|
خليل
علي حيدر
مثـّل (اتفاق أوسلو) عام 1993، على الرغم من
مساوئه الظاهرة، نقطةً مهمةً في تأكيد اتجاه
الصراع العربي- الإسرائيلي إلى التسوية، لا على
صعيد المسار المصري- الإسرائيلي فحسب، وإنما على
صعيد أهم مسار في الصراع وهو المسار الفلسطيني-
الإسرائيلي..
هكذا يقول د. أحمد يوسف أحمد، مدير معهد البحوث
والدراسات العربية بالقاهرة. وكان اعتراف إسرائيل
في هذا الاتفاق بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل
للشعب الفلسطيني، نقلة تاريخية إذا قيست
بالادعاءات الصهيونية السابقة بخصوص أرض فلسطينية
وشعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". وعلى الرغم من
الانتقادات الموجهة للاتفاقية، فلا أحد ينفي أن
بعض الاتفاقيات السيئة قد قادت إلى الاستقلال
السياسي في عدد من تجارب التحرر الوطني في أعقاب
الحرب العالمية الثانية.
ثم جاءت قمة كامب ديفيد لتكون لحظة كاشفة، هذا هو
أقصى ما تستطيع إسرائيل أن تقدمه بتركيبتها
السياسية الراهنة، وفي ميزان مختل للقوى لصالحها،
ولم يكن بمقدور أكثر الفلسطينيين اعتدالاً، يقول
الباحث، أن يقبل ما تطرحه إسرائيل، ومن هنا كانت
الانتفاضة، التي عجل بها السلوك الاستفزازي لشارون
بزيارته للمسجد الأقصى.
ولقد طرحت انتفاضة الأقصى أسئلة مهمة حول مستقبل
الصراع: هل تعني الانتفاضة أن مستقبل تطور الصراع
في مسار تفاوضي قد قضي عليه؟ الواقع، في رأي د.
أحمد يوسف، أن إعمال العاطفة قد يغري بالإجابة
بالإيجاب، غير أن إمعان النظر يفضي إلى شيء أكثر
تعقيداً، فلعل انتفاضة الأقصى "قد قضت على مسارٍ
للتسوية وليس على مسار التسوية".
أخفق النظام العربي في أعقاب غزو صدام للكويت في
أن يفرز صيغة مؤسسية جديدة لحماية أمنه. وأخفقت
كذلك المحاولات المتكررة في مؤتمرات القمة.
والواقع أن تطور الصراع منذ هزيمة 1967 يشير في
اعتقاد الباحث، إلى النموذج نفسه. فرغم قبول العرب
بالتسوية في أعقابها، فإنهم وجدوا أنفسهم أكثر من
مرة مضطرين لاستخدام القوة لإجبار إسرائيل على
التسليم بتنازلات لم يكن ممكناً دونها تقدم
التسوية من وجهة النظر العربية. فمثلاً، قبل
الرئيس جمال عبدالناصر في نوفمبر 1967 القرار 242،
لكنه احتاج إلى الاستنزاف كي تجد الولايات المتحدة
نفسها مضطرة لتقديم مبادرة "روجرز" في يوليو 1970.
وعرض السادات عرضه الشهير للتسوية في فبراير 1971،
ولكنه اضطر لخوض حرب 1973 كي يجعل إسرائيل تقبل
بالجلاء عن سيناء. وقبل الفلسطينيون منطق التسوية
التاريخية بدولة إسرائيلية في حدود ما قبل 1967
ودولة فلسطينية على الضفة الغربية وقطاع غزة في
أعقاب حرب 1973، ضمن صيغة "قمة فاس" عام 1982، غير
أنهم لم يتمكنوا من تحقيق أي إنجاز يذكر إلا في
أعقاب انتفاضة ديسمبر 1987، والتي دامت حتى عام
1990 وأزمة احتلال الكويت وحرب الخليج الثانية.
ويعتقد الباحث أن كل خبرات حركات التحرر الوطني
تشير إلى أن صراعها المستمر مع المستعمر ينتهي
بالاستقلال، ومن هنا، فـ"مآل الحالة الاستعمارية
الإسرائيلية الراهنة هو الانهيار". ولا يقصد د.
أحمد هنا الزوال المادي لإسرائيل، وإنما انهيار
البنية الصهيونية كما حدث للبنية العنصرية في جنوب
أفريقيا، حيث أدت الديمقراطية إلى هيمنة الأغلبية
السوداء على السلطة السياسية. ولنا على أية حال أن
نتساءل: هل سيكون مثل هذا "السيناريو" نهاية
القضية الفلسطينية وزوال الدولة الصهيونية؟ وهل
درس الفلسطينيون والعرب أساليب النضال السياسي في
جنوب أفريقيا؟ وهل نجحوا في كسب الرأي العام
العالمي كما فعل السود هناك؟ وهل كفوا عن الإعجاب
بهتلر وصدام حسين وبن لادن؟ لا أدري!
حاول الباحث في هذه الورقة المطولة المقدمة إلى
"ندوة المشروع الحضاري النهضوي العربي"، فاس 2001
والذي نستعرض أوراقه وأبحاثه لإشراك القارئ في هذا
"المشهد النهضوي"، أن يحلل الواقع العربي من منظور
المشروع الحضاري. فتحدث أولاً عن حالة الصراع
العربي-الإسرائيلي، وانتهى إلى ما بيّنا من
احتمال، ثم انتقل إلى ما أسماه "حالة الأمن القومي
العربي في منطقة الخليج".
ويُبدي الباحث في بداية حديثه هنا ملاحظة في غاية
الأهمية: هل عرف النظام العربي ظاهرة الصراع بين
وحداته، أم أن هذا الصراع رافق صعود الحركة
القومية؟ ويرى الباحث أن هذا الصراع قديم، غير أن
صعود حركة القومية العربية، "حوّل هذه الصراعات من
مجرد صراعات على مراكز النفوذ داخل النظام إلى
صراعات من أجل تغييره". وكان وجود الزعامة القومية
القوية قادرة على الحد من هذا الصراع، وهذا ما
أكدته أزمة احتلال الكويت.
جابه النظام العربي في العقد الأخير من القرن
العشرين كارثة كبرى، تمثلت في عدوان نظام صدام على
الكويت، فجابه هذا النظام حالة غير مسبوقة من
الصراعات العربية. ويميز د. أحمد ثلاثة اختلافات
عن الصراعات السابقة في العالم العربي جديرة
بالتأمل والاعتبار!
الأول، أن هذه الحالة كانت حالة غزو وضم شامل من
دولة عربية لأخرى منذ نشأة النظام الرسمي العربي
عام 1945. وقد عرف النظام حالتين للمطالبة
الإقليمية لم تتطور أي منهما إلى مواجهة مسلحة،
كما عرف العديد من صدامات الحدود الجزئية.
الثاني، أن هذا الصراع قد أفضى إلى انقسام عربي
حقيقي إلى معسكرين شبه متوازيين. "صحيح أن دولة
عربية واحدة لم تؤيد غزو العراق للكويت" -وهذه
جملة عجيبة لغوياً لأنها قد تعني أن كل الدول أيدت
عدا واحدة، وتعني كذلك عدم تأييد أي دولة للغزو!-
ولكن اختلاف المناهج بين الدول العربية في مواجهة
واقعة الغزو، جعل من الممكن تصنيفها إلى دول مؤيدة
للعراق من الناحية الواقعية وأخرى مؤيدة للكويت.
وكان الملاحظ في الأزمات السابقة، خروج دولة عربية
واحدة على مألوف سلوك النظام ومعاييره، وتكتل باقي
الدول ضدها في محاولة لإعادتها إلى احترام ذلك
السلوك وتلك المعايير. حدث هذا في حالة ضم الأردن
للضفة الغربية من فلسطين في عام 1950، وحالة
العراق مع حلف بغداد عام 1955، وأزمة مطالبة
العراق بضم الكويت عام 1961، واصطدام الأردن مع
المقاومة الفلسطينية في عام 1970، وزيارة الرئيس
السادات للقدس عام 1977، ولكنه لم يحدث في حالة
غزو النظام العراقي للكويت عام 1990.
الثالث، أفضت أزمة وحرب الخليج في عام 1990 لأول
مرة، إلى خلافات حادة بين قطاعات من الجماهير
العربية بسبب ملابسات الغزو وتداعياته، وقد كان
هذا أيضاً ملمحاً جديداً في نموذج الصراعات
العربية -العربية، التي كانت تتم أساساً في السابق
بين الحكومات العربية. ونجم عن هذه الأزمة تدخل
دولي- عربي واسع النطاق شاركت فيه دول عربية
رئيسية، كمصر والسعودية وسوريا، في واقعة غير
مسبوقة في تاريخ النظام العربي المعاصر، فاقمت من
آثار الضربة القاصمة التي وجهها الغزو إلى مفهوم
الأمن القومي العربي. وقد حاولت البلدان العربية
الرئيسية التي شاركت في التحالف الدولي أن تعالج
هذه الآثار الخطيرة من خلال إعلان دمشق في مارس
1991، بعد تحرير الكويت بأيام، وتضمن الإعلان النص
على "العمل على بناء نظام عربي جديد من أجل تعزيز
العمل العربي المشترك". ولكن الترتيبات الأمنية
العربية تعثرت، وتم سحب القوات المصرية والسورية
من الخليج بحلول يونيو 1991. وهكذا أخفق النظام
العربي في أعقاب غزو صدام للكويت في أن يفرز صيغة
مؤسسية جديدة لحماية أمنه. وأخفقت كذلك المحاولات
المتكررة في مؤتمرات القمة، وبخاصة قمة 1996، التي
لم يدع إليها العراق أصلاً. وقيل في تبرير ذلك
وقتها، إن حضور العراق سيُفجر القمة. |