|
يوسف
الحاج راضي
تبدل اسمها اربع مرات منذ ولادتها قبل خمسة
واربعين عاماً.(الثورة)صارت(الرافدين) قبل ان تحمل
اسم صدام حسين ثم اطلق عليها اهلها اسم (مدينة
الصدر) تيمناً بالشهيد محمد صادق الصدر الذي اغتيل
قبل تسع سنوات ،انها المدينة التي ولدت من رحم
الازمات ولا تزال تعيش على وقع المشاكل اليومية
محرومة من مقومات المدن المعاصرة.
لم يدر في خلد عبد الكريم قاسم ان عطفه على ساكني
الاكواخ ورغبته في انصاف اهلها اللذين حملاه على
تخصيصهم بأراض سكنية سوف يتحولان الى نقمة من قبل
الانظمة التي تعاقبت بعده على حكم العراق وان هذه
النقمة سوف تتواصل بأشكال متعددة لتحرم سكان
المدينة من ابسط شروط الحياة الكريمة اول ما تطأها
قدماك يمتلكك الجنوب بكل تفاصيله انها مدينة سمراء
تشتم فيها رائحة القصب وطين سومر وكرم المضايف
وعطر البربين ولهجة اهلها لا تزال جنوبية رغم
المسافات التي نأت بها عن الرافد.
العقيد المتقاعد(61 عاماً) شاكر المياح يروي بعض
فصول الحكاية في العام 1961 امر الزعيم بتوزيع 350
قطعة ارض على ضباط الجيش في منطقة الداخل وتحديداً
ما يسمى بالاولى وتم بناؤها في العام نفسه بعد ذلك
امر بتخطيط 79 قطاعاً كل قطاع يحتوي على الف قطعة
سكنية مساحة كل منها 144 متراً مربعاً وكان من
المقرر تشييد دور سكنية في تلك المساحات توزع على
قاطني الطرف خصوصاً في منطقة الشاكرية (المنطقة
الخضراء الان) والاكواخ خلف السدة التي تسمة
العاصمة قرب معسكر الوشاش كذلك قرب جسر النهر وزعت
هذه القطع مباشرة بعد بناء منطقة الالف دار في
بغداد الجديدة ودور الارامل في الاسكان الا ان
انقلاب 8 شباط فبراير 1963 حال دون اكمال المشروع
بعدها قررت حكومة عبد السلام عارف ترحيل قاطني تلك
الاكواخ قسراً الى مدينة الثورة ما بين
عامي1963-1964 وبسبب هذا الاجراء عانى المواطنون
معاناة قاسية لعدم توفر الماء وانعدام الخدمات
واستمرت هذه المأساة حتى العام 1966 حين باشرت
الحكومة نصب شبكة مياه الشرب وتعبيد الشارعين
الرئيسيين وهما شارعا الداخل والجوادر وحاول عارف
ان يطمس اسم الثورة وقائدها فأستبدل اسهما بأسم
الرافدين ولتجمل صورته امام اهل المدينة الذين
عشقوا عبد الكريم قاسم الى درجة عدم تصديق نبا
موته قامت وحدات الجهد الهندسي العسكري ببناء 80
داراً سكنياً قرب مستشفى الجوادر الامام علي
(ع)حالياً وزعت على بعض موظفي الدولة.
المعاناة
الحاج عاصي المذكور (70سنة) من اهالي المدينة
قطاع(26) يتذكر الوضع الذي عاشته المدينة في بدء
تأسيسها لا يمكن وصفه الا بالمأساوي فالاكواخ
انتشرت والبناء اعتمد على الطرق البدائية وكانت
الدور تشتمل على غرفة واحدة وحمام ومرافق صحية مع
انعدام شبكات الصرف الصحي التي بدأ انشاؤها بعد
الايام الاولى من بدء الحرب العراقية-الايرانية
ويقول مذكور انه لم تكن هناك مدارس ولا شبكات
كهرباء ولا خدمات وما زالت المدينة في ذاكرته
عبارة عن ازقة مملوءة بالوحل وكان معظم الطلاب
يلجأون الى المدارس التي تقع غرب قناة الجيش
مثل(14 تموز) و(النهضة) و(شارع فلسطين) وشيدت اول
مدرسة وهي ابن الاثير الابتدائية المدرسة الاولى
التي انشئت مع 350 داراً في منطقة الداخل في العام
1961 ثم تلتها اعدادية قتيبة في منتصف الستينات.
ذاكرة المدينة
وعن اسماء مناطق مدينة الصدر وشوارعها واسواقها
يقول علي دعير مدرس التاريخ المتقاعد(70)عاماً:ان
بعض الاسماء جاءت من المناطق التي انتقل منها
الاهالي فمثلاً منطقة الكيارة معظم ساكنيها جاءوا
من منطقة الكيارة في الشاكرية وكذلك منطقة خان حجي
محسن وهناك اسماء لاسواق ومقاهٍ انتقلت مع انتقال
اهلها مثلاً مقهى خنياب قطاع(17) والتي تعد اقدم
مقهى في المدينة كانت اصلا موجودة في الشاكرية
وانتقلت في العام 1963 الى منطقة الكيارة وكذلك
صيدلية احمد وعيادة الدكتور مظفر اسعد التي سميت
(ساحة مظفر) تيمناً بأسمه حتى الان وكان هذا الرجل
يعاين مرضى المدينة مجاناً اما منطقة الداخل فسميت
بهذا الاسم كونها مدخل المدينة وبالنسبة الى
الجوادر فقد كانت في تلك المنطقة وحدة هندسة
عسكرية نصبت لها خياماً وقامت ببناء 80 داراً
سكنية في منطقة شارع كاظم في الجوادر فأطلق عليها
الاسم وبالنسبة الى منطقة الشركة كانت هناك شركة
نفط اجنبية تنقب عن النفط اما (ساحة55) فجاءت
تسميتها من رقم مصلحة نقل الركاب التي تصل اليها
قادمة من الصالحية قرب سينما (ريجنت )موقع وزارة
العدل حاليا وكذلك بالنسبة الى ساحة 83 التي تصل
اليها قادمة من باب المعظم اما بالنسبة الى
الاسواق فسوق الاولى سمي على اسم منطقة الاولى
التي بنيت في العام1961 وسوق جمالة هو اسم شاعرة
من اهالي الشاكرية تدعى جمالة ام حسن وهي قوالة
العزاء اما سوق العورة فسمي على اسم امرأة وهي اول
من باع الخضروات في السوق وسوق اعريبة هو اسم
امرأة كانت تبيع السمك.
يضيف علي دعير منطقة السفارة الواقعة بين منطقتي
الشركة والكيارة هي مجموعة سكلات محال مفتوحة لبيع
المواد الاولية وكانت تنفرد بتعليق راية في اعلى
السكلة وتتميز كل واحدة منها بوجود حمار لجر عربة
الحمل التي تنقل تلك المواد للزبون ومن باب التندر
اطلق عليها الاهالي السفارة ونعتوا الحمار
بـ(السفير).
سوق مريدي
اما سوق مريدي الذي يعد من اقدم اسواق المدينة
واهمها تجاريا واكثرها شهرة كونه عبارة عن اسواق
متخصصة فله قصة اخرى.
المواطن عبد الواحد مريدي (56عاماً) وهو نجل مريدي
الاب يقول ولد ابي في محافظة ميسان وهو ينتمي الى
عشيرة ال فرطوس هاجر مدينته وسكن في منطقة الشواكة
في العام 1930 تطوع في الجيش وشارك في حرب تحرير
فلسطين في العام 1948 تسرح من الجيش برتبة عريف
وانتقل بعد الفيضان في العام 1954 من منطقته
متوجهاً الى منطقة الشاكرية ليمارس مهنته بيع
الفاكهة والخضروات فأصبح مكانه معروفاً باسمه وبعد
صدور قرار الترحيل لاهالي الشاكرية الى مدينة
الثورة انتقل مريدي وعائلته اليها لمزاولة مهنته
القديمة هناك فكان دليلاً لسائقي التاكسي بعدها
انشأ كشكاً لبيع المشروبات الغازية والحلويات
والكرزات وقد توفي في العام 1964 وهو يسمع سائقي
سيارات الخشب في باب المعظم او النهضة او باب
الشرقي وهم ينادون الركاب (مريدي...مريدي)
وعن المدينة واوضاع المدينة حدثنا (ابو مهند )
قائلاً:ان عدد سكانها يقارب الثلاثة ملايين نسمة
وهي تحتاج الى موازنة محافظة لكن الحكومة تتجاهل
هذه المدينة فالخدمات فيها شبه معدومة وشبكات صرف
المياه الصحية تعاني ازمة دائمة وبالتالي شوارعها
عرضة للتآكل بلدية المدينة لم تأل جهداً في تقديم
الخدمات لكنها لا تملك الامكانات الحديثة القادرة
على النهوض بها رغم وجود ملاكات فنية متخصصة وخبرة
من ابناء المدينة.وعزا اسباب استمرار معاناة
المدينة من نواح عدة عمرانية واقتصادية فأكبر معمل
للسكائر في العراق والشرق الاوسط هو معمل النصر
وهو معطل تماماً ولو ان هناك نية جادة في اعادة
تشغيله لاستطاع احتواء الكثير من العاطلين عن
العمل من ابناء المدينة ونأمل من ممثلي المدينة
الذين يبلغ عددهم 12 نائباً يطالبون السلطات
بالضرورة للالتفات الى الازمات التي نعيشها.
مدينة الصدر ولدت في رحم الازمات منذ بدايات
تكوينها ولا تزال غارقة في المحنة.
واقع الخدمات
في مديرية بلدية الصدر الثانية الكائنة في ساحة
مظفر التقينا المهندس صباح رئيس قسم الاجازات فقال
المدينة في السابق كانت عبارة عن ارض زراعية تابعة
لاملاك بيت العطار وهم من باشوات بغداد القديمة
عوضوا من حكومة عبد الكريم قاسم وشيدت المدينة على
ارض مساحتها 30 كيلومرتاً مربعاً خططت على شكل
مستطيل طوله 6.5 كيلومترات وعرضه 4كيلومترات
حدودها من الشمال حي اور والطالبية ومن الجنوب
البلديات ومن الغرب قناة الجيش ومن لاشرق السدة
يضيف المهندس صباح:ان الخدمات التي تقدم للمدينة
لا يمكنها تغيير معالمها بين ليلة وضحاها ونحن
نحتاج الى وقت وحين علمنا بوصول المهندس حسين
المطيري مدير عام البلدية الذي يشغل منصبه منذ
عامين سارعنا الى لقائه واستقبلنا الرجل في مكتبه
فقال ان المدينة تحتاج الى تخصيصات محافظة بالنسبة
الى الاليات والملاكات فالمدينة تتكون في 79
قطاعاً وكل قطاع يحوي ما بين 1000 و 1500 بيت
نتيجة الانشاطرات العائلية المستمرة فهناك مناطق
كثيرة تابعة لها مثل حي طارق والحبيبية وجميلة و7
قصور وقطاع غير رسمي سكنته بعض العائلات المهجرة
ديالى وابي غريب يسمى بقطاع 80 وكل هذه الملايين
تحتاج الى خدمات واذا احصينا عدد الاليات
المتوافرة لدى المديرية فإنها لا تسد حاجات ربع
المدينة ومع هذا فقد اكملنا مجاري اربعة قطاعات
وهي قطاعات 65- 68 74 -77 كما قمنا بتحويل ساحات
كانت مركزا ومرتعاً لخيول بائعي النفط الى ملاعب
كرة ومتنزهات وقمنا بتسييج وتشجير الكثير من
الشوارع والساحات كما قمنا بتبليط شارع العمال
اكثر من مرة لكن المصفحات والعلاجات الامريكية
تأتي وتدمر كل ذلك الجهد.
وعن سؤالنا حول الكثير من عمليات الاكساء والترميم
التي يعاد العمل فيها اكثر من مرة بعد الانجاز
يقول المطيري ان السبب الرئيس هو عدم توافر المواد
الاولية الاصلية فالغش بات هو القاعدة في المواد
التي تستخدم في البناء والترميم والاسفتل الاصلي
غير متوافر اضافة الى اننا نستخدم الان اليات غير
صالحة للعمل في زمن التطور العلمي والتقنيات
الحديثة رغم ان هناك تشدداً واضحاً من قبل امانة
بغداد بشأن ضرورة توفير المواصفات العالية في
الاليات المستوردة.
ويوضح المطيري ان مشكلة المدينة الرئيسية هي في
شبكات تصرف المياه لانها انشئت على تصريف تخطيط
خاطئ وسريع من قبل شركة هندية غير محترفة ولم يتم
تجهيزها للتغييرات الجيولوجية الارضية لذلك جاء
انهيارها السريع والمدينة امنة وعلى الحكومة
استكمال تجهيزها وهي تقول انه عام الاعمار
والاستئمار.
وفي مدينة الصدر حي كامل يسمة بـ(حي الاكراد) ورغم
انتشارهم في معظم قطاعات المدينة الان ان كثافة
وجودهم تتركز في القطاعات 56-57-14-18.
يقول حميد دارا:ان معظم الاكراد الذين سكنوا
المدينة هم من سكان باب الشيخ وساحة النهضة ومنطقة
الكولات التي تضم مقبرة النهضة وقد وزعت عليهم تلك
الاراضي منذ العام 1963 ونحن نعيش مع اخوتنا العرب
وقد توثقت علاقتنا بهم فأبنتي متزوجة من رجل من
عشيرة السواعد ولها ستة ابناء ويضيف سكنا المنطقة
واحترمنا طقوس اهلها بل عشقناها ونمارسها معهم وهم
كذلك يحترمون طقوسنا وتقاليدنا واتذكر انه عندما
حدث تفجير المرقدين في سامراء واخذت الفتنة تتفشى
وكذلك الخوف والتوجس من المجهول جاءتنا رسائل
التهدئة من ابناء المنطقة العرب وبالاخص من مكتب
السيد الشهيد.
وقالوا لنا(من يتعرض لكم هو عدونا الى يوم الدين)
ومازلنا نتعايش ونتقاسم السراء والضراء فشظايا
الارهاب لا تميز الكوردي عن العربي بل انها تستهدف
ابناء المدينة الواحدة.. |