|
محمد
خرّوب
فجأة غدت سوريا دولة نووية او قل ذات برنامج نووي،
بعد أن بدا أن أسئلة كثيرة تحيط بغارة 6 ايلول
2007 التي ارادتها تل ابيب وخصوصاً واشنطن مسربلة
بالغموض، راحت تنسج وسائل الاعلام الاسرائيلية
والاميركية حولها القصص والتحليلات
وتكاد ان تكون رواياتها تغرف من صحن المصادر
ذاتها، التي كانت تحرص الصحافة الاسرائيلية على
وصفها بالاجنبية حتى لا تقع في محظورات قانون
الرقابة العسكرية الصارمة، فيما لم تتقيد وسائل
الاعلام الاجنبية والاميركية منها على وجه الخصوص،
بشيء من هذا القبيل وكانت لكل منها روايتها لكنها
التقت يا للصدفة على التنويه بقدرات اسرائيل
الاستخبارية ويقظة وجهوزية سلاحها الجوي الذي هو
الذراع الطويلة والضاربة للدولة العبرية وترسانتها
العسكرية الضخمة التي تؤهلها دائماً لاحتلال
المرتبة الأولى في سلم القوة الاقليمي والدولة
الاقوى في المنطقة في قطر طوله 1500 كيلومتر كما
قال بغطرسة ايهود باراك وزير الدفاع الاسرائيلي
ورئيس حزب العمل.
وحتى لا نغادر مربع السادس من ايلول 2007 (تاريخ
استهداف منشأة دير الزور التي تجري حولها الضجة
الاميركية الراهنة) فإن المهم الاشارة الى انها
جاءت بعد عام تقريباً من حرب تموز 2006 وقبل ثلاثة
أشهر فقط من تقرير فينوجراد النهائي، الأمر الذي
استدعى استدراكاً حرصت حكومة اولمرت على تذكير
العرب به والعالم بأنها لم تفقد قوة ردعها أو انها
استعادته تماماً بعد استخلاص دروس وعبر حرب تموز
2006 والتي ستكون قد أكملت تحضيراتها وارسلت
رسائلها الردعية الحاسمة بعد سبعة اشهر من ذلك
التاريخ عندما نجحت في اغتيال عماد مغنية في دمشق
يوم الثالث عشر من شباط 2008 والتي ارادت من
خلالها إفهام سوريا أنها تحت النار وان غارات عين
الصاحب (على قاعدة فلسطينية مهجورة بالقرب من
دمشق) والطيران فوق القصر الرئاسي في اللاذقية،
سيتكرران بصورة اخرى وبسيناريوهات تصعيدية وان
مهاجمة منشأة دير الزور تندرج ضمن ما يسمي ب مبدأ
بيغن المنسوب لرئيس حكومة اسرائيل الاسبق مناحيم
بيغن هذا المبدأ - كما قال محلل الشؤون
الاستراتيجية والاستخبارية في صحيفة هاآرتس
الاسرائيلية يوسي ميلمان، يشكل سياسة لا يصرح قادة
اسرائيل بها وهي غير موثقة، تقضي بأن لا تسمح
اسرائيل لأية دولة في الشرق الاوسط ان تطور
برنامجاً نووياً عسكرياً، إذ أن برنامجاً كهذا
يشكل خطراً على وجودها.
مبدأ بيغن جرى تطبيقه لأول مرة كما هو معروف في
حزيران 1981 ضد مفاعل اوزيريس (تموز) العراقي وها
هو بعد ستة وعشرين عاماً يعود عبر بوابة دير الزور
غير المؤكدة والتي تشكل بالفعل رسالة لايران قد
يتم فيها تطبيق مبدأ بيغن للمرة الثالثة.
فكيف يمكن ربط كل هذه الاشارات في سياق واحد او في
محاولة لجمع سياقاتها في اطار التنبؤ بالخطوة
الاميركية المنفردة التالية، او الخطوة
الاسرائيلية المنفردة ايضا او الخطوة المشتركة
الاميركية الاسرائيلية ضد البرنامج النووي
الايراني في ظل ارتياح اسرائيلي واضح للتسريبات
التركية حول إحياء وديعة رابين الشهيرة من قبل
ايهود اولمرت عبر انقرة، التي لم يخف رئيسها
(عبدالله غل) كما رئيس حكومتها (رجب طيب اردوغان)
رغبة تركيا وسعيها للتوسط بين دمشق وتل ابيب
ومحاولة فك العقدة في مسارهما الذي يبدو ان واشنطن
ما تزال عند قرارها بإحكام طوق العزلة حولها
وoمعاقبتهاa على سلوكها العراقي والفلسطيني
وخصوصاً اللبناني وبالتالي عدم السماح لتل ابيب
بأي محاولة ل(جسّ) نبض دمشق حول الثمن الذي ستدفعه
لقاء إعادة الجولان المحتل إليها.
قلنا واشنطن؟.
نعم، فأوساط عديدة داخل اسرائيل في الحكومة كما في
الشارع الحزبي والجماهيري، تنادي بطرق ابواب دمشق
و فحص مدى جديتها في السعي الى السلام والتي اخذت
في السنة الاخيرة ابعاداً مختلفة لم ير الرئيس
السوري حرجاً في القول علانية وعلى منصات
المؤتمرات وعبر الفضائيات وخصوصاً محطات التلفزة
الاميركية أنه مستعد لمفاوضات مع اسرائيل حول سلام
شامل بكل معنى الكلمة.
هي ادارة بوش التي ترفض مثل هذا الفحص الاسرائيلي
وتقول في شكل علني وسري دائماً ان دمشق لم تغير
سلوكها، كشرط للحوار معها ،ايا كان نوع هذا الحوار
وفي أي قضية كانت ولهذا لم يعد السفير الاميركي
الى العاصمة السورية بعد ان غادرتها السفيرة
السابقة منذ اكثر من عامين واللقاءات بين رايس
ووليد المعلم توقفت رغم انها لقاءات بروتوكولية
وحول موضوعات عراقية وغالباً لبنانية ولم يكن
الجولان على جدول الأعمال حتى لمجرد المناقشة.
اولمرت بدأ يدرك (وهو يصارع حول مستقبله السياسي)
أن المسار الفلسطيني الذي يراوح مكانه غير مؤهل
لحدوث انطلاقة بعد ان تمسك محمود عباس (وهو المتهم
اسرائيلياً بأنه ضعيف وغير قادر على تنفيذ تعهداته
او الصمود أمام قوة حماس واعتراضاتها) ببحث
الموضوعات النهائية في أي اتفاق رف محتمل بما في
ذلك القدس واللاجئين، ما يعني ان لا بد من محاولة
للضغط على الفلسطينيين عبر المسار السوري الذي
غالباً ما استخدمه الاميركيون والاسرائيليون،
لاغراء او لاستدراج أحد الطرفين والتلويح لأحدهما
بامكانية استبعاده إذا لم يسهم في حلحلة القضايا
العالقة.
هل نريد الايحاء بأن ذهاب رجب طيب اردوغان الى
دمشق يوم أمس، مجرد فرقعة اعلامية؟ ربما يمكن
القول بالايجاب رغم ان انقرة غير مشاركة في هذه
اللعبة وهي بحكم خبرتها ودورها الاقليمي وصداقتها
مع دمشق وتل ابيب ليست على تلك الدرجة من السذاجة
للعب دور حصان طروادة اسرائيلي او اميركي لكنها لا
تترك اوراقها في الادراج وتريد استخدامها بالقدر
او الهامش المسموح.
توقيت الاعلان الاميركي المدعم بالصور عن برنامج
نووي سوري ومنشأة جرى قصفها، رواية لن تصمد كثيراً
لاسباب عديدة ليس فقط في الدروس المستفادة من
السابقة العراقية التي سوّقها كولن باول أمام مجلس
الأمن عشية غزو العراق ولكن أيضاً لأن الوكالة
الدولية للطاقة الذرية قد دخلت على الخط واعلنت عن
نيتها بالتحقيق في المسألة ولم تبد دمشق أي اعتراض
على ذلك بل هي اعلنت في وضوح استعدادها للتعاون مع
الوكالة الدولية.
ادارة بوش تريد قطع الطريق على دمشق للخروج من
عزلتها والاخيرة لا تبدو قلقة من محاولات كهذه بل
هي سجلت اكثر من نقطة ثمينة لصالحها باخراج كل
الملفات الى العلن، لكن تل ابيب قد تبدو متضررة
وهي ربما تكون تفتعل ذلك - بالتعاون مع واشنطن -
لتوجيه ضربة لايران وعلينا تذكر ما قاله ايهود
اولمرت في مقابلاته السنوية بمناسبة عيد الفصح
اليهودي انه يريد ان يطمئن شعب اسرائيل بأن ايران
لن تكون دولة نووية في أي يوم مبدأ بيغن حاضر
دائماً، وساطة تركيا يمكن ان تؤجل او توضع على
الرف ووديعة رابين لن تخرج من الثلاجة التي اقامت
فيها منذ عقد ونيف، حتى في ظل تصريحات اردوغان بأن
لقاءات سرية تجري بين واشنطن ودمشق، رغم اتهامات
الأولى للثانية. |