القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

  السنة الثالثة العدد (565) الثلاثاء 22 / نيسان / 2008م ـ 16/ ربيع الثاني / 1429 هـ

أميركا والذكرى الستون لقيام إسرائيل

 د. رضوان السيد
استقبل الرئيس الأميركي خلال الأيام القليلة الماضية بالبيت الأبيض ضيفيْن مميزيْن: بابا روما، ورئيس الوزراء البريطاني غوردون براون. وقد أظهر الرئيس الأميركي من ناحية الشكل اهتماماً خاصاً بالبابا، إذ استقبله بالمطار، وهو ما لم يفعله مع أحدٍ من قبل، في حين حفت بالزيارة البابوية من ناحية المضمون الكثير من المشكلات؛ فالفاتيكان ليس راضياً عن سياسات واشنطن في أميركا اللاتينية وفي الشرق الأوسط، إذ يرى أن هذه السياسات يخالطها الكثير من العنف والاندفاع والعشوائية، فضلاً على أن الولايات المتحدة في عهد الرئيس بوش الابن لم تأبه للاضطراب العالمي، وحالات تلوث البيئة، وحالات الأوبئة والفقر والبؤس، وهي أمور تنشرها السوق المعولمة. وقد أفضت جميعها إلى ردات فعل ليست في مصلحة الولايات المتحدة، ولا في مصلحة البابوية، وقد كانا حليفين خلال العقد الأخير للحرب الباردة، والذي واجها خلاله معاً عالم الاتحاد السوفييتي وأسقطاه. لكن بسبب سياسات الأوحدية القطبية أيام بوش على الخصوص، عاد اليساريون للسيطرة على ثلثي بلدان أميركا اللاتينية، وشاعت الفوضى وشاع الخراب، وازداد التهديد ضد المسيحية في الشرق الأوسط. ومع أن البابا الحالي بنديكتوس السادس عشر، ليس في اندفاع سلفه يوحنا بولس الثاني، لكنه أبدى تذمراً خلال العامين الماضيين من سياسات الولايات المتحدة العالمية في عدة مناسبات. ولكي لا يزداد الأمر سوءاً فقد حاول الأميركيون تهدئة مخاوفه بزيارته في الفاتيكان عدة مرات خلال عام 2007 (كوندوليزا رايس، وديك تشيني، وروبرت غيتس)، لكن دوائر الفاتيكان ظلت تُظهر التذمر بشأن فلسطين والعراق ولبنان، وآثرت التنسيق مع الأوروبيين من أجل ذلك، ومن أجل سياسات أجدى في البلقان، وفي أميركا اللاتينية. وقد أوضح الأميركيون للبابا من جهة أنهم يأخذون آراءه علي محمل الجد، وأن السياسات جارٍ تغييرها، لكنهم ما عرضوا عليه دوراً محدداً يمكن أن يتعاون الطرفان فيه، وآثروا أن يكون التعان -إن تم- من خلال توني بلير مفوض "اللجنة الرباعية" في فلسطين (وقد اعتنق الكاثوليكية بعد تركه رئاسة الوزارة ببريطانيا!)، ومن خلال الرئيس نيكولاي ساركوزي الذي أقبل على إقامة علاقات مقبولة بالفاتيكان بعد طول انتظار. البابا الحالي يؤثر الدبلوماسية الهادئة والسرية، لكنه قال إنه يريد سلاماً في الملف الفلسطيني -الإسرائيلي، ويريد استقراراً للمسيحيين في الشرق الأوسط بعد النكبات التي نزلت بهم في فلسطين والعراق، وتهميشهم المتزايد في لبنان. وعلى أية حال، فإن اللطف الأميركي تجاه البابا كانت له حدوده أيضاً. فقد ذكّرته الصحف الأميركية الكبرى بأن بيته الداخلي ليس على ما يرام، وعليه الاهتمام به قبل أي أمر آخر؛ ففي السنوات الأخيرة اتُّهِمَ الكهنة الكاثوليك في أميركا -ومنهم مطارنة- بالاعتداء على الأطفال، وأقيمت عليهم مئات الدعاوى، ومئات طلبات التعويض المادي. ويرى الصحفيون الأميركيون (وأكثريتهم من البروتستانت!) أن البابا الحالي ومطارنته في الولايات المتحدة، ما اهتموا للأمر بما فيه الكفاية، بل حاولوا التغطية والتهرب!.
والأميركيون شديدو الرضا عن رئيس الوزراء غوردون براون، فهو، بخلاف بلير حبيبهم السابق، بارد وغير شخصي، لكنه ثابت على التحالف وعلى المساعدة. وقد قال في مؤتمره الصحفي المشترك بالبيت الأبيض مع الرئيس بوش إنه سيستمر في التعاون والتضامن مع إدارة بوش في مواجهة الإرهاب، وفي الملف الإيراني، وفي الحلول في الشرق الأوسط، وأخيراً في قضية الركود الاقتصادي. والمعروف أنه أعاد أخيراً وقبل سفره للولايات المتحدة الجنود البريطانيين الأربعة آلاف إلى البصرة بعد أن كان قد سحبهم منها باتجاه المطار. وبراون راض عن سلوك حلفائه الأوروبيين تجاه إيران، لكنه وعد بوش بمزيد من الضغط عليهم من أجل مكافحة الركود الاقتصادي، ومن أجل السير في التسوية بالشرق الأوسط من خلال اللجنة الرباعية.
أميركا استدارت دورة كاملة في سياستها العراقية، وهي تتجه للاصطدام بإيران عبر "الصدر"... وإن لم يظهر بعد رد الفعل الإيراني كاملاً! والواقع أن الموضوعات الخمسة (العراق ولبنان والتسوية في فلسطين والمشكلات مع إيران والإرهاب) ستكون في مركز اهتمامات الرئيس بوش، عندما يزور الشرق الأوسط في الذكرى الستين لقيام الدولة اليهودية في فلسطين. وما يزال العمل جارياً على مؤتمر تشاور في شرم الشيخ يحضره إلى جانب الرئيس بوش زعماء عرب للبحث في هذه الموضوعات كلها، وخاصة مسار التسوية في فلسطين، وإمكان تحقيق شيء بارز هذا العام، وهو آخر أعوام رئاسة بوش، كما هو معروف.
لقد استدارت الولايات المتحدة دورة كاملة في سياستها العراقية، وهي تتجه بدون تردد لاصطدام شبه مباشر مع إيران. وما تزال نتائج تصرفاتها بالعراق موضع اختبار، وخاصة أن ردود فعل إيران وسوريا و"حزب الله" ما تجلت بعد بكامل فعالياتها ومفاعيلها. فهناك من المراقبين الغربيين من ينتظر أو يتوقع أمراً، ولو رمزياً، يقوم به "حزب الله" في الذكرى الستين لقيام الدولة العبرية. وفي المقابل تحركت الدبلوماسية الأميركية كثيراً في الأسابيع الماضية، لدفع الإسرائيليين لتقديم شيء للفلسطينيين دون أن يحدث شيء ظاهر حتى الآن. وهذا لا يُحرج الأميركيين فقط، بل يُحرج العرب الكبار الذين يتبنون مبادرة السلام منذ عام 2002، لكنهم قد يقولون لبوش بشرم الشيخ إنهم لن يستطيعوا الاستمرار في دعوات التسوية السلمية إن لم يفعل الأميركيون وحلفاؤهم الإسرائيليون شيئاً للسير في الاتجاه نفسه. وأول من أمس قال الرئيس الإسرائيلي أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبوغ إن الإسرائيليين مستعدون لتنازلات مؤلمة، وقبله قالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية الشيء نفسه في قطر. لكن الوزيرة الإسرائيلية طالبت في مقابل ذلك "الوعد" بأن تسارع الدول العربية إلى إقامة علاقات مع تل- آبيب، بدون انتظار التنازلات المؤلمة المزعومة، ومع عدم السير في خارطة الطريق، ولا تقديم شيء من أي نوع بعد اثنين وعشرين اجتماعاً خلال الشهور الماضية بين الفلسطينيين والإسرائيليين!
هناك إذن تحد بارز أمام الأميركيين يعادل إن لم يزد على التحدي الذي يواجهونه في العراق، وهو تحدٍ دفع إسرائيل للسير في التسوية، وهو يبدأ بإيقاف بناء المستوطنات، وإيقاف العمليات في الضفة وغزة، ورفع الحصار عن القطاع، والدخول في مفاوضات الحل النهائي والتي ينبغي أن تؤدي إلى إعلان مشترك بقيام الدولة الفلسطينية قبل نهاية عام 2008. وهذا الأمر لا تؤثر فيه بالسلب -كما تأمل إسرائيل- نهايات عهد الرئيس بوش. ذلك أن المرشح الجمهوري للرئاسة "جون ماكين" يحتاج إلى الحل في فلسطين، كما يحتاج إلى التقدم في العراق، لكي يُقبل الناخبون الأميركيون على انتخابه، بدلاً من المرشحين الديمقراطيين. والولايات المتحدة تحتاج في الوقت الحالي تحديداً إلى حل في فلسطين، لكي تستطيع ضمان بقاء حلفائها العرب مع سياساتها، وهذا أمر ما عاد مؤكداً بعد كل ما جرى عليهم من الولايات المتحدة وسياسات إدارة بوش في السنوات الماضية. ثم إن الركود الذي نزل بالاقتصاد الأميركي يحتاج لتجاوزه إلى تعاون خليجي كبير، وتعاون أوروبي، وكل ذلك رهن إلى حد بعيد بما تستطيع الولايات المتحدة فعله في فلسطين، وفي العراق، وفي ملفات أخرى مشتعلة بالمنطقة.
في الذكرى الستين لقيام الدولة العبرية، يستطيع الإسرائيليون تقديم إشارات بارزة: جمع 5 ملايين يهودي بفلسطين، وأنهم يمتلكون دولة متقدمة، وأقوى جيش بالمنطقة. لكن من ناحية أخرى ما استطاع الإسرائيليون حسم النزاع لصالحهم، لا بالمعنى الضيق (مع الفلسطينيين) ولا بالمعنى الأوسع (مع العرب). وقد دخلت على النزاع عوامل وعناصر أخرى: الأصوليات الإسلامية المقاتلة، والدولة الإيرانية، والنزاع الاستراتيجي هذا لا تستطيع إسرائيل كما ظهر جلياً في العقد الماضي أن تحسمه بمفردها، بل لا ضمان لها إلا القوة الأميركية. بيد أن الأمر متبادل، فالأميركيون عليهم مسؤوليات تجاه هذه المنطقة الاستراتيجية، لا تقل خطورة وأهمية لمصالحهم وهيبتهم عن وجود إسرائيل وأمنها. بل الأدنى للحقيقة الآن، وعلى مشارف الذكرى الستين للدولة اليهودية، أنها تتحول إلى عبء على الأميركيين والأوروبيين، وعليهم أن يقرروا دفع ثمن السلام معها لشعوب المنطقة ودولها، أو ينقلب الأمر على الجميع، وفي طليعتهم إسرائيل والولايات المتحدة... وسائر العرب.

إيران وأميركا والخليج

 د. شملان يوسف العيسى
تبدأ اليوم في الكويت، فعاليات المؤتمر الدولي الموسع لدول جوار العراق، ويشارك فيه كبار المسؤولين في الدول المجاورة للعراق والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والدول الصناعية الثماني الكبرى. دول الخليج العربية تجد نفسها اليوم أمام معطيات معقدة واختيارات صعبة، فعليها أن تتعايش مع عراق غير مستقر وتتأقلم مع علاقات متأزمة بين واشنطن وطهران، ومطلوب منها التوصل إلى صيغة أمنية خليجية في المنظور القريب، وأن تعالج أي تداعيات سياسية أو أمنية محتملة في حالة بدء شرارة الصراع بين الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية إيران الإسلامية. بعد مرور خمس سنوات على تحرير العراق، يجد الأميركيون أنفسهم وجهاً لوجه أمام تزايد النفوذ الإيراني في العراق، حيث أصبح هذا البلد بيئة تفاعلات مشتركة بين الجانبين. ويبدو أن المشروع الأميركي في العراق يواجه صعوبات كثيرة قد تؤدي إلى فشله، لذلك تحاول واشنطن تعزيز علاقاتها مع دول الخليج والضغط على قادتها للانفتاح على الحكومة العراقية، وفتح سفارات خليجية في العراق أملاً في وضع حد لتزايد النفوذ الإيراني في العراق.
قادة دول الخليج يحرصون في تصريحاتهم، على تأكيد وحدة التراب العراقي وحماية الإرادة الوطنية العراقية من الهيمنة والاختراقات الأجنبية، لكن دول الخليج رغم تصريحات قادتها الداعية إلى الاستقرار في العراق لم تبلور حتى الآن استراتيجية واضحة المعالم لكيفية التعامل مع الوضع الجديد في العراق. الإشكالية الصعبة التي تواجه دول الخليج اليوم؛ هي كيف يمكن التوفيق بين مصالحها الاستراتيجية والأمنية ومصالحها مع الولايات المتحدة، وبين علاقاتها التاريخية الطويلة مع جارتها العظمى على ضفة الخليج الثانية جمهورية إيران الإسلامية. قادة الخليج يعون تماماً أن الولايات المتحدة الأميركية اليوم هي الفاعل الدولي الرئيسي في منطقة الخليج، ومن المتوقع أن تستمر هيمنتها على المنطقة حتى لو تغيرت الإدارة الحالية في واشنطن، لأن لديها مصالح استراتيجية في المنطقة يأتي في مقدمتها النفط، وتتطلع واشنطن إلى استمرار هيمنتها في الخليج كأحد المرتكزات الرئيسية لدعم سياستها التوسعية الإمبريالية خاصة فيما يتعلق بإدارة علاقاتها مع قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي واليابان. قادة الخليج يعرفون أنهم لا يستطيعون اتخاذ موقف معادٍ لجارتهم الكبيرة إيران، خصوصاً أن نفوذها وقوتها ازدادا بعد الاحتلال الأميركي للعراق؛ فإيران اليوم تهيمن على الأحزاب الشيعية في العراق، كما أن نفوذها امتد ليشمل قطاع غزة في فلسطين و"حزب الله" في لبنان، كما ترتبط إيران بعلاقات قوية مع روسيا. جمهورية إيران الإسلامية ترفض التواجد الأميركي في المنطقة، كما أنها تعارض مفاوضات السلام وتدعم المقاومة العسكرية في غزة و"حماس" وتدعم "حزب الله" في لبنان. كيف يمكن لدول الخليج العيش مع صراع العملاقين في المنطقة؟ دول الخليج يمكنها فتح حوار مع الأحزاب والقوى السياسية في العراق لمعرفة مطالبهم، وكيف يمكن مساعدتهم في ضمان أمن واستقرار بلدهم. ما يريده الخليجيون هو مساعدة العراقيين في توحيد صفوفهم ومساعدتهم في إعادة إعمار بلدهم واستقرار الأمور فيه، وهذا يتطلب توحيد رؤية قادة العراق لمستقبل بلدهم بعد أن يتحقق الاستقرار فيه. يمكن للولايات المتحدة الانسحاب تدريجياً منه. أما فيما يخص إيران، فإنها حريصة جداً على انسحاب القوات الأميركية من العراق، وفتح حوار هادئ مع المجتمع الدولي للتعاون في مجال إعمار العراق واستقراره.

أولمبــيـــــاد بكـين والعـــــــــــــــراك الســــــياســـــــــــــــي
الصحافيون الدوليون الذين يهدفون إلى وضع تصور شامل لما وصلت إليه الصين حتى يومنا هذا مصرون على اختبار حدود انفتاح وصبر الصين
الأولمبيــاد تتــيح فرصـا لا تقــاوم لانـدلاع مظاهـرات سياسـية لا حصــر لهــــا

  في مناسبات ومحافل مختلفة، وصف المسؤولون الصينيون دورة الألعاب الأولمبية في بكين بأنها "الأولمبياد الخضراء" و"الأولمبياد ذات التقنية العالية" و"أولمبياد الشعب". وفي ضوء العدد الكبير من الأفراد والجماعات التي ستستخدم الأولمبياد كساحة لانتقاد الحكومة الصينية، فإن هذا الحدث قد يتذكره الناس بعد ذلك باعتباره أولمبياد الغضب. إن الصحافيين الدوليين، الذين يهدفون إلى وضع تصور شامل لما وصلت إليه الصين حتى يومنا هذا، مصرون على اختبار حدود انفتاح وصبر الصين. وفيما يتولد الصراع بين الدولة المضيفة وضيوفها، فإن النتائج المحتملة لهذا الصراع قد تضر بشكل أكبر بالعلاقات التجارية الهشة بالفعل بين الصين وأميركا وبين الصين وعدد كبير من الدول الأوروبية. عندما فازت بكين بحق استضافة الألعاب منذ سبعة أعوام، أملت القيادة الصينية أن يظهر الحدث الدولة الصينية بأنها قوة اقتصادية ديناميكية حديثة. وبالتأكيد ستفعل القيادة الصينية كل ما في وسعها لضمان تحقيق هذا الأمر.غير أن الحدث في الوقت نفسه سيلقي الضوء على الثمن البيئي الباهظ الذي ستدفعه الصين بسبب هذا النمو وبسبب عدم استعداد الحكومة على تحمل الاختلاف معها في الرأي. كثيرون حول العالم على دراية بمعدلات النمو الرهيبة التي تحققها الصين، غير أن قليلين فقط هم الذين يعرفون الآثار السلبية لهذا النمو الرهيب والمتمثلة في التلوث الذي يطال القنوات المائية والهواء. فنحو 70% من بحيرات الصين وأنهارها ملوثة بشدة. ونصف مليار صيني لا يتمتعون بمياه شرب نظيفة. وقد حذرت اللجنة الأولمبية الدولية من أن سوء نوعية الهواء قد يتسبب في تأجيل بعض الفعاليات التي ستقام في الهواء الطلق. فوجود صور تلفزيونية تظهر اللاعبين وهم يعانون من سوء نوعية الهواء هو أخر ما تود الصين أن يعلمه العالم عنها. كما أن القلق العالمي من ظاهرة التغير المناخي والأخطار البيئية الأخرى سيتسبب في أن تتصدر أي أحداث لها علاقة بالتلوث في بكين عناوين الصحف والمجالات العالمية. بالإضافة إلى ذلك، هناك عدد وفير من الناشطين السياسيين والأجانب والصينيين الذين سيستغلون الأولمبياد لإظهار تأييد الصين لبعض الأنظمة الحاكمة القمعية في العالم مثل تلك الموجودة في بورما وكوريا الشمالية وكذلك انتهاكات حقوق الإنسان في الصين نفسها. كما يود الكثيرون في أميركا إلقاء الضوء على التهم الموجهة إلى الصين على مستوى الممارسات التجارية وخطورة المنتجات الصينية التي تدخل السوق الأميركية وكذلك الشكوك التي تدور حول إخفاء الصين للحجم الحقيقي لإنفاقها العسكري. وجاء تعامل الصين العنيف مع المعارضة في هضبة التبت ليزيد من حدة الانتقادات الموجهة إليها. فقد دعت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي و15 آخرون من مجلس النواب الرئيس الأميركي جورج بوش لمقاطعة الحفل الافتتاحي للأولمبياد. المخاطرة بالفعل موجودة في أن تتحول الأولمبياد إلى سيرك سياسي. النشطاء السياسيون يودون إفساد ما تخطط القيادة الصينية لعمله منذ سنوات. كما أن الأولمبياد يتيح فرصا لا تقاوم لاندلاع مظاهرات سياسية لا حصر لها. وقوات الأمن الصيني لديها خبرة عريضة في التعامل مع المتظاهرين. فالبلاد تشهد عشرات الألوف من المتظاهرين سنويا، ولا شك في أن بكين ستفعل كل ما في وسعها للمحافظة على النظام أثناء دورة الألعاب الأولمبية. غير أن الحجم الفريد للأولمبياد هذا العام يمثل تحديا غير مسبوق سيتطلب أن تستمر جهود قمع الاحتجاجات طول انعقاد الأولمبياد. هل الصين مستعدة أن تأتي حركة السلام الأخضر ومنظمة العفو الدولية وغيرها من منظمات العالم إلى أراضيها وتنظم مظاهرات على شوارعها في ظل وجود صحافيين أجانب يسجلون ما يجري على الأرض؟ لا يستطيع أحد الإجابة على هذا السؤال حتى يحدث الأمر بالفعل. الصحافيون الأجانب سيسألون مئات من الأسئلة التي ليس لدى المسؤولون الصينيون الاستعداد للإجابة عليها. إن الصين ستواجه ردة فعل دولية قوية في حال أن تحنث بوعودها بالسماح للصحافيين بتغطية الألعاب الأولمبية بشكل نزيه وحر. هناك سببان وراء إمكانية أن تتسبب المواجهات بين الصين والصحافيين في بكين في ضرر غير معتاد. أولا، عندما يتعلق الأمر بأحداث هضبة التبت أو أحداث الشغب في شوارع بكين، فإنه ليس لدى الحكومة الصينية أي نية لتهدئة منتقديها في هذا الشأن. وفيما يتعلق بالوضع في دارفور فإن الإجابة الصينية ستكون كالتالي: " نحن سنعمل مع المجتمع الدولي لضمان الاستقرار والسلام". فيما يتعلق بالتبت، فإن الإجابة ستكون: "ليس هذا من شأنكم". ثانيا، فإن الاقتصاد الأميركي الهش وضغوط الحماية في واشنطن وعام الانتخابات هي كلها عوامل ستجعل الأميركيين غير مهتمين بالاحتفالات الجارية في بكين حول الأولمبياد. فالصين قد أصبحت كبش فداء سياسيا مناسبا (سواء بشكل عادل أو غير عادل) لتبرير الكثير من الأزمات التي تلم باقتصاد الولايات المتحدة. وأي محاولات قمع ستحدث من جانب الشرطة ضد المتظاهرين ستؤدي إلى ردود فعل عنيفة في أميركا ستحتم ردا عليها من جانب المرشحين للرئاسة الأميركية. إن العلاقات التجارية بين الصين وأميركا تعاني من مشكلات بالفعل؛ وأي ملاسنات حول الأولمبياد ستزيد الوضع سوءً. وأثناء انعقاد الأولمبياد لن تتراجع الصين ولا منتقدوها حيال أي من القضايا الخلافية. والقادة الصينيون لن يفعلوا أي شيء من شانه أن يبدو مكافأة لمن يتحدى سلطتها السياسية. كما سيجد المحللون من الحزبين السياسيين الرئيسيين في الولايات المتحدة في الألعاب الأولمبية فرصة لا تقاوم لإظهار برامجهم السياسية. الرئيس بوش الذي يبدو مصرا على حضور الاحتفال الافتتاحي سيجد نفسه في موقف غير مريح في حال أراد إهانة مستضيفيه وإرضاء طلبات حزبه بانتقاد سجل الصين في حقوق الإنسان. من المنطقي الاعتقاد أن هناك عددا كبيرا من المسؤولين الصينيين، بصرف النظر عما يقولونه في العلن، ينتظرون اليوم الذي سينتهي فيه الحفل ويغادر فيه الضيوف إلى بلادهم.

انهيار الدولة الشمولية العراقية شاهد على هزيمة الحركات القومية العربية

 توفيق المديني
ما زال الكثير من أفراد النخبة المثقفة العربية، والكثير من أطراف الحركات القومية العربية، يتساءلون عن الأسباب الحقيقية التي قادت الى سقوط بغداد، وبالتالي انهيار مؤسسات الدولة الشمولية العراقية، وتحولها ما بين يوم وليلة، الى أثر بعد عين! وكان الاعتقاد السائد عندما استلم حزب البعث السلطة في العراق في انقلاب 17-30 تموز (يوليو) 1968 أن العراق يمر بمرحلة الانتقال الى التبلور كدولة مركزية جديدة في العالم العربي، حيث تمتلك القيادة السياسية الحاكمة فيه إرادة التحول هذه، وتعمل في اتجاه التبلور هذا. هذا الاعتقاد ليس جديداً على الساحة العربية، إذ ساد اعتقاد مماثل في عقد السبعينات حول إمكان الجزائر، باعتبارها بلداً منتجاً للنفط، تجنيد إمكاناتها المالية في سبيل تسريع عملية التصنيع الثقيل، غير أن الطبقة الحاكمة قامت ببناء نموذج هش من التصنيع، وعاجز عن توفير القدرة على الامتصاص والتخليق التكنولوجيين لمواجهة تحديات التحديث. غير أن مضمون تبلور دولة مركزية عربية إقليمية، يتطلب توافر بعض المقدمات والشروط المميزة لكي تنخرط، وتستمر هذه الدولة في استراتيجية صراعية مع الأطراف الإقليمية والدولية، باعتبار أن قيامها يشكل تهديداً مباشراً لمصالح الولايات المتحدة، وإسرائيل على حد سواء. والحال هذه، ان الدولة العراقية الشمولية التي قامت بالفعل، لم تكن بالنموذج المعياري المطلوب، لأن الشكل المهيمن فيها هو مؤسسات نخبة حزبية ضيقة، أو مؤسسات نظام عقائدي على طريق النظم الشمولية السوفياتية. فمع وصول صدام حسين الى قمة السلطة في 1979، برزت هيمنة التكريتيين. وجاءت حرب الخليج الثانية في 1991 لتعزز من مواقعهم داخل النظام الذي غلب عليه الطابع العسكري والأمني، حيث جاء صدام بأقربائه وأصهاره والذين يضمن ولائهم المطلق له. وشكل نزع السياسة عن الشعب الطريقة الضرورية بنيوياً لضمان استمرار سيطرة الدولة الشمولية على المجتمع في إ طار وظيفتها داخل التشكيلة الاجتماعية الرأسمالية الطرفية، حيث كانت تقوم بحرب أهلية كامنة بل بحرب أهلية صريحة على أفراد الشعب العراقي الذي لا يتكون من "مواطنين أحرار ومتساوين" في نظرها. وفي الوقت الذي كانت فيه مثيلات هذه الدولة الشمولية في المنظومة السوفياتية والأوروبية الشرقية تنهار، لم تدرك القيادة العراقية جدياً تغير بيئة العالم باتجاه الانتقال التدريجي نحو الديموقراطية. وكانت عملية تغول هذه الدولة على المجتمع وعسكرته نتيجة طبيعية لتهورها ومغامراتها العسكرية من خلال حروبها الإقليمية، التي مهدت الطريق لقدوم الاستعمار الأميركي الجديد للمنطقة. وقد أفضت طريقة صدام حسين في التعاطي مع الجيش العراقي الى الإجهاز على روح التماسك بين صفوف عناصره ووحداته، فتم تفتيت وحدته. ولأن الثورات الأوروبية قادتها البورجوازية الصاعدة، وارتبطت بظهور الرأسمالية وتطورها في مراكز النظام العالمي وأطرافه على حد سواء. لكن البورجوازية في عالمنا العربي ليست طبقة منتجة وبالتالي ليست طبقة قائدة. ولذلك ارتبطت مباشرة بالاستراتيجية الشاملة للإمبريالية والنظام الرأسمالي العالمي، وفق معادلات الجغرافية السياسية الخاصة بكل قطر، فبنت الدولة القطرية المحكومة بقانون التجزئة والتبعية، والمتجاوبة مع التقسيم الامبريالي للعمل كما أقرته اتفاقية سايكس بيكو، بين الامبرياليات المنتصرة في الحرب العالمية الأولى. وقد عمق هذا المأزق العربي وواكبه تأسيس الكيان الإسرائيلي في قلب العالم العربي. وأخطر ما تعانيه الأمة العربية الآن تلازم عمليتي التهميش والتفتيت وتكاملهما اللذين هما من أبرز خصائص النظام الدولي الجديد، نظام الهيمنة الأميركية التامة. وهكذا، فإن المشروع القومي العربي الذي هو خيار الأمة التاريخي الاستراتيجي، لم يتأسس على مفهوم الديموقراطية بكل منطوياتها المعرفية والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهنا يكمن سبب الانهيار.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com