|
تيودور كاراسيك
بينما تتصارع عدة رؤى غربية حول شكل الحكم في
العراق، فإن الرؤية التي تستحق منا نظرة فاحصة هي
تلك المتعلقة بإنشاء "هيئة تشريعية عليا" أو "مجلس
قبائل" في برلمان هذا البلد.
ففي العراق يوجد حالياً نحو ألف قبيلة تعود جذور
بعضها إلى آلاف السنين. ورغم أن عمليات التحديث
والتمدين، أضعفت ارتباطات القبيلة بمكوناتها، فإن
الولاء للقبيلة لا يزال يمثل حجر أساس المجتمع
العراقي، بحيث يمكن القول إن الروابط القبلية لا
تقل أهمية بالنسبة للعراقيين عن الهوية الوطنية
أوالإثنية أو الدينية. نقترح إنشاء فرع فيدرالي
يتكون من مجلسين: مجلس أدنى يضم الأحزاب ويتعامل
مع المسائل الوطنية، ومجلس أعلى يقوم على
الارتباطات القبائلية. وتنتشر القبائل العراقية
الكبرى، والتي يصل عدد أفرادها عشرات الآلاف، في
مختلف أنحاء العراق، ولها فروع في سوريا والأردن
ولبنان ومنطقة الخليج.
ورغم أن ظاهرة العولمة كانت كفيلة بجعل تلك
القبائل أثراً من آثار الماضي، إلا أن ما حدث حتى
الآن هو أنها مكنت لتلك القبائل وزادت من قوتها،
وهو ما يتجلى بوضوح إذا ما القينا نظرة على مختلف
أجزاء إقليم الشرق الأوسط، حيث نرى أن القبائل قد
اكتسبت مزيداً من القوة والقدرة، وأصبحت لاعباً
رئيسياً في كل قطر من الأقطار، بل وعبر تلك
الأقطار أيضاً. لقد كانت القبائل على الدوام جزءاً
من البيئة السياسية العربية، بيد أن الدور الذي
كانت هذه القبائل تقوم به في العملية السياسية لم
يكن مفهوماً لدى الغرب. فنظام الحكم، حسب المفهوم
الغربي، يختلف عن الجهود التي تقوم بها القبائل
لتوحيد أمة بكاملها تحت حكومة موحدة تنبني على
التشاور بين شيوخها وزعمائها. ومن المعروف أن
القبائل كانت تشكل مكوناً من أهم مكونات المجتمع
والعملية السياسية في العراق، قبل فترة طويلة من
قدوم "حزب البعث" إلى السلطة. وكان شيوخ القبائل
يسعون دوماً ليصبحوا أصحاب السلطة في قبائلهم وأن
تكون تلك السلطة نابعة من داخل تلك القبائل، ولم
يكونوا يقبلون بسلطة مفروضة عليهم من الخارج. كان
هذا هو النظام الذي ساد طويلاً في هذا البلد، لكن
العملية السياسية الجارية حالياً في العراق، جعلت
شيوخ وزعماء القبائل يسعون إلى لعب دور أكثر أهمية
في النظام الديمقراطي العراقي الوليد.
وهناك خطوات صغيرة تم اتخاذها بالفعل في هذا
المجال؛ فمجلس "صحوة" القبائل، وهو عبارة عن
مجموعة من الزعماء القبليين المتشابهين في الميول
والأفكار، أُنشِأ في محافظة الأنبار عام 2006
لتمكين القبائل من محاربة تنظيم "القاعدة".
والحقيقة أن زعماء القبائل يمثلون مكوناً مهماً من
مكونات الحرب ضد الإرهاب، وهو ما بدا بوضوح بعد
نجاح قبائل الأنبار في طرد تنظيم "القاعدة" من
المحافظة. ولكي تقاتل القبائل العراقية ضد
السلفيين الجهاديين بإخلاص، فإنها يجب أن تكون
جزءاً من العملية السياسية العراقية، وهو ما لا
يحدث في الواقع. فحالياً يتم التغاضي عن قبائل
الشتات العراقي الموزعة في مختلف أرجاء بلاد الشام
والجزيرة العربية، وهو أمر يجب تداركه، خصوصاً إذا
ما عرفنا أن زعماء القبائل الذين لم ينضموا بعد
إلى مجلس صحوة القبائل كانوا جزءاً من التمرد في
الماضي، وهناك احتمال كبير لعودتهم لحمل السلاح
مرة أخرى ضد القوات العراقية والقوات المتعددة
الجنسيات، إذا لم يتم إدماجهم في العملية السياسية
والاقتصادية قريباً.
والحكومة العراقية بحاجة إلى دفعة لتذكيرها بضرورة
التعاون مع القبائل من كافة المناطق والإثنيات.
والمقترح الذي نقدمه في هذا الصدد يتصور تجديد
الدستور العراقي، بحيث ينص على إنشاء فرع فيدرالي
يتكون من مجلسين: مجلس أدنى يتكون من جميع الأحزاب
السياسية ويتعامل مع المسائل السياسية والاقتصادية
والاجتماعية اليومية، ومجلس أعلى للقبائل يقوم على
الارتباطات القبائلية وليس المناطقية. وسيؤدي هذا
الترتيب إلى توفير نظام للضوابط والقيود، يستفيد
منه جميع العراقيين، ويهيئ خشبة المسرح لعملية
إعادة توحيد كاملة لهم.
ونطاق الحكم الخاص بالمجلس الأعلى سيكون مماثلاً
لنطاق الحكم الخاص بالمجلس الأدنى. ويجب ألا يتم
تعيين زعماء القبائل حسب موقعهم الجغرافي وإنما
حسب قواعدهم الانتخابية، وأن يكون لدى جميع
القبائل أعداد متساوية من الممثلين. وفي مناقشة
أجريناها مؤخراً مع زعماء القبائل في مناطق العراق
الرئيسية، تبين أن زعماء القبائل السنية والشيعية
تسعى إلى التوصل إلى "ميثاق" ينهي العنف، ويكرس
الاستقرار، وترى أنه من الممكن في هذا السياق
الاحتذاء بتجربة دول خليجية؛ وعلى وجه الخصوص دولة
الإمارات العربية المتحدة التي تمثل في نظرهم
نموذجاً للتطور الاتحادي. ومثل هذا الجهد يمكن أن
يعزز السياسة الأميركية تجاه العراقيين، من خلال
التخفيف من حدة تلك الفكرة القائلة بأن الولايات
المتحدة تنحاز إلى فريق دون آخر.
وعامة يمكن القول إن توازن القوى غير موجود في
العراق اليوم، وهو أمر يؤثر بدوره على الحكومة
ويجعلها ضعيفة. وإنشاء مجلس للقبائل يمثل خطوة
أولى، لكنه ليس حلاً طويل الأمد، بسبب كونه كياناً
مؤقتاً من ناحية، ولا يضم ممثلي جميع القبائل دون
استثناء من ناحية أخرى. والافتقار إلى توازن
القوى، يؤدي أيضاً إلى زيادة الانقسامات داخل
القبيلة الواحدة، وإلى صراع بين القبائل. لذلك فإن
إنشاء مؤسسة لزعماء القبائل، سيمنح تلك القبائل
حافزاً للمساهمة في العملية السياسية، كما سيفتح
الباب لدمج أبناء القبائل في قوات الأمن والقوات
المسلحة العراقية. فضلاً عن ذلك، فإن مجلس القبائل
يمكن أن يمثل مدخلاً لنوع من الديمقراطية، ينفرد
به العراق ويساهم في مداواة جراحه وإحلال السلام
بين مكونات شعبه. |