القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

  السنة الثالثة العدد (574) الثلاثاء 6 / ايار / 2008م ـ 29/ ربيع الثاني / 1429 هــ

سـابـقــة الـغــزو فــي الــنـظــام الــعــربــــي

 خليل علي حيدر
مثـّل (اتفاق أوسلو) عام 1993، على الرغم من مساوئه الظاهرة، نقطةً مهمةً في تأكيد اتجاه الصراع العربي- الإسرائيلي إلى التسوية، لا على صعيد المسار المصري- الإسرائيلي فحسب، وإنما على صعيد أهم مسار في الصراع وهو المسار الفلسطيني- الإسرائيلي..
هكذا يقول د. أحمد يوسف أحمد، مدير معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة. وكان اعتراف إسرائيل في هذا الاتفاق بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني، نقلة تاريخية إذا قيست بالادعاءات الصهيونية السابقة بخصوص أرض فلسطينية وشعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة للاتفاقية، فلا أحد ينفي أن بعض الاتفاقيات السيئة قد قادت إلى الاستقلال السياسي في عدد من تجارب التحرر الوطني في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
ثم جاءت قمة كامب ديفيد لتكون لحظة كاشفة، هذا هو أقصى ما تستطيع إسرائيل أن تقدمه بتركيبتها السياسية الراهنة، وفي ميزان مختل للقوى لصالحها، ولم يكن بمقدور أكثر الفلسطينيين اعتدالاً، يقول الباحث، أن يقبل ما تطرحه إسرائيل، ومن هنا كانت الانتفاضة، التي عجل بها السلوك الاستفزازي لشارون بزيارته للمسجد الأقصى.
ولقد طرحت انتفاضة الأقصى أسئلة مهمة حول مستقبل الصراع: هل تعني الانتفاضة أن مستقبل تطور الصراع في مسار تفاوضي قد قضي عليه؟ الواقع، في رأي د. أحمد يوسف، أن إعمال العاطفة قد يغري بالإجابة بالإيجاب، غير أن إمعان النظر يفضي إلى شيء أكثر تعقيداً، فلعل انتفاضة الأقصى "قد قضت على مسارٍ للتسوية وليس على مسار التسوية".
أخفق النظام العربي في أعقاب غزو صدام للكويت في أن يفرز صيغة مؤسسية جديدة لحماية أمنه. وأخفقت كذلك المحاولات المتكررة في مؤتمرات القمة. والواقع أن تطور الصراع منذ هزيمة 1967 يشير في اعتقاد الباحث، إلى النموذج نفسه. فرغم قبول العرب بالتسوية في أعقابها، فإنهم وجدوا أنفسهم أكثر من مرة مضطرين لاستخدام القوة لإجبار إسرائيل على التسليم بتنازلات لم يكن ممكناً دونها تقدم التسوية من وجهة النظر العربية. فمثلاً، قبل الرئيس جمال عبدالناصر في نوفمبر 1967 القرار 242، لكنه احتاج إلى الاستنزاف كي تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة لتقديم مبادرة "روجرز" في يوليو 1970. وعرض السادات عرضه الشهير للتسوية في فبراير 1971، ولكنه اضطر لخوض حرب 1973 كي يجعل إسرائيل تقبل بالجلاء عن سيناء. وقبل الفلسطينيون منطق التسوية التاريخية بدولة إسرائيلية في حدود ما قبل 1967 ودولة فلسطينية على الضفة الغربية وقطاع غزة في أعقاب حرب 1973، ضمن صيغة "قمة فاس" عام 1982، غير أنهم لم يتمكنوا من تحقيق أي إنجاز يذكر إلا في أعقاب انتفاضة ديسمبر 1987، والتي دامت حتى عام 1990 وأزمة احتلال الكويت وحرب الخليج الثانية.
ويعتقد الباحث أن كل خبرات حركات التحرر الوطني تشير إلى أن صراعها المستمر مع المستعمر ينتهي بالاستقلال، ومن هنا، فـ"مآل الحالة الاستعمارية الإسرائيلية الراهنة هو الانهيار". ولا يقصد د. أحمد هنا الزوال المادي لإسرائيل، وإنما انهيار البنية الصهيونية كما حدث للبنية العنصرية في جنوب أفريقيا، حيث أدت الديمقراطية إلى هيمنة الأغلبية السوداء على السلطة السياسية. ولنا على أية حال أن نتساءل: هل سيكون مثل هذا "السيناريو" نهاية القضية الفلسطينية وزوال الدولة الصهيونية؟ وهل درس الفلسطينيون والعرب أساليب النضال السياسي في جنوب أفريقيا؟ وهل نجحوا في كسب الرأي العام العالمي كما فعل السود هناك؟ وهل كفوا عن الإعجاب بهتلر وصدام حسين وبن لادن؟ لا أدري!
حاول الباحث في هذه الورقة المطولة المقدمة إلى "ندوة المشروع الحضاري النهضوي العربي"، فاس 2001 والذي نستعرض أوراقه وأبحاثه لإشراك القارئ في هذا "المشهد النهضوي"، أن يحلل الواقع العربي من منظور المشروع الحضاري. فتحدث أولاً عن حالة الصراع العربي-الإسرائيلي، وانتهى إلى ما بيّنا من احتمال، ثم انتقل إلى ما أسماه "حالة الأمن القومي العربي في منطقة الخليج".
ويُبدي الباحث في بداية حديثه هنا ملاحظة في غاية الأهمية: هل عرف النظام العربي ظاهرة الصراع بين وحداته، أم أن هذا الصراع رافق صعود الحركة القومية؟ ويرى الباحث أن هذا الصراع قديم، غير أن صعود حركة القومية العربية، "حوّل هذه الصراعات من مجرد صراعات على مراكز النفوذ داخل النظام إلى صراعات من أجل تغييره". وكان وجود الزعامة القومية القوية قادرة على الحد من هذا الصراع، وهذا ما أكدته أزمة احتلال الكويت.
جابه النظام العربي في العقد الأخير من القرن العشرين كارثة كبرى، تمثلت في عدوان نظام صدام على الكويت، فجابه هذا النظام حالة غير مسبوقة من الصراعات العربية. ويميز د. أحمد ثلاثة اختلافات عن الصراعات السابقة في العالم العربي جديرة بالتأمل والاعتبار!
الأول، أن هذه الحالة كانت حالة غزو وضم شامل من دولة عربية لأخرى منذ نشأة النظام الرسمي العربي عام 1945. وقد عرف النظام حالتين للمطالبة الإقليمية لم تتطور أي منهما إلى مواجهة مسلحة، كما عرف العديد من صدامات الحدود الجزئية.
الثاني، أن هذا الصراع قد أفضى إلى انقسام عربي حقيقي إلى معسكرين شبه متوازيين. "صحيح أن دولة عربية واحدة لم تؤيد غزو العراق للكويت" -وهذه جملة عجيبة لغوياً لأنها قد تعني أن كل الدول أيدت عدا واحدة، وتعني كذلك عدم تأييد أي دولة للغزو!- ولكن اختلاف المناهج بين الدول العربية في مواجهة واقعة الغزو، جعل من الممكن تصنيفها إلى دول مؤيدة للعراق من الناحية الواقعية وأخرى مؤيدة للكويت. وكان الملاحظ في الأزمات السابقة، خروج دولة عربية واحدة على مألوف سلوك النظام ومعاييره، وتكتل باقي الدول ضدها في محاولة لإعادتها إلى احترام ذلك السلوك وتلك المعايير. حدث هذا في حالة ضم الأردن للضفة الغربية من فلسطين في عام 1950، وحالة العراق مع حلف بغداد عام 1955، وأزمة مطالبة العراق بضم الكويت عام 1961، واصطدام الأردن مع المقاومة الفلسطينية في عام 1970، وزيارة الرئيس السادات للقدس عام 1977، ولكنه لم يحدث في حالة غزو النظام العراقي للكويت عام 1990.
الثالث، أفضت أزمة وحرب الخليج في عام 1990 لأول مرة، إلى خلافات حادة بين قطاعات من الجماهير العربية بسبب ملابسات الغزو وتداعياته، وقد كان هذا أيضاً ملمحاً جديداً في نموذج الصراعات العربية -العربية، التي كانت تتم أساساً في السابق بين الحكومات العربية. ونجم عن هذه الأزمة تدخل دولي- عربي واسع النطاق شاركت فيه دول عربية رئيسية، كمصر والسعودية وسوريا، في واقعة غير مسبوقة في تاريخ النظام العربي المعاصر، فاقمت من آثار الضربة القاصمة التي وجهها الغزو إلى مفهوم الأمن القومي العربي. وقد حاولت البلدان العربية الرئيسية التي شاركت في التحالف الدولي أن تعالج هذه الآثار الخطيرة من خلال إعلان دمشق في مارس 1991، بعد تحرير الكويت بأيام، وتضمن الإعلان النص على "العمل على بناء نظام عربي جديد من أجل تعزيز العمل العربي المشترك". ولكن الترتيبات الأمنية العربية تعثرت، وتم سحب القوات المصرية والسورية من الخليج بحلول يونيو 1991. وهكذا أخفق النظام العربي في أعقاب غزو صدام للكويت في أن يفرز صيغة مؤسسية جديدة لحماية أمنه. وأخفقت كذلك المحاولات المتكررة في مؤتمرات القمة، وبخاصة قمة 1996، التي لم يدع إليها العراق أصلاً. وقيل في تبرير ذلك وقتها، إن حضور العراق سيُفجر القمة.

خطوة للأمام خطوتان للوراء

 حسن مدن
احتفل صحافيو العالم والمنظمات المعنية بالدفاع عنهم، وكذلك القوى والشخصيات المعنية بقضايا حرية التعبير والبناء الديمقراطي في العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يُصادف الثالث من مايو.
لكن الحريات الصحافية في العالم، رغم ذلك، شهدت انخفاضاً في عام 2007.
هذا ما تذهب إليه منظمة "فريدوم هاوس" في معرض تقييمها لحال الصحافة والإعلام في العام الفائت، حيث لاحظت أن الكثير من الصحافيين يعملون في بيئات معادية للحريات. وحسب دراسة أعدتها المنظمة فان حرية الصحافة تتواصل في اتجاهها السلبي منذ ستة أعوام مع تزايد المعوقات التي تواجه التقدم في حرية الصحافة.
ومع أن وضع الحريات الصحافية في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هو الأسوأ في العالم، إلا أن الدراسة لاحظت أن هناك تحسناً ملموساً طرأ في هذا المجال.
ولكن ليس بسبب أن البنى التشريعية الضامنة لهذه الحريات قد تحسنت، وإنما لأن عدد الصحافيين الذين كانوا على استعداد لتحدي القيود التي وضعتها الحكومات آخذ إلى الازدياد مما يؤدي إلى فرض بعض المكتسبات. ويعود دور مهم في ذلك إلى حقيقة أن وسائط الإعلام الجديدة وشبكة الإنترنت ساهمت في زيادة حرية الصحافة على الصعيد الإقليمي، وأن الصحافيين في بلدان عدة، بما فيها بلدان عربية، أظهروا جرأة في تخطي الخطوط الحمراء التي تفرضها السلطات.
وحسب المديرة التنفيذية للمنظمة، فانه مقابل كل خطوة إلى الأمام في حرية الصحافة شهدها العام الماضي، كانت هناك خطوتان إلى الوراء.
وهذا دليل على أن الحريات الأخرى ستطالها ذات القيود ، بالنظر إلى التداخل بين مكونات البنية التشريعية المتصلة بالحريات العامة في البلدان المعنية ، فلا يمكن لمجتمعٍ يُقيد حرية الصحافة ووسائل الإعلام أن يكون حُراً.
ويظهر ذلك في حقيقة أن بلداناً عدة تقدم نفسها على أنها بلدان ديمقراطية، أو سائرة في طريق الديمقراطية، ومع ذلك فان تشريعاتها ما زالت تنص على حبس الصحافيين، وفي حالات كثيرة يمثل الصحافيون أمام المحاكم في قضايا تتصل بحرية التعبير والضمير، وتصدر ضدهم أحكام قاسية.
وتتنوع معوقات الحريات الصحافية، التي يمكن أن تبدأ من القيود المنصوص عليها في قوانين النشر والمطبوعات لتشمل القواعد غير المكتوبة، والتي يمكن لها أن تكون أشد ثقلاً من أحكام القانون.

 النمطية في القرار الأمـريكــي ســاذجة وخـطـر ة

 محمد فاضل
موضوع الغلاف لمجلة (نيوزويك) الأميركية في 29 ابريل الماضي، كان تحقيقا شيقا أنجزه الصحافي كيفن بيراينو، حاول من خلاله الإجابة عن سؤال أساسي هو: لماذا أصبحت مدينة (درنة) الليبية مصدرا أساسيا للانتحاريين في العراق؟ لقد كان تحقيقا نموذجيا من تحقيقات الصحافة الأميركية،
ذا حس استقصائي عال، لكن مشكلة الصحافيين الغربيين والأميركيين تحديدا أنهم باتوا أسرى صور نمطية خلقتها دعاية سياسية بالغة الكثافة ومليئة بالتلفيق انطلقت منذ 11 سبتمبر. لقد تأسست الدعاية الأميركية عقب11/9 على مجموعة مقولات أصبحت مثل الثيمات المختزلة بفجاجة وتحولت إلى ما يشبه البديهيات في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي والأميركي تحديدا. فمفردات مثل "الجهاد" و"السلفية" و"الوهابية"، اختزلت بشكل مهين للذكاء واكتسبت معنى واحدا محددا تم تسويقه للجمهور الغربي وتاليا تعميمه على العالم. لقد شدد الأميركيون طويلا على إصلاح التعليم في البلدان العربية، وركزوا على ضرورة شطب كل ما يمت إلى "الجهاد" بصلة في مناهج التعليم منطلقين من فهم يقرب إلى السذاجة هو ان الجهاد والتعاليم المرتبطة به في القرآن الكريم هي السر الذي يجعل عشرات الشبان يذهبون للموت طواعية. أما وجه السذاجة في هذا الفهم، فهو أن الجهاد مثلما ورد في القرآن ومثلما يفهمه المسلمون على مر الأجيال ليس سوى دفاع عن النفس. إن السياق الذي يحكم "الجهاد" في الفهم والفعل هو سياق الدفاع عن النفس. وما أخفق فيه الأميركيون وهم يروجون لهذه الصورة النمطية المرتبطة بالجهاد هو فهم ملتبس عندما يرون العمليات الانتحارية تتم في سياق هجوم يقوم به أفراد في أي مكان في العالم. إنه تفسير ميكانيكي ينطوي على سذاجة، لأن الفهم العميق للأسباب التي تحدو بهؤلاء الشبان إلى الموت وقتل المدنيين (الأبرياء طبعا) هي أن هؤلاء ينطلقون من حقيقة أخرى قوية وراسخة هي أن المسلمين والعرب يواجهون العدوان حقا منذ وقت طويل، منذ إنشاء دولة إسرائيل وحتى احتلال العراق. يستوقفني هذا التنميط (stereotyping) المهين للذكاء الذي بات يهيمن على الصحافيين الغربيين، وهم يتعاطون مع قضايا المنطقة. لا تستفزني الإهانة للذكاء فحسب، بل ما استشعره من خطورة للتنميط، فهو ليس سوى تضليل. في معرض استقصائه، يصل بيراينو إلى عنصر مهم من وجهة نظره في ترسيخ أسطورة المدينة لدى أبنائها باعتبارها مدينة للمقاومة المسلحة هو الاحتلال الايطالي لليبيا، ومنه يعرج بالطبع إلى الشيخ عمر المختار. انه موضوعي عندما يصف في فقرتين سجل الاحتلال الايطالي لليبيا، وعندما عرج على "سيدي عمر"، قدمه كالتالي: "كان بطل التمرد مسلما كاريزماتيا يرتدي ثوبا ابيض ويخوض حربا مقدسة اسمه عمر المختار (..) كان أسد الصحراء تلميذ المدرسة السنوسية وهي حركة سرية ومحافظة جدا من الزهاد المسلمين، وقد قام مؤسس الحركة بأسفار كثيرة في السعودية حيث اختلط بأعضاء من التيار الوهابي البيوريتاني في منتصف الثمانينات من القرن الـ 19". ليس وصف المقاومة المشروعة ب"التمرد" هي ما يستوقفنا، بل تلك الإحالة إلى التيار الوهابي والجسر الخفي الذي يريد الصحافي إقامته بين السنوسية والمختار والمقاومة وبين "الوهابية". فالوهابية مصطلح حديث جدا بالنسبة للقارئ الأميركي والغربي عموما، لكن معناه الرائج يضيق بشكل كبير عن استيعاب حقيقتين غفل عنهما الكاتب هنا: الأولى أن السفر إلى السعودية ظل ولا يزال أمرا طبيعيا لكل عربي ومسلم ولسبب لا علاقة له بالمذاهب هو "الحج". الثاني، هو أنه إذا كان الكاتب يرى في السفر المتكرر لمؤسس مدرسة صوفية إسلامية (السنوسية) إلى السعودية أمرا يستدعي التوقف والإشارة، فإن هذا دليل سذاجة أولا واستحواذ الصورة النمطية التي رسختها الدعاية على ذهن هذا الصحافي. السبب يكمن في سياق التحقيق نفسه: البحث عن سر تدافع أبناء مدينة ليبية على الجهاد وتصدرهم قائمة الانتحاريين في العراق. إن سذاجة هذا الصحافي خطرة وهي تسعى لجواب جاهز: صلات بين السنوسية والوهابية. وهو إذ ينسى أن السنوسية مدرسة صوفية (مثل عشرات من الطرق الصوفية في شمال أفريقيا والصحراء الكبرى)، فإنه أخفق بشكل غير مبرر علميا في أمرين: الأول إساءته للمقاومة الليبية للاحتلال الايطالي عبر ربطها بالمدرسة الوهابية وتقديم الأخيرة بشكل مختزل بمثابة الدافع للمقاومة التي قادها المختار. فهو بهذا الربط لا يرى فيها المشروعية الثابتة لكل الشعوب في مقاومة الاحتلال. والثاني أنه لم يستطع أن يفهم حقيقة تعلق الليبيين بعمر المختار إلا مربوطة بمشاعرهم اليوم إزاء الاحتلال الأميركي للعراق، فهو يقدم هذا كله في سياق محاولة تفسير سبب تصدر الانتحاريين من هذه المدينة (درنة) للانتحاريين من بلدان عربية أخرى. وعليه فإن المختار هنا ليس بطلا قوميا أدى واجبه في مقاومة احتلال بلاده، بل أن الإقرار بهذه الحقيقة يأتي في سياق مختلف تماما. هنا، فإن تعلق الليبيين بالمختار بالنسبة لهذا الصحافي يحتاج إلى تفسير وشرح وهو على أية حال لا يشبه تعلق الأميركيين بجورج واشنطن ولا بتوماس جيفرسون مثلا. ولا يشبه تعلق الفرنسيين بجان دارك. فالبطل الليبي يقدم هنا باعتباره من أتباع مدرسة إسلامية لها صلات مبكرة بالوهابية دون محاولة استقراء من أي نوع للوهابية المعنية نفسها. فوهابية القرن التاسع عشر التي عاشت في خضم صراعات داخلية وخارجية جمة، هي بالتأكيد وهابية مختلفة عن وهابية القرن العشرين. ووهابية النصف الأول من القرن العشرين هي نفسها التي ظلت كامنة ولا تثير كل هذا الاستياء لدى الأميركيين والغربيين مثلما هو الحال منذ احداث سبتمبر "الجهاد" و"الوهابية" و"السلفية" اكتشافات جديدة وطارئة بالنسبة للأميركيين، وأخطر ما في هذا كله هو أن محاولة الفهم من طرف الأميركيين مليئة بالتنميط المستمد من قاموس حملة التضليل والسذاجة والأكاذيب التي انطلقت منذ 11/9.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com