|
قبل المساء بقليل ذهبت الى أحد البزازين وطلبت منه
ان يبيعني كفنا0 سألني لمن هذا الكفن0 قلت له 0لي أنا .
قال لابد انك سكران كعادتك . قال . اخرس واعطني الكفن .
اعطيته النقود بعد ان أعطاني الكفن وعلامات التعجب
والاستهزاء على وجهه قائلا . إذا لم يكن سكران فانه قد جن.
بعد ذلك عرجت على صديقي الخطاط الذي تحسن عمله كثيرا وطلبت
منه ان يكتب لي نعيا مسك الفرشاة واتجه الى قطعة القماش
السوداء المعلقة على الحائط وقد كتبت عليه كليشة . التفت
قائلا . لكن لمن النعي . أجبته لي . رد علي . لابد انك
تمزح وهذه واحدة من ألاعيبك . قلت له . لا صدقني انه لي
لكن اكتب النعي على قطعة قماش أخرى وكليشة غير هذه . أمليت
عليه ما أريد ودونه بخط جميل متعجبا من الذي يحصل وقال .
هل حدث لعقلك شي أو ماذا لا لا لابد انك تمزح . قلت لا
امزح ولا هم يحزنون هل تأتى الى العيادة . رد لا أستطيع
الحضور بسب ارتباط عائلي لكن أوصل سلامي الى الحضور . بعد
ذلك اشتريت عدة مسامير واتجهت الى عيادة صديقي الطبيب الذي
اعتدنا الجلوس عنده وتناول فنجان القهوة مع بعض الأصدقاء
في ذلك اليوم لم يأت سوى أستاذ سليمان تبادلنا الأحاديث
العامة وما قرأ كل واحد من صحف اليوم وما نشر من مواضيع
ثقافية . بعد ذلك تفرقنا وكل منا ذهب الى داره يفكر
بالآخرين هل وصلوا بسلامة . الليل خيم على المدينة الحزينة
البائسة الأوساخ تملأ الشوارع المظلمة الخالية ألا من بعض
الكلاب التي تبحث في بقايا ما يتركه الجزارين . وصلت الى
مدخل السوق عند الجدار الذي تعلق عليه إعلانات الوفاة لم
أجد مكانا بسهولة فقد كان الجدار ممتلئا أنزلت البعض لطول
فترة التعليق وعلقت إعلان موتي . نظرت أليه وقرأته عدة
مرات, لقد كان جميلا شارع المدينة الرئيسي خال من المارة
والسيارات . ذهبت الى المسجد الذي يقع في الحي الذي اسكن
فيه وبعد ان أتموا الصلاة وفرغ اتجهت الى امام المسجد
وطلبت منه ان يعطيني تابوتا رفض إعطائي ألا بتامين فأعطيته
بطاقتي الشخصية التي لا تنفع غدا بعد موتي, أخذها قائلا0
عندما ترجع التابوت أعطيك إياها . في داخلي يالك من غبي
ومن سيرجعه لك قلت له . اريد تابوتا خفيفا حتى أستطيع حمله
وحدي . رد قائلا . ولماذا لم يأت معك أحد يساعدك ؟ سكت.
دلني على تابوت متكسر وعتيق وبدون غطاء . قلت لماذا هذا
ولم تعطيني واحدا جديدا . قال انك لم تات يوما الى المسجد
وتصلي معنا كما انك إنسان غير صالح . وقلت وكيف عرفت ذلك
0قال هذا لا يخصك يكفي انك تتناول الخمرة خذ التابوت واذهب
واعده لاعطيك بطاقتك ( وهل اشرب من مال الذي خلفك) قلت له
ذلك لكن في داخلي . نظرت الى التابوت وقرأت عليه عبارة وقف
المرحوم فلان الفلاني كان قد توفى في بداية حرب الخليج
الأولي يا الهي كم واحد قبلي تمدد فيه . بعد ان تأكدت ان
لا أحد يخرج في ذلك الوقت وضعت التابوت على رأسي ومعي
الكفن وبعد ان عرجت الى البيت وأحضرت أخر ما تبقى من زجاجة
الخمر وبعض الصور الجنسية في وسط ذلك الليل الكانوني
البارد وبعد ان انتهت احتفالات العالم براس السنة الجديدة
أردت توديع العالم والرحيل الى عالم السكوت والهدوء والنوم
من غير افاقة على صوت صراخ أو بكاء أو دعوة للذهاب في
جنازة أو حضور مراسم عزاء أريد التخلص من الاختباء والترقب
أردت التحرر من كل شي وأي شي أردت النوم عاريا والسير
سكرانا أردت التخلص من عيون تلاحقني وتترصدني أردت التخلص
من فشلي في الحب . في ذلك الليل وأنا أسير الى المقبرة
التي تقع في مدخل المدينة الجنوبي كانت قطرات الندى تتساقط
بخفة ورشاقة وغيوم متقطعة تحجب القمر تارة والنجوم تارة
أخرى كان فرحي يزداد كلما اقتربت من المقبرة حتى وصلت
مشارفها وفي لحظة دخولي انتابني خوف ملأ صدري لكني واصلت
السير ونعشي فوق رأسي وبقيت أتجول في المقبرة بحثا عن مكان
خال حتى وجدته أنزلت النعش وجلست استريح بعد ان نال مني
الخوف والتعب الشي الكثير قلبت النعش ووضعت زجاجة الخمرة
فوقه مع الكأس وأخذت ارتشف الكأس تلو الأخر وأنا اقلب
الصور الجنسية وأتكلم بصوت مسموع عن أي شي وكل شي شتمت
ونالت من كل الذين قيدوني وحرموني من متعتي أخذت حريتي بكل
شي وأصدقائي الجدد من حولي صامتون ولكن كم كانوا رائعين
أحدهم طفل في العاشرة, وشاب وسيم, وسيدة فاضلة كانت قد
درستني في الابتدائية, ورجل ستيني مات ثملا, وعجوز كانت في
ما مضى عاهرة والله يغفر الذنوب وشابة انتحرت بعد ان رفض
أهلها زواجها من حبيبها قدمت لهم نفسي وعرفتهم بي الليل
يسير نحو الفجر والصمت والسكون يخيمان على المكان والبرد
يزداد والسماء تمتلئ بغيوم ممطرة والخمرة بدأت تدور في
رأسي . وإذا بصوت مطرقة ورجل يكلم رجلا أخر يا الهي ارتعبت
وارتجفت كل أطرافي خوفا وبردا ترقبت الصوت ومصدره وإذا
برجلين يحاولان سرقة قطعة المرمر التي يكتب عليه اسم الميت
وتوضع في مقدمة القبر 0الفجر يقترب لكن كيف سأنهي مهمتي
وقد نسيت ان اجلب المجرفة؟ معي كان الرجلان مشغولين
بالسرقة وبدأت الحفر بيدي وبقطعة معدن صغيرة كانت قرب أحد
القبور . لكن البرد جمد أصابعي كما ان الأرض كانت رطبة
ومبتلة وقطرات الندى تحولت الى حبات مطر خفيفة وصوت الرعد
والبرق وحركة الغيوم كله تمهد لزخات مطر انتهى الرجلان من
سرقة القطعة وهما بالخروج مسرعين جاءتني فكرة ان العب معهم
قليلا لاصرخ بهما توقفا ليتجمد كل واحد منهما في مكانه بعد
ذلك قلدت صوت ذئب ثم صوت بوم بعد ذلك رميت عليهما الحجارة
وهما واقفان يرتجفان رعبا وبردا لم أتمالك نفسي من الضحك
الذي طرد الخوف والرعب وأنساني البرد ملامح يوم جديد بدأت
تلوح وصوت مؤذن يدعو الناس الى الصلاة في لذة النوم
وحلاوته على فراش دافئ الرجلان كانا يدمدمان بكلمات تكبير
وصلاة على النبي وقراءة آيات قرآنية حتى أوشكا على ختم
القران ثم صرخت بهما اتركا كل شي واذهبا ولا أريد رؤيتكم
هنا بعد الان لكن البرد جمدني بحثت من حولي عن حطب أو ما
الى ذلك لم أجد ألا بعض أعواد العاقول لكن كيف أشعلها الجو
يزداد برودة أخرجت الكفن وتلفلفت به لكنه لم يقيني البرد
الذي اشتد مع الفجر واخذ ينهش عظامي . ذهبت الى مكان
الرجلين وقد تركا مطرقة ومسمارا كبيرا وقطعة المرمر كما
انهما من شدة الخوف افرغا ما في جيوبهم من نقود قليلة لكن
كل هذا لا يهمني فأنا ابحث عن شي أخر حتى وجدته علبة
الثقاب والسجائر عدت مسرعا الى مكاني لكني تعثرت بالكفن
وسقطت في بركة من الماء والطين أشعلت أعواد العاقول لكنها
سرعا ماحترقت بحثت عن شي أخر أتدفئ به لم أجد شيئا وما من
شجرة في كل أرجاء المقبرة . ملامح يوم جديد وخيوط بزوغ فجر
تلوح وأنا أتجمد وأكاد أموت من البرد!؟ لم يبق أمامي سوى
التابوت بدأت تكسيره وإشعاله وسط الحفرة كان بودي ان اجلس
في وسط النار من شدة البرد وبعد دقائق سار الدم في عروقي
والدفء ينعشني وأنا متكئ على قبر أخذتني غفوة نوم بعد سهر
وبرد وخوف . نسمات هواء باردة وأشعة شمس خجلة صوت عصافير
تزغرد وأبواق سيارات . تململت وجدتني متلفلفا بالكفن
والتابوت محترقا الا من مقدمته التي كتب عليها وقف المرحوم
. نظرت من حولي وما أنا به جمعت الصور الجنسية وزجاجة
الخمرة والكأس ووضعتها في الكفن وخرجت مسرعا من المقبرة .
كان كل من يراني يندهش وينبهر من حالتي وصلت الى مكان
تعليق الإعلان بعض الناس يقرأونه ويقولون ليرحمه الله
والبعض الأخر بالعكس والبعض الأخر يسير من غير تعليق وقفت
وقرأت النعي ,أنزلت القطعة ومزقتها والناس ينظرون متعجبين
. وصلت الى داري وإذا جمعا من الناس منتظرين قدوم الجنازة
وأحاديث تدور بينهم كيف مات ومن علق النعي وأين الجثة كان
صديقي الخطاط يحكي لهم عن ما حصل بيننا كما ان البزاز كان
موجودا وحكى عما حصل معه وكان صديقي الدكتور مستغربا الأمر
لقد كان معنا في المساء وتناولنا القهوة التي اعتدنا شربها
من يده كان الأستاذ سليمان يجهش بالبكاء وهو يقول اخبروني
كيف مات وأصدقاء آخرون يواسي بعضهم الأخر . كانت نساء
المحلة على عجل للبكاء والعويل والنوح ومشاركة أهلي عزائهم
وحزنهم كنت أود ان أرى حبيبتي التي خاصمتني كيف هي الان
وهل تبكي وتنوح علي . اخترقت التجمع بهدوء وأديت التحية
ليقف الجميع مندهشا دموع وضحك وتعجب وفرح كله اختلطت ببعض
وزغاريد نساء وصفير الصغار عندها عرفت الحياة وطعمها
وحلاوتها رغم كل آلامها وأحزانها وقررت الفوز بها وعدم
الهروب ثانية . مضى النهار وعاد كل شي الى حاله وعند
المساء عرجت الى عيادة صديقي الدكتور وتناولنا فنجان
القهوة وهو يقول مازحا إذا مت فمن الذي يعمل لنا القهوة
وعلت ضحكة على جبين كل الأصدقاء . |