|
د.
منذر عجينة
تُجْرى كل سنتين (وبشكل دوري وبعد تولي رئيس
الجمهورية منصبه) الانتخابات الأمريكية للكونكرس
بمجلسيه (الشيوخ والنواب) لاختيار نصف الأعضاء
لكليهما في حين يتم التنافس على مقاعد النصف الآخر
في فترة انتخاب الرئاسة كل أربع سنوات....
إذ سبق ضمن الفترة القريبة السابقة اختيار نصف
أعضاء الكونكرس والتي كانت ذات أهمية بالغة على
الصعيدين المحلي والخارجي ... وهنا لابد من
الإشارة إلى إن هكذا نوع من التشريع (الوارد ضمن
الدستور الأمريكي) والمتعلق بطريقة الانتخابات
والتي يتمخض عنها تنحية 50 % من الأعضاء ورفد
المجلس بدماء جديدة كل سنتين وبذلك يضمن الدستور
على عدم التسلط والإنفراد بالقرار من قبل هرم
السلطة...
إن الرئيس الأمريكي وحكومته قد أخذت الدور
التنفيذي لقرارات السلطة التشريعية وعليه فأنه
يَمْتَثِل لما يوصي به المجلسين أعلاه وهنا نرى
أهمية الانسجام من عدمه بين رئيس الجمهورية
والغالبية من المجلسين...
فأن كانت أكثرية كلا المجلسين متوافقة مع الاتجاه
الحزبي لرئيس الجمهورية فأن الأمور تسير بشكل سلس
ومريح وبعكسه فأن كان الحزب المعارض يتصدر
المجموعة فأن فأن رئيس الجمهورية سيلاقي مصدات
صلبة يصعب تمرير القوانين التي يرغب الرئيس
تشريعها... ومن هنا يُستلزم على الأطراف المؤثرة
في السلطتين التشريعية والتنفيذية التعايش وفق نسق
معلوم وشفاف جداً حتى يضمنوا انتخابهم في الفترات
اللاحقة....
ومن خلال ما تم سرده في أعلاه وحسب ما أوردته كافة
التحليلات السياسية وما نقلته وسائل الأعلام
وتصريحات المسؤولين والمختصين, نجد أن النتائج
الأخيرة في الانتخابات الأمريكية
كان المحرك الرئيسي لها هو موضوع العراق, وقد
وَضَحَتْ وبشكل جلي أن هناك سباق بين الحزبين
الرئيسيين لتقديم الأفضل ضمن مناهجهم تجاه العراق
للاعتبارات التالية :
1- إن غالبية الكونكرس السابق والتي كانت ذات
الصبغة الجمهورية قد خسرت مقاعد عديدة لصالح
الديمقراطيين وكان السبب الرئيسي هو سياسة الحزب
الجمهوري حيال العراق والتي شُخْصِتْ من قبل الشعب
فجاءت النتائج مخيبة لآمال رئيس الجمهورية
وحزبه... (بالرغم من توقعهم للخسارة ولكن بنسبة
أقل) وعليه فأن طموح هذا الحزب هو استعادة خسارته
ضمن الانتخابات القريبة (خلال السنتين القادمتين)
لذا فأنه سَيُقَدمْ تنازلات لقرارات سابقة غير
موفقة تجاه العراق.
2- فيما يخص الحزب الديمقراطي فأنه وعد ناخبيه
بأنه سيتناول موضوع العراق بشكل مسهب... وبعد
الفوز وكي يبقى عند حسن الضن فلا بد من معالجة
موضوع العراق من كافة جوانبه وبشكل ايجابي.
3- يبقى هناك احتمال قد يطفو على السطح آلا وهو
إمكانية توجه سياسة الحزبين حول العراق في اتجاه
واحد لحسم موضوع الجمود المتوقع نظراً لكون
الغالبية الجديدة هي للديمقراطيين في حين رئيس
الجمهورية محسوب على الحزب الجمهوري وهذا سيعطي
موقفاً إيجابياً للعراق... ومن خلال تسليط الضوء
على محاور السياسة الخارجية الأمريكية نجد إن هناك
بعض الفقرات المهمة والتي يستوجب التوقف عندها كي
تتوضح الصورة ومنها:
أ- إن هناك ثلاث خطوط كل منها يتحرك باتجاه مستقل
ويتحمل توجيهات خاصة به وهي خط العسكر المرتبط
بوزارة الدفاع ذات التوجهات الجمهورية والأخرى خط
المخابرات المركزية المؤتمرة بسياسة رئيسها المنفذ
لسياسة رئيس الدولة ويبقى الخط الثالث ذو الأهمية
العالية آلا وهو خط منظمات المجتمع المدني وهو
الخط المنسق مع الكونكرس. وعليه فأن الحقبة
السابقة في إدارة الخطوط أعلاه قد طغت عليها
السياسة الجمهورية في حين سنرى ضمن الفترة الجديدة
القادمة أن الخطين الأولين ستحافظ على توجيهاتها,
بينما الخط الثالث المهم والمؤثر سيكون الحزب
الديمقراطي وهو الفاعل والمؤثر بتوجيهاته وهنا ومن
حتمية الأمثلة السابقة وكاستنتاج لمراقب لأحداث
مضت, فأن الخطوط الثلاثة قد تتوحد في أيدلوجيتها
تجاه العراق حتى لا تعود مرارة مسألة فيتنام أمام
المواطن الأمريكي... وهنا تكمن الإيجابية والتي
يتطلب من الساسة العراقيين تجيرها لصالحهم.
ب-إن الانتخابات القادمة ستكون ذات أهمية أعلى من
التي جرت في 7 / 11 / 2008لكونها إضافة إلى انتخاب
رئيس الجمهورية فأن النصف الثاني من الكونكرس
بمجلسيه سيقرر في حينها وكذلك حكام الولايات
الأمريكية. نستنتج من ذلك إن الحزب الجمهوري قد
أتخذ قراراً بالتضحية في الانتخابات التي جرت
مؤخراً على أمل أن يستقطب الناخبين إليه في
المراحل القادمة بعد أن يجري تغيرات على سياسته في
العراق (ذلك الموضوع المؤثر على عملية
الانتخابات).
ج- إن إحدى فقرات السياسة العامة للحزب الديمقراطي
هو عدم إيمانه بالتوجه الديني أي إن معظم منتسبيه
من العلمانيين في حين يكون الحزب الجمهوري ملتزم
بمبادئ المسيحية لمتعمقة... كذلك فأن الحزب الأول
متمسك بمبادئه الغير قابلة للتغير وبالتالي قد
تكون مبادئ يصعب على مجتمع محافظ أن يتقبلها... في
حين نجد أن الأخر يحاول أن يتماشى مع أهواء الشارع
وعليه فهو حزب مرن لذا كي نحصل على رضا السلطتين
يجب أن نأخذ توجيهات الحزبين أعلاه بنظر الاعتبار.
د- من الشعارات المرفوعة وحصيلة نتائج الانتخابات
نجد أن الحزب الديمقراطي قد أعلن أن المفيد
لأمريكا مفيد للعراق وكذلك المفيد للعراق مفيد
لأمريكا... فهناك بُعدٌ سياسي مهم يجب التعمق به
والاستفادة منه.
هـ- نضجت في الآونة الأخيرة بعض المشاعر السلبية
تجاه التواجد الأمريكي في العراق وخصوصاً من قبل
منتسبي الجيش الأمريكي ... فالعائدون إلى بلادهم
أخذوا يتناقلون جهاراً, بأن العراقيين لا يستحقون
التضحية, فهم فاسدون إدارياً ومالياً ومعظمهم
إتكاليون... وغير ذلك من النعوت السلبية...
ولمناقشة هذه الحالة, نجد إن العراقيون يتهمون
الأمريكان بسرقة مبالغ المنحة الأمريكية في حين
ترى الأمريكي يظهر من خلال شاشات التلفاز يعلن عدم
الجدوى في مساعدة الشعب العراقي ذو التعداد البالغ
اثنان وعشرون مليون نسمة, الغني بثرواته
وإمكانياته المادية والتي تضاهي إمكانيات أمريكا
ذات الثلاثمائة مليون نسمة, فهو شعب عاطفي بدوي
تسيطر عليه الصفة العشائرية ذات الأهواء القتالية
مع بعضهم خلال فترة التواجد التي بعد سقوط النظام
السابق.
و- نتيجة الضغط السابق في الكونكرس من قبل الحزب
الديمقراطي والمتناغم مع مشاعر الجماهير بضرورة
إنهاء أزمة العراق وإيقاف نزيف الدم, قرار الحزب
الجمهوري تشكيل لجنة مشتركة من الحزبين ومن ذوي
السمعة العالية والمكانة المرموقة لدى الشعب
الأمريكي في دراسة موضوع العراق ورفع توصياتها,
حتى لو كانت تلك التوصيات لا تصب في صالحهم نتيجة
الانتخابات التي ستجرى في 7 / 11 / 2008على أن
يحظوا على الغالبية في الفترة القادمة ... غير أن
المهم تركيبة اللجنة التي يرئسها السيد جيمس بيكر
(وزير الخارجية الأسبق في زمن الرئيس ريغن وبوش
الأب) وضمت السيناتور هاملتون (الديمقراطي) والسيد
كيت (رئيس المخابرات المركزية السابق والمعين
لاحقاً وزير الدفاع ليحل محل السيد رامسفيلد) فقد
قامت هذه اللجنة بزيارة العراق والإطلاع عن كثب
على مجريات الأمور وبعد الاتصالات بالسادة
المسؤولين العراقيين وقادة الجيش والميدانيين,
فَطَلَعوا بتوصياتهم الشهيرة المتعلقة بجدولة
إعادة انتشار الجيش الأمريكي في العراق, وفتح
الحوار مع كل من سوريا وإيران لحل أزمة العراق لما
لها من تأثير على الساحة العراقية, وعلى أثر ذلك
أرسل (السيد كيت) إلى السعودية لغرض شرح فكرة
اللجنة واستطلاع آرائهم حول موضوع توصياتهم ونتيجة
لذلك قد صرح لدى عودته بأن موقف السعودية كان
إيجابي بهذا الصدد. فمن تلك المعطيات الواردة نصل
إلى خلاصة ما هو متوقع من نتائج الانتخابات
الأمريكية ومدى تأثيرها على الوضع العراقي... حيث
كما أسلفنا فأن أول الغيث قطر, ونتيجة الانتخابات
أقر الجمهوريين بضرورة تغير وزير الدفاع واستبداله
بأحد أعضاء لجنة بيكر - هاملتون آلا وهو السيد
كيت, في حين أن مسؤول المخابرات المركزية الحالية
هو ضابط عسكري طيار والذي من المؤمل أن يصار إلى
تقارب بين المؤسستين العسكرية والمخابراتية, فأن
الوزير الجديد ميال إلى حقن الدماء وتهدئة الموقف
وَوفْقَ خطط موقرة بالخبرة والكياسة, وعليه وحتى
نترجم تلك الطموحات إلى واقع نَرتأي أن يصار إلى
تشكيل وفد من عدد متمرس من السياسيين العراقيين
وتغلب عليهم صفة الليبرالية التقنوقراطية وعلى أن
ترسم لهم الخطوط التي يتحركون بموجبها للذهاب إلى
الولايات المتحدة, ويأخذون ما سيرد في أدناه في
نظر الاعتبار وكالأتي:
1- دراسة ما ورد سابقاً من البديهيات المؤثرة في
صنع القرار الأمريكي وطمأنتهم من خلال توضيح منهاج
السياسة الخارجية بما يتلاءم والفكر الجديد
للكونكرس الأمريكي لكي نضمن تعاملهم معنى الند
للند وحسب التالي:
1-1 يتطلب من الوفد نبذ القرار الفردي واعتماد
سياسة النقد الذاتي لتصحيح الأخطاء وإشراك الشعب
في المهمات ذات الطابع المصيري سيما في الضروف
الحرجة وذلك لإعطاء الانطباع بأن الحكومة تحترم
شعبها وتحسب له الحساب مستقبلاً. 1-2 اعتماد موضوع
الاقتصاد واعتباره أولا وأخيراً وعدم التركيز على
الديانات السماوية (فهي من مهمات المساجد أو
الجوامع والكنائس وغيرها من بيوت الله عز وجل).
1-3 تبيان أسباب عدم تطور الوضع العراقي نحو
الأفضل خلال السنوات الثلاثة الماضية من الحكم
وذلك لعدم إعطاء الحكومات السابقة والحالية
الصلاحيات والإسناد الكافيين من قبل الجانب
الأمريكي, إذ نجد المسؤول الأمريكي يتدخل في كافة
القرارات وعدم السماح بالتسليح وغيرها من الأمور
التي أضعفت الدور الحكومي وعززت مكانة الإرهابيين
اللذين احتموا تحت مظلة بعض الطوائف الدينية
الإسلامية ونموا, فصاروا قوة تضاهي قوة الحكومة في
بعض الأحيان. 1-4 الاعتبار أمام الأمريكي بأن نسبة
الحزبيين الحكوميين في العراق هو بحدود 16% من
الشعب العراقي في حين أن المغيبين هم النسبة
المتبقية 84 % وهذا مرجعه إلى طريقة اختيار ممثلي
الشعب ويستدل منه بوجود تسلط فئوي أو حزبي... الخ,
وهذا يعني أن الأحزاب ضمن العهد الجديد تصارعت
فيما بينها لتستحوذ على السلطة, بيد أن هذا الصراع
قد أخذ أبعاد أخرى منها العنف والإقصاء القسري...
الخ ومن دون أن يكون ذلك الصراع بشكله الديمقراطي
من خلال التحاور والمناقشات والدعوة إلى انتخابات
نزيهة معترف بها من كافة الأطراف, ولغرض تبديد
مخاوفهم من كون الحكومة لا تستند إلى قاعدة
الأكثرية وبالتالي هي غير محببة لهم (مثل حكومات
كثيرة في أمريكا الجنوبية وأفريقيا) لذا سيصار إلى
إشراك الشعب وإعطائه الحية الكاملة في الاختيار
والمتمثلة في إلغاء فكرة القوائم الانتخابية وفتح
الحوار وتعزيز مبدأ المصالحة الوطنية وتشكيل حكومة
تمثل الأكثرية وإشراك من يرغب في التالف معها
والابتعاد عن مبدأ المحاصصة.
2- زيارة خاصة لكل من السيد جيمس بيكر وادورد كندي
(جمهوري ديمقراطي), إضافة إلى الزيارات الأخرى ذات
البعد الدبلوماسي السيدة هلري كلنتن الصاعدة
لانتخابات رئيس الجمهورية القادمة وكوندا ليسا
رايس التي بدأت بتكوين كتلة فيها ليث كبة وغيره.
كما يقتضي التعاون للاستفادة من علاقات العراقيين
القاطنين في أمريكا كما تعمل إسرائيل مثلا تستفاد
من اليهود في أمريكا الغاية الأهم لتعريف الأحزاب
الأمريكية بواقع حال العراق وبالتالي الشعب
الأمريكي برمته لشرح الوضع العراقي وما يتطلبه من
إسناد ومن دون التعرض لا من بعيد أو قريب
لإسرائيل, بل إظهار موقف الحياد في هذا المنحى ولو
بشكل مباشر... كذلك شرح موقف الحكومة من المليشيات
وضرورة إنهاء العنف المسمى بالطائفي (الواقع هو
عنف طائفة الأقلية على طائفة الأكثرية لعودة
الاستحواذ على السلطة) وإبداء الحذاقة السياسية
تجاه إيران وتركيا وموضوع الأكراد, والتركيز على
التمسك الأكيد بالديمقراطية بأعتباره موضوع غير
قابل للنقاش, وذلك من خلال نبذ الدكتاتورية والتي
لا رجعة إليها مهما كانت الظروف... وأيضاً نقل
التجربة في موضوع الانتخابات الأمريكية الخاصة
بالبرلمان ومجالس المحافظات حيث يتطلب إلغاء فكرة
القوائم وتبني صيغة (رجل واحد لصوت واحد) (One man
one vote) وهذا ينسلخ على انتخابات المحافظين
مباشرة من قبل أبناء المحافظة وأيضاً يستلزم تقليص
عدد أعضاء المجالس وفقاً للقياسات الدولية
المتطورة.
3- التشاور مع الجانب الأمريكي وعرض فكرة توسيع
التشاور مع الدول الأخرى (أوربا, اليابان, الصين,
روسيا والدول المجاورة وبقية الدول العربية
والإسلامية المؤثرة في الواقع العراقي) فأن كان
الرد الفعل إيجابي, عندها يطلب منهم استخدام
الضغوط بكافة وسائلها للتأثير على تلك البلدان
لتقديم العون المطلوب في استقرار الوضع الداخلي.
تلك كانت وجهة نظرنا ونأمل أن نكون قد وفقنا فيما
سعونا إليه وشكراً. |