|
د.عبدالامير مطلك فنجان
منذ عودة الحياة البرلمانية في العراق ، وبدء
التحوّل الديمقراطي بعد تاريخ 9 / 4 / 2003 ،
والآمال تتزايد بضرورة إطلاق حرية التعبير
والاعلام باعتبارها ركيزة لبناء الديمقراطية
والاصلاح والتنمية . وعلى مدار السنوات الماضية ،
فأن حرية الاعلام تشهد أحيانا حالة من الانفراج
والتقدم ، وأحيانا أخرى تحظى بانتكاسات وتراجعات
غير مسبوقة . فلابد من قانون إعلامي ينظم قانون
المطبوعات والنشر وحق إمتلاك المعلومة وفق مناخ
تشريعي يوفر الحماية القانونية للعاملين في الحقل
الاعلامي .
شهد الاعلام العراقي خلال الخمس سنوات الماضية -
صناعة صحافة متطورة في بعضها الى حد بعيد ، لاسيما
في مجال إصدار الصحف اليومية والاسبوعية التي
أغنَتْ التجربة الديمقراطية ، وسجلت جرأة غير
معهودة في تناول قضايا ذات حساسية عالية في الجانب
السياسي العراقي ، وإنْ إتسمَ بعضها بالمهنية
الضعيفة أو عدم مصداقية الخبر . هذا التحرك
الاعلامي في نقد الحكومات المتعاقبة خلال السنوات
الخمس الماضية ، والرقابة على أعمالها ، في مجمله
لم يحظ بالرضا في بعضه . في حين أعتبر البعض عنصر
الاعلام - مصدر توتر ومشاكل في كل الاتجاهات ،
وذلك يعود الى أن الشعب العراقي جديد على
الديمقراطية من ناحية ، والحكومات المتعاقبة لم
تألف بعد صناعة ثقافة الرأي والرأي الآخر من ناحية
أخرى . وبالتالي نحن بحاجة الى الوقت لتغذية منابع
الاعلام عن قناعة وإيمان . بين فترة وأخرى نقرأ
توعد هذا المسؤول لهذه أو تلك الصحيفة نتيجة
إنتقاده لعمل المسؤول أو عرضه لجزء من فساد مالي
وإداري كبير . وقد قدّم الاعلام العراقي الكثير من
شهداء الكلمة ونزاهة القلم ، في بيئة لا زالت لا
تحتضن حرية الاعلام وتبغي التبعية ولا تدافع عنها
. ظلّ الصحفيون زوارا" للمحاكم واحيانا" للسجون ،
دون وجود مؤسسات مدنية حكومية أو غيرها تدافع عنهم
بشكل فعال . لقد كشفت السنوات الماضية - الحاجة
الملحة لتطوير الدعم القانوني للاعلاميين وتوفير
المساعدة القانونية لهم . بات من الضروري تكليف
محاميين للدفاع عن الاعلاميين الذين يتعرضون
للتوقيف أو المحاكمة في أثناء تأدية واجبهم المهني
. والعمل على تعزيز الثقافة القانونية للاعلاميين
ومساعدتهم على ممارسة حقهم الدستوري في التعبير
والدفاع عن حق المجتمع في المعرفة دون إنتهاك
محارم القانون المحددة . أقترح تفعيل خط ساخن
للتواصل بين الاعلاميين والمحاميين الذين يعملون
تحت مظلة جهة قانونية محددة من قبل الدولة
للاستعانة بهم في الظروف الطارئة اللواتي تواجه
وسائل الاعلام في أثناء تأدية العمل . وهنا إنّ
إقامة منتدى لتبادل الخبرات حول حرية الاعلام بين
القضاة والاعلاميين ليعطي محصولا" طيبا" يصب في
مجرى تصحيح المسارات الخاطئة عمدا" أو سهوا" بين
الجانبين . لو تأملنا بموضوعية الى الصحف العراقية
المحلية - اليومية للاحظنا عددا منها يحظى باهتمام
الرأي العام ، ويقطع المواطن مسافة لاقتناء هذه
الصحيفة أو تلك .. لماذا ؟ ذلك يعود الى ثقافة
الاسرة الصحفية العاملة ، وأعتدال الطرح ، ونبذ
القدح ، وإلغاء الهجوم على أحد دون حجة أو بينة
ملموسة على الارض ، وبالتالي سيكون الصحفي قد ساهم
في رسم صورة حضارية جديدة للمجتمع العراقي ، تعتمد
على صدق المعلومة المتداولة ، وإنتقاد الخطأ
والعمل على تصحيحه . وهنا يكون قد جسّد الدور
الحقيقي للاعلام الحضاري النزيه . ويساهم الاعلام
الايجابيّ بفعالية في التغيير والاصلاح لاسيما في
بلد قد أنهكتهُ الحروب مثل العراق . إذن على
الاعلام العراقي أنْ يقود المواطن الى معرفة
الحقائق السياسية والاجتماعية والاقتصادية بآليات
شتى لكي تحصل ثقة وتوافق بين الاثنين . فلابد من
دور ريادي للاعلام الهادف لارشاد المواطن عن
الحلول والآليات الكفيلة باصلاح الروح من الداخل
أولا" كمدخل للتغيير والاصلاح في المجتمع العراقي
، إذ من غير المنطق أنْ تتحول المواصفات الثقافية
للمواطن العراقي عموما" لترتقي الى مواصفات
المواطن السويسري مثلا" بين ليلة وضحاها ، إذ أنّ
صناعة وتأسيس الثقافة في المجتمع تحتاج الى جيل من
المفكرين والمبدعين القادرين بالنهوض والصعود
بالمجتمع الى درجات أعلى مما عليه الآن من جهة ،
وتوفر الارضية الخصبة للاستماع والتنفيذ على فرض
توّفر وسائل الاعلام الهادفة من جهة أخرى . لقد
اشترط الله تعالى لحفظه الانسان والوطن من المخاطر
التي تحدق بهما أن يصلحا علاقتهما به فقال عزّ من
قائل : ( انّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما
بأنفسهم ) فهل نفذنا ذلك يا ترى ! سؤال بسيط يطرح
نفسه : لو سنحت لاي مواطن فرصة سرقة مال معين دون
ملاحظة الرقيب ودون أن يعلم به أحد - ترى ماذا
سيكون فعله ؟ إذا إستطعنا الاجابة على هذا السؤال
كلا" من موقعه سنعرف الاسباب الجوهرية التي تعيق
تقدم البلد وتمنعنا من الوصول الى المستوى الثقافي
الذي وصل اليه المواطن السويسري ، مع إختلاف
الديانة في البلدين ، والمفروض ان كفة الميزان
الدينية تميل الى صالحنا وليس العكس . إذن التغيير
عملية إنسانية وأخلاقية للوصول بالمجتمع الى أهداف
سامية ترتقي في مضمونها الى الاريحية في بناء
الذات وإصلاح الاخر بالكلمة الطيبة ما أمكن الى
ذلك سبيلا ! هنا يلعب المثقف و الاعلامي بساحة لعب
خالية من الثيل وبالتالي فهو معرض الى السقوط ،
وربما يتعرض الى السقوط وقد يجرح أو ينكسر لا سمح
الله تعالى . إخوتي في الوطن إن التحوّل التاريخي
نحو الديمقراطية والتقدم - لا يكون بالكلام أو
الشعار بل بالسلوك ، والعمل الصالح . إن ثقافة
القرآن الكريم نطلقها عبر ألسنتنا ونستعرضها من
خلال شعاراتنا ونضيفها الى أدبياتنا ، لكنها
مفقودة في السلوك اليومي ، والعمل على وضع العديد
من العراقيل أمام التقدم متخذين صنم الذات والهوى
سلوى لافكارنا ، والرغبة في الهيمنة دون إستحقاق ،
فلا نملك الاستعداد للتنازل عن الافكار والمواقف
التي نؤسس لها حتى وإن كانت خاطئة ، لا لشئ سوى
إنها صدرت من فلان العلاني وبالتالي لا يجوز
النقاش أو التغيير . رسالة أوجهها الى كافة
الزملاء والمثقفين والاعلاميين العراقيين على
ضرورة توجيه المواطن العراقي و التركيز على إصلاح
النفس من الداخل عبر سلسلة مقالات مؤثرة وبلا
هوادة ، إضافة الى وسائل الاعلام الاخرى ، إذ إن
المجتمع العراقي حاليا" محمل بأكثر من طاقته ،
وفقد بذلك خيوط الاتزان ليعيش ببراثن الفساد
المالي والاداري ، ويحطم البلد فتضيع آمال أولادنا
وأحفادنا. |