|
عادل شهاب
في البدء يمكن القول أن القاص محمد سهيل احمد لم
يأخذ مكانته التي تستحقها نصوصه القصصية ، رغم
دوره المشهود له في المسار القصصي العراقي ومنذ
عقود ، كما ان تأثيره واضح جلي لدى بعض كتاب
التسعينات من الشباب سيما في المشهد القصصي البصري
.ومن الملاحظ إن محمد سهيل كاتب متعدد الاهتمامات
غزير الإنتاج خصب الأفكار بمقدار تعلق الأمور
بكتاباته النقدية والصحفية ونشاطه في مجال الترجمة
الذي مارسه لفترات طويلة حين نشر العديد من
القصائد والقصص على صفحات الجرائد والمجلات
وبالأخص على صفحات الملحق الأدبي لجريدة (
الجمهورية ) وكان ذلك في أواسط الستينات .
غير إننا نجده في السنوات التالية يحتجب دونما
تفسير رغم انه يفسر ذلك الانسحاب بانشغاله بدراسته
الأكاديمية حيث كان طالبا في قسم اللغة الانكليزية
بجامعة البصرة وقتذاك كما يبدو من سيرته الذاتية
.لعل احد أسباب هذا الاحتجاب هو القاص نفسه إذ لم
تصدر له خلال عشرين عاما سوى مجموعتين قصصيتين هما
(العين والشباك) 1985 ـ الكويت و (الآن أو بعد
سنين) عن دار الشؤون الثقافية ببغداد 2005 ، مع
انه متدفق الأسلوب غزير المخيلة.قصصه تحفل بالصور
واللوحات والحوار البسيط المشبع بالشعر والترميز و
الحكمة والضربة الختامية للحدث. ما يهمنا في هذا
المجال اهتمامه كقاص بنموذج المرأة حيث يمكننا
تعقب الملاحظات التالية : أولا :انه لا ينظر
لنموذج الأنثى بنصف عين فهو ليس رومانسيا تماما
ولا هو بارد النظرة تماما ، بل انه ينظر إليها
نظرة الفاحص إلى كائن بشري يحتل نصف دائرة الحياة
أهمية ومساحة لذا نجد شخصية ماري لديه في ( فرح
اسود ) نموذجا لامرأة دفعت بها قوى خفية لعلها
شهوات الرجال ، لتمسي صاحبة بار في شارع (الوطن)
وهو الشارع الذي كان أيام زمان غاصا بالحانات
والمقاهي والملاهي لقد كانت (ماري) تمتلك بارا
حققت فيه أعظم فشل وذلك لأنها افتتحته منذ زمن ليس
بالبعيد ، بالضبط عند الفترة التي توقفت فيه عن
منح ما كانت تملك هي بالذات (فرح اسود ـ العين
والشباك). أما في قصة (يوميات فراشة محنطة) يجد
القارئ نفسه امام نموذج طالبة في المرحلة
الإعدادية تدعى (كريمة) وهي فتاة مقهورة اجتماعيا
تمارس أمها مهنة الدلالة بالسلع القادمة من الخليج
، حيث تحاصر سمعة الأم التكهنات والتأويلات وما
تلوك به الألسن:
أنهم يتحدثون بالهمس عني.. اعلم ذلك جيدا.. كل
الأوهام و التلفيقات من هذا البيت.. قد يكون بعض
ما يقال صحيح و لربما كان.. ولكن خبريني ما الذي
تفعله امرأة هجرها زوجها إلى الخمرة ومن ثم إلى
(الكويت)؟ ها أنا ابعث في طلبه منذ سنتين دونما
جدوى. لقد كنت .. نعم كنت خرقاء بلا كلمة زجر..
أتسكع في هذا الشارع أو ذاك خاوية الجيب اجهل درب
السلامة من درب الندامة. (يوميات فراشة محنطة ـ
العين والشباك)
أما كريمة نفسها ،وهي الشخصية المحورية في القصة
فتفقد الشخص الذي تحبه والتي حلمت على الدوام
بالاقتران به ألا وهو (مشتاق) مدرس مادة الأحياء
الذي يتركها في نهاية المطاف لكنه يقترن بالست
ماجدة مديرة المدرسة.
ثانيا : لم ينظر القاص للنموذج العراقي فقط رغم
اهتمامه به بل تعداه إلى عينات نسائية من بيئات
خارجية قريبة وبعيدة في آن واحد . ف(كوسوما) في نص
( امرأة بلون الشاي ) الوارد في مجموعته الثانية
خادمة من سيلان ، و (انيسة) في (دوار الريح) من
(تونس) العاصمة و(راتنا) الخادمة ، الخاطئة التي
تمارس مهنة الإجهاض السري من الهند و(حورية) من
مصر . وهو لم يقم باختيار هذه النماذج من واقع
قراءاته الأدبية بل انه تعايش معها حقا وواقعا في
الكثير من البلدان.
ثالثا : أكثر النماذج التي اختارها تنتمي إلى
بيئات مقهورة اجتماعيا ولهذا فان أكثر نساء القاص
محطمات ، وهو لهذا يبدأ بتناول كل نموذج من قلب
التوتر الذي يطوقها وتعمل على تفتيتها . إنهن
ينجذبن إلى مصائرهن انجذاب الفراشات إلى النار وهن
يتوهمن تلك النار ضوءاً ساطعا .والقاص لا يبخل على
المتلقي بإشارات تعكس هذا الاتجاه: إن كثيرا من
أنواع الفراشات ذات الحجم الكبير تنجذب من مسافة
بعيدة إلى رائحة الفاكهة المتعفنة والسماد وأشياء
أخرى غريبة كالنار مثلا (يوميات فراشة محنطة) .
أما (كوسوما) فهي خادمة سيلانية يعني اسمها
(الوردة) تقتلعها عواصف العوز والفقر من حقول
الشاي بسيلان لتلقي بها الأقدار إلى إحدى الدول
الخليجية حيث تفقد نقاوتها هناك في احد بيوت
الدعارة السرية : " آه من الفقر ومن مّد السنين
القاسية والظنون .. لماذا جئت إلى الكويت ؟ لم لم
أظل عاشقة على ساحل من سواحل (كولومبو) النائمة في
وداعة بين ذراعي المحيط الهندي .. أين أنت يا (دي
سلفا).. حبي الأول .. نشوة الاكتشاف .. أول من
ارتديت له ساريا بأرضية زعفرانية النقوش : قلوب
نصف حمراء على جسد بلون الشاي . تهرأت أناملك من
قطف أوراق الشاي في حقول الشاي . تركت الجامعة ..
تعلمت كيف تفرز الأوراق الصغيرة .. يصدّر الصنف
الخشن خارج سيلان بحثا وراء الينّ والدولار ..
ويترك المسحوق الناعم الترابي لأفواه الفقراء
..(امرأة بلون الشاي ـ الآن أو بعد سنين). أما (
راتنا ) فهي تنتقم لوضعها المأساوي لتصبح أداة
تدمير وارتداد على الوسط الذي هشم كيانها الإنساني
فهي كائن مرعب شكلا ومضمونا وهي تدير شبكة دعارة
دون أن تتوقف يوما عن كره الرجال:.. ويلوّح
الصحراوي المدهون بطبقة من الملح بالورقة النقدية
الزرقاء ويلتهم جسد راتنا .. وبعد أن يفرغ من ضخ
قاذوراته في معبدها المدنس يقذف إليها بربع دينار
,, ورفسة إلى خارج العربة..عافها في ليل تموز
الموحش .. هي قيمة امرأة مثل راتنا..لكن الحق
علينا..السيدة الوقور لا تقاس بثمن .. المرأة
واحدة من اثنتين .. أما انها لا تقدر بثمن , مثل
ياقوتة,أو انها لا تساوي روبية غير صالحة للتداول
شأنها شأن راتناالواقفة أمامكما (امرأة بلون
الشاي. انها الخطيئة التي أفرزتها قسوة العادات
والتي ألقت بكل من كريمة ، وكوسوما و راتنا وحورية
وأميرة في نسيج أحابيلها الحياتية لتسعى إليها هذه
الفراشات عبر قنطرة الجسد ليستحم بالنار لا بالنور
. تلك هي عينات مجهرية تفحصها الكاتب بدقة شديدة
ليخرج بعدها إلى فضاء أكبر منتقيا شخصيات هي في
الواقع نسخ واقعية أضاف عليها القاص دلالات عميقة،
مسلطا الضوء على تفردها و لا معقولية أفعالها .في
قصة (البانكوكيات) التي ظهرت في مجموعته (الآن او
بعد سنين) ونشرت في أكثر من صحيفة وموقع الكتروني
؛ تتخذ الأنثى دلالة مختلفة فهي غائبة حاضرة . ان
الشرقيين من الرجال شبابا وكهولا تغريهم فكرة
السفر الى شرقي آسيا فالنساء هناك "يخدرن الرجال
بالمساج" لتكون الخاتمة غير متوقعة ومثيرة للضحك :
موت الرجل العجوز اثناء احدى الجلسات ! في قصة
(الان او بعد سنين) انفصل الكاتب الى حد ما عن
اجواء تربته الأولى ليقدم صورا تغريبية واحداثا
غير تقليدية . هل يمكن اعتبار هذا الأسلوب نقطة
ضعف تسجل على القاص ؟ يمكن الرد على مثل هذا
الافتراض بسؤال مماثل : ان شخصيات همنجواي وكثير
من أحداث رواياته تتحرك خارج البيئة الأمريكية
التي ولد فيها همنجواي كروايته (ثلوج كليمنجارو)
التي تدور أحداثها في افريقيا وبلاد الأناضول
وغيرهما .. فهل يعد ذلك مأخذا عليه ؟ الوضع نفسه
ينطبق على المئات من الكتاب من قصاصين وشعراء
وروائيين عالجت إبداعاتهم بيئات غير بيئاتهم التي
ولدوا وترعرعوا فيها .العبرة هنا في صدق التجربة
الكتابية. اذن لم يكن نموذج المرأة في قصص الكاتب
سهيل استهلاكيا يقصد منه إبراز الغرائز و لم يكن
سياحيا بل هو نتاج وعي عميق بأن المرأة هي الوجه
الآخر للحياة . كما ان قصصه لا تهمل النموذج
المكافح الصابر للمرأة العراقية من خلال قصص
المجموعتين . ففي (هدايا مارس) تتلقى الام ضربة
موت ابنها يوسف بإحدى الهدايا التي يجلبها معه
(مارس) اله الحرب لدى الرومان ابان حرب 1991 ،
اضافة الى شخصيات مضيئة اخرى مثل زوجة الراوي التي
يصفها بانها بنيلوب اخرى تنتظر عودة زوجها (عوليس)
من حروب طروادة ، تلك الشابة الجنوبية التي لن
تنسى ليلتها (الأخيرة) مع زوجها على سطح المنزل
قبل ان يودعها ليذهب الى الجبهة في نهر بلا عودة !
ختاما تتلخص نظرة القاص محمد سهيل احمد الى المرأة
في نص (امرأة بلون الشاي) حين تسأل راتنا راوي
حكاية كوسوما الحزينة: ـ كيف ترى المرأة يا احمد ؟
ـ قاتلة أو قتيل.. هي ضحية. |