|
الشعر ثورة. والثورة تغيير إيجابي نحو الخير
والمحبة والعطاء النبيل. وكتابة الشعر نشاط
إبداعي, فكري , عاطفي, نفسي وروحي. تتجلى فيه
إمكانيات صياغة ما تحتويه الأعماق الإنسانية ,
بعبارات خالدة ذات سمات مميزة لها, وملامح تعبر
عنها فقط. والقصائد الشعرية تختلف , مثلما هي
بصمات أصابع كتابها . فلا توجد قصيدة تشبه أخرى ,
ولا تعبير مثل آخر, لأن الإبداع ثورة متجددة مع
تبدل أحوال الزمن ومظاهر الأيام وعقائدها
وتصوراتها وما يتوفر فيها من وسائل المعرفة
والإدراك. والشعوب الحية الطامحة إلى صيرورة فاضلة
ومسيرة مؤثرة في الحياة, تمتلك مهارات صياغة
الرموز المعبرة عن أفكارها وتصوراتها ورؤاها. ومن
هذه المهارات, القدرة على كتابة الشعر , التي
تستحضر المستقبل وتسكبه في بدن القصيدة لتحقق
الرؤية السبّاقة في المجتمع , فيكتسب الطاقات
والقدرات اللازمة للوثوب إلى أمام, بثقة ووعي
وتقدير لقيمة خطواته ومعاني أهدافه. ووفقا لهذا
فأن الشعر يساوي الحياة. والأمم التي تمارس حياتها
تكتب شعرا , ولذلك ترافق الشعر مع الحضارات. ولعين
السبب ورثنا ملحمة جلجامش وأخواتها من الأساطير
الشعرية الخالدة , عندما بدأت اللبنات الأولى
للحضارة البشرية , وعبّرت عن ارتقائها من قاع
الحاجات إلى قمتها الإبداعية والروحية. كما أن
الشعر هو العنوان الحضاري الساطع , والدليل الأكبر
على أن الأمة والشعب قد ارتقت بوجودها من السعي
لإرضاء الحاجات الفسلجية والبقائية من طعام وسكن
وماء وغيرها , وتمكنت من ذلك, وصعدت بدورها
وتفاعلاتها إلى مستويات عالية من التعامل مع عناصر
الوجود الأرضي, فتجلت وتألقت مهاراتها في الشعر
والموسيقى والفنون والآداب, وكل هذه الفنون لا
يمكنها أن تنفصل عن الشعر لأنه رائدها وقائدها
الخلاق. ومن يتجول في شواهد الحضارة الإسلامية
ومعالمها, سيجد مكتوبا عليها الكثير من الأشعار
التي تشير إلى مدى التسامي والارتقاء المعرفي
والفكري الذي أوجدها. وبرغم أن الشعر كان غير محبب
- كما يتوهم البعض- في بداية السطوع الإسلامي, لكن
أشهر القصائد التي لا زلنا نرددها هي قصيدة البردة
للشاعر زهير بن أبى سلمى, وأن الصحابي حسان بن
ثابت, قد رافق النبي (ص) بشعره, وأصبح الواجهة
الإعلامية التي تصوغ المعاني الخالدة للحضارة
الإسلامية في أبيات شعر صافية وكثيفة المعاني
والإضاءات. فكان الشعر الذي أبدعه هذا الصحابي
عبارة عن ثورات فكرية وإنارات عقلية تلهب الخيال
وتحث الخطى إلى المستقبل , الذي جسدته وأشارت إليه
بثقة وإيمان وقدرة على التحقق , مستوحيةً
موضوعاتها وأفكارها من وحي السماء ونبيها. وهكذا
نرى أن أية إشراقة حضارية لابد لها أن تترافق مع
نهوض شعري وتعبير فكري خالد, يصنع شعارات المرحلة
ومنطوق الصيرورة فيها. ومن يتأمل ثورة الإبداع
العربية في ما يسمى بالعصر الجاهلي العربي, يدرك
عِظم التألق الفكري والثقافة العميقة التي استطاعت
أن تصنع روائع المعلقات الخالدات, والتي أكدت على
تلك الطاقة الهائلة الكامنة في المجتمع , والتي
تفاعلت مع ثقافة السماء , فزخرت الأرض بالتطورات
والتغيرات السريعة التي لم تحصل من قبل. ففي غضون
بضعة عقود تغير واقع البشرية وأصبحت المآذن تصدح
بنداء "الله أكبر" وتجسدت طاقات الإبداع المتنوعة
لتملأ الوجود الإنساني بالرموز الخلاقة ذات
المعاني المؤثرة في حياة الأجيال . وتفجر الشعر
كالبركان , وتوسعت اللغة وحركة المعاجم والتدوين,
وأصبح كل نشاط قائم يشير إلى عظيم الغايات وسمو
الدلالات, فسطعت حضارة الحضارات وشعشعت أنوار
الأفكار والعبارات الساميات. واليوم يعيش المجتمع
العربي في محنة وحيرة, والعراق في أزمة قاهرة ,
وفي هذا العسر الأليم , لابد للشعر أن ينهض بدوره
وأن يعبر عن حالة الوجود التي يجب عليها أن تلد
عناصر الحياة القوية , وتؤسس لمسيرة الأمل والمحبة
والقدرة على بناء الذات والموضوع وتأكيد التحدي
والبقاء والنماء. والذين يقولون موت الشعر فأنهم
يقصدون موت الأمم وسقوطها في حضيض الحاجات وعدم
قدرتها على تسلق سفوح الوجود والاقتراب من قمم
الصيرورة والقوة والنماء. وكرد مؤيد بالأرقام على
ما يرون , لو بحثنا في الانترنيت وذهبنا إلى
"كوكول" وكتبنا كلمة شعر باللغة الإنكليزية Poetry
لظهر لنا الرقم (134000000) ليشير إلى عدد المواقع
والروابط التي تهتم بالشعر أو غيرها. وأما القصة
فستأتي برقم (124000000). وعندما نضع كلمة شعر
باللغة العربية فيظهر لنا الرقم (691000). |