القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (568) الاحد 27 / نيسان / 2008م ـ 21/ ربيع الثاني / 1429 هـ

الــبرلمــانـيـون الـعــرب.. هـــل يــمـثـلــون مـجـتمـعـاتـهـــم
سيار الجميل

  دعوني اكتب اليوم عن البرلمانيين العرب الذين انتخبتهم الشعوب ليكونوا ممثلين عنهم في مجالس الأمة أو البرلمانات العربية.. أي ليكونوا نواباً عن الشعب في أهم سلطة مؤسسية في أي دولة هي السلطة التشريعية التي تشّرع قوانين البلاد وتراقب عمل الحكومة وأداءها.. وهنا، يعتبر النواب من أهم رجالات المجتمع ونسوته الذين تقع عليهم أهم مسؤولية تاريخية، كما ينبغي أن تكون لهم سلطة نافذة على السلطة التنفيذية التي تنفّذ القوانين والتعليمات والقرارات.. وهذا ما يجري في كل بلدان العالم التي تعيش توازناً حقيقياً في حياتها بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وتداولاً حقيقياً للسلطة العليا، وفصلاً حقيقياً للسلطات بحيث لا يمكن أبداً لأي نائب أو برلماني السعي لتنفيذ أي مآرب حزبية، ولا أي مصالح شخصية، ولا أي أجندة فئوية أو طائفية أو حتى سياسية.. إن معنى أن يتبوأ أي نائب أو برلماني مركزه في البرلمان، فإنه يتمثل أساساً بخدمة الناس الذين انتخبوه. كما ويخدم من مكانه المجتمع الذي يمثله أمام بقية مؤسسات الدولة أصدق تمثيل.. كما أن عليه أن يحمل أخلاقيات عالية ومن دون أن يستغل حصانته البرلمانية في سوء الأداء أو التميز أو المعاملة أو التصرفات. لقد تمنيت على كل المهتمين والدارسين والمتابعين والإعلاميين العرب الأقوياء أن يراجعوا السير الذاتية لكل البرلمانيين العرب بالرغم من كثرتهم، ويراقبوا أوضاعهم وتواريخهم الشخصية وأهليتهم وثقافتهم ومتابعة كفاءتهم ومتابعة مصالحهم.. فما نجده اليوم على ساحتنا في معظم الدول العربية التي لها برلمانات أو مجالس نيابية أو مجالس منتخبة يثير الانتباه خصوصاً، بل ويثير الاشمئزاز حقاً إذا ما علمنا أن العشرات بل المئات من البرلمانيين العرب قد قادتهم إلى مثل هذه المكانة قوى سياسية أو مراكز نفوذ أو أحزاب معينة أو تكتلات لها مصالحها أو جهات طفيلية أو أموال تصرف بالملايين لأطراف معينة في الدولة والمجتمع.. وقلما نجد نواباً أتوا عن نزاهة ومجردين من أية علاقات معينة إلا الكفاءة والوطنية والتجرد.. مما يثير لدينا التساؤلات عن سبب التدمير الحاصل في العلاقة بين مجتمعاتنا ودولنا.. وعن سر تخلّف دساتيرنا، وعن سر التأخر الهائل في التشريعات وانعدام التجديد في القوانين.. وبؤس ما يحصل في الأروقة البرلمانية العربية من علاقات غير طبيعية.. لا يعقل أبداً ونحن في بدايات القرن الواحد والعشرين أن تغدو قاعات الاجتماعات في البرلمانات العربية مرتعاً خصباً للنوم والكسل أو كراسي وثيرة لمناصب طفيلية لرجال أعمال.. ولا يمكن أن يصبح النواب ببغاوات مرددين لما يقوله هذا، أو مصفقين لذاك.. ولا يمكن أن تجري صفقات بين نواب ووزراء من وراء الكواليس لتمرير مصالح شخصية.. ولا يمكن أن يعمل النواب لمصالح حزبية لا لمصلحة البلاد العليا، ولا يعقل أن أجد اليوم في بعض البرلمانات العربية نواباً لا يعرفون القراءة ولا الكتابة !! ولا يمكن أبداً أن أجد نواباً يمثلون أحزابهم الجهوية أو الدينية أو الطائفية أو الفئوية أو الطفيلية، فهم يهددون من أمكنتهم وحدة البلاد.. من دون أي مراعاة لمصالح بلادهم العليا.. من غير المعقول أن أجد نواباً من ضيقي الأفق ومن الحمقى الذين يتخذون الغلو والتطرف أساليب ناجعة لأمثالهم من أجل زرع الفوضى وتدمير المجتمعات، وهم لا يطرحون إلا سفاسف الأمور بكل بلادة وغباء ومجتمعاتهم تنتظر منهم معالجة قضايا حيوية تخص خدمات البلاد وتنميتها والقضاء على مشاكلها ! إن تجارب برلمانية مقتدرة وراقية أجدها اليوم على امتداد هذا العالم تبحث عن عناصر القوة من أجل تشريعات جديدة.. وأجد فيها نواباً على استعداد لاستقبال المواطنين والاستماع إليهم وطرح قضايا تخص المصالح الاجتماعية وتعتني بالتعليم والصحة والسكن والخدمات وتطوير الحياة.. إن تجاربنا البرلمانية العربية كئيبة مع الأسف، ويمثلها أناس ليسوا على دراية حقيقية بمعنى السلطة التشريعية.. وقد جاءوا إلى مواقعهم البرلمانية من باب استعراض المقام العالي أو اكتناز المال أو بحثاً عن المنصب أو إرضاء لشهوة التملك والسرقة وتقبل المال الحرام. إن هذه "مؤسساتنا" التشريعية بحاجة إلى إصلاحات جذرية، وإذا كانت بعض الدول العربية مرتاحة لمثل هؤلاء كي تمرر ما تريده من خلالهم، فإن الوعي العربي لابد أن يستحث لمراقبة هذه المؤسسات التي تعتبر أهم ما في دولنا ومجتمعاتنا.. وأن تعالج مؤتمرات البرلمانيين العرب مثل هذه الظواهر التي هي بأمس الحاجة إلى الإصلاح. وإذا كان حال البرلمانات العربية مثل هذا، فكيف إذن ستكون عليه وضعية البرلمان العربي ؟ إن الأمر لا يتعلق بالدولة نفسها بقدر ما يتعلق بالمجتمع، فالمجتمع هو الذي يأتي بأمثال هؤلاء من خلال أية انتخابات ليسيطروا على مقاليد هذه السلطة الخطيرة. إنني أدعو كل الدول العربية أن تعيد النظر في شروط العضوية البرلمانية لمجالسها النيابية، بحيث تتضمن متطلبات أساسية للترشيح تتلاءم وهذا المنصب، مع تأسيس آليات جديدة للعمل بحيث يحّصن أي نائب في البرلمان نفسه من تأثير أي قوى عليه وأن يكون مستقلاً وصاحب إرادة نيابية حقيقية.. وعلى أي نائب أو برلماني التفرغ لمنصبه بعيداً عن أي عمل آخر. وأن يمتلك ثقافة عامة وقوية ببلاده وبالمنطقة والعالم.. وأن يكون صاحب سيرة نظيفة وأخلاقيات عالية ويؤمن بالمؤسسات المدنية حقاً، فهل ستنجح بلداننا في مهمتها هذه ؟

إلى أي مدى تذهب إيران في معاندتها للغرب؟
بهاء ابو كروم

  لا تصيب أي من التوقعات المتعلقة بالمواجهة بين إيران والغرب إلا إذا اقترنت بمعرفة المدى الذي يمكن ان يذهب إليه الإيرانيون في استضعاف الغرب أو يذهب إليه الغربيون للتقليل من قدرة ايران على إشعال المنطقة. وإذا خلصت نتيجة مداولات القوى الغربية الى أنها لن تتقبل إيران نووية قوية تشاطرها نفوذها في المنطقة، يصبح مباحاً لأي محلل سياسي اليوم ان يتساءل عن البدائل التي يراهن عليها الغرب في حال لم يقرر الشروع في الضربة العسكرية ضد ايران. ما هي تلك البدائل وما الذي أدى بالسطوة الإيرانية إلى بلوغ هذا الحد: أهو اداء الرئيس الحالي أحمدي نجاد أم شبكة التضافر القائمة بينه وبين كل من البرلمان المحافظ ومرشد الثورة والحرس الثوري؟ وهل يراهن الغرب على تغيير داخلي بعد الانتخابات التشريعية الإيرانية وفشل الإصلاحيين في الوصول إلى السلطة؟ أو يراهن على إرهاق إيران من خلال إثارة الملفات الحدودية في وجهها أو ملاحقة المجتمع الدولي لها وزيادة العقوبات واحتواء أذرعها الإقليمية؟ كل هذه الأسئلة تدفع إلى الاعتقاد بأن إيران اليوم هي محط دراسة وتمحيص من قبل دوائر القرار والمتابعة، لكن سلوكها يدفع في اتجاه إلغاء الخيارات البديلة التي قد يراهن عليها الغرب في لحظة من اللحظات والتي قد تمنع ضربة عسكرية محتملة تتزايد نسبة حصولها بقدر ما تنتفي القدرة على تغيير سلوك ايران وطريقة تعاطيها مع الواقعين الإقليمي والدولي.
خلال الفترة الماضية حصلت عدة تطورات تصب في هذا السياق، فمن جهة تصاعدت الدعوات إلى انتهاج عقوبات أميركية وأوروبية منفردة إضافة إلى العقوبات التي أقرها مجلس الأمن في قراره الأخير والذي أظهر تأييداً روسياً للسير بالعقوبات طالما لم تتوقف إيران عن تخصيب اليورانيوم. وتعتبر كثير من الدول أن هذه الضغوط، بالرغم من شدتها، لا تواكب النمط المتسارع الذي تسير به عمليات التخصيب وتطوير المفاعلات، ومن جهة أخرى استنفدت صلاحية تقرير الاستخبارات الأميركية بعدما أتى تقرير مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي ليكشف عن عدم تسليم إيران كل المعلومات وأن هناك جانباً خفياً يجب توضيحه، إضافة إلى أن هذا التقرير استند إلى مرجعية مجلس الأمن في قراره الداعي إلى وقف التخصيب وفقدت إيران أملها في انتزاع الملف من أدراج مجلس الأمن إضافة إلى الكشف عن وثائق لدى مجلس حكام الوكالة تظهر أن إيران سعت إلى تطوير سلاح نووي بعد العام 2003 وهذا بحد ذاته يُسقط مفاعيل التقرير الأميركي وكذلك ادعاء قادة ايران بتحريم تطوير قوة نووية للاغراض العسكرية. إضافة إلى ذلك فقد ظهر الارتباك الإيراني بالتعاطي مع هذا الملف، فبعد أيام على وقف الرئيس نجاد المفاوضات مع الأوروبيين حول الملف النووي وحصر هذه المفاوضات مع الوكالة الدولية عاد وزير الخارجية منوشهر متقي ليعلن جهوزية إيران للتفاوض مع الأوروبيين من جديد.
على مستوى آخر تسقط تدريجياً مراهنة الغرب على التغيير في الداخل الإيراني عن طريق الانتخابات، فبعد تقليص عدد المرشحين الإصلاحيين قبل الانتخابات، لفت تدخل مرشد الثورة علي خامنئي بشكل مباشر عبر دعمه لنجاد وتجيير "الإنجاز" النووي لصالح البرلمان الحالي الذي يسيطر عليه المحافظون.
لقد بلغت ايران مستوى متقدماً من التآلف بين العقائدي - النظري والسياسي - التطبيقي، وهذا الأمر انعكاس لمسار متصاعد من تراكم عمل وجهد المحافظين حيث تتمثل نجاحاتهم في القدرة على تحويل حق تخصيب اليورانيوم إلى قضية محض قومية يصعب التخلي عنها إلا عند بلوغ الهاوية أو على الأقل بلوغ حافتها، وهذا ما سوف يتطلب جهداً كبيراً لاقناع الجمهور الإيراني الذي واكب حكومته في تبني العملية النووية وإن ظهر من وقت الى آخر من يدعو إلى اتباع سياسات أقل حدة.
يشعر المواطن الإيراني هذه الأيام انه يعيش في إمبراطورية كبيرة وقوية تستطيع تهديد وجود دولة إسرائيل وتمتلك برنامجاً نووياً متقدماً وتطلق صواريخها إلى الفضاء الخارجي وتتطور بسرعة فائقة بالرغم من الحصار المضروب عليها. ويشعر الإيراني أيضاً أن العالم بأكمله بات مضطراً لاسترضائه عند البحث عن حلول لمشاكل وقضايا إقليمية، ثم أنه استطاع الإمساك بالقضية الفلسطينية التي ارتبطت بالضمير الإسلامي تاريخياً واستطاع السيطرة على ورقة الاستقرار في العالم العربي المحيط له والذي يزاحمه تاريخياً على عدد من القضايا والإشكالات المتجذرة في الوعي العام، لذلك لا يبدو المواطن الإيراني مستعداً للتخلي عن كل ذلك ولا تبدو القيادة الإيرانية بدورها حاضرة للتنازل عن أي من هذه القضايا، وإذا اضطرت إلى ذلك فسيكون عليها بذل كثير من العناء.

مشروع وطني للخروج من ازمة الخبز في مصر
صلاح الدين حافظ

 تظل مصر نموذجاً مثالياً للدولة الإقليمية الكبيرة، التي تتعرض هذه الأيام لاحتقان سياسي واضطراب اجتماعي، نتيجة التحولات المتسرعة في التوجهات الاقتصادية، أي الانتقال المتعجل من حالة التخطيط المركزي إلى السوق الحرة وآلية العرض والطلب، بضغوط خارجية عاتية.
أزمة مصر الحقيقية أنها قامت طويلاً ثم استيقظت على صخب العولمة الشرسة، وأنيابها الحادة التي تدمي الفقراء ومتوسطي الحال، من دون تدخل سيادي من الدولة لمد الرعاية والعدالة الاجتماعية وفرض سياسات حمائية للطبقات الأفقر، هي سياسات معمول بها حتى في الدول الرأسمالية العتيدة.
خلال العامين الأخيرين تحديداً، بدأت ضغوط العولمة الشرسة وتأثيرات الليبرالية المتوحشة السلبية، تظهر على سطح المشهد المصري أكثر من أي وقت مضى، وربما أكثر من أي دولة كبيرة التأثير فقيرة الإمكانات، وبقدر ما نعتقد أن الخروج من هذه الأزمة الحادة لن يكون سهلاً أو قريباً، بقدر ما نعتقد أن المعالجة الحالية لهذه الأزمة لن تفك عقدتها الراهنة.
ذلك أن الأمر أخطر، لا تنفع فيه المسكنات الاجتماعية والاقتصادية أو المهدئات السياسية، معالجة المرض العضال بالمسكنات هو عمل وقتي ربما لتخفيف بعض آلام المريض، لكنها تظل مسكنات لا تعالج المرض نفسه، الذي يستفحل يوماً بعد يوم في ظل التعامي عن أسبابه ومخاطره.
في هذا الصدد، لا يمكن إقناعنا بأن الاحتجاجات الاجتماعية المتصاعدة في مصر هذه الأيام، وأخطرها إضراب السادس من أبريل/ نيسان ،2008 هي مجرد تدبير شيطاني لجماعات تخريبية أو قلة متآمرة، ولا يمكن إقناعنا بأن الحكومة والدولة نجحتا في استيعاب هذه الاحتجاجات بوسائل أمنية مشددة، وكذلك لا يمكن إقناعنا بأن الأزمة الراهنة، من أزمة الخبز ومياه الشرب، إلى الاحتجاجات والإضرابات بين العمال والمهنيين والمثقفين هي مسؤولية الحكومة الحالية، التي فشلت في حلها وعليها تحمل مسؤولية هذا الفشل.. وترحل!
لقد قلنا من قبل ونكرر ثانية، إن الحكومة في النظام الرئاسي مجرد أداة تنفيذ لسياسات عامة يضعها رئيس الدولة، وقلنا إن المسألة ليست في فشل حكومة أو نجاحها، بقدر ما أن الأمر الجوهري يتعلق بالرؤية العامة والفلسفة الحاكمة كلها، فهي الأصل والأساس، إن وضحت تقدمنا وإن غامت أو غابت وقع المحظور.
ولذلك نعيد طرح السؤال، ما رؤية مصر للمستقبل؟ كيف نحلم ونعمل بمصر بعد عشرين عاماً من الآن؟ ما الفلسفة الحاكمة لتحويل هذه الرؤية، إن تبلورت، إلى خطط تنفيذية تتولاها حكومات كفء، يحاسبها برلمان شعبي منتخب انتخاباً نزيهاً، وتقوّمها وترشدها صحافة حرة وإعلام مستقل، وتعارضها وتراقبها أحزاب سياسية ذات قوة وتأثير، ويحكم لها أو عليها رأي عام يقظ؟
ولأننا نعتقد أنه ما من حكومة حالية أو قادمة تستطيع الخروج من الأزمة الضاغطة الراهنة خلال عامين مثلاً، فإننا نقترح ترك مثل هذه الحكومة تعمل كما هي فالأزمة بلغت ذروتها، وبالمقابل نقترح أن تتشكل هيئة أو جماعة من العقول المستنيرة والأفكار الجديدة، تضم نحو 200 شخص من الداخل والخارج، لتضع من الآن مشروعنا السياسي القادم (رؤية لمستقبل مصر حتى عام 2025)، كمرحلة أولى.
وبقدر ما يجب أن تحيط الدولة هذه الجماعة المستقلة والوطنية بأكبر قدر من الحصانة، فإنه يجب أيضا أن يبتعد تشكيلها عن المجاملات وعن الانتماءات الحزبية الصارخة، وخصوصاً للحزب الحاكم المهيمن الذي يقول لنا على امتداد سنوات طويلة إنه يملك رؤية ومشروعاً سياسياً للإصلاح الاقتصادي والسياسي والديمقراطي، فإذا بالنتيجة هي ما تعانيه مصر الآن من احتقان سياسي واضطراب اقتصادي واحتجاج اجتماعي تتصاعد وتيرته كل يوم.
ومن باب الاجتهاد الشخصي نقترح أن تناقش هذه الهيئة الوطنية تصور رؤية لمستقبل مصر حتى ،2025 تقوم على أساس إعادة صياغة السياسات العامة والفلسفة الحاكمة كمشروع قومي موحد، يحدد المسؤوليات والواجبات انطلاقاً من خمسة مبادئ حاكمة وهي:
* أولاً: إجراء إصلاح ديمقراطي حقيقي يطلق الحريات ويحترم حقوق الإنسان، ويحترم تداول السلطة عبر انتخابات نظيفة تحت الإشراف القضائي، بما في ذلك تعديل الدستور أو وضع دستور جديد يتسق مع هذا التوجه.
* ثانياً: الالتزام بالتنمية الإنسانية الشاملة، وهي بالمناسبة ليست من ميراث الأيديولوجيات اليسارية، كما يدعي البعض، لكنها من بديهيات الليبرالية العامة في بعض دول الغرب الرأسمالي.
* ثالثاً: تحقيق العدالة الاجتماعية للطبقات والفئات الأفقر في مصر، وهي الأغلبية الساحقة، حين نعلم أن 48 في المائة من المصريين أصبحوا تحت مستوى خط الفقر، وأن 20 في المائة آخرين ينجرفون سريعاً نحو خط الفقر بسبب الأزمة الاقتصادية الاجتماعية، وأن 20 في المائة بعد ذلك يمكن أن نطلق عليهم "المستورين"، بينما تظل نسبة 10 في المائة تتحكم في معظم الثروة والسلطة، وتتنازع الاختصاص وتتصارع بشراسة على اكتناز الثروة ومحاصرة مصادر القرار والخضوع لسلبيات العولمة الشرسة.
* رابعاً: صياغة التزام وطني تاريخي ومحاربة تحالف الفساد والاستبداد في كل لحظة وفي كل مكان، يمثل عقداً اجتماعياً جديداً بين الشعب وحكامه.
* خامساً: ترشيد الليبرالية المتوحشة وقمتها العولمة الشرسة، كما فعلت وتفعل دول رأسمالية وليبرالية غريبة عتيدة، بدلاً من ترك هذه العولمة تطحن الشعب الفقير المقهور أصلاً.
أعرف مقدماً أن هناك من قد يأخذ هذه الاقتراحات على محمل الجد، بينما هناك من يسخر ويتجاهل ويدعي أن لديه ما هو أفضل، لكننا نعتقد بصورة واضحة أن هذه الأزمة الخانقة لن تحلها حكومة ترحل أو حكومة تأتي، طالما أن السياسات والفلسفة الحاكمة غير محددة الأفق وغير قادرة على استشراف المستقبل، والحلم بوطن جديد للحرية والعدالة الاجتماعية.
ولأننا نختتم هذه السلسلة من المقالات حول الأزمة الراهنة، وصعوبة حلها بالوسائل المتبعة حالياً، فإننا ننبه مرة أخرى إلى خطورة سياسة التسويف وترحيل الحلول وعلاج الأزمات الخانقة بمسكنات وقتية، بينما التجاهل كامل لرؤية، لأفق، لحلم، لمشروع قومي يعيد صياغة المستقبل ويحقق النهضة التي نتمناها للوطن.
ثم تبقى ملاحظتان في النهاية:
* الملاحظة الأولى: تتلخص في أن الاحتقان السياسي قد وجد حليفه الطبيعي وهو التوتر الشعبي والحركات الاحتجاجية والتذمر الاجتماعي، بسبب تردي أوضاع المعيشة، وهو تحالف سيتصاعد في ظل تعقد الأزمة وبرغم المواجهات الأمنية، مما ينذر بمزيد من الخطر الداهم.
* الملاحظة الثانية: تصب هي الأخرى في مجرى الاحتقان والتوتر، ونعني حصر الصراع على ثنائية السلطة والحزب الوطني الحاكم من ناحية، وجماعة الإخوان المسلمين من ناحية ثانية، باعتبارها في عرف كثيرين، قوة المعارضة الأولى.. وهذا صراع ثنائي ليس حقيقياً، ويجب على القوى السياسية والاجتماعية والفكرية الأخرى، عدم الوقوع في حبائل استقطابه إلى النهاية، فكلاهما لا يمثل مصر الحقيقية!

نهاية عصر الموارد الرخيصة
بول كروجمان

 منذ تسعة أعوام خلت، نشرت مجلة( الإيكونوميست)البريطانية تقريراً طويلاً عن النفط الذي كان يباع آنذاك بسعر 10 دولارات للبرميل، حذرت فيه من أن هذا السعر قد لا يستمر طويلاً، بل وألمحت أنه قد يهبط ليصل إلى 5 دولارات للبرميل! وخلصت المجلة في ذلك الوقت إلى أن العالم مقبل خلال المستقبل المنظور على فترة من توافر البترول بأسعار رخيصة (في الأسبوع الماضي وصل سعر البترول إلى 117 دولارا للبرميل
وليس البترول هو السلعة الوحيدة التي تثير التوقعات التي سادت في تلك السنوات، فأسعار المواد الغذائية ارتفعت إلى عنان السماء، وكذلك أسعار السلع الأساسية بوجه عام. وقد أحيا الارتفاع الكبير والمفاجئ في أسعار السلع على المستوى العالمي مرة أخرى السؤال الذي لم نعد نسمعه كثيراً منذ السبعينيات وهو: هل سيكون انخفاض الكميات المتوافرة من المصادر الطبيعة بمثابة عقبة على النمو الاقتصادي العالمي في المستقبل؟
القلق الراهن بشأن ما يمكن حدوثه عندما يؤدي استمرار النمو الاقتصادي إلى الضغط على موارد كوكب الأرض، يبدو أكثر صدقاً، من القلق الذي ساد في السبعينيات. الطريقة التي يمكننا أن نجيب بها على هذا السؤال تتوقف إلى حد كبير على ماهية الشيء الذي نعتقد أنه يقف وراء الارتفاع في أسعار الموارد الطبيعية. بشكل عام، هناك ثلاثة آراء متناقضة فيما يتعلق بالإجابة على هذا السؤال.
الرأي الأول: أن السبب في ذلك الارتفاع الكبير في أسعار الموارد الطبيعية يرجع إلى المضاربة في الأساس، وهو قيام المستثمرين الذين يتطلعون إلى تحقيق عوائد عالية في الفترة الحالية التي تتسم بانخفاض معدلات الفائدة، بالاتجاه إلى المضاربة على أسعار السلع، وهو ما أدى الى ارتفاع الأسعار بشكل كبير. وفقا لهذا الرأي أيضاً، فإن تلك الفقاعة ستنفجر يوماً ما عما قريب، وستهوي الأسعار إلى مستويات منخفضة.
أما الرأي الثاني، فهو أن ارتفاع أسعار الموارد الرئيسية يرجع إلى أسباب أخرى ذات صلة بالمبادئ الأساسية التي تحكم العرض والطلب، منها على سبيل المثال الزيادة السريعة في الطلب على المواد الأساسية والغذائية، والذي يرتبط إلى حد كبير بالتزايد الكبير في أعداد الصينيين الذين يتناولون اللحوم ويركبون السيارات. ولكن إذا ما أخذنا في اعتبارنا أن هذه الزيادة على الطلب ستدفعنا إلى حفر المزيد من الآبار، وزراعة المزيد من الأفدنة، سندرك أن ذلك سيؤدي حتماً إلى زيادة المعروض من تلك السلع بعد مرور بعض الوقت، وبالتالي انخفاض أسعارها.
أما الرأي الثالث، فهو أن عهد الموارد الرخيصة قد انتهى للأبد، وأن البترول المتوافر لدينا قد بدأ في النفاد التدريجي، وأننا نعاني من نقص المساحات التي يمكن زراعتها في الأرض. وفي تقديري أن السبب الحقيقي يكمن في شيء يقع بين الرأيين الثاني والثالث. وإنْ كنت أتفق في الرأي مع بعض الأشخاص الأذكياء- ليس أقلهم "جورج سوروس"- ممن يؤمنون بأننا نمر في الوقت الراهن بفقاعة سلعية، إلا أن مشكلتي مع هذا الرأي تكمن في سؤال واحد هو: أين المخزونات؟
والحجة التي يستمسك بها أنصار الرأي الثاني، وهي أن أزمة الموارد هي أزمة حقيقية ولكنها مؤقتة، تُشَبّه ما نراه أمامنا الآن بأزمة الموارد التي حدثت في سبعينيات القرن الماضي.
وأكثر ما يتذكره الأميركيون من تلك الأزمة هو ارتفاع أسعار النفط بصورة كبيرة، ومنظر طوابير السيارات الممتدة أمام محطات تعبئة السيارات، بيد أن الكثيرين منهم ينسون أن تلك السنوات قد شهدت أيضاً أزمة عالمية حادة، أدت إلى ارتفاع أسعار السلع في الولايات المتحدة بصورة كبيرة، كما أدت إلى حدوث مجاعات مدمرة في بعض البلدان الأكثر فقراً.
وقد استمرت هذه الأزمة لفترة تم خلالها استغلال المزيد من الأراضي في الزراعة، كما تم العثور على آبار بترول جديدة في خليج المكسيك، وبحر الشمال، وهو ما أدى إلى انخفاض أسعار الموارد مجدداً. ربما يكون زمننا الحالي مختلفاً عن ذلك الزمن. فالقلق الراهن بشأن ما يمكن أن يحدث عندما يؤدي النمو المستمر في الاقتصاد إلى الضغط على موارد كوكب الأرض يبدو أكثر صدقاً، من القلق الذي ساد في السبعينيات من القرن الماضي.
الذي يدفعني لقول ذلك إنني لا أتوقع أن ينخفض النمو الصيني في أي وقت قريب في المستقبل، وهو ما يمثل تناقضاً رئيسياً مع ما حدث في السبعينيات، عندما انخفض النمو الاقتصادي في اليابان وأوروبا اللتين كانتا تمثلان الاقتصادات الصاعدة في ذلك الوقت. علاوة على ذلك أصبح العثور على موارد جديدة الآن أكثر صعوبة مما كان عليه في تلك السنوات، كما أن الظروف الجوية السيئة أصبحت تؤثر على الإنتاج الزراعي، وتؤدي إلى العديد من حالات الجفاف.
وإذا ما افترضنا أننا قد وصلنا الآن إلى الحدود القصوى لكوكب الأرض، فإن البعض قد يتساءلون: ما الذي يعنيه ذلك؟ حتى إذا ما تبين لنا أننا قد وصلنا إلى ما يعرف بـ"الذروة البترولية"، فليس معنى ذلك أنه سيأتي علينا يوم نقول فيه: يا إلهي لقد نفد البترول من باطن الأرض تماماً! ثم نقف نتفرج على الحضارة وهي تنهار إلى حالة من الفوضى العارمة.
لن يحدث هذا، ولكننا إذا ما وصلنا إلى تلك النقطة، فإن ضغطاً منتظماً سيحدث على اقتصادات الدول نتيجة للارتفاع المتواصل في أسعار الموارد، وهو ما يجعل من الصعب على تلك الدول رفع مستوى معيشتها. علاوة على ذلك ستجد الدول الأكثر فقراً نفسها تعيش نتيجة لذلك بالقرب من حافة الخطر، أو ربما فوق تلك الحافة تماماً.
لا تنتظروا حدوث ذلك الآن، ولكن الأمر المؤكد هو أن زمن الأيام الطيبة قد توقف عن الدوران.

مؤتمر الكويت.. توصيات قيد التنفيذ!

 بشرى الخزرجي
ماذا ينتظر العراقيون من جيرانهم وأشقائهم العرب بعد انتهاء أعمال مؤتمر دول الجوار العراقي يوم 4/22/ 2008 في الكويت؟ الجارة التي نالها ما نالها من النظام البائد من اعتداء عليها وعلى سيادتها عندما قام بغزوها سنة 1990، مخلفاً دماراً وخراباً وشرخا واسعا في العلاقات العربية العربية من حيث التجاذبات التي شهدتها تلك الفترة بين مؤيد ومعارض لهذا الفعل الطائش للنظام الصدامي، وقد زهقت من جراء هذا الاعتداء الكثير من الأرواح البريئة، كان نصيب الشعب العراقي منها الأوفر تماما مثلما حصل في الحرب على الجارة إيران التي سبقت هذا الغزو بسنوات عشر! ويبدو من المواقف العربية والدول الأخرى المجاورة للعراق أن أبناء الشعب العراقي عليهم أن يدفعوا ثمن تلك الحقبة اليوم من دمائهم واستقرارهم! فلو نظرنا في هذه المواقف نجدها مليئة بالتدخلات السلبية السافرة في الشأن العراقي إن كان سياسيا أو أمنيا أو اقتصاديا، فمنذ السقوط في 9/4/ 2003م وحتى يوم انعقاد المؤتمر الأخير والذي جاء مكملا لمؤتمرات عدة سابقة، والموقف العربي من العراق الجديد لازال غير مسؤول وغير سليم، كقيام دول بتدريب وإرسال الأجساد المفخخة بالحقد الأسود لقتل المواطن العراقي البريء في كل مكان، وتسريب سياسة التفرقة ما بين العراقيين على أساس مذهبي وعرقي، وغيرها من السياسات الخاطئة المميتة البعيدة عن الروح العربية والإسلامية. لقد حاولت الدول العربية المحيطة بالعراق وغيرها من دول الجوار أن تظهر اهتماما بالوضع العراقي من خلال ما خرجت به من توصيات نستطيع أن نعدها مهمة ومنصفة لو فُعّلت حقا على أرض الواقع، ومنها احترام سيادة ووحدة العراق الكاملة ودعم العراق وجهود حكومته المنتخبة في عملية استتباب الأمن، وتشجيع وتوسيع المصالحة الوطنية التي تساعد بدورها على خلق فرص المشاركة الشاملة لكل مكونات الشعب العراقي، وغيرها من النقاط التي تتحدث عن تقوية مؤسسات الدولة ومساعدة اللاجئين العراقيين الممتحنين في ديار الغربة، والمقصود هنا بالطبع لاجئو ما بعد السقوط، وإلاّ فالمبعدون عن أوطانهم قسرا أو المهاجرون بسبب بطش النظام الزائل، والذين يتوزعون المنافي منذ عقود لا أحد يذكرهم لا من قريب ولا من بعيد، و أصبحوا في خبر كان يا مكان في قديم الزمان، يُحكى أن ..! على أية حال فالمؤتمر يبقى بالرغم من وصفه بالناجح والمميز، حبرا على ورق إن لم تترجم جميع قراراته وتوصياته إلى واقع ملموس، وعلى رأسها شطب الديون التي ليس للشعب العراقي الذنب فيها، فلو فعلتها الدول العربية وفي مقدمتهم الجارة العزيزة الكويت المستضيفة لهذا الاجتماع وقامت بإسقاط ديونها المنهكة للعراق وشعبه حينها فقط نستطيع الإقرار بنجاح ليس المؤتمر فحسب، بل العرب في موقف تاريخي يحسب لهم لا عليهم في خضم ما تعيشه المنطقة العربية من تحديات. يبقى أن نذكّر الحكومات العربية أن الشعب العراقي شعب مسالم غير عدواني كما يحاولون إظهاره في وسائلهم الإعلامية، وهو شعب متعايش بجميع أطيافه وقومياته فلا تنفع سياسة الفصل بين مكوناته فقد أثبتت فشلها على الرغم من مرور خمس سنوات مليئة بالقتل والدماء النازفة دون وجه حق، وليدرك من يهمه سلامة العراق وأمنه واستقلاله، أن العراقيين ليسوا فقط متعايشين ومتصاهرين مع بعضهم البعض بل أن الكثير منهم اختلطت أنسابهم مع أنساب العديد من أبناء الدول العربية المجاورة لاسيما دولة الكويت التي تضم بين أسرها أمهات وجدات من أصول عراقية وهو الشيء الذي يبين عمق العلاقات بين أبناء المنطقة العربية والإسلامية.

العراق وعلاقاته مع أشقائه العرب
عبد الهادي مهدي

  الساحة السياسية العراقية اليوم تختلف عن الفترات السابقة التي احتدم فيها النقاش حول علاقة العراق بمحيطه العربي والإقليمي وكانت التجاذبات السياسية على أشدها ولا سيما في الفترة التي سبقت وتلت إقرار الدستور العراقي، حيث إن بعض الفعاليات السياسية في الساحة العراقية كان رأيها بأن العراق بدأ بتضييق مساحات العلاقات مع الدول العربية الشقيقة وكان الرد الرسمي العراقي على تلك المواقف بأن العراق الدولة يسعى للتقارب مع أشقائه العرب وبناء العلاقات على أسس حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وكان كل طرف يبني إراءه على الزاوية التي ينظر بها الى هذه المسألة، ويوماً بعد آخر بدأت الدول الغربية برفع مستوى التمثيل لها لدى العراق على مستوى السفراء، والشارع العراقي ينتظر إعلام أشقائه العرب وهي تعلن قدومهم الى العراق دون جدوى.اليوم الصورة تبدو مختلفة تماماً عما كانت عليه سابقا وكان ذلك جلياً في البيان الختامي لمؤتمر دول الجوار العراقي الذي انعقد في الكويت مؤخراً حيث جاء في البيان المذكور تشجيع وحث جميع الدول ولا سيما دول الجوار العراقي على فتح أو إعادة فتح بعثاتها الدبلوماسية وتعزيز الموجود منها برفع مستوى التمثيل والإسراع بإرسال السفراء الأمر الذي سيساهم في تحسين العلاقات الثنائية وتطويرها. وأن مثل هذا التأكيد تكرر في أكثر من مناسبة وفعالية دولية أو عربية إلا أن التبريرات التي يتم التمسك بها لعدم الإقدام على مثل هذه الخطوة أغلبها ينصب على الجانب الأمني وقدم العراق تطمينات كافية لاشقائه في هذا الجانب، والأمل الذي يحدو جميع العراقيين هو الإسراع في تواجدهم على الساحة العراقية وأسباب ذلك معروفة لدى الجميع.. وعشية انعقاد مؤتمر دول الجوار العراقي في الكويت فأن المتابعين للملف العراقي والمحللين أكدوا في حواراتهم الصحفية بأن الأشقاء العرب تركوا العراقيين كثيرا وقد آن الأوان لطي تلك الصفحة والتواجد في الساحة العراقية، وهذا يؤكد ما قاله العراقيون سابقاً بأن الأشقاء يبتعدون عن الساحة العراقية والعراق يحاول ملياً الاقتراب منهم وعودتهم.. إذن الآن الحالة اختلفت كثيراً وأطلع الأشقاء على الكثير من الأمور التي كانت ربما خافية عنهم ولا بد من إيجاد آليات عمل مشتركة لتطوير علاقات العراق مع محيطة العربي أولا بما يخدم مصلحة العراقيين واشقائهم والجميع بانتظار تنفيذ الوعود بإعادة فتح السفارات وارتفاع مستوى التمثيل الدبلوماسي ودعم الحكومة العراقية المنتخبة من قبل الشعب.

ما جدوى الحديث عن دور أممي بالعراق الآن و(صوملة) القضية العراقية؟
د. طالب مراد

  قُدر للعراق أن يكون معمل تجارب و التي يدفع أبناؤه ثمن فشلها، هذا الفشل الذي يعود لسوء قصد أو قلة خبرة المجربين على السواء. الآن وبعد خمسة عقود من الحكم المتقلب والديكتاتورية وخمس سنوات من الاحتلال ثم الحكومات الضعيفة لم يعد هناك متسع للتجريب؛ فثمن التجريب ليس أقل من مزيد من الدماء المراقة والأرواح البريئة التي تزهق، والملايين التي تغادر بيوتها قسرا لمخيمات النازحين وشتات الجوار، تماما كما كان هناك أربعة ملايين لاجيء عراقي في زمن صدام.. فهل نسمح بمعاودة الكرة ويدفع من تبقى من مواطنينا الثمن؟. مناسبة هذه المقدمة ليس أبدا الدعوة لتثبيت الوضع الحالي: فالكل متفق على نقد كثير من أداء نظام الحكم وتوجهاته ورافض للوجود العسكري الأمريكي؛ بقدر ما هي الرغبة في التمهل في الانسياق وراء تجارب أشد مخاطرة رغم البريق الذي يحيط ببعضها.. فقد قرأت مؤخرا رسالة موجهة للأمم المتحدة تدعوها ليس للعب دور بالعراق ولكن لوضع العراق تحت حكمها او وصايتها او شيء من هذا القبيل !!! آه ..كالمستجير من الرمضاء بالنار.المدهش في هذه الدعوة التي حملت توقيع نفر من أعز الأصدقاء العراقيين بالعاصمة المصرية القاهرة أن تذيل بتوقيع أمين عام منظمة تضامن الشعوب الافرواسيوية، ليتساءل القارئ: هل عرض هذا القرار على كل المنظمات المنضوية تحت لواء المنظمة؟ ام انه مجرد اضافة ثقل للدعوة؟ ولماذا يوقع السيد الامين العام وهو عراقي بصفته الاقليمية؟ فهل كان قرارا جماعيا وافقت عليه كل المنظمات المنضوية تحت هذه الهيئة؟ وعلمي ان منظمة التضامن والسلم العراقية عضو ايضا في التضامن الافرو اسيوي، فهل وافق السيد فخري كريم رئيسها على هذا القرار حقا..طبعا إذا كان قد عرض علي التصويت من الأساس؟ وبحكم الكثير من التجارب السابقة فإن الأمم المتحدة لم تنجح في حل جذري لكثير من القضايا العالقة بالمنطقة والعالم، والمثال الأشهر من الشرق الاوسط هو النزاع الفلسطيني الاسرائيلي، فرغم مشروعية المطالب الفلسطينية في هذا الصدد فإن قرارات الجمعية العامة تبقى غير قابلة للتنفيذ خاصة اذا عرض الأمر على مجلس الأمن، فهل المطلوب مزيدا من التسويف والمماطلة لتصبح الأزمة العراقية شبيهة بسابقتيها الفلسطينية والصومالية؟
كما يعلم القاصي والداني بسيطرة القوى العظمى على قرارات مجلس الأمن وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، فلماذا المطالبة بترحيل العراق من سيطرة أمريكا عليه بصورة "غير مباشرة"الآن ونقله لسيطرة مباشرة لمنظمة دولية تأتمر أيضا بأوامر واشنطن؟. نقطة أخرى وربما تكون هي الفاصلة في حتمية رفض هذه المقترحات المثالية: وهي أن تاريخ الامم المتحدة بالعراق بشقيه السياسي والاقتصادي لم يكن مشرفا في كثير من الحالات، وملف فساد تطبيق قرار النفط مقابل الغذاء ليس سرا بل وصل التحقيق في فضائحه لأعلى المستويات، صحيح أن البطأ هو السمة الغالبة لمجرى التحقيق لكن صحيح ايضا ان ما كشف عنه اعلاميا ليس بالامر اليسير، وليس مجرد هفوات واخطاء بل كان الفساد بحجم ضخم وعلى مستويات ادارية عدة، لدرجة أن تورط فيه " السيد كوجو" نجل امين عام الامم المتحدة السابق كوفي عنان ، ولم يكن الفساد في صفقة او اثنتين ولم يستمر يوما وليلة، بل استمر لعدة سنوات منذ منتصف التسعينات وحتى سقوط بغداد في 2003 ، والمحير انه رغم توقف البرنامج عمليا بعد الحرب الاخيرة بشهور فانه لم يتوقف صرف رواتب العاملين به في مكاتبهم الفاخرة خارج العراق. وهنا انبه لنقطة اخرى قد تبدو مضحكة: فعندما اقول ان من كان يدير ملف العراق غالبهم كان يقطن في عواصم عربية وعالمية فهذه حقيقة استمرت بعد الحرب الاخيرة وبعد التفجير الانتحاري الذي اودى بحياة مبعوث الامين العام للامم المتحدة "دي ميلو" وعشرين من رفاقه في اغسطس اب،فالمنظمات التي تتولى الآن الملف العراقي بالامم المتحدة تتمركز كوادرها في العاصمة الاردنية عمان، مثلما تتعامل الدول العربية الرافضة للتمثيل الدبلوماسي لها داخل العراق، حتى في الفترات التي كانت الاوضاع هادئة نسبيا بالعاصمة العراقية بغداد، ورغم وجود العديد من المناطق بالعراق في كردستان والجنوب كانت مؤهلة لاستضافة المذظمات المتخصص التابعة للامم المتحدة بها لحين هدؤ الامور بالعاصمة لكن الموظفين الدوليين اثروا السلامة وبقوا في الاردن والخارج، ومع ذلك يتقاضون مبالغ طائلة كبدل للمخاطر والسكن باعتبار أنهم بالعراق!! بالاضافة للبدلات الضخمة للسفروالتنقل والإجازات التي تزيد على أضعاف ايام العمل المفترض انهم يقومون به..فلصالح من هذه الخدعة؟ وهل دورنا ان نمدد في فرص هؤلاء للاثراء باسم العراق وعلى حس استمرار أزمته ؟ وهل ستتبني الامم المتحدة لنفسها منطقة خضراء ايضا لتحمي نفسها من الهجمات اذا اصبح العراق تحت وصايتها؟ لقد كان العمل و الترقي في منظمات الأمم المتحده العاملة بالعراق خاضغا لمعايير كثيرة منها ما هو سياسي وعلاقة الموظفين بحزب البعث وقيادته القومية وليس مهنيا ،وكان الموظفون المحليون(اولاد المتنفذين: عربا وأكراداً)والدوليون العاملون بالعراق اثناء حكم صدام يتم تزكيتهم ومتابعتهم عن طريق دائرة "أمنية" هي دائرة المنظمات الدولية بالخارجية العراقية،وكانت الوظائف تعطى للبعض على أساس مدي قوة وعلاقات نظم بلادهم السياسية بنظام صدام.. وكانت مرتبات هؤلاء عشرات أضعاف مايحصلون عليه ببلادهم لذا وضعوا تحت رحمة سلطة بغداد وامتثلوا لتوجيهاتها وأحيانا كانوا يقومون بما هو خارج نطاق أعمالهم لللحفاظ على عقودهم وتجديدها، وكان نظام بغداد يتدخل حتى في التزكية والموافقة على تعيين أسماء بعينها من دول تربطها علاقات قوية بنظام صدام، مثل السودان الذي ومنذ عام وحتى الان أتى سبعة من بين ثمانية رؤساء للمنظمات المتخصصة بالامم المتحدة من السودان وتحديدا من شماله النوبي! كما كان هناك نسبة كبيرة من الصومال تعمل بمنظمات الامم المتحدة بالعراق في فترة تطبيق اتفاق النفط مقابل الغذاء .... وانصاع كثيرون لتوجهات نظام صدام التخريبية - التي لا تستطيع الحكومة الصدامية القيام بها في كردستان- لانهم ارادوا ضمان ثقته بموافقة بغداد على تمديد عقودهم للعمل . لدرجة ان البعض مدد له العقد بالعراق عدة مرات بمخالفة للقواعد المرعية التي تقضي بعدم المد في نفس البلد لأكثر من مرتين. الا يثير هذا ولو مجرد تساؤل او تشكك؟ فهل يعود هؤلاء للعراق اذا وضع تحت وصاية الامم المتحدة لمواصلة الاثراء بلا عمل حقيقي في بلد لا صاحب له. وبحكم المركزية الشديدة في عمل الامم المتحدة فانها تعطي الوزن الاكبر مع عاصمة الدولة التي تتعامل معها. وفي حالة العراق طوال التسعينات تواجدت منظمات عدة بالشمال غيرالخاضع لسيطرة العاصمة بغداد.. فماذا حدث: كان يفترض ان تكون هذه فرصة جيدة لحل مباشر للكثير من مشاكل اقليم كردستان المتراكمة بفعل الحروب وضعف التنمية الخ. لكن الحقيقة ان هذه المنظمات غرقت في الفشل وتعايشت مع الفساد وبالاخص في مجالي الزراعة والصحة: فعجزت عن حل لمشكلة الجفاف الذي ضرب الاقليم منذ منتصف التسعينات، وتخبطت حتى في ايجاد حل لبعض الامراض والاوبئة، وانفقت الملايين لشراء مواد لا حاجة لاستخدامها، واشترت معدات متهالكة او رديئة لم يستخدمها احد، بل ووصل الامر لاجراء ابحاث غير ضرورية، او جمع عينات من المزارعين ثم تركها لتصبح غير قابلة للاختبار والقائها بعد ذلك دون حتى تحليلها.. قصص كثيرة امتلأت بها ملفات الصحف الكردية والغربية عن فساد المنظمات الامم المتحدة .فهل المطلوب تكرار نفس القصة بالعراق. هل نريد أن تتكرر قصص الفساد هذه ونقبلها بحكم أنها من منظمة دولية؟ ما الفارق اذن.. ام هو مجرد الرغبة في التغيير؟ ولنتذكر أن اسقاط نظام صدام دون وضوح الرؤية هو سبب من أسباب عدة لما يعانيه بلدنا الآن من تخبط. أتذكر ما قاله المرحوم المهداوي رئيس محكمة الشعب من أن الشعب العراقي "مفتح باللبن" فماذا جرى لنا الان؟ وبحكم عملي السابق في المنظمة الدولية وكرئيس سابق لرابطة موظفيها في مصر، لمست كما غيري كون الترقي في المناصب ليس بالشفافية التي يتصورها البعض، بل يدخل فيها ايضا عامل الدول المتقدمة التي اتي منها او حمل جنسيتها موظفو الامم المتحدة. لقد شاهدت بالصومال بعض العسكريين الذين قادوا حملة بلادهم عليه فجر التاسع من ديسمبر والطريف ان بعض هؤلاء قد تقاعد لينتقل للعمل في الامم المتحدة .. فليس كل كبار موظفي الامم المتحدة مدنيون او اصحاب خبرة ادارية وخدمية .وكثير منهم وصلوا لمكانتهم وترقوا فيها ليس لعبقرية خاصة او قدرة فائقة لديهم في حل المشاكل المستعصية.. تماما مثلما كان الامر في العراق. وعلى ذكر تجربة الصومال حيث كنت ممثلا لمنظمة الفاو وبقيت بها ومعي طبيب من منظمة الصحة الدولية ،وشاهدت الانزال البحري الفا من قوات الولايات المتحدة في فجر التاسع من ديسمبر والذي استقبل بصورة ايجابية من المواطنين الصوماليين. وسمعنا التصفيق والزغاريد بالشوارع. ولكن الامريكيين لم يفرضوا الأمن ولم ينزعوا سلاح الميليشيات وهو ما كان أيسر وقتها..واعلنوا انهم جاءوا فقط لتقديم المساعدات الانسانية ! تماما مثلما حدث في العراق في الايام الاولي للحرب حيث كان بوسعهم السيطرة علي كثير من الامور. وفي الصومال تخبطت القوات الامريكية بعلاقات مع قوى مرفوضة محليا.ولم تنجح في تهدئة الامور حتى بعد ان وصل لاحقا ?? الف عسكري من ??دولة فيما عرف بعملية اعادة الامل بـUNITAF والتي رعتها الامم المتحدة تحت رئاسة بطرس غالي بالقرارومع وصول الديموقراطيين للرئاسة في واشنطن في ينايركان كل شيء قد تدهور بالصومال .فقد فشل الجنود الامريكيون و القوات الدولية في فرض الاستقرار ، وما هي الا أشهر حتى سحب الامريكيون قواتهم في الثالث من اكتوبر وبعد المعركة المعروفة بين قوات عيديد ضد الأمريكيين والتي قتل فيها مجندا أمريكيا.. وقد شهدت هذه المعركة..انسحب اذن الامريكيون و بقت القوات الدولية محدودة القدرة والعدد منزوعة الاسنان..فلم تفعل شيئا وانسحبت هي الاخرى رويدا رويدا.. والمشابهة مع الحالة العراقية واضحة : فخروج الامريكيين محتمل اذا وصل الديموقراطيين للرئاسة بواشنطن. والامم المتحدة لا تستطيع بمفردها حل ازمات امنية وعسكرية معقدة كما بالعراق. وغالب الظن انه اذا تدهورت الامور اكثر فسيكون الانسحاب هو الخيار المفضل للامم المتحدة وهذا ما يحدث في كثير من الاقاليم الملتهبة بالعالم مثل دارفور . فلماذا الرهان على منظمة ليس لديها تاريخ ناجح في ادارة ازمات مشابهة ..منظمة يكاد الانسحاب الفوري ان يكون هو العرف السائد لديها اذا ما تهددت حياة احد أفرادها. وبانسحاب القوات المتعددة الجنسيات من الصومال انسحبت الأمم المتحدة لتتمركز في نيروبي، وبهذا يكون هم من ربط عمل ومهام الامم المتحدة بالقوات متعددة الجنسيات وعلى رأسها القوات الأمريكية. وهذا ما قد يتكرر بالعراق. بل لا استبعد أن تطلب الإدارة القادمة في واشطن تدخل الأمم المتحدة لتخرج هي من العراق بماء وجهها. كما لايجب ان نفرح كثيرا او نطمئن لان العراق سيصبح تحت امرة موظف "دولي غربي" فهذا ليس بضمانة لشيء،بل ان جهل البعض من ذوي العيون الملونة بطبيعة البلاد التي يعملون بها خاصة من الناحية السياسية يضر كثيرا حتى لو ارادوا خيرا.. والعراق ليس البلد الذي يسهل على غربي غير مختص ادارة ملفه المعقد والمتخم بالتفاصيل والحسابات والحساسيات. والمزعج ان النظام البائد عين كثيرا من اتباعه بالامم المتحدة ووكالاتها المتخصصة واستمروا بعد سقوط النظام حتى دون حساب. بل وصل الامر ان يرافق اخر وزير زراعة في عهد صدام ممثل لمنظمة الفاو السابق في اجتماعيها الوزاريين الاخيرين وكانه لازال في الحكم ، حيث لم يحضر الوزير العراقي الحالي.... فهل نأمن شر هؤلاء اذا عادوا عبر المنظمة الدولية. ان الدعوة لوضع العراق تحت سيادة منظمة الامم المتحدة هو مجرد رغبة تعكس في احسن الظروف شعورا بالعجز عن مواجهة المشكلة ومحاولة اقرب للساذجة لتصدير المشكلة لجهة اخرى .. مجرد استبدال للقبعات الحمراء باخرى زرقاء، واي متابع للمشاكل التي تواجه حملة القبعات الزرقاء بمناطق الصراع مثل دارفور يدرك ان مجيء هؤلاد سيزيد من شهية المعارضين لترتيبات ما بعد اسقاط نظام صدام. فنحن بذلك نعطيهم فرصة لنقل عملياتهم وهجماتهم الى اهداف جديدة.. وليس تصريح الرجل الثاني بالقاعدة ايمن الظواهري بانه يفضل الجهاد في العراق ويحث على قتل موظفي الامم المتحدة سوى اشارة للهدية التي يمكن تقديمها للارهاب باستقدام موظفين - سيكون غالبهم محليين أي عراقيين - كهدف مفضل لهجمات القاعدة. وعلي ما يبدو أن التاريخ يعيد نفسه فقد دخل الأمريكيون الصومال أثناء ادارة بوش الأب وخرجوا منه بعد أشهر بعد مجيء إدارة كلينتون. والمنطقة الخضراء التي يدير منها الأمريكيون الأمور حاليا بالعراق كان يماثلها في العاصمة الصومالية "مقديشو" منطقة كيلوم متر? :حيث سور السفارة الأمريكية الذي سلب ونهب بعد سقوط نظام سياد بري كما الفرهود في اعقاب سقوط صدام..فهل نحن على أعتاب إعادة نفس الفيلم الهندي مرة أخرى؟ إنني أشعر بمسئولي أدبية تجاه المنادين بدور للأمم المتحد بالعراق حيث وعلى مدار سنوات من بقائي بالصومال رئيسا لمنظمة الأغذية والزراعة- فاو بها وكان زميلي السيد دي مستورا مسئولا عن منظمة يونيسيف بالصومال لفترة قصيرة، وهو حالياً ممثل الأمم المتحدة بالعراق. ورأيت خلال هذه الفترة العصيبة من تاريخ الصومال ما لا يحبذ تكرار هذه الفكرة في موطني العراق، وما ذهب له البعض بدافع حسن النية من اعتقاد أن الأمم المتحدة قادرة على حل ما بالعراق.وربما لأنه كان لي تحفظات على بعض الأخطاء مما يجري بالصومال فقد أرسلت للقاهرة منذ وبقيت بها عاما .و لم أكن أعرف أن السيناريو الصومالي سيتكرر بالعراق..فعلى الأقل حتى أسجل المزيد من الملاحظات والأخطاء التي حدثت بالصومال لتجنب تكرارها..كان السيد كوفي عنان وقتها مديرا لعمليات السلام التابعة للأمم المتحدة بالصومال وكانت السفيرة ابريل جلاسبي - سفيرة واشنطن بالكويت أثناء غزو صدام- قد عينت مستشارة للأمم المتحدة بالصومال. ولو كان الراحل عصمت كتاني ممثل الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي بالصومال حيا لأعطانا المزيد عن تجاوزات أداء منظماتها هناك وأخطاء ادارتها.. عومل كتاني معاملة سيئة من قبل الأمريكان، وتم التخلص منه مثلما تخلصوا من بطرس غالي وعينوا بدلا منه عنان. وليست هذه مصادرة علي تاريخ الأمم المتحدة على مدار أكثر من عاما بالعالم، ولكن دورها بالعراق ليس مجديا ولا مطلوبا، كما ان تصريح الحكومة الكويتية في ابريل الحالي بأنهم لن يتخلوا عن ديونهم لدى العراق الا بعد موافقة الأمم المتحدة سوى مثال واضح أنه يمكن للبعض توظيف هذه المنظمة كشماعة عند اللزوم.وحسب اعتبارات الموائمة والمصلحة..ولا ضمانة واضحة أن الامم المتحدة ستقف حتما لحماية دولة تنهار كالعراق او مساعدة شعب يعاني كمواطنينا. ويا أيها السادة: بدلا من تسليم الأمور لسيد آخر .. فلنعمل على قيام مؤتمر وطني(ليس مؤتمر مصالحة بالخارج) ففي العراق أماكن آمنة كثيرة بشماله وجنوبه.ان تلك الدعوة لوضع العراق تحت امرة الأمم المتحدة تعكس ايضا كفرا بقدرة العراقيين على ادارة امورهم والتعلم من اخطائهم، وتعطي المبرر للقول انه لا يصلح لهم سوى صدام فهل هذا المراد اثباته ؟وهل هذا يصب في صالح العراق واي ساع للتخلص من نظم تسلطية بالمنطقة والعالم؟ مستشار اقليمي متقاعد بالفاو ورئيس رابطة موظفي الأمم المتحدة بمصر سابقا.

صفحات تأريخية مظلمة ... لحقبة زمنية غابرة من تاريخ العراق الحديث
مارس البعثيون القتلة واعوانهم عند استلامهم الحكم ابشــع صــور التعـــذيب والقتـــل والتنكيــل بالعــراقيين

  محمد علي البصري
زهير كاظم عبود
عند بداية عام 1958 ، وفي هذا العام قامت ثورة الشعب بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم ثورة14 تموز الخالدة ، وفي هذا العام حدثت تطورات كبيرة في المنطقة العربية منها اعلان الوحدة الميتة بين مصر وسوريا فلا توجد مقومات بين البلدين لا جغرافيا ولا سياسياولا اقتصاديا لقيام الوحدة وانما الهدف من هذا كله ومن تلك الوحدة الميتةهو شعور النظام السوري بالعزلة التامة لا سيما وهو مهدد من اسرائيل.. وتركيا من الشمال ،والعراق من الغرب ، والاردن من الجنوب مما دفع هذا النظام الى اللجوء الى جمال عبد الناصر(كارثة الامة العربية) واعلان الوحدة بين البلدين اي بين مصر وسوريا.
حقبة حكم الساقطين والمنبوذين
لقد نجحت المخابرات الامريكية والبريطانية وبالتعاون مع السافاك الايراني والدول الاقليمية المحيطة بالعراق ان تطيح بثورة الشعب وتقتل قائدها الزعيم عبد الكريم قاسم باستعمال حثالة البعث والقوميين الناصريين ، ومنذ استلام المنبوذين السلطة في العراق باشروا في تنكيل العراقيين وسيق الاف العراقيين من نساء ورجال وزج بهم في السجون والمعتقلات ، ومارس البعثيون القتلة واعوانهم ابشع صور التعذيب والقتل والتنكيل بالعراقيين في جميع انحاء العراق ،وقاموا باغتصاب اعراض الناس وشرف عوائل لاتفه الاسباب ،فادخلوا الفتيات الشريفات الى معتقل ملعب الادارة المحلية في المنصور مقابل معرض بغداد الدولي وقاموا باغتصابهن ، لقد مارس هؤلاء الجلادون ابشع الجرائم النكراء في التأريخ الانساني لم يمارسها عدو مع عدوه.لقد فرض الحرس القومي سطوته في بغداد وجميع انحاء العراق ومارسوا التنكيل والتعذيب طوال فترة تسلطهم على العراقيين الى بدأ الخلاف يدب بين البعث وعبد السلام عارف حول السلطة ، وكان البعثيون يحاولون فرض سيطرتهم على مقاليد الامور .وفي هذه الاثناء عاد الى العراق! شرذمة البعث وغيرهم من متمشدقي العروبة من قاهرة الغدر والخيانة من احضان العميل عبد الناصر المقبور الى العراق وعاد المجرم صدام التكريتي وتولى منصب نائب رئيس الجمعيات الفلاحية التي كان يرأسها حينها السيد حسين السيد جبر من اهالي الديوانية (قتله صدام عام 1970 في حادث سيارة)، لقد خرج المنبوذون من جحورهم وبسطوا سطوتهم في العراق ، وقتل الالاف من ابناء العراق الشرفاء الغيارى على ايدي جلاوزة الحرس القومي ،لقد خطط المقبور عبد السلام محمد عارف ان يقصي البعثيين من موقع السلطة وذلك بالتحالف مع ضباط الجيش العراقي ومن هؤلاء المقبور اللواء الركن محمود عريم هذا الضابط الفاشل في حياته العسكرية الا انه يتمتع بالغدر والخيانة والانحراف الخلقي ،يروي لي الاستاذ الدكتور عمر الراوي انه التقى المرحوم الدكتور حكمت حسين عريم في لندن عام 1994 قبل وفاته واطلعه على ان المقبور اللواء الركن محمود عريم كان على علاقة وثيقة بالمقبور الملك حسين ملك الاردن وخصص له بيت خاص وهو مرتبط بالمخابرات البريطانية منذ عام 1957 الى وفاته عام 1993 وقد خصص له راتب منذ اقامته في الاردن ،وسجن بعد انقلاب 17 تموز 1968 ثم لجئ الى الاردن الى ان مات هناك عام 1993، وكانت زوجة محمود عريم تحمل الجنسية الامريكية هي واولادهاومقيمين في امريكا ،كما ان العميد عريم ينتمي الى هذه العائلة والتي ترجع في الاصل الى قضاء عانة ،وقد توزعت هذه العائلة على اتجاهين:
الاتجاه الاول ـ البعثيون وهم المحامي الفاشل منذر عبد الحميد عريم والمقيم حاليا في امريكا .عبد الحميد عريم والذي شغل مناصب عدة منها سفير العراق في الصين ،ووكيل في وزارة الخارجية وطرد من الوظيفة عام 1983 لكونه لم يتطوع للدفاع عن البوابة الشرقية !!ليث عبد المجيد عريم وقد ارتدى هذا الفاشل ملابس الحرس القومي عام 1963 واخذ يروع سكان الاعظمية ،وعمل بعد انقلاب 1968 في المخابرات العراقية وكذلك في السفارة العراقية في واشنطن ،وضعه صدام في السجن واليوم يعمل مع حركــة الوفــاق الوطـني مع أيــاد عـلاوي باعتباران زوجة ليث عريم هي شقيقة منذر عريم وهي صديقة منذ زمن طويل لزوجة اياد علاوي ، كما ان اخيه المقبور طالب عبد المجيد عريم هذا النكرة الساقط كان يهرب الاسلحة من سوريا الى البعثيين الساقطين في بغداد، وتربط كل من ليث واخيه صلة نسب مع المقبور طاهر يحيى التكريتي رئيس اركان الجيش بعد انقلاب 1963 ورئيس وزراء عبد السلام محمد عارف بعد انقلاب الاخير على البعثيين في 18 تشرين الثاني 1968 .لقد دب الخلاف بين الشقيقين الشقيين البعثي والقومي في المجلس الوط! ني لقيادة الثورة ،واخذت الهوة بين عبد السلام عارف والبعث تتسع شيئا فشيئا ،وهذا ما رواه الاستاذ الجليل والشيخ الكريم عاد الفتلاوي امد الله عمره وكان من المقربين لعبدالسلام عارف ، حيث يروي الشيخ الفتلاوي ان عبد السلام عارف اخذ يخطط للانقضاض على السلطة وابعاد البعثيين كما ان علي صالح السعدي امين الحزب ووزير الداخلية اخذ يشكل تكتل من البعثيين ضد تيار عارف ، ونظرا لكون عبد السلام عارف ضابطا في الجيش فانه تمكن من استقطاب مجموعة من الضباط امثال رئيس اركان الجيش طاهريحيى وحردان عبد الغفار وعلي عريم ومحمود عريم و فيصل شرهان العرس وسعدون حسين وناجي طالبوعارف عبد الزقاق وغيرهم من الضباط ،وكان يتم ذلك بصورة سرية وبدقة متناهية رغم ما عرف عن عبد السلام عارف من رعونة وطيش ،فلقد تمكن تيار عارف من وضع يده بصورة مطلقة على الجيش وتمكن من حسم الموقف لصالحه ليلة 17 ـ 18 تشرين الثاني عام 1963 والانقلاب على البعث واقصائه من السلطة ووضع جميع اتباعه في السجون وتم تشكيل حكومة برئاسة عبد السلام عارف ورئاسة وزراء برئاسة طاهر يحيى التكريتي كما عين احمد حسن البكر صوريا نائبا لرئيس الجمهورية ، و! فقد حزب البعث السلطة وتم حل الحرس القومي وسيطر الجيش على مقاليد الامور بصورة بعد قتال استمر يومان وحسم الموقف لصالح الجيش وعبد السلام عارف.
من هو علي عبد السلام
حقائق مخفية عن علاقة البعث بجهات استخبارية أجنبية
علي عبد السلام (الملقب ابو ربيع) اللغز المحير الآخر بعد ايليا زغيب في حزب البعث العراقي، وكان الرجل معروفاً في منطقة (منصورية الجبل التابعة الى قضـــاء جلولاء الواقعة في الشمال الشرقي من بغداد بالقرب من الحدود الإيرانية بامتهانه التهريب في المنطقة بكل انواعه الى إيران، ولم يعرف عنه نشاط سياسي أو انتماء الى حزب عراقي في منطقته، غير انه معروف بعداءه الشديد وغير المبرر للحزب الشيوعي العراقي، وهذا الرجل كان المحرك الفعلي لمجموعة حزب البعث في المنطقة دون ان يستلم مركزاً قيادياً في التنظيم بل ودون ان يثبت انه ارتبط بالتنظيم الحزبي البعثي يوما ما، ويمكن أن نطلق عليه صفة الصديق والمساند للحزب غير أن الحقيقة غير ذلك، وكان للرجل دور معروف ومميز في حركة العقيد عبد الوهاب الشواف في مدينة الموصل برغم كونه من غير ابناء الموصل ومن غير العسكريين ودون أن يرتبط بأية علاقة صداقة بالشواف أو ضباطه من قادة الحركة، غير انه كان يعرفهم جميعاً معرفة دقيقة وتفصيلية، وكان المسؤول عن استلام أجهزة الاذاعة التي سلمتها المخابرات البريطانية صحبة مهندس بريطاني للعمل في بث الأناشيد والبيانات الخاصة بحركة الشواف باعتبارها مرسلة من الجمهورية العربية المتحدة عبر أقليم سوريا. وكان قد قدم الى الموصل قبل الحركة بشهر واحد حيث أقام في الدار الخاصة بمعاون مدير أمن الموصل في حينه، و بقي في الموصل بعد فشل الحركة بفترة مختفياً في بيوتات عدد من اهالي الموصل المتعاطفين مع حركة الشواف، وأشرف على عمليات التصفية الجسدية لعدد من المواطنين في المدينة ثم غادر الموصل باتجاه الحدود السورية بالتعاون وتسهيل من شيوخ العشائر المتعاطفين مع حركة الشواف والمعارضين للحكم الوطني في العراق، حيث تم استقباله عند الحدود القريبة من مدينة البعاج (احد أقضية الموصل القريبة من الحدود العراقية ـ السورية) التي سلكها في الهروب الى سورية، وعند لجوئه في سورية عمد مكتب المخابرات الخارجي الى اعتماد تقاريره واعتباره مصدراً معلوماتيا مهما ووثيقاً، وكانت تزكيته كافية لقبول لجوء المواطن العراقي في سورية، وكان على علاقة وطيدة بـفيصل حبيب الخيزران وعلي صالح السعدي وعلى اتصال مستمر لم ينقطع بأحمد حسن البكر وبطاهر يحيى التكريتي بالأضافة الى علاقاته بأكثر قادة الفرق والوزراء في عهد عبد السلام محمد عارف بما فيهم رئيس الجمهورية، وكان يرتبط بعلاقة خاصة بصدام التكريتي في سورية حين كان لاجئا ثم تطورت العلاقة بينه وبين طارق عزيز وامتدت الى صدام حين سافر لاجئا الى مصر وبقيت هذه العلاقة مستمرة حتى نهايته المأساوية غير المأسوف عليها وكانت علاقاته الواسعة غير المحدودة تشير الى مكانته وقدرته على الحركة وجمع المعلومات والربط والتأثير، وبالإضافة الى كل هذا يتميز بشخصية اجتماعية وهو بالإضافة الى ذلك كريم ومضياف وله العديد من الصفات الشخصية الايجابية، و ورد اسمه كثيراً خلال محاكمات المتهمين بحركة الشواف في محكمة الشعب (المحكمة العسكرية العليا الخاصة في وزارة الدفاع التي يترأسها العقيد فاضل عباس المهداوي )، ويبدو ان له دورا بارزاً ومهما في الحركة، وبعد نجاح انقلاب شباط 63 عاد الى العراق حيث منحه احمد حسن البكر رئيس الوزراء وبموافقة عبد السلام عارف رئيس الجمهورية والمجلس الوطني لقيادة الثورة والقيادة القطرية لحزب البعث العراقي رتبة ( رائد - رئيس ) في الجيش العراقي دون ان يكون علي عبد السلام قد ادى الخدمة الالزامية المقررة على كل مواطن عراقي، ودون ان يعرف عنه انه يحمل شهادة الدراسة الابتدائية، وقد شوهد في بغداد وهو يرتدي الزي العسكري ويحمل رتبة رائد في الجيش العراقي، وبعد نجاح حركة عبد السلام عارف في تشرين الثاني 1963 ضد البعثيين واقصاء العديد من الضباط لم يجر اقصاء علي عبد السلام من رتبته ولا من مكانته اذ بقي يتمتع بكل الحقوق التي تم منحه اياها، و شوهد وهو يعلق رتبة عقيد فوق كتفيه حينذاك ويراجع رئاسة الجمهورية لاستلام راتبه الشهري، وبقي يتوسط للبعثيين لدى دوائر الأمن والاستخبارات العسكرية للتخفيف عنهم اثناء التحقيق واخلاء سبيل من يستطيع ذلك، وتمكن من اعادة العديد من ضباط الجيش العراقي من البعثيين الى الخدمة بعد انقلاب تشرين 63. كان يمتلك شقة صغيرة في مدينة البصرة خلف ملهى الوطني الواقع في شارع الوطني يرتادها حين يزور مدينة البصرة وتبقى فارغة دون شاغل في فترة غيابه، وتم تكليف مدير شرطة البصرة بالمحافظة عليها بإيعاز من قبل الداخلية والشرطة العامة في بغداد، ولعل الشقة المذكورة كانت وكرا من أوكار الاجتماعات التجسسية أو المكان الذي يلتقي به القنصل أو المسؤول الأمني في القنصلية البريطانية في مدينة البصرة، وقد كان علي عبد السلام الى جانب احمد حسن البكر وزمرته اليمينية عند حدوث الانشقاق البعثي الشهير في المؤتمر السادس حين تم طرد عفلق والبكر ومجموعته. كان لعلي عبد السلام دور مهم في محاربة وملاحقة البعثيين من الجناح اليساري التابع لقيادة سورية المناويء للبكر وصدام، وكان له الدور المهم في السيطرة على المطبعة الحزبية والدلالة على الوكر الذي كان يضم أجهزة الطباعة ومستلزماتها في دار بمنطقة الكسرة في الاعظمية ببغداد، وفي موقف تم رفض وساطة علي عبد السلام في قضية خاصة كلفه بها صدام والبكر لم يتم تنفيذها من قبل مدير الأمن العام السيد انور ثامر ولم يشأ طاهر يحيى أن يتدخل بها مما حدا بعلي عبد السلام الى نزع ملابسه العسكرية ورتبته ووضعها في كيس ارسله الى عبد السلام عارف والتحق بمجموعة صدام التي تخصصت في عمليات التصدي والاغتيال للمناوئين من حزب البعث والأحزاب الأخرى، وبعد نجاح انقلاب 17 تموز 68 كان علي عبد السلام يرتدي بزة عسكرية دون رتبة وكان ضمن مجموعة جهاز حنين وتحت مسؤوليته كل من سعدون شاكر وحسن المطيري، وأرتكب الرجل خلال عمليات مواجهة جرائم في تصفية بعض الشيوعيين من كلا الجناحين (اللجنة المركزية والقيادة المركزية)، وبقي حتى تم اعتقاله بموقف منفرد بأمر من صدام شخصياً وبقي فترة ليست بالقصيرة تعرض خلالها الى تعذيب واهانات حيث حل ضيفاً في قصر النهاية، ومن الطريف أن يقوم كل من سعدون شاكر وحسن المطيري بالأشراف على تعذيبة والتحقيق معه تحت أشراف صدام حسين شخصياً وهم جميعاً رفاقه في منظمة حنين وفي عمليات الاغتيالات والتصفية، وقد كتب على ملفه ملاحظــة مهمة تفيد أن تقرير مصيره مرهون بأمر النائب (صدام التكريتي)، وبناء على توسط حماد شهاب وكان حينها وزيراً للدفاع والذي كانت له صله وثيقة وغامضة بعلي عبد السلام وبناء على الحاح احمد حسن البكر تم اخلاء سبيله بشروط قاسية وتعهد بأن لا يثرثر ولا يتحدث عما يعرفه من أسرار وكذلك يمتنع من أن يقابل السياسيين ولا يتحدث عن ظروف اعتقاله ومن قام بالتحقيق معه وماذا يراد منه ؟ بعد أن كانت السلطات قد قلعت له جميع أسنانه ومارست التعذيب البشع على جسمه كما تم احضاره ليشاهد بشكل حي عملية قطع جسد سياسي يساري بالمنشار الكهربائي، لغرض بث الخوف والروعة في نفسه، الا أن علي عبد السلام لم يستطع الالتزام بكل هذا الأمر بعد خروجه من المعتقل حيث أن أزلام السلطة وعيونها التي انتشرت تراقب وتحصي أنفاس علي عبد السلام بدقة كانت له بالمرصاد. يشير السيد حازم جواد في مذكراته المنشورة في جريدة الحياة (الحلقة الأخيرة) بصدد علي عبد السلام ما يلي.. علي عبد السلام، من منطقة منصورية الجبل شمال شرقي بعقوبة، وهي منطقة تعج بمعسكرات الجيش، وهو يعمل اما مزارعاً او راعي اغنام ومهرباً، وله علاقات وطيدة مع ضباط الجيش العراقي ويعرف كثيرين منهم. فجأة برز اسمه في حركة عبد الوهاب الشواف، وفي محاكمات المهداوي التي تلت الاعتقالات، وجاء لاجئاً هارباً الى سورية. تعرفت اليه هناك، فهو كان مع الشواف ومن قادة الحركة وساهم في تهريب بعض الاسلحة وايضاً اجهزة الارسال التي زودت الجمهورية المتحدة العقيد الشواف بها، وعندما جاء الى سورية جاء كزعيم سياسي.

مفاتيح حلّ أزمات المنطقة في طهران
هــل سـاهـمـت واشنـطـن فــي ولادة نـظـام إقـلـيـمـي جـديــد

لندن / المشاهد السياسي
أعلنت إيران عبر وزير خارجيتها منوشهر متقي أنها تعمل على إعداد (رزمة اقتراحات لحلّ المشكلات الإقليمية والدولية)، مع التمسّك بحقّها في تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنيّة. وهي مبادرة اتت قبيل انعقاد مؤتمر دول جوار العراق في الكويت، وفيما ضاق العرب والغرب ذرعاً بالمماطلة في حلّ الأزمة اللبنانية، في موازاة الشلل المستمر في تحقيق أي تحسّن بالأوضاع في قطاع غزة، وكلّها ملفّات يبدو أن مفاتيحها في طهران.
بعد إعلان قوى آذار (مارس) عن دعمها بشدّة قرار الحكومة اللبنانية التغيّب عن القمّة العربية التي استضافتها دمشق، وصف النائب اللبناني السابق فارس سعيد تحالف سورية مع إيران بأنه خطوة ناقصة، تخدم قوى غير عربية. واعتبرت مصادر إعلامية أن تغيّب الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس المصري حسني مبارك والعاهل الأردني عبدالله الثاني، والرئيس اليمني علي عبدالله صالح، عن القمّة، كان بمثابة قرار موحّد يحذّر من اتّساع رقعة التحالف الجديد الذي امتد نفوذه إلى العراق ولبنان وقطاع غزة واليمن والأردن والكويت والبحرين ومصر والصومال وأفغانستان وأريتريا.
وفي الأردن، أظهرت محاكمات أفراد من "جماعة الإخوان المسلمين"، أن المحور الإيراني ـ السوري بدأ يشكّل تياراً مناهضاً لسياسة الدولة، خصوصاً بعد تراجع شعبية "القاعدة" إثر اغتيال أبي مصعب الزرقاوي.
وكتب محلّلون يقولون إن النظام الإقليمي السابق، الذي حقّق توازناً دقيقاً بين السعودية وسورية ومصر في قمّة الإسكندرية التي عقدت في كانون الأول (ديسمبر) ، استعيض عنه الآن بنظام جديد، حلّت فيه إيران محلّ السعودية ومصر. ويطرح سؤال عن مدى صحّة هذا التحليل، وما إذا كان السلوك الإيراني المتمثّل بالتعاون مع "حزب الله" في لبنان و"حماس" في غزة، هو الدافع السياسي الذي يخيف الأنظمة التي تراهن على السلام مع إسرائيل.
يأتي ذلك فيما تراجع احتمال توجيه واشنطن ضربة احترازية لإيران في العام الجاري. ومع ذلك، لا بوادر على أن "صفقة كبرى" ستبرم بين واشنطن وطهران قريباً.
وقضى تقويم الاستخبارات الأميركية الذي صدر في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، والذي أفاد بأن إيران توقّفت عن تطوير برنامجها النووي لأغراض عسكرية على آمال من يرغبون في الادارة الأميركية بشنّ ضربة عسكرية على إيران. لكن النيّات الإيرانية تبقى موضع شك بالنسبة الى الادارة الأميركية وإسرائيل، خصوصاً أن البرنامج الإيراني، بحسب التقرير الاستخباراتي، معلّق ولكن يمكن استئنافه في أي وقت. وساهمت تصريحات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد حيال "محو إسرائيل عن الخارطة"، وموقفه من المحرقة، في إشاعة أجواء من التوجّس في تل أبيب وواشنطن. حتى أن ثمّة من اعتبر في طهران نفسها أن الرئيس ساذج في السياسة الدولية. وجاءت الانتخابات الإيرانية الأخيرة لتبقي على الطاقم المتشدّد في السلطة. وما دام المرشد الأعلى علي خامنئي الذي بيده قرار الدولة راض عن نجاد، سيبقى نهجه سائداً، لتغيب الاصلاحات. حتى أن ثمّة ما هو أخطر من ذلك حصل فعلاً، وتمثّل في استبدال الوزراء والشخصيات السياسية التي تتعارض في وجهات النظر مع تشدد الرئيس أحمدي نجاد. وبعد الفراغ من الانتخابات والشأن الداخلي، عادت الحكومة الإيرانية للاهتمام بالشأن الخارجي، وملفّات العراق ولبنان وغزة.
قوة إقليمية
وتعتبر واشنطن إيران قوّة إقليمية تمثّل كثيراً من التحدّي في الخليج وفي العراق وسورية ولبنان وحتى آسيا الوسطى، وترى فيها تهديداً للقوّات الأميركية في أفغانستان وباكستان والعراق ودول خليجية، لا سيما أنها طوّرت جيلين من صواريخ "شهاب" و"فجر" بالتعاون مع الصين وروسيا وكوريا الشمالية، قادرة على إصابة أهداف في إسرائيل وأخرى في أوروبا.
وشكّل الاجتياح الإسرائيلي للبنان تحوّلاً في العلاقات الاستراتيجية بين دمشق وطهران، وأتاح لإيران المساهمة في المجهود الحربي ضد إسرائيل، عبر إرسال عناصر من الحرس الثوري ساعدوا في تأسيس "حزب الله".
لذلك، تمكّنت إيران من أن تقيم بفضل سورية صلة حقيقية مع واحدة من أكبر الطوائف الشيعية في العالم العربي. وأصبحت سورية الحليف المميّز لإيران في المنطقة منذ الحرب الإيرانية ـ العراقية . وقال البلدان إنهما يواجهان "تهديدات مشتركة" من جانب خصومهما، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وإسرائيل اللتان تريدان "فرض هيمنتهما" على المنطقة.
ودعم سورية لـ"حزب الله" وحماس ومزاعم أنها تسمح بمرور مقاتلين وأسلحة عبر حدودها الى العراق، لدعم العمليات المسلّحة ضد القوّات الأميركية هناك، دفعت بالولايات المتحدة الى السعي لعزل سورية.
وليس سرّاً أن الهدف الأساسي لأميركا من مؤتمر السلام الذي عقد في آنابوليس أواخر العام المضي، على أن يلحقه آخر قريباً، ليس الهدف منه تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بقدر ما هو جمع دول عربية صديقة لأميركا تحت مظلّة عملية السلام، لاحتواء إيران، أو على الأقلّ موازنة قوّتها.
وعن طريق دعوة سورية الى آنابوليس وإدراج ملف الجولان على جدول الأعمال، أمل بعض المسؤولين في الادارة الأميركية المباشرة في استراتيجية تخرب العلاقات الإيرانية ـ السورية. وهو هدف من شأنه مساعدة إسرائيل على تحييد التهديدات العسكرية لها والمتمثّلة بـ"حزب الله" و"حماس".
نجاد والعرب
في المقابل، كثّف أحمدي نجاد مبادرات حسن النيّة تجاه العراق، وكذلك تجاه دول عربية أخرى، لا سيما في الخليج. وبدا وكأن إيران مصمّمة على طيّ صفحة دعم العرب للعراق في حربه المدمّرة على إيران في العام ???? التي استغرقت ثماني سنوات، وتسببّت بمقتل حوالى مليون شخص.
في أيار (مايو) الماضي، زار أحمدي نجاد الإمارات العربية، كانت الأولى على هذا المستوى منذ الثورة الإسلامية . ثم فتح، على حد قوله، "صفحة جديدة" في العلاقات بين إيران ودول شبه الجزيرة العربية، عبر المشاركة، ولأول مرة في تاريخ البلاد، في قمّة لمجلس التعاون الخليجي عقدت في الدوحة. وزار رئيس وزراء الإمارات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في المقابل طهران. كذلك زار وزير الخارجية الكويتي محمد صباح السالم الصباح طهران، حيث أكد أن بلاده "تعرف من هو صديقها ومن هو عدوّها، وأن إيران صديقة لها". ولم تبق السعودية بعيدة عن التقارب الإيراني ـ العربي، إذ وجّه العاهل السعودي عبدالله بن عبد العزيز دعوة رسمية الى الرئيس الإيراني، لأداء فريضة الحج في مدينة مكّة المكرّمة.
وتقيم سورية وإيران حلفاً وثيقاً، فيما العلاقة بين إيران والأردن متوتّرة. وتعمل طهران حالياً على تحقيق تقارب مع مصر. وتوجّه مسؤولون إيرانيون أخيراً الى القاهرة من أجل محاولة استئناف علاقة قطعت مع ثورة الخميني واعتراف القاهرة بإسرائيل. لكن كل ذلك لا يعني زوال أسباب الخلاف وانعدام الثقة. فهناك خلاف على جزر في الخليج تسيطر عليها إيران وتطالب بها الإمارات، حيث تبرز مخاوف من تأثير إيراني على الشيعة في الخليج، إلا أن الدول العربية لا تنظر الى الطموحات النووية الإيرانية على أنها تشكّل تهديداً مباشراً لأمن الدول العربية، إنما كتهديد غير مباشر بسبب المخاوف من أن يؤدّي النزاع بين إيران والولايات المتحدة الى صدام عسكري. كما تبدي دول الخليج، ومعها مصر والأردن، قلقاً من أخطار زعزعة الاستقرار الناتجة من العلاقات بين إيران وكل من حركة "حماس" الفلسطينية و"حزب الله". 

رغــيــف الــخــبز.. الـتـّحـــدي الــعــاجـــل أمــام الـــعـــرب!

 عيد بن مسعود الجهني
تجتاح العالم شرقاً وغرباً موجة غلاء غير مسبوقة، حتى أصبحت أزمة الغذاء عصية على الحل رغم الصيحات التي أطلقتها وتطلقها الدول والهيئات والمنظمات الدولية، والمحاولات والمبادرات التي تقدمها لكبح جماح ارتفاع الأسعار الصاروخي، الذي لم يعد محصوراً في بلد من دون آخر او قارة من دون أخرى، فشملت طامة شح الغذاء وارتفاع أسعاره الدول الصناعية مثل الدول المتخلفة، وان كان وقع الكارثة على الدول الفقيرة أكثر سوءاً وأشد وطأة وأبعد أثراً.
وعلى رغم جهود الأمم المتحدة التي وَضَعت لها أهدافاً نبيلة، في مقدمها ملء بطون الجوعى من الفقراء والمعوزين والمحتاجين، الذين يبلغ عددهم حوالي 6.5 بليون انسان، ويتوقع ان يرتفع إلى 8 بلايين نسمة في عام 2020، وعلى رغم الجهود وما تقدمه الدول الغنية وصناديق دعم تحت قبة الأمم المتحدة وجمعيات خيرية غير حكومية، إلا ان عدد الفقراء يزداد يوماً بعد يوم، والمفارقة العجيبة ان الأغنياء أيضاً يزداد عددهم وتزداد ثرواتهم!
وتحت مظلة الرأسمالية وفتح الأسواق في ظل التجارة العالمية واحتكار قوت البشر، الذي تمارسه الدول الصناعية والشركات الدولية الكبرى، التي يزيد عددها على 600 شركة، أصبح فقراء العالم بين مطرقة هذه الشركات العابرة للقارات وسندان الفقر، الذي حط ركابه في دول العالم الثالث، ومنها بالطبع بعض الدول العربية، التي يبلغ عدد البطون الجائعة فيها أكثر من 88 مليوناً من مجمل السكان البالغ 300 مليون نسمة، بينما عدد الفقراء في الولايات المتحدة التي يبلغ عدد سكانها عدد سكان العالم العربي أي 300 مليون حوالي 38 مليون انسان، منهم 25 في المئة من السود. وقدر المركز الوطني الأميركي للاحصاء ان عدد من لا يملكون المال الكافي للعيش، يبلغ اقل دخل للفرد منهم 9.973 دولار سنوياً، بينما عندنا في فلسطين الجريحة تبلغ نسبة الفقراء حوالي 76 في المئة ودخل الفرد اقل من دولارين في اليوم، اذاً هو فقر من دون فقر وعوز من دون عوز، وهو ما تبيّنه هذه المفارقة الكبيرة بين فقراء بلاد "العم سام" وفقراء بلاد العرب العاربة والمستعربة!
ومع أزمة الغذاء العالمية الطاحنة وارتفاع الأسعار، ازداد فقراء العرب والمسلمين فقراً فوق فقرهم ومعاناة فوق معاناتهم، وأصبحوا يواجهون أزمة جديدة تضاف الى أزماتهم وبؤساً وشقاء، حتى أصبح الحصول على رغيف العيش حلماً بالنسبة الى بعضهم وأحياناً صراعاً شرساً يموت فيه ناس وهم يدفعون الآخرين من اجل الفوز برغيف خبز يتيم يعودون به إلى أطفالهم الجوعى!
واذا كان التعريف المبسط للفقر ان نسبة ما يصرفه الفرد الواحد على طعامه وشرابه في اليوم أقل من دولارين، فإن الفقراء والمحتاجين في وطننا العربي الغني بالثروات الطبيعية والزراعية كثيرون، بل كثير منهم يعيش تحت مستوى خط الفقر، حتى ان دول النفط لها نصيبها من عدد الفقراء، ويعاني هؤلاء في صمت، وان علت أصواتهم أحياناً فلا مجيب او انها لُجمت بالتهديد والوعيد فصمتوا واكتفوا بالأنين!
إن الدول الصناعية الغنية تدّعي أنها تقف إلى جانب الدول الفقيرة، لكن الواقع المعاش أن هذه الدول المتقدمة لم تفِ يوماً بوعدها، فهي مثلاً لم تخصص سوى حوالي 0.7 في المئة من اجمالي ناتجها القومي لمساعدة الدول المحتاجة، بل زادت الطين بلة، حين حولت بعض الحبوب الى طاقة لتطعم آلات الدمار من طائرات ودبابات وشاحنات وتحرم منها أفواه الفقراء والمحتاجين، فساهمت في خلق أزمة غذاء عالمية تضرب المعوزين في قوتهم وحياتهم!
المهم ان العالم يواجه أزمة كساد اقتصادي عارمة، أزمة اقتصادية عالمية خلقتها أزمة الرهن العقاري الأميركي فهزت أركان اقتصادات دول كثيرة بعد ان أكدت التقديرات الأولية ان حجم ديون المصارف بلغ حوالي تريليون دولار، وامتد هذا الأثر إلى بعض المصارف العربية، وجاء غلاء الأسعار ليمد أذرعته ليقصم ظهور الفقراء الذين لا ناقة لهم ولا جمل في تلك الأزمات التي يدير دفتها الأثرياء ويتحمل ضرباتها الفقراء.
الأثرياء الذين يزدادون ثراء طبقاً للتقرير السنوي عن الثروات لعام 2007 الذي صدر الاثنين الماضي عن "سيتي برايفت بنك" التابع لمصرف "سيتي بنك" بالاشتراك مع شركة السمسرة العقارية الدولية "نايت فرانك" ونشرت ملخصه جريدة "الحياة" نهار الثلثاء الماضي، أكد زيادة عدد الأثرياء. ففي أميركا وحدها 460 بليونيراً و3.1 مليون مليونير، وفي اليابان 765 ألف مليونير، وفي بريطانيا 557 ألفاً، وفي روسيا التي زاد عدد المليونيرات فيها العام الماضي نحو 8500 مليونير. وقس على ذلك في دول كثيرة منها بالطبع الدول العربية غنيها وفقيرها ففيها من الحيتان والهوامير ما فيها!!
حال فقراء الدول العربية مع هذه التشنجات الاقتصادية والأزمات الدولية في الغذاء التي ارتفعت أسعارها بشكل ينذر بخطر كبير وشر مستطير، تزداد سوءاً على سوء، ويزداد عدد الفقراء عاماً بعد عام، ولو انه ليس قليلاً الآن، حيث تصل نسبتهم في بعض الدول العربية الى 30 في المئة!
إن حال فقراء الأمة العربية تملأ النفس حسرة، فكثير منهم يكابد الجوع وينهك جسمه المرض ولا يجد العلاج ويسكن مسكناً - إن وجد - لا ترضى به حتى الحيوانات ويُحرم أبناؤه من التعليم لضيق ذات اليد، وما يزيد النفس حسرة ان كثيرين من أبناء جلدتهم يعيشون حياة الترف والبذخ ويصرفون أموالهم صرفاً عبثياً يكاد لا يصدقه عقل.
والمصيبة ان الدول العربية تقف عاجزة امام هذا السيل الجارف لأزمة الغذاء، فلم تحاول معالجة التضخم الذي يعد عاملاً رئيساً في رفع الأسعار ولا تفعل شيئاً ازاء تدهور سعر صرف العملة الأميركية التي يسعر بها نفطها، الشيء الذي جعل قيمة العملات العربية في الحضيض لارتباطها بالعملة الأميركية الرديئة، وهذا أثقل كاهل المواطنين، خصوصاً كاهل فقرائهم وما تبقى من الطبقة المتوسطة، فهذه الدول للأسف لا تملك في جعبتها أية خطة او استراتيجية مستقبلية للحل، وكل ما فعلته وتفعله لا يعدو كونه مسكنات لا تسمن ولا تغني من جوع!
والشيء العجيب ان معاناة انسان العالم العربي من نقص الغذاء تحدث على رغم ان الدول العربية تملك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية تصل إلى حوالي 198 مليون هكتار صالحة للزراعة، كما ذكر التقرير الاقتصادي العربي لعام 2007، وبلد واحد كالسودان يمكن له اذا توافرت الارادة السياسية ان يصبح سلة غذاء تكفي كل أرجاء الوطن العربي وتفيض، ناهيك ان دولاً تجري فيها الأنهار كمصر والعراق وسورية اذا توافرت الارادة بإمكانها ان تجير المعادلة من عجز في امدادات الغذاء الى وفرة تطعم أفواه الجائعين، بل وتبحث عن مستوردين خارج الحدود!
صرخات الفقراء أو أناتهم زادت حدتها مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية في الوطن العربي من الخليج إلى المحيط، بمعدلات زادت خمس مرات في المتوسط عما كانت عليه قبل عامين، فأصبح الفقر بوجهه القبيح يزداد شراسة، ويطل عليك من كل زاوية وباب في المجتمعات العربية ويزداد عدد الفقراء كل يوم كأسراب الجراد!
قلنا انه مما يحز في النفس ان الأغنياء يزدادون ثراء وينعمون برغد العيش ويعيشون حياة البذخ والترف، ولا تتحرك نفوسهم برحمة وهم يرون اخوانهم يكابدون ضنك العيش تظهر على أجسادهم حالة البؤس والشقاء، لا تخطئهم العين، فعظام بعضهم بارزة من شدة وقع الجوع والمرض، يهيمون في الأرض طلباً للقمة العيش او رغيف خبز، وقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم -: (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع الى جنبه وهو يعلم به) وقوله: (أيما أهل عرصة بات فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله).
إذا كان تدارك ما بلغه فقراء المسلمين وعلاج هذا الوضع المزري ليس أمراً اقتصادياً فحسب بل هو أمر ديني يدعو اليه الاسلام ويحث عليه، فهل لنا أمة العرب والاسلام ان ننتفض حكاماً وعلماء ومفكرين ومثقفين وأصحاب رأي وحكمة وبعد نظر لنصل الى علاج الداء بعد ان شخصنا المرض؟ لماذا لا تنهض الأمة بكل مكوناتها لمحاربة هذا المرض الذي خرج من رحم الظلم والفساد والرشوة والمحسوبية وعدم تطبيق العدل والمساواة في الأمة؟!ومن الحلول الجادة التي يجب تبنيها تأسيس بنوك للفقراء، بدعم من خزائن الدول، خصوصاً الغنية، ومساهمة الأغنياء والشركات الكبرى وكلهم يحصدون أرباحاً طائلة، فليخصَّص نزر قليل منها لهذه البنوك، لتتمكن من تخفيف وطأة الفقر من خلال القروض الميسّرة التي تقدمها لكل فقير ومحتاج وعاطل عن العمل، ليشق طريقه في حرفة او مهنة تنقله من العوز الى عيش كريم على اقل تقدير إن لم تنقله إلى الغنى.
ولا شك ان التوجه نحو الاستثمار في الزراعة يمثل خطوة مهمة نحو الاكتفاء الذاتي، خصوصاً في الدول الغنية بمساحاتها الزراعية الصالحة للزراعة كالسودان، حتى وان كان العائد متوسطاً مقارنة بالاستثمارات الأخرى لكنَّ في هذا الاستثمار تحقيقاً للأمن الغذائي، الذي سيشمل الفقراء!وعلى الدول الصناعية التي تنفق مئات البلايين على شن الحروب وصنع آلات الدمار والهلاك ان ترفع نسبة مساهماتها في رفع غذاء الفقراء، وتوجيه بعض هذه الأموال المخصصة لصنع السلاح ولاحتلال الدول وتدميرها إلى دعم الغذاء والكف عن اهدار الأراضي الزراعية وتحويل محصولاتها من الحبوب الى طاقة وذلك رأفة بالفقراء والمعوزين من البشر!إن فقراء أمتنا في حاجة الى نظرة عطف واهتمام، والأمة محتاجة إلى وقفة تفكُّر لمعالجة ما يعانون، وهؤلاء الفقراء لا يطلبون سكن القصور وركوب السيارات الفارهة، فكل ما يطلبونه لقمة عيش نظيفة وسكن يليق بالانسان وعلاج لمن يحتاج إلى علاج وماء صالح للشرب، وملبس يستر العورة، والحد الأدنى من الخدمات الأخرى. أما ان يُتركوا بهذه الحال من جوع وعري ومرض ومعاناة فوق قدرة البشر فهذا مؤسف ومحزن، وستكون له نتائج في منتهى الخطورة، فالجوع كافر كما يقولون!

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com