|
د.محمد
قيراط
ما زالت تداعيات حرب الخليج الثالثة تستقطب أخبار
وسائل الإعلام واهتمامات المحللين والدارسين لفن
بلورة وصناعة الرأي العام من أجل تنفيذ ما يقرره
صانع القرار بدون معارضة ولا نقاش. قبل أسبوع
فاجأتنا جريدة (نيويورك تايمز) بفضيحة أخرى من
فضائح الإدارة الأميركية في التعامل مع حرب العراق
والحرب على الإرهاب
الفضيحة هذه المرة فضيحة "المعلقين الدمى". القضية
تتعلق بمحللين عسكريين أميركيين استخدمتهم شبكات
تلفزيونية أميركية كخبراء ومحللين للعمليات
العسكرية الأميركية في العراق. هؤلاء "الخبراء"
المحللون قامت بالإشراف عليهم وزارة الدفاع
الأميركية لإعدادهم وتدريبهم على كيفية تسويق وجهة
نظرالبنتاغون وإقناع الرأي العام الأميركي والدولي
بأحقية الحرب والحاجة إليها لأن الشرق الأوسط
الكبير بحاجة إلى ديمقراطية وبحاجة إلى التخلص من
الدكتاتوريين والإرهابيين. فحسب وجهة نظرالبنتاغون
الحرب على الإرهاب هي حرب إنسانية لا بد منها بهدف
القضاء على عمليات الاعتداء على البشر وممتلكاتهم
في جميع أنحاء العالم. إستراتيجية البنتاغون تقوم
على تحضير هؤلاء "الخبراء" ليتكلموا لغة واحدة
بأسلوب مختلف لشرح وتفسير وتسويق سياسة الإدارة
الأميركية في الشرق الأوسط والقرارات التي يتخذها
في العراق والمنطقة. هؤلاء المحللون استفادوا من
كل الامتيازات والوسائل كالرحلات العديدة للمنطقة
والإطلاع على الملفات السرية وكل المعلومات التي
تتعلق بالموضوع. فضيحة "المعلقين الدمى" ممارسة
قديمة ومعهودة لدى الإدارة الأميركية منذ عقود من
الزمن وخاصة بعد فضائح حرب فيتنام. فالبنتاغون
بحكم سيطرته على المعلومات وأخبار وأسرار الحرب
وبحكم سيطرته على العمليات في الميدان يستغل
المحللين كأبواق مؤجرة تنقل عمليات الحرب ومنطق
الحرب والحاجة إليها وكذلك مكافحة الإرهاب إلى
داخل شبكات التلفزيون العالمية ومن ثم إلى مجالس
البشر في جميع أنحاء العالم برؤى وتحليلات ومنطق
أميركي بحت، دون نقد ولا تقديم الرأي الأخر ولا
تعدد في الآراء والأطروحات ولا مساءلة. الكثير من
المعلقين هم من قدماء المتعاقدين مع البنتاغون ومن
موظفيه السابقين وبذلك فهم من التابعين والأوفياء
والمخلصين له، وهذا يعني أن العملية كلها عبارة عن
فلكلور إعلامي مفبرك في إطار "وشهد شاهد من
أهلها". فهؤلاء "الخبراء" هم مسؤولين سابقين في
البنتاعون كان لهم دور في السياسات الحربية
الأميركية المختلفة وكانوا مسؤولين على تنفيذ هذه
السياسات في أرض الواقع، والغريب في الأمر أن
الشبكات التلفزيونية المختلفة لم تكشف أبدا ولن
تكشف في المستقبل عن هذه العلاقات الحميمية بين
هؤلاء "الخبراء" والبنتاغون ولا تجرؤ على ذكر
وظائفهم السابقة وعلاقاتهم بوزارة الدفاع وتقديهم
للمشاهدين كضباط سابقين متقاعدين في البنتاغون.
فالمحللين العسكريين هم "قوة نشر الرسائل"
و"وكلاء" يمكن الاعتماد عليهم في نقل آراء ووجهات
نظر وقناعات الإدارة الأميركية لملايين الأميركيين
والمشاهدين عبر العالم "في شكل آراء خاصة وشخصية".
فضيحة "المعلقين الدمى" والتي تعتبر استراتيجية
أخرى من استراتيجيات الحرب والتي هي عبارة عن حرب
الدعاية والحرب النفسية وحرب الرأي العام، ليست
جديدة على الأميركيين. فالبنتاغون يحرص دائما على
شن الحرب على جبهتين، الجبهة العسكرية في الميدان
والجبهة النفسية في وسائل الإعلام. والحرب بدون
تلفزيون ليست حربا حسب منطق البنتاغون. والدليل
على ذلك هو تنظيم أربعة إيجازات صحفية أثناء غزو
العراق كانت تنشط في البيت الأبيض ووزارة الخارجية
والبنتاجون والمركز الإعلامي بالسيلية في قطر.
والغريب في الأمر أن دولة بحجم الولايات المتحدة
الأميركية ودولة تتغنى بالديمقراطية وبحرية
الصحافة وبحرية التعبير والحريات الفردية وتتغنى
بالتعديل الأول في الدستور،الذي ينص بصريح العبارة
على ألفصل بين الإعلام والسلطة التنفيذية وأنه لا
يحق للحكومة الأميركية التدخل والتأثير في
الصحافة، نجدها أخترقت كل المبادئ والقيم وكذبت
على الشعب الأميركي واستغلت وسائل الإعلام
الأميركية لغزو العراق وشن الحرب على الإرهاب
والتكتم على تجاوزات عديدة من أهمها انتهاكات حقوق
الإنسان في سجن غوانتنامو وأبو غريب. يُقال إن
الحرب بدون تلفزيون ليست حرب، والحرب بدون تلفزيون
حدث مجرد، لكن الحرب على الشاشة تعتبر تجربة حية
منقولة للملايين في مجالسهم. ففي حرب أميركا على
العراق بدأت الحرب الإعلامية قبل العسكرية وشنت
الولايات المتحدة الأميركية حربا إعلامية واسعة
عبر مختلف وسائل الإعلام من صحف ومجلات وإذاعات
وقنوات فضائية وصحافة إلكترونية وانترنيت ضد
النظام العراقي. وألصقت كل التهم الممكنة بالنظام
العراقي ابتداء من امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل
إلى علاقته بالقاعدة...الخ، كما نلاحظ من جهة أخرى
أن غالبية الدراسات التي تطرقت إلى إشكالية
التغطية الإعلامية للنزاعات والحروب توصلت إلى أن
ما قُدم للجمهور من مشاهدين وقراء ومستمعين اتسم
بالانحياز والتعتيم والتشويه والتخلي عن مبادئ
العمل الإعلامي النزيه والملتزم والمسؤول.
كسابقاتها من الحروب كشفت الحرب على العراق عدة
أساطير وأكاذيب رددها الكثير من منظري الديمقراطية
وحرية الصحافة وحقوق الإنسان. فكان من أهم ضحايا
الحرب، حرية الصحافة وأرواح الصحافيين أنفسهم، حيث
خلفّت الحرب مقتل مئات الصحافيين والمصورين الذين
دفعوا حياتهم ثمنا للكشف عن الحقيقة وتقديم وقائع
الحرب كما هي للمشاهدين في جميع أنحاء العالم.
الإجراءات والطرق التي استعملتها أميركا في
تعاملها مع الصحافيين والمراسلين تجاوزت الإيتيكيت
والأخلاق واحترام المهنة والحرية والاستقلالية.
وبكل بساطة طبقت أميركا مبدأ "من لا ينضم إلينا
فهو ضدنا" أي أنه من لا يلتحق بمجمع الصحافيين
بالبنتاجون فهو معرض لمخاطر الحرب. فضيحة
"الخبراء" أو "المعلقين الدمى" ما هي إلا مسلسلا
آخرا من مسلسلات الإدارة الأميركية في استعمال
واستغلال وسائل الإعلام ومختلف طرق الدعاية والحرب
النفسية من أجل صناعة وفبركة رأي عام محلي ودولي
موال لقرارات البيت الأبيض واليمين المسيحي
المتطرف. |