القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

  السنة الثالثة العدد (566) الاربعاء 23 / نيسان / 2008م ـ 17/ ربيع الثاني / 1429 هـ

الرسالة العراقية في السياسة والدين والاجتماع

 معروف الرصافي
معروف الرصافي (1875-1945) شاعر واديب عراقي.عضو مجلس (المبعوثان العثماني) في اسطنبول.اشتغل معظم حياته في التدريس ومارس الصحافة.صدر اول ديوان له ببيروت عام 1911،كما مارس الترجمة عن التركية:نامق باشا:الرؤيا،رواية(بغداد1909) وله العديد من المؤلفات النثرية والشعرية التي لم تطبع بعد ومنها هذا الكتاب الذي انجزه عام 1940 في الفلوجة بالعراق
الحمد لمن لا حمد لغيره،ولاوجود لاحد سواه،والصلاة والسلام على من عرف قدر نفسه واخلص النصيحة لابناء جنسه وبعد.
فقد:
ركبت بحور الشعر رهواً ومائجاً
واقحمت منها كل هول يراعيا
وسيرت سفني في طلاب فنونه
والقيت في غير المديح المراسيا
وقلت:اصعني يا شعر في المدح انني
ارى الناس موتى تستحق المراثيا
ولو رضيت نفسي بأمر يشينها
لما نطقت بالشعر الا اهاجيا

هذا ما قلته قبل خمسة وثلاثين عاماً ولم اخرج عنه فيما قلته من الشعر الى يومنا هذا حتى قضت الايام ان اهجر بغداد الى معتزلي في الفلوجة قبل سبع سنين من كتابة هذه الرسالة التي كتبتها في ايام هذه الحرب (الهتلرية الشرشلية) وانا قابع في دار عزلتي ضحية لابائي كل ضيم وعدائي كل ظلم. وقد تركت قول الشعر وما انا بمجبل فلم اقله الاقليلاً اكتبه لنفسي وانشده تباعاً لحسي وكان من جملة ما الهمتنيه الحوادث ولقنتنيه التجارب في ايام عزلتي ما تقرؤه ايها القارئ الكريم في هذه الرسالة التي ما كتبتها لتنشر في العراق الذي لا حرية فيه للكلام ولا حرمة فيه للرأي والفكر بل لتكون عبرة لمن يطلع عليها من اهل هذا الجيل او الاجيال الاتية وسميتها الرسالة العراقية لاني لم اخرج في مباحثها عما له علاقة بالعراق من سياسة ودين واجتماع فإن كنت قد افدت فذاك والا فقد ضاع قبلها ما قلت من نظيم ونثير.
الزعماء في العراق
اذا تصورنا الزعامة بأسمى معانيها جزمنا بانه لا بد للزعيم من صفات تؤهله للزعامة منها كونه السيد المحترم والامر المطاع والناصح المخلص والمرشد الخبير الهادي الى الطريق الارشد والمتفادي الذي ينسلخ من نفسه في مصلحة قومه والصادق الذي ترتدف اقواله الاعمال،والهمام المقدام الذي يقتحم في مصلحة قومه المهالك والاهوال. هذا ما يشترط في الزعيم وأما ما يشترط في المزعوم عليهم فهو ان تجمعهم تحت لوائه فكرة سامية وغاية عالية تكون اما من وحيه اليهم او من وحي غيره اليه ثم اليهم ولا فرق بين ان تكون تلك الفكرة دينية او وطنية او قومية او نحو ذلك من مثل اعلى وغاية قصوى فهم في جميع امورهم يتجهون نحو تلك الفكرة السامية وينضوون اليها ويجتمعون تحت لوائها حتى تتكون فيهم وحدة لاتفلها الارزاء ولا تفرقها الاهواء والا فلا معنى للزعامة على اخلاط من الناس عباديد لا تجمعهم جامعة ولا تقودهم فكرة ولا توحدهم غاية.واذا قيض الله لمثل هؤلاء زعيماً فأول ما يجب ان يسعى اليه فيهم هو جمع كلمتهم وتوحيد قلوبهم وتوجيههم الى غاية معلومة وخطة مرسومة وعندئذ تتم له الزعامة عليهم فينهض بهم الى ما يريد. وقد شهد التأريخ وايدته التجاريب وصدقته البراهين بأنه ليس من الممكن عادة ان تتسع امة من الامم-مهما كبرت-لاكثر من زعيم واحد في جيل واحد.والا فلو اتسعت لاكثر من ذلك لما كان للزعامة قدر اعلى من قدر الوزارة ونحوها من مناصب الدولة التي ينالها الناس بالتفويض. ليست الزعامة ثوبا يلبسه الناس من ارادوا ولا تاجاً يضعونه على رأس من احبوا وانما هي مما تأتي به الاقدار وتتمخض به الاجيال وتنجبه الاصلاب والارحام اي هي -كالنبوة-من الجبلات التي لا تصدر الا من الله. ليست الزعامة بمعناها المتعارف اليوم من الامور الاعتيادية بل هي من خوارق العادة في فطر الناس و سجاياهم ولا بد لظهورنا من اسباب غير اعتيادية ايضاً فقد تكون الصفات اللازمة لها كامنة في بعض ابناء الامة فلا تظهر الا بحوادث تفوق المعتاد من صروف الدهر ونوازل الايام كالحوادث التي ظهرت بها زعامة مصطفى كمال في الامة التركية وزعامة هتلر في الامة الالمانية. بعد هذه المقدمة الوجيزة اريد ان اقول كلمة متحيرة متعجبة لكثرة ما انجبه العراق في عهده الاخير من الزعماء ، ان في العراق اليوم اخلاطاً من الناس مختلفي العناصر والاجناس فيهم العربي المستنبط والنبطي المستعرب وفيهم المضرب والمذرع وفيهم المقرف والهجين وقلما تجد فيهم الهجان وهذا التواشج في الانساب غير مستحدث بل هو قديم حصل عقب النهضة الاسلامية ايام الفتوح التي اختلط فيها العرب بغيرهم من الامم والى هذا اشار المعري في لزومياته اذ قال:
قد امتزج العالم الادمي
ففورية مع نجديه
وام الفزاري تركية
وعرس النميري كرديه
وزوج الكلابية الكاسكي
وعرس الكلابي صغديه
واستمر هذا الامتزاج والاختلاط متزايداً الى يومنا هذا وعم هذا الامتزاج الروم والفرس والترك والكورد وغيرهم من الناس الذين بلغهم الاسلام وفتح بلادهم حتى اشتبكت اوشاج العروق والدماء بعضها ببعض.
وزادوا على اشتباكهم في الدماء اشتباكهم وتواشجهم في الافة والصحبة والمعاشرة لان الاسلام جمع بينهم وجعلهم امة واحدة فترى العربي يقيم بين الفرس او الروم او غيرهم فيخالطهم ويتزوج منهم حتى يتعلم شيئاً من رطانتهم ويتخلق بأخلاقهم ويتعود عاداتهم ويولد له فيهم اولاد لا ينشئون الا نشأتهم ولا يتكلمون الا بلسانهم لان الولد في نشأته تابع لامه وكذلك القول في الفارسي او الرومي الذي يقيم بين العرب فيخالطهم ويتزوج منهم فيولد له فيهم اولاد لا يكونون عرباً اقحاحاً والى هذا اشار المعري في لزومياته بقوله:
تخالف النجر فالرومي منطقه
كمنطق العرب والطائب مرطان
وقلت انا في قصيدة مضحكات الدهر:
ويا رب تركي تعرب وادعى
على عربي هجنة المتترك

ســحر المكـــان

 ابو الغوث
كلما ينتابني الحزن وتوصد بوجهي ابواب الروح المثلى،اكتشف اشتياقي الى اهلي وناسي والغراف ذلك النهر الذي كلما ابتعد عنه يزداد قرباً مني ، يقتحمني احياناً في كل المكانات ويطبع على وجهي ضوءه المنعكس لحظة الغروب،لا يشبه ماؤه... ماء ولا ضفافه ضفاف،هو إله النهرين كنت احسب ذلك اشياء ذاتية تغزو سلوكي وتهيمن عليه نزوات من العواطف والهذيان.
اجتزت عتبة دار بضع خطوات افزعني منبه سيارة كانت تسير خلفي ببطء بسبب وعورة شوارع ازقة محلتنا لعدم شمولها بالموازنة العامة التي خصصت معظمها رواتب للمسؤولين في الحكومة فلم يتبق منها الا سجلات الكشف و المسؤولين العراقيين ينتظرون المساعدات التي سيرسلها البنك الدولي او ما يجمعه الاتحاد الاوروبي من اموال مستحصلة من الضرائب او من فوائد الاموال المستثمرة في البنوك واغلبها محرمة حسب التشريعات الفقهية والتعاملاتية ليكملوا بها المشاريع.
التفت الى قفاي وجدت شخصاً يبتسم خلف مقود سيارته لم اتعرف عليه بضعف بصري اقتربت منه واذا به صديقي القاص والشاعر والصحفي الاديب (شوقي كريم حسن الخفاجي،بادلته التحية بعد عدة قبلات وسألته ماذا تعمل هنا في هذا الحي اجابني:عمتي شقيقة والدي تسكن قبالة حييكم منذ اكثر من ثلاثين عاماً بعد ان ورثت عن زوجها المتوفي بيتاً كبيراً ويسكن معها ابنها البكر وعائلته،قاطعته قائلاً:سبب مجيئك لزيارتها ام لامر اخر؟...قال:لا ياصديقي...المرأة التي حكيت لك عنها كانت تعيش في العاصمة بغداد قبل ان تتزوج وبعد وفاة زوجها كما ذكرت لك يعتريها شيئاً ما وبعد ان تمكث شهرين او اكثر تصاب بالهوس وتظل تروح وتجيء في باحة الدار لعدة ساعات وتصعد وتنزل الى الطابق الثاني مرددة (يمة اختنكت) عندها يستشعر ولدها بأنها تروم الذهاب الى مدينة الغراف (ناحية تقع شمال الناصرية) يشطرها نهر الغراف الخالد الى شطرين بعد ان يلفها الحنين الى مدينتها الاولى ويستطرد شوقي بالحديث ويضيف اتفقت مع ولدها على ان اقوم بهذه المهمة والسفر بها الى الغراف لنفس الشعور...ادركت ان حال عمة شوقي وحاله لا يختلفان عن حالي،لذا أمل من الزملاء معي ان يفكو القيد عني ويمنحوني اجازة مصحوبة بمكافأة لا ستغلها اجوراً للنقل وانهم بأستعادة ذكرياتي هناك وصح بيت الشعر الذي يقول:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب الا للحبيب الاول
كم منزل في الدنيا يألفه الفتى
وحنينه ابد الدهر لاول منزلِ
نعم انه سحر المكان الذي ولدنا فيه وتركنا على تربية بصمات الطفولة والصبا وشيء من سنين الشباب المبكر.

أنت القلق..

 ميادة العسكري
اين يختفي الوقت معك
واين تلوذ الدقائق .. والثواني ..
ابحث عنها في طيات النهار
بين ثنايا ليل
فتحات .. ثقوب في اسوار
وتضحك في وجهي المزولة..
ذهبت الدقائق والساعات
وذهب يوم ..
بدونك
ما أطوله..
***
تعجبني نبرتك
وشكلك
وطلعتك
يعجبني فيك كل شيء
الا ما تثيره فيّ من قلق..
***
أخشى على حبي من غضبك
وتقلب مزاجك
وتلبد السماء
بغيمك
ورعدك
ومطرك
أخشى على هذي المشاعر
فهي اولاً منك
وآخرها لك
أخشى أن اصحى غداً
لأجدها
في منأى عنك
***
اريد أن اقرأ
كتاب بمائة صفحة
على نور الضوء
المتلالأ في عينيك
وأريد ان احمل اسمك
في سلسلة حول رقبتي
وأريد أن تأخذني الى كربلاء..
وأستحضر المشهد معك
أريد ان ارى دموعك ..
وخشوعك
اريد ان ارى حبك ..
لمن احب
اريد ان ارى دموعي
لهم ..
في عينيك..
***
تريد مني
مفتاح الشفرة
وكلمة المرور
الا تدري باني
منذ ان عرفتك
نسيت من أكون.

قصة قصيرة
ترتيلة الحياة الشجنة

 قبل المساء بقليل ذهبت الى أحد البزازين وطلبت منه ان يبيعني كفنا0 سألني لمن هذا الكفن0 قلت له 0لي أنا . قال لابد انك سكران كعادتك . قال . اخرس واعطني الكفن . اعطيته النقود بعد ان أعطاني الكفن وعلامات التعجب والاستهزاء على وجهه قائلا . إذا لم يكن سكران فانه قد جن. بعد ذلك عرجت على صديقي الخطاط الذي تحسن عمله كثيرا وطلبت منه ان يكتب لي نعيا مسك الفرشاة واتجه الى قطعة القماش السوداء المعلقة على الحائط وقد كتبت عليه كليشة . التفت قائلا . لكن لمن النعي . أجبته لي . رد علي . لابد انك تمزح وهذه واحدة من ألاعيبك . قلت له . لا صدقني انه لي لكن اكتب النعي على قطعة قماش أخرى وكليشة غير هذه . أمليت عليه ما أريد ودونه بخط جميل متعجبا من الذي يحصل وقال . هل حدث لعقلك شي أو ماذا لا لا لابد انك تمزح . قلت لا امزح ولا هم يحزنون هل تأتى الى العيادة . رد لا أستطيع الحضور بسب ارتباط عائلي لكن أوصل سلامي الى الحضور . بعد ذلك اشتريت عدة مسامير واتجهت الى عيادة صديقي الطبيب الذي اعتدنا الجلوس عنده وتناول فنجان القهوة مع بعض الأصدقاء في ذلك اليوم لم يأت سوى أستاذ سليمان تبادلنا الأحاديث العامة وما قرأ كل واحد من صحف اليوم وما نشر من مواضيع ثقافية . بعد ذلك تفرقنا وكل منا ذهب الى داره يفكر بالآخرين هل وصلوا بسلامة . الليل خيم على المدينة الحزينة البائسة الأوساخ تملأ الشوارع المظلمة الخالية ألا من بعض الكلاب التي تبحث في بقايا ما يتركه الجزارين . وصلت الى مدخل السوق عند الجدار الذي تعلق عليه إعلانات الوفاة لم أجد مكانا بسهولة فقد كان الجدار ممتلئا أنزلت البعض لطول فترة التعليق وعلقت إعلان موتي . نظرت أليه وقرأته عدة مرات, لقد كان جميلا شارع المدينة الرئيسي خال من المارة والسيارات . ذهبت الى المسجد الذي يقع في الحي الذي اسكن فيه وبعد ان أتموا الصلاة وفرغ اتجهت الى امام المسجد وطلبت منه ان يعطيني تابوتا رفض إعطائي ألا بتامين فأعطيته بطاقتي الشخصية التي لا تنفع غدا بعد موتي, أخذها قائلا0 عندما ترجع التابوت أعطيك إياها . في داخلي يالك من غبي ومن سيرجعه لك قلت له . اريد تابوتا خفيفا حتى أستطيع حمله وحدي . رد قائلا . ولماذا لم يأت معك أحد يساعدك ؟ سكت.
دلني على تابوت متكسر وعتيق وبدون غطاء . قلت لماذا هذا ولم تعطيني واحدا جديدا . قال انك لم تات يوما الى المسجد وتصلي معنا كما انك إنسان غير صالح . وقلت وكيف عرفت ذلك 0قال هذا لا يخصك يكفي انك تتناول الخمرة خذ التابوت واذهب واعده لاعطيك بطاقتك ( وهل اشرب من مال الذي خلفك) قلت له ذلك لكن في داخلي . نظرت الى التابوت وقرأت عليه عبارة وقف المرحوم فلان الفلاني كان قد توفى في بداية حرب الخليج الأولي يا الهي كم واحد قبلي تمدد فيه . بعد ان تأكدت ان لا أحد يخرج في ذلك الوقت وضعت التابوت على رأسي ومعي الكفن وبعد ان عرجت الى البيت وأحضرت أخر ما تبقى من زجاجة الخمر وبعض الصور الجنسية في وسط ذلك الليل الكانوني البارد وبعد ان انتهت احتفالات العالم براس السنة الجديدة أردت توديع العالم والرحيل الى عالم السكوت والهدوء والنوم من غير افاقة على صوت صراخ أو بكاء أو دعوة للذهاب في جنازة أو حضور مراسم عزاء أريد التخلص من الاختباء والترقب أردت التحرر من كل شي وأي شي أردت النوم عاريا والسير سكرانا أردت التخلص من عيون تلاحقني وتترصدني أردت التخلص من فشلي في الحب . في ذلك الليل وأنا أسير الى المقبرة التي تقع في مدخل المدينة الجنوبي كانت قطرات الندى تتساقط بخفة ورشاقة وغيوم متقطعة تحجب القمر تارة والنجوم تارة أخرى كان فرحي يزداد كلما اقتربت من المقبرة حتى وصلت مشارفها وفي لحظة دخولي انتابني خوف ملأ صدري لكني واصلت السير ونعشي فوق رأسي وبقيت أتجول في المقبرة بحثا عن مكان خال حتى وجدته أنزلت النعش وجلست استريح بعد ان نال مني الخوف والتعب الشي الكثير قلبت النعش ووضعت زجاجة الخمرة فوقه مع الكأس وأخذت ارتشف الكأس تلو الأخر وأنا اقلب الصور الجنسية وأتكلم بصوت مسموع عن أي شي وكل شي شتمت ونالت من كل الذين قيدوني وحرموني من متعتي أخذت حريتي بكل شي وأصدقائي الجدد من حولي صامتون ولكن كم كانوا رائعين أحدهم طفل في العاشرة, وشاب وسيم, وسيدة فاضلة كانت قد درستني في الابتدائية, ورجل ستيني مات ثملا, وعجوز كانت في ما مضى عاهرة والله يغفر الذنوب وشابة انتحرت بعد ان رفض أهلها زواجها من حبيبها قدمت لهم نفسي وعرفتهم بي الليل يسير نحو الفجر والصمت والسكون يخيمان على المكان والبرد يزداد والسماء تمتلئ بغيوم ممطرة والخمرة بدأت تدور في رأسي . وإذا بصوت مطرقة ورجل يكلم رجلا أخر يا الهي ارتعبت وارتجفت كل أطرافي خوفا وبردا ترقبت الصوت ومصدره وإذا برجلين يحاولان سرقة قطعة المرمر التي يكتب عليه اسم الميت وتوضع في مقدمة القبر 0الفجر يقترب لكن كيف سأنهي مهمتي وقد نسيت ان اجلب المجرفة؟ معي كان الرجلان مشغولين بالسرقة وبدأت الحفر بيدي وبقطعة معدن صغيرة كانت قرب أحد القبور . لكن البرد جمد أصابعي كما ان الأرض كانت رطبة ومبتلة وقطرات الندى تحولت الى حبات مطر خفيفة وصوت الرعد والبرق وحركة الغيوم كله تمهد لزخات مطر انتهى الرجلان من سرقة القطعة وهما بالخروج مسرعين جاءتني فكرة ان العب معهم قليلا لاصرخ بهما توقفا ليتجمد كل واحد منهما في مكانه بعد ذلك قلدت صوت ذئب ثم صوت بوم بعد ذلك رميت عليهما الحجارة وهما واقفان يرتجفان رعبا وبردا لم أتمالك نفسي من الضحك الذي طرد الخوف والرعب وأنساني البرد ملامح يوم جديد بدأت تلوح وصوت مؤذن يدعو الناس الى الصلاة في لذة النوم وحلاوته على فراش دافئ الرجلان كانا يدمدمان بكلمات تكبير وصلاة على النبي وقراءة آيات قرآنية حتى أوشكا على ختم القران ثم صرخت بهما اتركا كل شي واذهبا ولا أريد رؤيتكم هنا بعد الان لكن البرد جمدني بحثت من حولي عن حطب أو ما الى ذلك لم أجد ألا بعض أعواد العاقول لكن كيف أشعلها الجو يزداد برودة أخرجت الكفن وتلفلفت به لكنه لم يقيني البرد الذي اشتد مع الفجر واخذ ينهش عظامي . ذهبت الى مكان الرجلين وقد تركا مطرقة ومسمارا كبيرا وقطعة المرمر كما انهما من شدة الخوف افرغا ما في جيوبهم من نقود قليلة لكن كل هذا لا يهمني فأنا ابحث عن شي أخر حتى وجدته علبة الثقاب والسجائر عدت مسرعا الى مكاني لكني تعثرت بالكفن وسقطت في بركة من الماء والطين أشعلت أعواد العاقول لكنها سرعا ماحترقت بحثت عن شي أخر أتدفئ به لم أجد شيئا وما من شجرة في كل أرجاء المقبرة . ملامح يوم جديد وخيوط بزوغ فجر تلوح وأنا أتجمد وأكاد أموت من البرد!؟ لم يبق أمامي سوى التابوت بدأت تكسيره وإشعاله وسط الحفرة كان بودي ان اجلس في وسط النار من شدة البرد وبعد دقائق سار الدم في عروقي والدفء ينعشني وأنا متكئ على قبر أخذتني غفوة نوم بعد سهر وبرد وخوف . نسمات هواء باردة وأشعة شمس خجلة صوت عصافير تزغرد وأبواق سيارات . تململت وجدتني متلفلفا بالكفن والتابوت محترقا الا من مقدمته التي كتب عليها وقف المرحوم . نظرت من حولي وما أنا به جمعت الصور الجنسية وزجاجة الخمرة والكأس ووضعتها في الكفن وخرجت مسرعا من المقبرة . كان كل من يراني يندهش وينبهر من حالتي وصلت الى مكان تعليق الإعلان بعض الناس يقرأونه ويقولون ليرحمه الله والبعض الأخر بالعكس والبعض الأخر يسير من غير تعليق وقفت وقرأت النعي ,أنزلت القطعة ومزقتها والناس ينظرون متعجبين . وصلت الى داري وإذا جمعا من الناس منتظرين قدوم الجنازة وأحاديث تدور بينهم كيف مات ومن علق النعي وأين الجثة كان صديقي الخطاط يحكي لهم عن ما حصل بيننا كما ان البزاز كان موجودا وحكى عما حصل معه وكان صديقي الدكتور مستغربا الأمر لقد كان معنا في المساء وتناولنا القهوة التي اعتدنا شربها من يده كان الأستاذ سليمان يجهش بالبكاء وهو يقول اخبروني كيف مات وأصدقاء آخرون يواسي بعضهم الأخر . كانت نساء المحلة على عجل للبكاء والعويل والنوح ومشاركة أهلي عزائهم وحزنهم كنت أود ان أرى حبيبتي التي خاصمتني كيف هي الان وهل تبكي وتنوح علي . اخترقت التجمع بهدوء وأديت التحية ليقف الجميع مندهشا دموع وضحك وتعجب وفرح كله اختلطت ببعض وزغاريد نساء وصفير الصغار عندها عرفت الحياة وطعمها وحلاوتها رغم كل آلامها وأحزانها وقررت الفوز بها وعدم الهروب ثانية . مضى النهار وعاد كل شي الى حاله وعند المساء عرجت الى عيادة صديقي الدكتور وتناولنا فنجان القهوة وهو يقول مازحا إذا مت فمن الذي يعمل لنا القهوة وعلت ضحكة على جبين كل الأصدقاء .

كتّاب وكتابة الانترنيت

 خالد صبيح
بات الحاسب والانترنيت للمجتمعات التي تستخدمهما حاجة يومية حيوية لعبت وما تزال دورا واضحا في تغيير الكثير من العادات والمفاهيم في طرق التعاطي مع المعلومة واشكال بناء المعرفة واساليب تشكيل الراي. وفي واقعنا العربي، رغم فقره المدقع في مجال إنتاج واستهلاك المعلومة الالكترونية1، جرى التاثر أيضا في هذه التحولات، على الأقل في نطاق دائرة المتعاملين مع هذه التكنلوجيا. ووجود الانترنيت قد افرز في واقعنا ظواهر ثقافية عديدة من أهمها ظاهرة كتاب الانترنيت والكتابة الانترنيتية التي لوحظ حضورها الكثيف بالتغطية العامة والشاملة للشأن السياسي والثقافي والاجتماعي، عبر منظورات ورؤى تخطت بقوة الأطر التقليدية التي كرستها هيمنة السلطة السياسية ومركزية الثقافة الورقية. وقد عبر راي بعض المثقفين وجمهور القراء من ذوي النظرة التقليدية الرافض لهذا الوافد الجديد، بالإضافة إلى إجراءات المنع والرقابة التي نجحت السلطات الشمولية القمعية المذعورة في البلدان العربية بتحقيقها، عن رد فعل حاول التقليل من قيمة الانترنيت ومن جدواه. وذلك لان الانترنيت تحمل بجوهرها، وبسبب من أرضيتها التقنية المتفلتة من كل عقاب ورقابة، نفسا ديمقراطيا تعدديا. لكن ما هي هذه الكتابة الانترنيتية وما هي خصائصها. ومن هم كتاب الانترنيت وهل لهم علامة تميزهم؟
قبل الخوض في محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة ينبغي ان نقرر ان الانترنيت هي وسيلة أو أداة مفتوحة وحرة يمكن ان يوظفها أي شخص أو أي جهة لتقديم خطابه وعرض أرائه. وهي أداة لخوض صراع اجتماعي وثقافي وسياسي وحضاري لا تحده حدود ولا تقيده قيود. وكذلك هي تستمد وظائفها المتعددة، كما هو حال أي أداة تكنولوجية أخرى، وفق عقلية وأهداف مستخدميها. وكون الانترنيت أداة فهذا يجعلها وسط ناقل للمعارف والأفكار، وفضلها الكبير هو أنها توفر وسائط متعددة لتقديم الرسالة. وهذا التعدد لم يمنع، ان لم يكن قد فرض أشكالا محددة لتقديم هذه الرسالة وبالذات في ميدان معالجة الأحداث اليومية من سياسية وثقافية واجتماعية وغيرها وبالجدل الذي يدور حولها وعنها. وان هذه الخلفية يمكن إقرار ان ابرز ميزة أنتجتها الانترنيت هي تسارع الإيقاع في التعامل مع الوقائع. وغني عن القول ان هذا التسارع قد نتج عمليا عن تطور تكنولوجيا الوسائط حيث صار وصول الخبر إلى المتلقي يتم في لحظة حدوثه مما يتطلب من الكاتب التعامل معه بالتحليل والتنبؤ بمسار الأحداث وتحولاتها بسرعة تناسب سرعة تطورها وتحركها. فلم يعد الحدث في زمن تطور تكنولوجيا الوسائط يحتمل قراءة طويلة ومعقدة تنتظر اكتمال عناصره لتغطيه، لان الأحداث في هذه الحالة ستسبق هذا التحليل وتتجاوزه وتصير استنتاجاته قديمة وغير ذات جدوى. بمعنى ان الواقع صار يتطلب معالجة مكثفة تعتمد زاوية محددة من النظر للموضوع وليس نظرات كلية ذات طابع تركيبي وشامل. فتشكيل الفكرة أو النظرة الشاملة صار كالبناء الموزائيكي، تدريجي وتكاملي. ولم يعد القارئ يطيق في ظل الكثافة الإعلامية وتعدد الطروحات ووفرة المصادر الهائلة تبديد الوقت في قراءة تتناول الموضوع من الصفر. لان وفرة المعلومة وكثافتها صارت تفرض قارئا جديدا يكون ملما بالكثير من المعطيات الأولية للخبر وللمادة المكتوبة، هذا بالإضافة إلى ما تقدمه له امكانات الانترنيت عبر الروابط التشعبية من تعويض في نقص المعلومة عبر الإحالات إلى مصدر الخبر لمن يريد الإطلاع عليه، وهذا أصبح ممكنا ليس بالنص الكتابي فقط وإنما بالصورة وبالصوت. في هذا الواقع نشا نمط كتابة يمكن تسميته بنمط الكتابة اليومية. وهو النمط الذي أنتجته الانترنيت وبات واحدا من علاماتها. ومن سمات هذه الكتابة هو معالجتها الجزئية للواقعة ونظرتها المختصرة غالبا للجدل الأيدلوجي أو السياسي، فهي لا تحتمل الدراسة النظرية المعمقة ولا الإحالات النظرية لأنها ليست دراسة تحليلية بقدر ما هي تعليق سريع وبسيط يتضمن فكرة أو زاوية نظر لا يتسع لها غالبا مقام أنماط الكتابة الذي أوجدته الثقافة الورقية. وبمناسبة ذكر الصحف والثقافة الورقية فيمكن لفت الانتباه هنا إلى ان هذه الثقافة قد تأثرت هي الأخرى بمعطيات تطور تكنولوجيا الوسائط وبالذات الانترنيت حيث انتقلت إليها عدوى الأسلوب الانترنيتي بعدما أخذت هي ذاتها تتصل بقرائها عبر الانترنيت وصارت مقالاتها قصيرة وسريعة لتواكب الحدث وتطوراته وسرعة انتشاره. والكتابة الانترنيتية ليست سهلة كما يوحي وضعها للوهلة الأولى، لاسيما لمن يتعامل معها بجدية ويمنحها دورا يليق بها. فهي كتابة تتوسل الأسلوب البسيط، والبساطة هنا لا تساوي السهولة، بل على العكس، فنمط الكتابة الانترنيتية يبدو اكثر صعوبة لانه يقيد الكاتب بعدد محدد من الكلمات وبزمن قصير وذلك، بسبب تواتر الأحداث أولا، وبسبب طابع المنافسة العفوي الذي تجسده كثرة التناولات وتعدد المعالجات للحدث الواحد ثانيا، الأمر الذي فرض على الكاتب ضوابط الزم نفسه بها من اجل ان يقول وفي الوقت المناسب شيئا جديدا ومميزا خاصا به ويميزه عن الآخرين، والا غدت كتابته تنويعا كميا على موضوع واحد.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com