|
مر
صديقي الشاعر زاهد محمد زهدي رحمه الله في مرحلة
مرة من التشرد وضيق العيش ابان العهد الملكي في
العراق كان ذلك بعد طرده ضمن من طردوا من الطلبة
الشيوعيين بعد اغلاق كلية الملك فيصل في بغداد
استطاع الحصول على عمل في مديرية السكك الحديدية
ولكنه عاد الى نشاطه السياسي الذي اسفر في الاخير
عن قيادته لاضراب عمالي كبير عرف في تاريخ العراق
الحديث بأضراب عمال السكك تمخض ذلك مرة اخرى عن
طرده من وظيفته.. راح يجوب المدن العراقية بحثا عن
عمل ارشده صديقه مجلد الكتب قاسم رؤوف في مدينة
البصرة عن حاجة صاحب مكتبه في النجف الاشرف الى
مساعد شاب يعينه في عمله في تحرير الكتب ونشرها
فركب الباص وتوجه الى تلك المدينة المقدسة في عام
1954.
كانت المكتبة على مسافة قصيرة من مرقد الامام
(علي) توجه اليها بكل همة وامل ولكنه وجد صاحب
المكتبة غائبا في اداء الصلاة مع المصلين في الصحن
الشريف ولم يكن اخونا ابو عمار واحدا منهم فجلس
جانبا ينتظر عودته وطال انتظاره ولكن الشاعر
الساخر وقعت عيناه اثناء ذلك على خادمة ايرانية
فاتنة القامة رائعة الحسن تميزت كمعظم الايرانيات
بخدودها الحمر وهو مااعتاد العراقيون على ان
يطلقوا عليه خدود تفاح العجم.
وكما نتوقع من شاعر رومانسي شاب توله وهام بحمرة
خدودها لم يعد صاحب المكتبة واقتضى على اخينا زاهد
ان ينصرف ويأتي في اليوم التالي ثم اليوم الذي
بعده وتوالت الايام والمواعيد وفي كل يوم يواجه
زاهد محمد هذا الوجه الصبوح ويزداد تحرقا اليه
وهياما به لم يكن يحسن الفارسية ليكلمها ولاهي
عرفت العربية لتكلمه وهو مصير مألوف لدى القادمين
من العالم العربي الى عواصم الدول الغربية
ومتنزهاتها.
هكذا قضى الشاعر ايامه في النجف الاشرف بين انسداد
اوجه الرزق وصدود الوجه الجميل والظاهر ان صاحب
المكتبة توجس شرا من وجود هذا الشاب الوسيم في
مكتبه مقابل تلك الخادمة الايرانية الحسناء فصرف
النظر عن توظيفه مساعدا له. ماالذي نتوقعه من
الشعراء في مثل هذا الموقف؟ اليس غير تدفق القريحة
الشاعرية بالقريض؟
كان زاهد محمد زهدي من الشعراء الذين اشتهروا
بقصائدهم السياسية وبصورة خاصة الهجاء منها ولكنني
من المطلعين على الكثير من قصائده واشعاره في
ميادين الغزل والنسيب وان خالطتها روح الدعابة في
اغلب الاحوال كما في هذه الحالة ماخرج من مدينة
النجف الا ومشق قصيدة طويلة يتصبب فيها بتلك
الخادمة الايرانية ومااثارت في قلبه من العواطف
والاشواق وصاغها على طريقته التلقائية في قالب
الشعر الشعبي العامي وبلهجة جنوب العراق الديرة
التي انحدرت منها اسرة الشاعر توجه بخطابه الى
الامام علي بن ابي طالب وهو بجوار ضريحه وفي ظل
قبته ومنائره الذهبية فقال مما قاله في قصيدته
الوجدانية التي اقتطف منها المقطع الاتي والقصيدة
وحكايتها تعكسان هذا الازدواج المألوف عبر العصور
بين الدين والحب محبة الله وعشق الانسان قال
الشاعر:
ياعلي الكرار ياحامي الحمى
ابن ملجم صوبك واجرى الدمى
لكن اني بالقلب بنت ملجمى
صوبتني وخذت عقلي ياعلي!
حرت شأوصف مقتلك او مقتلي؟
وركب الباص وغادر النجف الاشرف الى بغداد خالي
الوفاض لم يحض لابرزق او عمل ولابحب او وصال . |