ) يوصي قادة الجيوش (( لا تقتلوا
مدبرا , لا تجهزوا على جريح و لا ترعبوا امرأة أو
تروعوا طفلا أو تقطعوا شجره و أن يحقنوا دم كل من
نطق الشهادتين أو ألقى سلاحه )) وقد أوصى ( ع )
بأهل الذمة خيرا من اليهود و النصارى . و قد أولى
الإسلام عناية خاصة بالأسرى فقد ذكروا في آيات
متعددة من القران الكريم . قال تعالى : ( و يطعمون
الطعام على حبه مسكينا و يتيما و أسيرا ) 1 ) .
لكن البعض و للأسف قد تبرأ من نعمة الأخلاق التي
أسبغها الله تعالى عليه فتنكر لأدميته و تلذذ بقتل
الشيوخ و الأطفال و ترويع النساء و حرق البيوت ...
فما الذي جعل قلوب هؤلاء أقسى من الحجر ؟! ضعف
الوازع الديني أم موت الضمير الإنساني ؟ فلا يخفى
على ذوي الألباب بان الأهواء المضلة و أتباع الهوى
و الإطماع غير المشروعة و السير في ركب الشيطان و
الوقوع في مصيدة مكائده و الاصطفاف خلف رايات
البدع و الضلال. قد سلبت من هؤلاء القلوب و العقول
فأصبحوا وحوشا كاسرة أو دمى تحركها أيدي العابثين
و المفسدين , لقد أضاع هؤلاء صوابهم فطارت الحكمة
لفقدانهم عقولهم , و تجردوا من العواطف بتحجر
قلوبهم و لذلك تبخرت أخلاقهم و ماتت ضمائرهم ,
فدارت أجسادهم الخاوية بالفتن كما تدور الرحى
بقطبها ... لذا يتوجب على ذوي البصائر أن يقفوا
بوجه هذه الظاهرة الغريبة التي أصبحت بابا لكل سؤ
و مفتاحا لكل شر و معولا لهدم كل بناء ... و سعوا
إلى تحصين المجتمع بنشر التعاليم الدينية السمحة و
تفعيلها بالأفعال و الأعمال لا بالأقوال , و أثارة
الضمير الإنساني و تحفيزه من خلال التذكر بأصالة
الأنساب و عراقة الاحساب و مد الجسور بين الماضي
المجيد و الحاضر و التمسك بالمنهج الذي رسمه السلف
الصالح و الاقتداء بسيرة الرسول محمد ( ص ) و سيرة
اله الطيبين و أصحابه الأتقياء . و صدق الشاعر حين
قال : " أنما الأخلاق تنبت كالنبات .. أذا سقيت
بماء المكرمات |