|
حميد
المنصوري
ثَمَّة أحداث ومستجدات على محور طهران- دمشق وما
يدور حوله من أحزاب وميليشيات، وهو ما يتطلب
التفاعل والتعامل معه وفق رؤى واستراتيجيات واضحة
الأهداف والسبل، تحافظُ على المحور وعقيدته أو
تؤدي إلى تفككه بسبب المصالح القطرية
والبراجماتية. فهذا المحور يراه الكثير من الغرب
والشرق سبباً رئيسياً في عدم استقرار المنطقة من
العراق إلى لبنان وفلسطين، وأنه يُشكل عائقاً أمام
عملية السلام في الشرق الأوسط، كما يرى البعض أن
له أهدافاً بعيدة المدى في هذه المنطقة لاسيما
الخليج الذي يُعد من أهم مناطق العالم من الناحية
الاستراتيجية. والواقع أنه كلما ازدادت أطراف
الصراع قوة أمام بعضها بعضاً، كان هناك حافز إما
على التفاوض والمقايضة بين الأطراف المتصارعة أو
على الصدام المسلح.
لقد بدا وكأن هذا المحور يسعى إلى تحقيق أهداف
كبيرة من خلال الصراع مع إسرائيل والتشويش على
واشنطن في العراق وإعادة بسط النفوذ والقوة
العقائدية والقومية في بلاد الرافدين ولبنان
وفلسطين والخليج أيضاً، ولكنه يفتقد، من جهة أخرى،
الكثيرَ من المصداقية لدى الدول العربية، بل إن
الخلافات هي السمة الأبرز في علاقة هذا المحور
بدول الجوار، ولا نتصور أن أحداً من أطراف هذا
المحور، يستطيع الكسب في صراعاته الأمنية
والسياسية والاقتصادية إذا ما خسِرَ أحدُ أطرافهِ،
وذلك بسبب استراتيجية المصالح والترابط العقائدي
والسياسي. ولكن هذا المحور في الحقيقة يسعى في
صراعاته الإقليمية والدولية إلى إعادة الصراع
بصورة تجعله أكثر قوة، لكي يستطيع التفاوض
والمقايضة بصورة تكون أفضل منها في حالات الضعف،
فالسادات مثلاً لم يستطع التفاوض مع إسرائيل إلا
بعد حرب أكتوبر، وها هي دمشق على طاولة الشطرنج مع
تل أبيب للتفاوض بعد أن كانتا على الطاولة نفسها
وفشلتا في إيجاد حالة سلام بين الطرفين عام 2000
بعد أن أصرت دمشق على استعادة هضبة الجولان كاملة
حتى ضفاف بحيرة طبريا التي تعتبر أكبر خزان من
المياه العذبة لإسرائيل، فقد تحرك المسار السوري
بوساطة تركية رغم ما يُقال عن استمرار قنوات
الاتصال بين دمشق وتل أبيب بواسطة رجل الأعمال
اليهودي الأميركي "رون لاودر" رغم ما يبدو من
مظاهر الصراع بين الطرفين، وهو ما يأتي في سياق
رغبة تل أبيب في إضعاف دمشق التي تريد بدورها أن
تكون طرفاً قوياً لكي لا تقدِّم تنازلات كبيرة في
عملية السلام. قد نرى أن توجُّه سوريا إلى طاولة
المفاوضات مع إسرائيل في قضايا تخص دمشق
"القُطرية"، وليس دمشق "القومية"، سيُخِل بتماسك
هذا المحور، لأن إسرائيل ستُلزم سوريا في حالة
التفاوض بتجميد تحرك "حماس" وضبط "حزب الله" أو
قطع الإمدادات عنه، وهنا يَفقد هذا المحور قوةً
كبيرة من التماسك والمصداقية القومية والعقائدية.
ولكن نجد، من جانب آخر، أن تصريحات "حماس" بشأن
المفاوضات المتوقعة بين دمشق وتل أبيب لا تعكس أي
صدمة، فـ"حماس" اعتبرت أي مفاوضات سورية-
إسرائيلية محتملة شأناً سورياً داخلياً، وهو تصريح
يدل على الترابط القوي، والدليل على ذلك هو أنها
وافقت على التهدئة في غزة وقدمت تنازلاً في موقفها
بالتزامن مع الحراك السوري- الإسرائيلي للمفاوضات.
أما إيران، فقد صرحت بأنها لا تمانع في إجراء
مفاوضات بين سوريا وإسرائيل ما دام الهدف هو
استعادة أراضي الجولان المحتلة، كما أن طهران لا
تشعر بالقلق على المحور، لأن استعادة الجولان عبر
التفاوض استراتيجية سورية قديمة. ولنا أن نتذكر أن
منظمة التحرير الفلسطينية عندما اتجهت إلى التفاوض
والسلام مع إسرائيل بعد حرب الخليج الثانية، حدث
مستجدان مهمان الأول تصاعد الخلافات السورية مع
"فتح"، لدرجة وصلت إلى حد التراشق الإعلامي، كما
اتجه الأردن في بداية التفاوض إلى السلام مع
إسرائيل، لكي لا يخسر في عملية السلام الفلسطينية
رغم أنه على علاقات سرية وطويلة مع إسرائيل. لن
تكون المفاوضات السورية- الإسرائيلية ناجحة من دون
طهران، فالجولان لن تساوي العقيدة القومية وخسارة
"حماس" و"حزب الله" وفقدان إيران كحليف استراتيجي.
الحقيقة أن التفاوض حول الجولان المحتل قد يفشل
لما تحملهُ الهضبة من موقع استراتيجي عسكري وأمني
لا يمكن للتفوق العسكري الإسرائيلي أن يعوِّض
أهميتَه، كما أن الجولان قد يرجع إلى سوريا جزئياً
أو كلياً ويكون منزوع السلاح، ولكنْ لا شك في أن
هذه المفاوضات ستحمل الكثير لإسرائيل من حيث كفُّ
يد "حماس" و"حزب الله"، إذا ما تم التوصل إلى
اتفاقية سلام مع سوريا. وفي ميزان الربح والخسارة
نجد أن سوريا ستسترجع الهضبة دون حرب ويُقدَّم ذلك
على أنه إنجاز كبير للأسد الابن، وهو ما يضفي عليه
شرعية تختلف عن شرعية الأسد الأب، لأن شرعية
النظام تتجدد بصورة تختلف عن الماضي، كما تتحسن
العلاقات مع واشنطن والغرب، أما إسرائيل فستكسب
بقطع ذراع طهران في الجوار الإسرائيلي وعزلها كما
تعزل "حماس" و"حزب الله". أما القراءة الأخرى لأي
صفقة، فإن الطرفين يخسران الكثير، فإسرائيل تخسر
أرضاً استراتيجية أَمْنية مقابل السلام، وسوريا
تَحرِقُ مؤلَّفاتها وسجلها القومي.
وهكذا نجد أنه في الوقت الذي تجلس فيه دمشق إلى
طاولة الشطرنج، فإن طهران، الطرف الآخر والأهم،
نظراً لموقعها الجغرافي وثروته التي تعني الكثير
للاقتصاد العالمي، وعمائمهِا السود التي تحرك
وتتحكم في الكثير من الميليشيات والتجمعات
البشرية، وحتى في بعض أصحاب القرار السياسي، تتجه
إلى طاولة البلياردو التي تحوم حولها التحركات
العسكرية الأميركية من خلال إرسال حاملة طائرات
ثالثة إلى الخليج، وإدراج إيران ضمن الدول الراعية
للإرهاب، لا سيما على خلفية تمسكها ببرنامجها
النووي في وقت وردت الأخبار عن قيام واشنطن بتخزين
احتياطها النفطي استعداداً على ما يبدو لأي طارئ،
وربما تنفيذاً لسيناريو ما قبل انتهاء ولاية بوش.
إلا أننا نستبعد حدوث مواجهة عسكرية، فرغم وجود
طهران على طاولة البلياردو التي سيَخرُج منها كاسب
واحد أمام الآخر الخاسر، فإن هذه الطاولة قد تتحول
إلى طاولة مفاوضات، إذ لو كانت واشنطن تريد الدخول
في حرب مع طهران ما رأينا تل أبيب ودمشق تتجهان
إلى التفاوض، كما أن الساحة الإقليمية والدولية لن
تجعل أميركا وإيران تدخلان حرباً لأسباب اقتصادية
وسياسية وأمنية، فواشنطن ترغب في تحقيق الاستقرار
من خلال التواجد العسكري في المنطقة لمحاصرة إيران
وفرض الأمن والاستقرار، وإذا كان لا بد من عمل
عسكري، فإنه لن يخرج عن ضربة أميركية جزئية موجهة
للمفاعلات النووية الإيرانية مستقبلاً وقبل توليد
الطاقة النووية فيها، دون أن تدخل في مواجهة
مباشرة واسعة.
وإذا كانت سوريا في طاولة الشطرنج تفاوض وتساوم،
وربما تقايض إسرائيل فإنها تشترط دخول واشنطن في
المفاوضات على غرار عملية السلام المصرية، فإن
إيران على طاولة البلياردو تتجه إما إلى الكسب أو
الخسارة على هذه الطاولة أو الاتجاه، كما سوريا،
إلى طاولة المفاوضات والمقايضات الأمنية والسياسية
والاقتصادية بعد تحديد الأحجار على طاولة الشطرنج،
فتسقط أحجار وتبقى أخرى بين أيدي أطراف اللعبة.
وأخيراً إذا كانت طهران على طاولة المفاوضات
والبلياردو، فلن تكون المفاوضات السورية-
الإسرائيلية ناجحة من دون طهران لأن الجولان، وإنْ
رجع كاملاً، لن يساوي العقيدة القومية العربية
وخسارة لبنان و"حماس" و"حزب الله"، وناهيك عن
الخسارة الفادحة بفقدان إيران، الحليف الاستراتيجي
القوي.
وبين حساب الكسب والخسارة، وباللعب على طاولة
البلياردو تارة وعلى طاولة الشطرنج تارة أخرى،
يصعب التكهن بما سيستقر عليه الموقف السوري، وإن
كنا نرى أن هناك تنسيقاً في كل خطوة مع حلفائها في
المحور أينما اتجهت بوصلة التفاوض. |