|
هناك الكثير من الممارسات و(التقاليد) الإجرائية
التي حكمت المعقول في نسق ما نسميه (التراث) في ثقافتنا
متعددة الاتجاهات والتيارات والقناعات والتي يجمعها
التدوين باللغة العربية - وان كان هذا لايمنع الناطقين
بغيرها من التأثر والتأثير بها-
ولاسيما في الفترة التي ساد فيها الحراك والنقاش المعرفي
على اوجه , اذ شهدت ظهور الفلسفات والترجمة والمدارس
الكلامية والصوفية , والتي نرد الفضل فيها الى الاحتكاك
المباشر بالاخر من جهة , ومحاولة بعض الافراد المثقفين
لكسر الانموذج السائد من جهة اخرى.
لكن أولئك الافراد - حتى نكون صريحين -لم يمتلكوا الفرصة
الكاملة للتعبير عن قناعاتهم اللهم الا على نطاق ضيق وتحت
انظار الحكومة المتربصة..ما أدى إلى سيادة ميراث كبير من
المؤلفات التي هي بحاجة فعلا الى قراءات استكشافية
واستطلاعية , بمناهج نقدية مغايرة لنمط القراءات الوصفية
الانطباعية السطحية بمختلف عناوينها الرنانة .
هناك اجهزة الحكومة التي لا تجامل أحدا إذا ما فكر وقدم
نقدا (سليم النية), وهناك المراقبون الدينيون التقليديون
للسلطة (وعاظ السلاطين) على حد تعبير علي الوردي *, وهناك
المجتمع المعبأ ضد كل ماهو (دخيل) .
بعبارة اخرى يعاني المثقف من مشكلة الحرية بمستوياتها
المتعددة .. فجاءت كتاباته اما مروضة او مقنعة او مرمزة
وربما ملغزة .... ما يجعل رؤية الدكتور محمد فاضل** عن
مدينة الفارابي ذات بعد سياسي مناهض للواقع آنذاك ,, وألاّ
لمَ يكتب الفارابي عن مدينة فاضلة وهو يعيش في بلاطات
الملوك ؟.
اما مشاكل تمويل العمل الثقافي فحدث ولاحرج.... فما ان
يكمل المثقف منجزه الابداعي المكلف (مستلزمات المكتب : حبر
, جلد , ورق , نسخ , ريش الكتابة .... الخ) حتى تبدا حيرته
في الراعي الرسمي الممول لمنجزه الجديد ,, وسيكون الخليفة
مستعدا لذلك ,, شرط انسجام العمل مع (التوجه العام ) هذا
إذا ما لم يكون مكرسا للجهاز الاعلامي لخط الخليفة ,,
وتراثنا العربي – الإسلامي زاخر بهذا الانموذج المدائحي من
الكتّاب الذين لاتخلو مقدمات كتبهم من الاهداءات والكلمات
الأخاذة في الثناء على الخليفة ,, بما لا يختلف عن شعر
المديح المعروف في انتاج الدكتاتور السياسي بالمعنى الذي
أشار إليه الغذامي في كتابه (النقد الثقافي).
ولو أخذنا عيّنة صغيرة لواحد من أهم فلاسفة المسلمين وهو
أبو يوسف يعقوب بن اسحق الكندي(فيلسوف العرب) كما يحلو
للبعض تسميته , لتبّين صدق ما نذهب إليه, ونشدد على قراءته
بأدوات منهجية نقدية ثقافية (لكشف المستور) واستنطاق
المسكوت عنه والمستبعد أو الغائب او المغيّب عن التفكير به
. بدأت ديباجة كتاب الفلسفة الأولى للفيلسوف الكندي راسمة
ملامح العلاقة بين المثقف والسياسي التي ربما لم تتغير إلى
ألان ..والتي تجيء لتؤكد بحث المثقف عن الرعاية والتبني من
قبل الماسك بزمام الأمور والمؤتمن على أموال الرعية
وانفسهم . فالخليفة راع وهو مسؤول عن رعيته .
(( أطال الله بقاءكم يا ابن ذرى السادات وعرى السعادات
الذين من استمسك بهديهم سعد في دار الدنيا ودار الأبد ,,
وزينك بجميع ملابس الفضيلة وطهرك من جميع طبع الرذيلة ))
***
لقد استبطنت الديباجة فكرة تبعية المثقف للسياسي ونظرت إلى
المثقف من زاوية من يستحق عطف الخليفة .. لا بمستوى الخلق
وصناعة الموقف المعرفي الذي يغري السياسي حتى يكون مثقفا .
إذا عرفنا إن أبداع الظاهرة الثقافية هي وبلا أدنى شك
أولوية المثقف بالضرورة ..لا السياسي الذي لا يتردد برفض
الظاهرة الثقافية إذا ما تقاطعت مع المنهاج السياسي للحزب
الحاكم أو مع ديكتاتورية الحزب الحاكم أو مع العائلة
المالكة او مع الشمولية التوليتارية عند المستبد الذي
يتربع أعلى الهرم السياسي والاجتماعي والثقافي وربما حتى
الديني كما هو معروف في الأنظمة الثيوقراطية ..
اذا نظر السياسي الى الحدث الثقافي نظرة ريبة ومروق ونظر
إلى صانعه نظرة االمعارض السلبي الخارج عن المألوف والنسقي
عندئذ يمكننا ان نقرأ على المجتمع
السلام ..لاسيما اذا اشبع السياسي حاجته بحليف ثقافي نمطي
اخر يغطي له ويعبأ حاجة قطاعات واسعة من الجماهير و يضمن
له (استقرار) الجمهور الذي يتمسك به .. هنا نشأ وينشأ حلف
استتراتيجي تاريخي بين السياسي والواعظ
وعليه سيحجم الدور العضوي المزمع على المثقف القيام به ,(
لتغيير) الواقع اذا ما خلصت النية ونقيت السرائر .. لكن
هيهات .. كم تعرض مثقفونا وفلاسفتنا الى محن واضطهادات تحت
عنوان (الزندقة , الهرطقة, الإلحاد , الخروج عن الملة ,
الشطح...ووووو ) فما كان للفيلسوف الا ان يفضل ان يكون
(مملوكا , عبدا ,احد الرعية ) صونا لنفسه وعرضه وماله أزاء
( الملك , السيد , الراعي ) .
ولو توقف الامر الى هذا الحد لكان أهون , لكن الطامة
الكبرى ان ديباجة الكندي لم تقدم الخليفة بهذا المعنى فقط
بل ربطته بالوجود المقدس اذ التمسك به منتهى السعادة ,,في
الدنيا والاخرة أي ان التفريط به يؤدي به الى التعاسة
والشقاء بالضرورة .. وبهذا وفر الكندي على الوعاظ الدينيين
جهدا كبيرا يحتاج الى مئات الخطب والتصنيفات التي تدعو -
بشكل وآخر- الى وجوب السمع والطاعة لولى الامر الذي
(لايُسأل عن ذنب وهم يُسألون) .
ورب سائل يسأل ( ما شأنك بالرجل ولمَ الكندي بالذات ؟)
فأجيب لأنه من اوائل الفلاسفة العرب المسلمين - هذا اذا لم
يكن اولهم - , وعليه فسيكون اول من سلك الدرب العقلي عندما
كان المفهوم الفلسفي مستمد من الأخر الاوربي .. فقدم لنا
مزيجا من ارسطو والمعتزلة بنزعة توفيقية وبذلك فهو اول من
سّن لنا سنّة التوفيق بما جاء من عندهم ( الغرب) من فلسفة
, وبما عندنا (نحن) من آراء كلامية منبثقة من عقائد
الاسلام ,,, في محاولة للتفاهم الثقافي مع المختلف
الأيديولوجي , من جانب , ولتحقيق نوع من المقبولية للوافد
العقلي الجديد من قبل الرأي العام من جانب آخر ,
وانا هنا لا احمّله وزر هذه السنّة للظروف العصيبة التي مر
ويمر بها المعقول عندنا
من ذلك ما ذكرناه ,, لكني أوضح محنة الكتابة مع وجود أكثر
من جبهة سلطوية شرسة لا تسمح بازدهار العقل , وتدعو إلى
تأصيل سلطة الوهم وتعزيزها , وترفض أي توهج تنويري يساهم
في تحرك الإنسان نحو إدراك معقوليته . |