القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

  السنة الثالثة العدد (565) الثلاثاء 22 / نيسان / 2008م ـ 16/ ربيع الثاني / 1429 هـ

الفراشة والنار
المرأة في قصص محمد سهيل احمد

 عادل شهاب
في البدء يمكن القول أن القاص محمد سهيل احمد لم يأخذ مكانته التي تستحقها نصوصه القصصية ، رغم دوره المشهود له في المسار القصصي العراقي ومنذ عقود ، كما ان تأثيره واضح جلي لدى بعض كتاب التسعينات من الشباب سيما في المشهد القصصي البصري .ومن الملاحظ إن محمد سهيل كاتب متعدد الاهتمامات غزير الإنتاج خصب الأفكار بمقدار تعلق الأمور بكتاباته النقدية والصحفية ونشاطه في مجال الترجمة الذي مارسه لفترات طويلة حين نشر العديد من القصائد والقصص على صفحات الجرائد والمجلات وبالأخص على صفحات الملحق الأدبي لجريدة ( الجمهورية ) وكان ذلك في أواسط الستينات .
غير إننا نجده في السنوات التالية يحتجب دونما تفسير رغم انه يفسر ذلك الانسحاب بانشغاله بدراسته الأكاديمية حيث كان طالبا في قسم اللغة الانكليزية بجامعة البصرة وقتذاك كما يبدو من سيرته الذاتية .لعل احد أسباب هذا الاحتجاب هو القاص نفسه إذ لم تصدر له خلال عشرين عاما سوى مجموعتين قصصيتين هما (العين والشباك) 1985 ـ الكويت و (الآن أو بعد سنين) عن دار الشؤون الثقافية ببغداد 2005 ، مع انه متدفق الأسلوب غزير المخيلة.قصصه تحفل بالصور واللوحات والحوار البسيط المشبع بالشعر والترميز و الحكمة والضربة الختامية للحدث. ما يهمنا في هذا المجال اهتمامه كقاص بنموذج المرأة حيث يمكننا تعقب الملاحظات التالية : أولا :انه لا ينظر لنموذج الأنثى بنصف عين فهو ليس رومانسيا تماما ولا هو بارد النظرة تماما ، بل انه ينظر إليها نظرة الفاحص إلى كائن بشري يحتل نصف دائرة الحياة أهمية ومساحة لذا نجد شخصية ماري لديه في ( فرح اسود ) نموذجا لامرأة دفعت بها قوى خفية لعلها شهوات الرجال ، لتمسي صاحبة بار في شارع (الوطن) وهو الشارع الذي كان أيام زمان غاصا بالحانات والمقاهي والملاهي لقد كانت (ماري) تمتلك بارا حققت فيه أعظم فشل وذلك لأنها افتتحته منذ زمن ليس بالبعيد ، بالضبط عند الفترة التي توقفت فيه عن منح ما كانت تملك هي بالذات (فرح اسود ـ العين والشباك). أما في قصة (يوميات فراشة محنطة) يجد القارئ نفسه امام نموذج طالبة في المرحلة الإعدادية تدعى (كريمة) وهي فتاة مقهورة اجتماعيا تمارس أمها مهنة الدلالة بالسلع القادمة من الخليج ، حيث تحاصر سمعة الأم التكهنات والتأويلات وما تلوك به الألسن:
أنهم يتحدثون بالهمس عني.. اعلم ذلك جيدا.. كل الأوهام و التلفيقات من هذا البيت.. قد يكون بعض ما يقال صحيح و لربما كان.. ولكن خبريني ما الذي تفعله امرأة هجرها زوجها إلى الخمرة ومن ثم إلى (الكويت)؟ ها أنا ابعث في طلبه منذ سنتين دونما جدوى. لقد كنت .. نعم كنت خرقاء بلا كلمة زجر.. أتسكع في هذا الشارع أو ذاك خاوية الجيب اجهل درب السلامة من درب الندامة. (يوميات فراشة محنطة ـ العين والشباك)
أما كريمة نفسها ،وهي الشخصية المحورية في القصة فتفقد الشخص الذي تحبه والتي حلمت على الدوام بالاقتران به ألا وهو (مشتاق) مدرس مادة الأحياء الذي يتركها في نهاية المطاف لكنه يقترن بالست ماجدة مديرة المدرسة.
ثانيا : لم ينظر القاص للنموذج العراقي فقط رغم اهتمامه به بل تعداه إلى عينات نسائية من بيئات خارجية قريبة وبعيدة في آن واحد . ف(كوسوما) في نص ( امرأة بلون الشاي ) الوارد في مجموعته الثانية خادمة من سيلان ، و (انيسة) في (دوار الريح) من (تونس) العاصمة و(راتنا) الخادمة ، الخاطئة التي تمارس مهنة الإجهاض السري من الهند و(حورية) من مصر . وهو لم يقم باختيار هذه النماذج من واقع قراءاته الأدبية بل انه تعايش معها حقا وواقعا في الكثير من البلدان.
ثالثا : أكثر النماذج التي اختارها تنتمي إلى بيئات مقهورة اجتماعيا ولهذا فان أكثر نساء القاص محطمات ، وهو لهذا يبدأ بتناول كل نموذج من قلب التوتر الذي يطوقها وتعمل على تفتيتها . إنهن ينجذبن إلى مصائرهن انجذاب الفراشات إلى النار وهن يتوهمن تلك النار ضوءاً ساطعا .والقاص لا يبخل على المتلقي بإشارات تعكس هذا الاتجاه: إن كثيرا من أنواع الفراشات ذات الحجم الكبير تنجذب من مسافة بعيدة إلى رائحة الفاكهة المتعفنة والسماد وأشياء أخرى غريبة كالنار مثلا (يوميات فراشة محنطة) . أما (كوسوما) فهي خادمة سيلانية يعني اسمها (الوردة) تقتلعها عواصف العوز والفقر من حقول الشاي بسيلان لتلقي بها الأقدار إلى إحدى الدول الخليجية حيث تفقد نقاوتها هناك في احد بيوت الدعارة السرية : " آه من الفقر ومن مّد السنين القاسية والظنون .. لماذا جئت إلى الكويت ؟ لم لم أظل عاشقة على ساحل من سواحل (كولومبو) النائمة في وداعة بين ذراعي المحيط الهندي .. أين أنت يا (دي سلفا).. حبي الأول .. نشوة الاكتشاف .. أول من ارتديت له ساريا بأرضية زعفرانية النقوش : قلوب نصف حمراء على جسد بلون الشاي . تهرأت أناملك من قطف أوراق الشاي في حقول الشاي . تركت الجامعة .. تعلمت كيف تفرز الأوراق الصغيرة .. يصدّر الصنف الخشن خارج سيلان بحثا وراء الينّ والدولار .. ويترك المسحوق الناعم الترابي لأفواه الفقراء ..(امرأة بلون الشاي ـ الآن أو بعد سنين). أما ( راتنا ) فهي تنتقم لوضعها المأساوي لتصبح أداة تدمير وارتداد على الوسط الذي هشم كيانها الإنساني فهي كائن مرعب شكلا ومضمونا وهي تدير شبكة دعارة دون أن تتوقف يوما عن كره الرجال:.. ويلوّح الصحراوي المدهون بطبقة من الملح بالورقة النقدية الزرقاء ويلتهم جسد راتنا .. وبعد أن يفرغ من ضخ قاذوراته في معبدها المدنس يقذف إليها بربع دينار ,, ورفسة إلى خارج العربة..عافها في ليل تموز الموحش .. هي قيمة امرأة مثل راتنا..لكن الحق علينا..السيدة الوقور لا تقاس بثمن .. المرأة واحدة من اثنتين .. أما انها لا تقدر بثمن , مثل ياقوتة,أو انها لا تساوي روبية غير صالحة للتداول شأنها شأن راتناالواقفة أمامكما (امرأة بلون الشاي. انها الخطيئة التي أفرزتها قسوة العادات والتي ألقت بكل من كريمة ، وكوسوما و راتنا وحورية وأميرة في نسيج أحابيلها الحياتية لتسعى إليها هذه الفراشات عبر قنطرة الجسد ليستحم بالنار لا بالنور . تلك هي عينات مجهرية تفحصها الكاتب بدقة شديدة ليخرج بعدها إلى فضاء أكبر منتقيا شخصيات هي في الواقع نسخ واقعية أضاف عليها القاص دلالات عميقة، مسلطا الضوء على تفردها و لا معقولية أفعالها .في قصة (البانكوكيات) التي ظهرت في مجموعته (الآن او بعد سنين) ونشرت في أكثر من صحيفة وموقع الكتروني ؛ تتخذ الأنثى دلالة مختلفة فهي غائبة حاضرة . ان الشرقيين من الرجال شبابا وكهولا تغريهم فكرة السفر الى شرقي آسيا فالنساء هناك "يخدرن الرجال بالمساج" لتكون الخاتمة غير متوقعة ومثيرة للضحك : موت الرجل العجوز اثناء احدى الجلسات ! في قصة (الان او بعد سنين) انفصل الكاتب الى حد ما عن اجواء تربته الأولى ليقدم صورا تغريبية واحداثا غير تقليدية . هل يمكن اعتبار هذا الأسلوب نقطة ضعف تسجل على القاص ؟ يمكن الرد على مثل هذا الافتراض بسؤال مماثل : ان شخصيات همنجواي وكثير من أحداث رواياته تتحرك خارج البيئة الأمريكية التي ولد فيها همنجواي كروايته (ثلوج كليمنجارو) التي تدور أحداثها في افريقيا وبلاد الأناضول وغيرهما .. فهل يعد ذلك مأخذا عليه ؟ الوضع نفسه ينطبق على المئات من الكتاب من قصاصين وشعراء وروائيين عالجت إبداعاتهم بيئات غير بيئاتهم التي ولدوا وترعرعوا فيها .العبرة هنا في صدق التجربة الكتابية. اذن لم يكن نموذج المرأة في قصص الكاتب سهيل استهلاكيا يقصد منه إبراز الغرائز و لم يكن سياحيا بل هو نتاج وعي عميق بأن المرأة هي الوجه الآخر للحياة . كما ان قصصه لا تهمل النموذج المكافح الصابر للمرأة العراقية من خلال قصص المجموعتين . ففي (هدايا مارس) تتلقى الام ضربة موت ابنها يوسف بإحدى الهدايا التي يجلبها معه (مارس) اله الحرب لدى الرومان ابان حرب 1991 ، اضافة الى شخصيات مضيئة اخرى مثل زوجة الراوي التي يصفها بانها بنيلوب اخرى تنتظر عودة زوجها (عوليس) من حروب طروادة ، تلك الشابة الجنوبية التي لن تنسى ليلتها (الأخيرة) مع زوجها على سطح المنزل قبل ان يودعها ليذهب الى الجبهة في نهر بلا عودة ! ختاما تتلخص نظرة القاص محمد سهيل احمد الى المرأة في نص (امرأة بلون الشاي) حين تسأل راتنا راوي حكاية كوسوما الحزينة: ـ كيف ترى المرأة يا احمد ؟ ـ قاتلة أو قتيل.. هي ضحية.

طارئٌ آخر يتهاوى!

 ابو الغوث
عذراً للشاعر الراحل (عقيل علي) على هذي الاستعارة (السخيفة) فليس من طبعي ان اتمادى واستسهل الاساءة على منجز المبدع العراقي ولكن(للضرورة احكام)....
كان(......) شقي دعي منجزه الوحيد الذي يتفاخر به انه كان يعمل (مراسلاً) لدى أحد ضباط الامن السابقين،ولا يتقن من لغة العرب الا المصطلحات الاتية:(المومسات وسماسرتهن) فضلاً عن مهنة يسترزق منها حين تتوقف مهنته الاساس وهي تزوير الشهادات والوثائق وتعقيب المعاملات الرسمية الاصولية التي يكلف بها من بعض معارفه.هذا (الذكر) ككل (الذكور) لم يفكر يوماً ان يتبنى صفة من صفات الرجال فظل حبيساً مهووساً بالنفاق والكذب وسرقة حقوق الاخرين الابداعية التي يجري عليها بعض التغييرات بعد ان يدفع ثمناً عليها وينسبها اليه . يقذف المقربين منه بسيل من التهم اشباعاً لشذوذه الذي بدأ معه منذ الطفولة.
في الليلة الماضية هاتفني احد اصدقائي وهو من الشخصيات المهمة في الوسط الاعلامي ويتمتع بحظوظ واسعة مع مجتمعه نتيجة امانته واخلاصه فضلاً عن ابداعه في مهنته وكرمه الذي لا تسعه ضفاف دجلة والفرات...عاتبني بشدة وحملني المسؤولية عما يسمعه من ذلك الخنزير(القذر) لم اقل حرفاً واكتفيت بترديد كلمة(مع الاسف) مطلقاً آهاتي بقوة مستغرباً من تلك التهم.
استدرك صديقي ضجري وقال لا تثنيك تلك (التقولات) فما تحققه من نجاحات خلال عملك في صحيفة مرموقة يغيض هؤلاء المتطفلين والطارئين وسراق جهود الناس،وماعليك سوى الابتعاد عنهم شريطة ان تحتفظ بتعاملك الانساني معهم كونك مثقف ومسرحي.
اغلقت سماعة الهاتف واجريت حواراً طويلاً مع الذات ، حاولت القصاص منها لكنني اخفقت باختيار الوسائل . طغى حزن اسود على وجهي ، اضفى اسوداداً قاتماً الى بشرتي،كلما حاولت مغادرة ذلك الحزن يتراءى ذلك (المنحط) أمامي. ان ما نقله صديقي الحميم لم يكن نفاقاً بل ابتغاء الوضوح لتلك الالتباسات والتهم التي تحدث مع منظومة(الاصدقاء) وإن صحت فعليه والاخرين تقويمها وإن لم تصح فتنكشف ادعاءات ذلك (الماجن) واخيراً استعنت ببقايا زجاجة وافرغتها بفمي من دون طقوسي التقليدية وبعدها غرقت بنومٍ عميق.

صورة على جدار

 استراليا / جمال حافظ واعي
لمَنْ هذه الصورة ؟
وايّ جدار هذا الذي يحتشد بحملها ؟
هل خرج التاريخ منها ، هل بقيت كما هي تسند الجدار ؟
هل هي وجوهنا المدفونة في سراديب الجدرا ؟
كلما داهمتها العاصفة واسقطتها أرضا نعيدها ثانية للجدار قبل ان تدحرجنا العاصفة.
فهل نحن صورة متدحرجة في ذاكرة العاصفة التي تتنافس على موقع لها في الجدار.
وهل نحن صورة تحلم بجدارها وتعيد قراءة اسمه كما لو انه موشك على الزوال.
الجدار ينازع نسيانه ، الاقصاء الذي يتربص به . فهل كان الجدار واجهة لشراسة مفتوحة ؟
ولماذا يفوّض امره لنا وكأننا عقله الآخر ؟
***
صورة تزحف على الجدار وعلى الوجوه ، كان لنا مكان على الجدار ولكن الصورة زحزحته ، فهل كنا صورة للتزحزح على الجدار ؟
تلك الصورة لامفر منها مذ اقلعت عن التحديق في وجوهنا وأوكلت لنا مهمة النظر دافعة عن نفسها شبهة الزوغان!
لاريب اننا نلقي اليها ماعجزنا عن استبيانه وهي لاتكف تمدنا بالحيل.
نحن متفرجون عائمون على سطح البصر . الصورة حقيقة والجدار حيز . الصورة تمثال الحيز المُعقّب عليه . الحيز في اخر المطاف مقبرتنا . الصورة اذن شاهدة متقدمة على الموت!
الجدار مركبة فضائية دائبة التجوال والصورة التي تتقدمه اعلان عن سلالة ضائعة!
***
انتَ يامَنْ لا أنتَ .
هل فارقتَ صورتك فأصبحتَ لا أنتَ ؟
وهل تخيلتَ اناكَ بعيدة عن صيحة انتَ ؟
انتَ المنبر الأخير لصورتك فلا تجعلها تلقي خطابها فيسقط الجدار!
الجدار متحف مكشوف لمن خانه أوانه المتحفي .
تسربوا منه قبل ان يقبض عليكم بتهمة اخلاء سبيله ؟
انا الواقف في اول الجدار واخره اعرض صورتي عليكم لمطابقتها مع سقوط قادم.
ايها التائهون انزرعوا عند البوابات مادمتم بلا صورة معلقة على جدار!

قصة قصيرةنمــــــــرود

 محمد بسيم الذويب
كانت جميلة جداً ، يكاد الناظر إليها يحسبها ظبياً نافراً ؟ أو غزالاً شارداً فهي إذ تقف على رجليها الخلفيتين ترى صدرها وبطنها ببياضهما الناصع ويديها المحجلتين وكأنها الفرس الأصيلة أما لون ظهرها وبقية أعضاءها فرمادي يميل إلى السواد ... ولست ادري كيف جاءتنا ومن الذي رماها ليلاً في حديقة دارنا الواسعة وهي بعد جرو صغير ، وكل الذي اذكره أن الأطفال فرحوا بها واخذوا يلاعبونها ويداعبونها حتى بلغت السن الذي تثير فيه غرائز الذكور من جنسها ، وامتلأت ساحة الحديقة الخضراء بعدد عديد من مختلف الأنواع وشتى الأشكال ، وهي تتمنع عليهم وتظهر جفاءاً كاذباً أحياناً وتهاجم أحدهم تارة بقسوة ما بعدها قسوة ، ثم تميل بعض الميل إلى الآخر فتحصل من جراء هذا كله منافسة كبيرة ، وتدور معركة هائلة بين هؤلاء جميعاً تسيل لها الدماء وتترك في البعض الآخر جراحات وكدمات. وكم أوقعتنا هذه الأحداث في مشكلات كثيرة كنا في غنى عنها ، وأخيراً كان ما ليس منه بد ، وانتفخ بطنها وبعد أن بلغت بحملها الغاية ، وانقضت المدة المعينة جاء الأطفال يتصايحون يبشر أحدهم الآخر فقد وجدوا بضعة أجراء صغيرة اقتسموها بينهم واعتبروا كل واحد منها ملكاً خاصاً لواحد منهم،وكان معظم تلك الأجراء من الإناث ، ونحن الذين ذقنا الأمرين من أنثى واحدة ، إذ سيبلغ بعد زمن قصير عدد الكلاب أضعاف عدد أفراد الأسرة وهناك الطامة الكبرى. واخيراً قدم الولد البكر اقتراحاً بالاحتفاظ بالجرو العائد له فقط وهو ذكر ولله الحمد والتخلص من الباقيات بتوزيعها بين المعارف والأصدقاء ، ووافق المؤتمرون على الاقتراح بالأكثرية المطلقة ، لم يشذ منهم إلا الطفل الأصغر فقد عارض معارضة شديدة ، ولكن الأمر دبر بليل بعد أن قمنا بحملة دعاية واسعة بين معارفنا عددنا فيها المزايا الحميدة والأصل الرفيع الذي تنحدر منه هذه الأجراء الأصيلة. وانتهى الأمر أخيراً وخلت الدار إلا من ( نمرود ) وأمه التي قررنا التخلص منها أيضا بأقرب فرصة ، وبلغ (نمرود) أشده وأصبح أكبر من أمه حجماً واكثر استئناساً واشد منها قياماً بواجب الحراسة وكان شكله هائلاً مخيفاً كشكل الأسد،وبدأت أمه تعاكسه وتعاركه أول الآمر تريد أن تحتفظ بمكانتها السابقة في يأس مرير ، ولكنها تخاذلت أخيراً وانزوت في ركن قصي من الحديقة وهي تنظر إليه والينا نظرات فيها الكثير من معاني الحسد والغيرة والعتاب. واصبح (نمرود) الشغل الشاغل للأطفال إلى أن اقترب الموسم الجديد ، ولاحظنا منه انه بدا يستلطفها ويحاول التحرش بها ، ولكنها كانت تصده بقسوة قاسية ، وأخذت الكلاب تهاجمه بوحشية حين يجتاز سياج الحديقة ، كل يوم يطارد أولئك الأغراب مدافعاً عن نفسه وعن أهل بيته ، وعاد إلينا يوماً وهو يعرج في مشيته ن فقد أصيب بجرح في ساقه الأيسر ، وبدأنا نخشى عليه من العدوى ، إذ من يدري ما تحمل تلك الكلاب السائبة في لعابها من أدواء. وكان ولدي البكر أشدنا حباً لنمرود وأكثرنا عطفاً عليه ، يلاعبه ويداعبه ويغسل جسمه بالماء الفاتر والصابون بين يوم ويوم ، ويطعمه بيديه ، حتى انه كثيراً ما كان يقاسمه ما نقدم له من طيب الطعام وأحسنه ويقتطع أحياناً من مصروفه اليومي ليشتري له قطعة كبيرة من اللحم اللذيذ فيقدمها إليه ، ويتمتع بمشاهدته حين يلتهمها والسرور باد على محياه ، وكان أخشى ما يخشاه أن يصاب بمرض خبيث من جراء اختلاطه بتلك الكلاب وعراكه معها ، فكان يعيده إلى الدار حين يذهب إلى المدرسة ، فيخرج (نمرود) معه مودعاً كما اعتاد أن يفعل ، ويستقبله حين عودته فرحاً بعد ظهر كل يوم ، وكان يقسو عليه أحياناً حين يحاول رده إلى الدار صباحاً فيمتنع هذا عليه فيهرب مطارداً تلك الكلاب اللعينة ، يريد أن يؤدبها ويمنعها من الإقتراب من الدار. وفي أحد الأيام كان الصبي هائجاً مائجاً لتأخره عن الذهاب إلى المدرسة وخرج عجلاً يريد أن يسبق الوقت ليصل المدرسة قبل موعد الدرس ، ولحق به (نمرود) مودعاً فصرخ به طالباً إليه العودة إلى الدار ، وأصر هذا على اللحاق به ، وفي سورة غضبه رفسه بقدمه على بطنه رفستين قاسيتين ، فعاد المسكين إلى الدار وذهب الصبي إلى المدرسة.وعاد الصبي قبيل المساء وافتقد نمروداً وفتّش عنه فوجده رابضاً في ركن منعزل من حديقة الدار ولفظ اسمه بحنان فنظر هذا إليه وحاول أن يقوم لاستقباله ولكنه عجز عن ذلك فانطرح أرضاً وجاءه بالطعام فلم يذقه ، وجن جنون الصبي وذهب فأتاه بشيء من الحليب والبسكويت وبكل ما لذّ من أطايب الآكال ، ولكن محاولته ذهبت أدراج الرياح ، فلم يأكل نمرود شيئاً ، وانقضى اليوم الأول وأعقبه الثاني فالثالث ، ونمرود يتحامل على أرجله ويسير في باحة الدار ويدخل الغرف ينظر إلينا نظرات تفيض بالمحبة ، وينطرح على الأرض كلما سار بضع خطوات ، وأخذ منه الهزال حتى ما نكاد نعرفه ، وكان ينظر إلينا دائماً ، فكنت اهرب من نظرته ، وصعدت يوماً إلى سطح الدار هارباً من تلك النظرات ، وطفرت الدموع من عيني ، وأنا الذي لم أبك منذ وفاة والدي ، ونظرت من السطح إلى الحديقة ، وإذا بنمرود يرفع رأسه وتلتقي نظرتانا ، فما عدت أملك نفسي عن البكاء ، وعلا صوتي بالنحيب ، ولمحني الإبن الأصغر ، وأخذ يصيح بإخوته ناشراً الخبر العجيب ، فلم يسبق له أن رأى أباه يبكي قبل اليوم ، وتراكض الصبية إلى السطح يتطلعون إلى وجه أبيهم ، وكفكفت دموعي وتظاهرت بالإبتسام ، خشية أن تنتقل إليهم عدوى البكاء. وعدت في ظهيرة اليوم الثاني إلى الدار ، وما إن أخذت مجلسي إلى المائدة حتى دخل (نمرود) غرفة الطعام وهو يمشي وئيداً ، ونظر إلينا نظرته المعهودة ثم سقط على الأرض ، واشتد بي الألم النفسي فتركت المائدة وأسرعت إلى التلفون ، وطلبت سيارة أجرة ، حيث نقلناه إلى المستشفى البيطري ، وكان الصبي قد احتضنه بحنان طول الطريق وأخوه إلى جنبه ، وهناك أدخلوه إلى أحد الأقفاص ، وغادرنا المستشفى بعد أن أوصيتهم به خيراً وكان الصبي يذهب كل يوم إلى المستشفى ويقابل نمروداً ويناغيه بأحب الأسماء ، فلا يجد منه استجابة له وأصبحت نظراته شاردة لا معنى لها ، وكان لا يزال ممتنعاً عن تناول الطعام ، وفي اليوم الثالث أبلغتني إدارة المستشفى خبر موته ، وإرسال مخه إلى التحليل لاشتباههم بإصابته بداء الكَلَب ، ناصحين لي بإرسال أفراد العائلة إلى المستشفى لحقنهم بالمصل الواقي ، ولكن الله سلَّم إذ كانت نتيجة التحليل سلبية ، وأخفينا الخبر المؤلم عن الصبي أياماً فكان يتحدث إلينا كل ليلة عن أحلامه حين يعود (نمرود) إلى البيت سالماً معافى ، فكنت أجيبه بأحاديث أُمَهِّدُ له بها كيفية إنهاء الخبر المذكور إليه ، حتى صارحته أخيراً بالحقيقة المؤلمة ، فبكى ما شاء الله له أن يبكي. وعادت أم (نمرود) إلى سابق عهدها من الملاعبة والمرح ، تاركة ركنها ذاك المنعزل ... وحل الموسم الجديد بعد أشهر وعادت الكلاب إلى سابق عهدها ، تتغزل بأنثاها دون خوف ولا وجل ... فقد ذهب (نمرود) إلى غير رجعة ... وصرخ الطفل الصغير حين رأى الضجة المعلومة. بابا .. بابا .. ستطلع علينا الكلبة بنمرود جديد.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com