القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (559) الاثنين 14 / نيسان / 2008م ـ 8/ ربيع الثاني / 1429 هـ

بترايوس - كروكر وخطر الانسحاب السريع من العراق

  ماكس بوت
إحدى النتائج المؤسفة للهجوم الذي نفذته القوات الحكومية خلال الآونة الأخيرة داخل البصرة تكمن في حقيقة أن الرسوم البيانية التي عرضها الجنرال ديفيد بترايوس والسفير الأميركي ريان كروكر، خلال مثولهما أمام الكونجرس يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، تُظهر ارتفاعاً طفيفاً في أعمال العنف بالعراق الشهر الماضي.
غير أن ذلك يمثل في الواقع الاستثناء وليس القاعدة، على اعتبار أن أعمال العنف تراجعت منذ فترة إلى مستويات ما قبل شهر مارس، وأن العراق ينعم اليوم بقدر أكبر من السلم مقارنة مع ما كان عليه الحال قبل "الزيادة" (زيادة عدد القوات الأميركية في العراق). وعلاوة على ذلك، فقد انخفضت الوفيات في صفوف المدنيين بأكثر من 80 في المئة، والوفيات الأميركية بأكثر من 60 في المئة منذ ديسمبر 2006. وأمام هذه الدلائل على النجاح العسكري الذي حققته "الزيادة"، ذهب منتقدو الجهد الحربي إلى القول إن التقدم السياسي الموعود لم يحدث. والحال أن هذا الكلام أصبح متجاوزاً أيضاً، حيث تم حل العقدة التشريعية في الثاني عشر من يناير حين مرر البرلمان العراقي قانوناً يرمي إلى تيسير إعادة إدماج "البعثيين" السابقين في المجتمع. صحيح أنه مازالت ثمة أسئلة معلقة بخصوص كيفية تطبيق هذا القانون، إلا أن الثابت هو أن البرلمان حقق اختراقاً أهم في الثالث عشر من فبراير حين مرر قانوناً حول صلاحيات المحافظات، وقانوناً يعفو عن العديد من المعتقلين (سنيين في الغالب)، وميزانية وطنية جديدة. وعلى الرغم من أن أحد نواب الرئيس العراقي استعمل "الفيتو" للاعتراض على قانون صلاحيات المحافظات، إلا أن اعتراضه سرعان ما سُحب لاحقاً ليتم اعتماد القانون من قبل مجلس الرئاسة العراقي، ويحدَّد موعد إجراء انتخابات المحافظات في الأول من أكتوبر المقبل. إذا هممنا بانسحاب سريع من العراق، فعلينا أن نتوقع حدوث أسوأ هزيمة عسكرية في تاريخ أميركا، وانتصار كبير للمتطرفين الذين سيواصلون مهاجمتنا في المستقبل. وحسب "معهد السلام الأميركي"، فـ"ربما سيتم تذكر الثالث عشر من فبراير 2008 باعتباره اليوم الذي بدأ فيه المناخ السياسي في العراق يواكب تحسن الوضع الأمني- أو بتعبير أدق، اليوم الذي اكتشف فيه الزعماء العراقيون مفتاح التوافق السياسي والمصالحة".
وبشكل عام، وحسب "فريديريك دبليو. كاجان" من معهد "أميركان إنتربرايز"، فإن الحكومة العراقية "تمكنت من استيفاء 12 معياراً من أصل المعايير الثمانية عشر التي حُددت لها، ومن ذلك أربعة من أصل المعايير التشريعية الستة الرئيسية. كما أحرزت تقدماً مهماً بخصوص خمسة معايير أخرى؛ ويظل معيار واحد فقط جامداً بالفعل". أما هذا المعيار الذي مازال استيفاؤه متعذراً، فهو قانون المحروقات، وإن كان هدفه (الاقتسام العادل للعائدات النفطية) يتحقق بحكم الواقع من خلال الميزانية. لا نقصد مما تقدم القول إن كل شيء في العراق هو على ما يرام؛ فالعراق مازال بلداً في حالة حرب، ويعاني مشاكل كبيرة سيستغرق حلها سنوات. ونتيجة لذلك، فإن لكل مؤشر على التقدم في العراق، هناك كلمة "ولكن" التي تعقبه.
فقد تكبدت "القاعدة" في العراق خسائر جسيمة خلال العام الأخير، وطُردت من محافظات الأنبار وديالى وبغداد، ولكنها مازالت صامدة في الموصل حيث تخوض القوات الأميركية والعراقية معركة صعبة ضد الإرهابيين. وقد أظهر رئيس الوزراء نوري المالكي تصميماً مرحباً به على ملاحقة المتطرفين الشيعة، ولكن هجوم البصرة أظهر أن المالكي مازال يفتقر إلى القدرة على هزم المجاميع المسلحة التي تتلقى دعما واضحاً من إيران. ثم إن تسعين ألف عراقي (معظمهم سُنيون) التحقوا بـ"أبناء العراق"، وهي منظمات أمنية تدعمها الولايات المتحدة، من أجل حماية أحيائهم من الإرهابيين، ولكن الحكومة المركزية مطالَبة بإحراز تقدم أكبر بخصوص توفير عمل طويل المدى لهم، سواء في الوظائف المدنية أو في قوات الأمن العراقية. وفي هذه الأثناء، يزداد حجم قوات الأمن (من أقل من 500000 في 2006 إلى أزيد من 600000 اليوم)، ومعه الكفاءة (رغم أن بعض العناصر غادرت الجيش في البصرة، فإن معظمها لا تهرب من القتال)، ولكنها مازالت في حاجة إلى الدعم الأميركي، وخاصة بالنسبة للمراتب الأعلى مستوى مثل القيادة والتحكم، والتغطية الجوية، والمسائل اللوجستية، وجمع المعلومات الاستخباراتية. أما من الناحية السياسية، فصحيح أن الزعماء العراقيين يظهرون قدرة مرحباً بها على عقد التوافقات، ولكن الكفاءة الإدارية تظل متدنية؛ حيث فشلت الحكومة في توفير الخدمات الأساسية التي قد يُشرع في معالجتها بعد انتخاب حكومات محلية جديدة في المحافظات.
ولعل السؤال الذي يتعين على المناوئين للجهد الحربي أن يجيبوا عليه هو: هل ستتحسن مشاكل العراق أم ستسوء إذا نحن سحبنا قواتنا منه؟ الواقع أن القليلين جداً ممن قضوا وقتاً في العراق يستبعدون أن يتسبب انسحاب أميركي في الفوضى، التي قد تجعل القتال الأخير الذي دار في البصرة يبدو كما لو أنه كان نزهة. ثم إن ذلك لن يشكل وصمة عار لنا فحسب (قد نصبح مسؤولين بشكل غير مباشر عن الإبادة الجماعية) وإنما انتكاسة استراتيجية كبيرة أيضاً لأنه قد يزعزع استقرار المنطقة برمتها. إن النصر -الذي يُعرف في هذه الحالة كدولة ديمقراطية لا تضطهد شعبها، ولا توفر ملاذاً للإرهابيين، ولا تنشر أسلحة الدمار الشامل، ولا تهدد جيرانها- يظل قابلاً للتحقيق إذا نحن أصغينا إلى نصيحة "بترايوس" و"كروكر"، وقاومنا الأصوات المنادية بسحب قواتنا من العراق بسرعة. أما إذا تجاهلنا تحذيراتهما وهممنا بالانسحاب، فلنتوقع حدوث أسوأ هزيمة عسكرية في تاريخ الولايات المتحدة، وانتصار كبير للمتطرفين من السُّنة والشيعة الذين سيواصلون مهاجمتنا في المستقبل.

إطـلالة على المشهد الباكستاني

  ممدوح طه
بفوز تحالف أحزاب المعارضة الرئيسية بأغلبية كبيرة في الانتخابات التشريعية الأخيرة في باكستان على تحالف أحزاب الموالاة للرئيس الباكستاني، دخلت باكستان الإسلامية مرحلة جديدة من المواجهة السياسية في بلد أصبح له رئيسان الأول للجمهورية والثاني للحكومة لا يتفق أحدهما مع الآخر بل يسعى كل منهما للإطاحة بالآخر، ليس فقط لاختلاف التوجه السياسي لكل منهما، وإنما للميراث الطويل من الخصومة والاتهامات المتبادلة خصوصا بعد الأحداث المأساوية باغتيال الزعيمة المعارضة بنازير بوتو زعيمة حزب الشعب الباكستاني واتهام الحزب للرئاسة بالتورط فيها . وبتشكيل الحكومة الباكستانية برئاسة أحمد جيلاني بناء على نتائج هذه الانتخابات بالائتلاف بين الحزبين الرئيسيين المعارضين، حزب الشعب الفائز بالأغلبية بزعامة آصف زرداري زوج الراحلة بوتو، مع الحزب المعارض الرئيسي الثاني الرابطة الإسلامية بزعامة نواز شريف رئيس الوزراء الباكستاني المنتخب الأسبق والذي خرج عليه رئيس أركانه الجنرال برويز مشرف بانقلاب عسكري استولى به على السلطة بدون انتخاب، فإن العيون تتركز الآن على ما بعد مشاهد الانقلاب الدراماتيكي، والاغتيال الدراماتيكي، والمشهد الانتخابي إلى مجمل المشهد السياسي الباكستاني الجديد. هذا المشهد الجديد الذي قلب المعادلة السياسية القائمة لنظام الجنرال مشرف المدعوم من الإدارة الأميركية والأقل شعبية، والأضعف قوة سياسية، أتى بمعادلة جديدة ليست في صالح مشرف، وليست كما تشتهي الرياح الأميركية التي تعتمد على مشرف فيما تسميه "الحرب على الإرهاب". وذلك حين تشير النتائج الانتخابية إلى تصاعد الرفض الشعبي في باكستان الإسلامية لكل ما جرى من مشاهد غير ديمقراطية وغير استقلالية ومتعارضة مع رؤى القوى السياسية الديمقراطية والإسلامية معا، ليضع الواقع الجديد أكثر من علامة استفهام حول المستقبل السياسي لهذا النظام، ويقلص تأثير الضغوط الأميركية على السياسة الباكستانية. لقد بدا لافتا أن الائتلاف الحكومي الجديد هو امتداد للتحالف السابق على الانتخابات بين الزعيمين الكبيرين: بنازير العلمانية وشريف الإسلامي الذي تأسس في لندن، وتعزز في إسلام أباد لاستعادة مسيرة الديمقراطية الباكستانية التي قطع انقلاب الجنرال مشرف مسارها، معيدا الذكريات السابقة لفترات الحكم العسكري والانقلابات على الحكومات الديمقراطية. كما بدا لافتا أن رئيس الحكومة الجديد رئيس البرلمان السابق خرج من سجن مشرف إلى الحكم في مواجهة مشرف، و كان قراره الأول بإعادة القضاة المفصولين رسالة مضادة لمشرف، وأن شريف مصمم على أن سحب الشرعية عن مشرف، كما بدا لافتا ذلك التوتر العلني والمكتوم من بعض وزراء الحكومة الجديدة الذين علقوا شارات سوداء، ورفضوا تناول الغداء مع مشرف بعد أداء اليمين، فإلى ماذا ستقود هذه البداية؟ لقد تعثرت الديمقراطية في السابق بسياسة الأحلاف الإقليمية التي حاولت أميركا وبريطانيا فرضها على المنطقة من خلال حكومات موالية لها على عكس إرادة شعوبها في إطار الحرب على الشيوعية إبان الحرب الباردة بين المعسكرين، كما واجهت الانتكاسات بمسلسل الانقلابات العسكرية الباكستانية بدءاً بانقلاب الجنرال أيوب خان، ومرورا بالجنرال يحيى خان، والجنرال ضياء الحق، وانتهاء بالجنرال مشرف. ولفت النظر أن أميركا الديمقراطية كانت الحليف والداعم الرئيسي للدكتاتورية العسكرتارية الباكستانية! وربما نتذكر أن باكستان لم تبدأ مسيرتها الديمقراطية بعد الاستقلال إلا بأول انتخابات حقيقية جرت عام 1970، والتي فاز فيها الزعيم الباكستاني الراحل ذو الفقار علي بوتو واختلف فيها مع الفائز الثاني الزعيم البنغالي الشيخ مجيب الرحمن حول الدستور. وانتهى الصراع السياسي بمأساة دراماتيكية انقسام باكستان إلى شرقية وغربية بتدخل هندي مباشر ودعم غربي سياسي، ومنذ ذلك الوقت مازالت التجربة الديمقراطية الباكستانية تواجه الانتكاسات، وكردود فعل لذلك تواصل الأحداث الدراماتيكية سيرها بما هو أسرع من الديمقراطية. فهل سيكون المشهد الجديد الذي مازال تحت الاختبار هو البداية الجديدة الأكثر استمرارا لهذا التحالف الديمقراطي أم تنقلب الصورة الباكستانية مرة أخرى بالانقلاب على الديمقراطية باسم الديمقراطية ؟!

حـروب أمـريكـيـة جديـدة أو الإفـــلاس
إميل أمين

 في إطار الاستعدادات لفصل جديد من فصول الحرب، سربت وكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية CIA الأيام الفائتة صورًا لأهداف إيرانية مرصودة للانقضاض عليها ضمن سيناريو يتجاوز تأخير سعي إيران في امتلاك السلاح النووي ليصل إلى فكرة إعادة إيران عدة قرون للوراء.هل هذا حديث جديد؟ بالمطلق لا، في حين يبقى التساؤل من يقف وراء إذكاء نيران الحروب في الشرق الأوسط خاصة، وحول العالم كافة، بصورة تكاد تكون منتظمة وإن تسارعت وتيرتها مؤخراً، فعوضاً عن حرب كل عشر سنوات تم اختصار الفترة إلى خمس سنوات تقريبا؟ الجواب هذه المرة عند الكاتب والمؤلف الفرنسي الشهير فرانسوا ميسان وعبر كتابه المثير "شبكة كارلايل.. ممول الحروب الأمريكية"، ماذا عن تلك الشبكة؟باختصار غير مخل هي إحدى أذرع الحكومة الأمريكية الخفية التي تدير الولايات المتحدة الأمريكية لحسابها ولا تغدو أي إدارة رسمية جمهورية أو ديمقراطية إلا كالدمى بين أيديها مما يعود بنا بداية وقبل الحديث عنها إلى ايزنهاور وخطاب الوداع.كان ذلك في صبيحة السابع عشر من يناير من العام 1961 قبل تركه منصب الرئاسة بثلاثة أشهر، وفيه أشار بالتصريح لا بالتلميح للمخاوف الحقيقية المحدقة بأمريكا والمتمثلة في حصول "المجمع العسكري الصناعي" على نفوذ غير مشروع في البلاد، واعتبر الرجل أن ظهور قوة على هذا النحو أمر كارثي، واستمراره يعني الإجهاز على الحريات المدنية والعملية الديمقراطية، ولن يكون العسكر وقتها سوى أدوات الأذرع الخفية لمصانع الأسلحة وتجمعات صناع القرار والأفكار بشأنها.والناظر بعين العناية لأحوال الولايات المتحدة منذ العام 2000 يجد أن إنذار ايزنهاور قد ذهب سدى، فالسلطة سمحت إن لم تكن شجعت البنتاجون على أن يضع نفسه بين أيدي الشركات الخاصة لصناعة السلاح وجماعات المال التي تديرها مثل شبكة كارلايل والتي تعتبر جهاز تأثير وآلة مضاربة مالية في الداخل الأمريكي، وتقضي خطة صندوق الاستثمارات المالية لها بأن يحتل قطاع الصناعات العسكرية مركز الصدارة بين أولوياتها.وبحسب المعلن عنه وهو قليل بجانب الخفي في مسيرة شبكة كارلايل فإن أعضاءها من علية القوم في المجتمع الأمريكي، مديرون عامون لشركات تصنيع السلاح، ومسؤولون عن شركات المرتزقة، وشخصيات من وزارة الدفاع الأمريكية. أما العدد الأكبر فهم محامون ومستشارون للرئيس بوش في مختلف المجالات، ما يؤكد أن الشبكة أكبر بكثير من مجرد شركة استثمار مالي، إنها نادٍ يضم العديد من المسؤولين السياسيين والعسكريين، الذين يمتازون بشدة تهافتهم على تحقيق أكبر المكاسب في أقصر الآجال، وقد اختاروا لهذه الغاية أحسن المصادر، النفط وتجارة السلاح، ولهذا كان من الطبيعي أن ينصب اهتمامهم الحالي على الخليج العربي وإذكاء نيران الحروب في الشرق الأوسط.أما المؤسسون لتلك الشبكة فهم أربعة تدلل أسماؤهم على عمق علاقاتهم الخفية بالاليجاركية والصهيونية العالمية المالية منها والسياسية، "ستيفن نوريس" و"ديفيد روبنشتاين" و"دان دانييللو" ثم "ويليام كونواي" وكل منهم أسطورة في عالم المال وول ستريت، وقد أشعلت نجاحاتهم الشخصية السريعة والمتتالية نار جشعهم إلى درجة أن قرروا توحيد كفاءاتهم ودفاتر عناوين عملائهم واختاروا في العام 1987 اسم الفندق الشهير "كارلايل" الواقع في "جادة ماديسون" في نيويورك عنواناً.وفي أقل من عام على التأسيس كانت الشبكة تحتل مكانها بين المؤسسات الخمس الأولى في عالم المال والاستثمار بنيويورك، خاصة وأن هذه الشركة الوليدة لا تعرف حدّاً، لا في كمية ولا في طبيعة ما تبيعه، من الدبابة إلى الشقة السكنية الفاخرة، ومن شبكات الهاتف إلى خطوط أنابيب النفط الخام. وبحسب فرانسوا ميسان فإن زبائنها تنوعوا من وزارة الدفاع الأمريكية إلى كوريا الجنوبية، وفي هذه السياقات لا توجد شبهة مبالغة في القول إنها تحتل مركز القرار السياسي للولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي أصبحت قريبة من مركز الإعصار الذي ينفث باستمرار نحو البيت الأبيض منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.والشاهد أن الشبكة قد حرصت ونبهت أعضاءها إلى ضرورة البعد كل البعد عن وسائل الإعلام على الأقل في السنوات الأولى لنشأتها، وحتى لا تفتح الملفات المغلقة عن علاقاتها الثلاثية المشبوهة ما بين عائلة الرئيس بوش والمقربين منها وأطراف عربية وشرق أوسطية، ورغم ذلك فإن العديد من البرلمانيين ورجال السياسة والاقتصاد الأمريكيين كانوا قد بدأوا يلحون في طرح تساؤل حول العلاقات المثيرة للشبهة والجدل بين صناعة السلاح الأمريكية والسلطة المركزية من جهة وبين مساهمين شرق أوسطيين وبعض الأطراف الدولية الأخرى.غير أن زلزال عام 1989 وسقوط حائط برلين دعا لتأجيل النقاشات، ذلك لأنه في تلك السنة أعلن وزير الدفاع الأمريكي ديك تشيني اقتطاع 180 مليار دولار من ميزانية البنتاجون، والسبب واضح لم تعد هناك حرب باردة بعد.كان الأمر مدعاة جذرية لأن يسيطر القلق على إدارة كارلايل، غير أن وجود أحسن الأصدقاء في أعلى المناصب وكون آل بوش يقطنون البيت الأبيض، وتشيني رجل هاليبرتون يسيطر على مقدرات البنتاجون، جميعها كانت مكاسب كبيرة كافية لتبديد مخاوف الشبكة، وجاءت حرب العراق وعاصفة الصحراء عام 1990 لتنقذ أعمال الشبكة من حالة الكساد، بعد أن أضحى النفط العربي قاب قوسين أو أدنى من سيطرتها، وباتت مصانع السلاح تعمل ليل نهار لتعويض الفاقد ولتدور عجلة الاقتصاد الأمريكي على أحسن وجه، فيما يحقق الشركاء أعلى نسب أرباح في تاريخ المجموعة في ظل برميل نفط ثمنه لا يتجاوز 12 دولاراً ما جعل إدارتي بيل كلينتون تشهدان ازدهاراً اقتصادياً غير مسبوق.هل التاريخ يعيد نفسه؟ الكساد والانهيار الاقتصادي يكاد يضرب أركان الإمبراطورية المنفلتة بحسب تعبير المؤرخ البريطاني "اريك هوبسبوم"، وديك تشيني رئيس الظل يطوف في المنطقة الشرق أوسطية، والأساطيل البحرية لأول مرة منذ عام 2003 تتواجد على ذلك النحو المنذر بالحرب.هل تم اتخاذ القرار؟ يبدو أن شبكة كارلايل وأذرعها الأخطبوطية بالتعاون مع شبكات مماثلة قد وضعت خارطة جديدة لم تتضح علاماتها في الأفق بعد، وإن باتت في حكم المؤكدة باعتراف الجنرال ليونيد ايفاشوف نائب رئيس أكاديمية العلوم الجيوبولتيكية الروسية، أنها الحرب، حرب كارلايل والمجمع الصناعي العسكري الأمريكي، وإلا دونها سيتم إشهار إفلاس الإمبراطورية الأمريكية وكارلايل على الملأ.

بؤس فكر القاعدة وممارساتها
حازم مبيضين

 تتواتر الأنباء حول نشاطات ذات طابع إرهابي عنيف تعصف بالعديد من مناطق العالم ابتداء من اليمن وانتهاء بالصين وهي جميعها منسوبة إلى الاسلام السياسي الذي يرى في فكر قاعدة أسامه بن لادن هاديا ومرشدا ودليلا، فبعد الهجمات المتكررة في اليمن ضد المصالح الغربية أتت انباء المغرب العربي محملة بغبار معارك الاسلامويين ضد الأمن والاستقرار ووصل هؤلاء إلى الصين، لا ليطلبوا فيها علما وإنما لنشر العنف والموت والدمار ولون الدم فيها بدلا من العلم، وليضيفوا نقطة سوداء جديدة إلى الصورة القاتمة المرسومة لدين المحبة والتسامح والسلام في الكثير من أرجاء هذا العالم نتيجة (الإرهاب) المتمسح باذيال الدين، والذي تبدى بأشد صوره بشاعة في الهجمات الإرهابية ضد برجي التجارة العالمية في نيويورك، دون أي إحساس بالمسؤولية أو حساب للنتائج التي تتوالى سوءاً على كل دنيا الاسلام، حيث وجد.
والواضح أن هذا الانتشار في عمليات الإرهاب القاعدي، ومحاولة لفت الأنظار في جهات الأرض الأربع، من باكستان إلى افغانستان مرورا بلبنان، جاء بعد الضربات القاتلة لهذا التنظيم الإرهابي في العراق الذي تمرد مواطنوه على فكره الظلامي المتزمت، ورفضوا الممارسات المستهجنة منه ضد حريات الانسان، مثلما رفضوا وجهة نظره تجاه أبناء الطائفة الشيعية من المسلمين، بعد أن اعتبرهم كفرة وسماهم بالروافض وشن ضدهم حربا كادت تصل ببلاد الرافدين إلى حرب أهلية بشعة، وأدى هذا الرفض الذي أخذ طابع العمليات المسلحة والمنظمة من قبل المواطنين المسنودين بقوة الدولة إلى انحسار واضح في نفوذ التنظيم بعد أن غادره كثيرون ممن غرر بهم من العراقيين بحجة مقاومة الاحتلال، مثلما أدى ذلك إلى مغادرة العديد من المقاتلين العرب في صفوفه إلى ساحات قتال أخرى يستعرضون فيها وحشيتهم، ويواصلون الاساءة إلى الاسلام الذي يدعون زورا وبهتانا أنهم يقاتلون لإعلاء رايته.
تجربة القاعدة التي أثبتت فشلها في العراق، بعد محاولتها استغلال الوضع الناجم عن سقوط صدام حسين بالطريقة التي نعرفها والضرب على وتر الدين والجهاد تؤشر إلى ضرورة الالتفات إلى التوعية الدينية المتنورة، وشرح اصول الدين، والشد على يد من يرون فيه دينا للتسامح والوسطية والاعتدال، والتعايش السلمي مع الآخرين، واحترام الديانات السماوية التي حذرنا القرآن من الكفر بها، مثلنا حذرنا من محاولة المس بالانبياء الذين سبقوا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في ابلاغ رسالاتهم السماوية، ويستدعي كل هذا خططا محكمة تبدأ بالمدرسة ولا تنتهي بخطباء المساجد الذين يستغل بعضهم منابر رسول الله للدعوة إلى غير ما بشر به، مثلما تستدعي من أجهزة الاعلام التنبه إلى خطورة إبراز فكر هذا التنظيم الارهابي، كما تقوم به بعض القنوات الفضائية المشبوهة.
نثق بأن في عالمنا الاسلامي من الخيرين من هو قادر على مواجهة القاعدة بالحجة والموعظة الحسنة، وبنفس الدرجة نثق بأن فيه من هو قادر على حمل السلاح والمواجهة دفاعا عن الدين الحنيف من محاولات التشويه ، مثلما نثق بأن تنظيم القاعدة الارهابي سيخرج من تاريخنا مثلما خرج قبله الحشاشون ، وسيظل الاسلام نقيا كما أراده الخالق، وبشر به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وسوف تتكرر تجربة الارهاب القاعدي المندحر في العراق، بعد إجباره على اللجوء الى المتخلفات عقليا حين نفذ مخزونه من الرجال المغرر بهم ، في كل الساحات التي يحاول أن ينشط فيها، والتي ليس من بينها فلسطين، لحسن حظ الفلسطينيين ، وليرى كل من يملك عينين في رأسه بؤس ادعاءات ابن لادن ومن لف لفه بأنهم يحاربون دفاعا عن الاسلام متناسين أن أولى القبلتين وثالث الحرمين واقع تحت احتلال صهيوني منذ اكثر من أربعين عاما.

ابراهيم الداود: انا قائد ثورة 17 تموز 1968 والبعث سرقها مني
صلاح عمر العلي كان لا يعرف لماذا اخترت يوم 17 تموز موعداً للانقلاب

 الحلقة الخامسة
غسان شربل
ما عاشه العراق في العقود الثلاثة الماضية هو نتيجة جريمة غير مقصودة ارتكبها قائد الحرس الجمهوري ابراهيم الداود. لو لم يفتح ابواب القصر لما نجح البعثيون في اسقاط عبدالرحمن عارف والعودة الى السلطة. وكان اول ما فعلوه هو إطاحة الداود وحليفه عبدالرزاق النايف. واضاف: قتلوا النايف لاحقاً اما الداود فيلتزم صمتاً مطبقاً ويعيش مع مشاعر الغضب والندم. ضاعف كلام السياسي العراقي البارز رغبتي في اخراج الداود من صمته. كان ذلك في 30 تموز (يوليو) 1968. نفذت قيادة البعث قراراً كانت اتخذته قبل يومين من استيلائها على السلطة في 17 من الشهر نفسه. دخل صدام حسين وصلاح عمر العلي بالرشاشات الى مكتب الرئيس احمد حسن البكر. شهرا السلاح في وجه رئيس الوزراء عبدالرزاق النايف ودفعاه الى المنفى. في اليوم نفسه ابلغ عضو مجلس قيادة الثورة وزير الدفاع الفريق الركن ابراهيم الداود خلال وجوده في عمان، بتجريده من كل مناصبه. حاول العودة عنوة فهددوا بإسقاط طائرته ودفعوه الى المنفى.
ذات يوم، وفي احدى محطات سلسلة "يتذكر"، سألت الرجل الجالس قبالتي من قتل فلان؟ بهدوء كامل وتهذيب جم طلب وقف آلة التسجيل فتجاوبت. قال: "أنا قتلته". انتابني شيء من الاستغراب. فلاسم القاتل رنين ولاسم القتيل دوي. أضاف: "لم اقتله أنا شخصياً، أرسلت من قتله. هذه ليست للنشر. انها لمعلوماتك. لا أريد الآن إيقاظ الملفات. هناك من ينتظر سانحة لتحريك القضاء ضدي وتحريك الخارج أيضاً".
حزنت لضياع سبق صحافي وحرفت الموضوع في اتجاه آخر. سألت الرجل: "كيف تنام في صورة طبيعية ألا تزورك جثة القتيل أحياناً وتعكر عليك مزاجك حتى وإن نجحت في محو البصمات التي تدينك؟" أجاب: "ليس من حق سياسي قول ما سأقول لكنني سأفعل. الازعاج يأتيك فقط من القتيل الأول. الجثة الأولى مقلقة ومربكة. بعدها عليك أن تقرر إما الخروج من اللعبة وإما الاستمرار فيها. الخروج يعني التقاعد والظل. الاستمرار يعني الحضور والمخاطرة بأن تكون أنت أيضاً مشروع جثة".
لم تكن المرة الأولى التي تتكشف فيها أسرار جثة على يد المرتكب ويتعذر اشراك القراء في انجازه. لكن الحديث عن القتل بسلاسة قاتلة ورصانة "أكاديمية" ازعجني. وشعر المتحدث بوجوب الشرح: "أنت لم تجرّب السلطة لتدرك تماماً ما أقول. ولا أتحدث هنا عن البلدان التي تعيش في ظل ديموقراطيات عريقة وصناديق اقتراع. أحياناً تجد نفسك أمام خيار وحيد: الغاء شخص لئلا يلغيك. تقتله لئلا يقتلك. تحوله جثة قبل أن يحولك جثة. انه عالم قذر. تقول في نفسك. انه قذر فعلاً. لعبة السلطة قاسية بطبيعتها".
سألته هل يمكن مثلاً ان تتخذ قراراً بشطب رجل كان رفيقك في القضية وشريكك في اللحظات الصعبة؟"، أجاب: "راجع تاريخ الثورات والانقلابات. غالباً ما يأتيك الخطر من الحلقة الضيقة. من "الرجل الثاني". من الذي كان يمدحك ويصفق لك. تحاول تقليم أظافره وضبط شهيته وتطويقه لتعطيل فاعليته. ترتب له الكمائن لتنهيه. أحياناً تنجح وأحياناً يجانبك النجاح فيصبح لا بد من اتخاذ القرار المؤلم".
عادت الى بالي تفاصيل هذا الحوار الذي قد لا يصل الى المتحدث. عادت الى بالي وأنا اقلّب مع متحدثين صفحات من تاريخ العراق الجمهوري الحافل بهذا النوع من الولائم. صحيح ان صدام حسين حوّل هذه الممارسات نهجاً ودفع شعباً بكامله الى معاهد الرعب. لكن الصحيح أيضاً هو أنه لم يكن أول عاشق للجثث وان كان الأغزر انتاجاً والأخصب مخيلة. ولم يخطئ السياسي العراقي الذي قال لي: "منذ عقود ودجلة يبصق دماً". وللأسف فإن المتحدث النادم كان شريكاً في دس الجثث بين صفحات النهر الهارب بين كواحل النخيل.
أكاد اذهب بعيداً وأضل طريقي. حملت الجمهورية العراقية على اكتافها جثث مجزرة "قصر الرحاب" ولن تعوزها الجثث كلما صدح البيان الرقم واحد وانتقلت الاذاعة الى أيدي المنقذين الجدد المنهمكين بمحو آثار "العهد البائد". "ماكو زعيم إلا كريم". القائل ضابط متحمس لعروبته. اسمه عبدالسلام عارف. فرض على عدد من "الضباط الأحرار" التسليم بقيادة قائده الزعيم عبدالكريم قاسم. وفي 14 تموز (يوليو) 1958 سيقلب الرجلان صفحة في تاريخ العراق وسيفتحان صفحة صعبة ومريرة. صباح ذلك اليوم ستتقدم قوات عارف الى بغداد. سقطت الاذاعة في يده فأذاع البيان الأول. وقبيل الظهر سيدخل قاسم العاصمة العراقية.
انتصرت الثورة. "ماكو زعيم إلا كريم". لن يشذ قاسم عن القاعدة. نظيف الكف. لن يمد يده الى الخزينة. لن يشتري بيتاً ولن يعمر قصراً. لكنه المنقذ. وفي عهد المنقذ لا مجال لشركاء. لا يتسع المكان لاثنين. ولم ينجح عارف في إخفاء لعابه. يخطب وينفعل ويجاهر. ويريد لقاسم دوراً شبيهاً بدور محمد نجيب. يريد لنفسه دوراً شبيهاً بدور جمال عبدالناصر.
كانت أسباب الخلاف كثيرة. أين مجلس قيادة الثورة الذي اتفق على قيامه؟ وأين الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة؟ وقبل كل ذلك من سيذهب الى التاريخ بوصفه صانعاً للثورة. وهكذا يبدو ان صدام لم يكن أول مريض بالتاريخ على ضفاف دجلة لكنه كان المريض صاحب الاسنان الطويلة. بضعة شهور كانت كافية لتأكيد استحالة التعايش والتساكن. باكراً راح قاسم يقضم ألقاب عارف وصلاحياته. طفح الود المفقود. أبعده، وحين عاد فتح له أبواب السجن وتكرّم عليه بعدم تنفيذ حكم الاعدام الصادر عليه.
في 9 شباط (فبراير) 1963 سيلتقي الرجلان مجدداً في استديو اذاعة بغداد. كان البيان الأول الجديد قد صدر. جاء البعثيون بحليفهم ولم ينجح الشيوعيون في حماية حليفهم. وصل الزعيم منزوع الرتب ووجد حشداً في استقباله لمعاقبته لا للترحيب به. المنتصرون كانوا في انتظاره وفي طليعتهم عارف وحازم جواد وعلي صالح السعدي وصالح مهدي عماش وغيرهم.
كان اللقاء بين الرفيقين مشهداً تاريخياً فعلاً. عارف العصبي الشامت يريد انتزاع اعتراف من الرجل الخاسر. سأله مرات عدة من صنع الثورة ومن كتب بيانها الأول. اعتقد عارف بأن التاريخ حاضر في استديو الاذاعة ويحمل قلما. واعتقد قاسم بأن التاريخ حاضر أيضاً. لا شيء يوازي غرور الرجل الأول غير قسوة الرجل الثاني حين يسدد طعنته. لم يجب قاسم. تحول جثة ولم يعترف للضابط المتهور بأنه الصانع والمهندس، بأنه القائد. ذكّره بأنه لم ينفذ به حكم الاعدام، وطلب ان يغادر الى خارج البلاد. لم يقبل عارف. رفاق السلاح يحبون تصفية الحسابات حتى النهاية. يحبون اغلاق الدفاتر. للخاسر في حروب السلطة في العراق مكان وحيد يلجأ اليه. مكان وحيد آمن هادئ. مكان اسمه... القبر!

السلـطـة الـقـومـيـة وممـارسة نـظـرية المـوت فـي الـعراق
منح صدام أمير الكويت جابر الأحمد وساماً رفيعاً وعاتب أمير الكويت صدام لتأخره في تلبية دعوته
الملــك حسين لعب دوراً مهماً في تشجيع العراق على خوض المواجهة مــع ايـران

 الحلقة الثالثة
البينة الجديدة
الملك حسين وصدام حسين... زمن العلاقات الدافئة. خلال مراسم تشييع القائد الفلسطيني وديع حداد، في بغداد في 1978، استرجع الرجلان ذكرياتهما مع الراحل على مقاعد الجامعة الأميركية في بيروت. كان اسم الأول جورج حبش الأمين العام لـ(الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) والثاني حامد علوان الجبوري وزير الدولة العراقي للشؤون الخارجية. وينقل الجبوري عن حبش قوله يومها انه رأى حداد، الطالب الخجول الوديع سابقاً، يصفع كارلوس ولا يجرؤ الرجل الذي يهز العالم على الاعتراض
شاركت في القمة العربية في بغداد في أيار (مايو) 1990 قبل شهرين من الغزو العراقي للكويت، كيف كانت العلاقات؟
ـ كانت العلاقات في تلك الفترة طبيعية على الأقل في الظاهر. منح صدام أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد وساماً رفيعاً. وعاتب أمير الكويت صدام لتأخره في تلبية الدعوة التي وجهها اليه مرات عدة وقال له: "صار دورك الآن ان تزورنا". فرد عليه: "ان شاء الله يجي وقت نزورك".
لم يكن أحد آنذاك يتوقع ان يعبر الجيش العراقي في آب (اغسطس) الحدود الدولية ليجتاح الكويت. طبعاً كان هناك قبل الغزو حديث عن أسعار النفط ولوم للكويت والامارات. وكانت لدى صدام مرارة نتيجة شعوره بأن العراق دافع عن دول المنطقة وخرج من حربه مع ايران مثقلاً بالديون. كان يعتقد بأنه حقق انتصاراً كبيراً وأن بعض دول الخليج يتواطأ مع دول كبرى لإضعافه وإنهاك نظامه وضرب الدور الذي بذل الكثير من أجل انتزاعه.
سوء التفاهم مع القذافي
والعلاقة مع العقيد معمر القذافي؟
- كانت سيئة. طبعاً العقيد القذافي تطلع الى دور كبير بعد غياب جمال عبدالناصر. أسلوبه جعله محط اهتمام وسائل الإعلام الى درجة أنه تحول نجماً. اعتبر صدام ان القذافي ليس مؤهلاً لمثل هذا الدور. قال صدام هذا الكلام وقال أكثر.
في السبعينات، وبعد سنوات من ثورة الفاتح، جاء الزعيم الليبي الى بغداد. وخلال الزيارة كنا معه في حديقة قصر الضيافة. جاء صدام، وكان السيد النائب، للسلام عليه. لم يظهر القذافي اهتماماً حتى وصل صدام اليه. من يعرف صدام يعرف أنه لا يقبل مطلقاً مثل هذا التعامل. صحيح أن لقبه "الرجل الثاني" لكنه كان يعتقد بأنه أهم من الرجل الأول. في وقت لاحق تحدث صدام عن الزعيم الليبي بعبارات ساخرة من نوع من هو هذا القذافي؟
الشاذلي بن جديد: سر مقتل الوزير.
في مؤتمر القمة العربية في بغداد تأخر بدء الجلسة الافتتاحية بسبب تأخر القذافي في الحضور. طبعاً للقذافي أسلوبه في المشاركة في القمم واجتذاب الأضواء خلال انعقادها. امتعض صدام. وقال القذافي حين وصل: ذهبت لأزور جدي الإمام موسى الكاظم. خلال الجلسة طلب القذافي الكلام فقال صدام بشيء من التهكم: "الكلمة الآن للأخ العقيد معمر القذافي رئيس الجماهيرية الليبية ولا أذكر بقية الاسم (والتفت إلى القذافي وقال له) أكمله أنت". وضجّت القاعة بالضحك.
العلاقة الخاصة
* كيف كانت علاقة صدام مع الملك حسين؟
- كانت علاقتهما قوية وكان الملك حسين يعامل صدام كزعيم كبير. سأقول لك أمراً يصعب تصديقه. أول قذيفة من مدفع دبابة اطلقت في الحرب العراقية ـ الايرانية أطلقها الملك حسين.
< كيف حدث ذلك؟
- كان ذلك في 22 أيلول (سبتمبر) 1980. صعد صدام والملك حسين الى دبابة قرب خطوط النار. العاهل الأردني صاحب خبرة. بارك الحرب باطلاق أول قذيفة.
< هل أنت متأكد من هذه الحادثة؟
- نعم أنا متأكد. كان للملك حسين دور كبير في تلك المرحلة. وكانت زياراته شبه اسبوعية ومعظمها غير معلن.
< كيف كان صدام يستقبل الملك حسين؟
- بحميمية كاملة، ويخاطبه قائلاً: "يا ابن العم".
< وماذا أيضاً؟
القذافي: سوء تفاهم دائم.
- أنا اعتقد بأن الملك حسين لعب دوراً مهماً في تشجيع العراق على خوض المواجهة مع ايران. كان من المهم لأميركا وأوروبا كسر الموجة الاسلامية التي اطلقتها الثورة الايرانية. لقد تلقى صدام حسين في تلك الحرب أشكالاً من الدعم الدولي والعربي. الأميركيون قدموا معلومات استخبارية وصوراً جوية للحشود الايرانية. أنا تسلمت قسماً من الصور من سفير عربي في بغداد. مصر كانت تبيع العراق اعتدة بالعملة الصعبة وأضعاف ثمنها الحقيقي.
موعد غريب
أعود الى مسألة غريبة حصلت معي في الأردن: كنت سفيراً في تونس ومررت في عمان في طريقي من بغداد الى مقر عملي. كان ذلك عام 1992. كنت في الفندق في عمان مع زوجتي حين تلقيت اتصالاً: "ان جلالة الملك يريد أن يراك غداً". اعتذرت وقلت انني سأغادر عمان في اليوم التالي. لم يكن ثمة ما يبرر اللقاء. أنا سفير في تونس وللعراق سفير في عمان، وإذا كان الملك حسين يريد ايصال رسالة فالقنوات الرسمية الطبيعية موجودة ومعروفة. اعتذرت، وإذ بي أتلقى اتصالاً جديداً يقول ان الملك ينتظرك بعد ساعة. لم يعد هناك خيار أمامي. وقلت انه يريد بالتأكيد قول شيء لا يريد قوله لنوري الويس سفير العراق في عمان والذي كان متغلغلاً في الحكومة الأردنية والطبقة السياسية والأوساط الحزبية والإعلامية.
الخميني: كره متبادل مع صدام.
جاءتني سيارة وأخذتني الى البلاط. ادخلت من الباب الخلفي. مدير المكتب قدم إلي القهوة وأبلغني ان الملك جالس مع الشريف زيد بن شاكر رئيس الديوان. خرج زيد وتعانقنا ودخلت على الملك. على مدى ساعة ونصف ساعة لم أفهم ماذا يريد الملك. تلميحات بشأن صدام من دون التورط في كلام واضح. ومن جملة ما قاله ان قبيلة الجبور الكبيرة والمحترمة حملت صدام على أكتافها فهل تكافأ بإعدام عدد من أبنائها! وسألني عن مستقبل العراق. كلام من هذا النوع ولكن من دون مواقف ملموسة. بعدها سألني: "تأمرنا بشيء". فأجبت: "جلالة الملك، ليس لدي ما أطلبه لشخصي، كل ما أتمناه هو أن تشمل برعايتك ابناءك العراقيين الذين اضطروا الى مغادرة وطنهم". فرد مؤكداً انه يعتبرهم ابناء له. قلت له: "اننا لا ننسى ما حل في العراق بعائلتكم الكريمة"، فدمعت عيناه. طبعاً الملك حسين كان يحب الملك فيصل الثاني محبة قوية، لكنه لم يكن يحب عبدالاله خال الشريف علي الذي يحاول استعارة شرعية ممن لا شرعية له.
غادرت ولم أفهم سبب الإلحاح على اللقاء. صرت في وضع محرج. يجب علي كسفير أن أقول لسلطات بلدي ما حصل معي. ترددت، فمجرد الابلاغ سيثير شكوك صدام. قررت أن أسكت على رغم مخاوفي من أن تتسرب حتى من داخل الديوان الملكي. والواقع ان تلك الحادثة كانت بين الأسباب التي جعلتني أخشى العودة الى بغداد. حدث ذلك في 1992 وفي السنة التالية تركت منصبي.
< والعلاقات مع السعودية؟
- بأمانة كاملة أقول انها كانت جيدة وبدا لي ان صدام يكن تقديراً للسعودية وقيادتها. لم أسمع منه أي اساءة. ما حدث بعد غزو الكويت لم أكن شاهداً عليه.

الحركه الطلابيه العراقيه..تأريخ حافل و نضالات مشهودة

 قحطان المعموري
لعبت الحركه الطلابيه العراقيه ولعقود عديده أدواراً نضاليه متميزه في تاريخ الحركه الوطنيه عموماً. وقد تنوعت هذه الأدوار وأتخذت أشكالاً متعدده تتناسب وطبيعة الصراعات السياسيه القائمه في كل فتره من فترات التاريخ السياسي العراقي الحديث. وكان لتأثير الحركه الوطنيه الكبير على الطلبه كونهم جزء من النسيج الوطني العراقي دوراً كبيراً في بروز نضالات الطلبه الوطنيه والتي تجاوزت المطالب المهنيه لهم . وقد تجلى ذلك في مساهماتهم في الأحتجاجات والتظاهرات والأضرابات الجماهيريه ذات الطابع الوطني العام .
يمكن القول بأن النضالات الطلابيه المهنيه والوطنيه على حدٍ سواء وحتى عام 1948 قد أتخذت الطابع العفوي وأسلوب رد الفعل غير المنظم , ولعل السبب في ذلك يعود الى خلو الساحه الطلابيه من التنظيم الطلابي الذي يؤطر هذه النضالات وينظمها ويوجهها التوجيه الصحيح . إن حالة النهوض الوطني للحركه الوطنيه العراقيه مجسدةً بأحزابها الوطنيه آنذاك قد انعكست بشكل كبير على الوسط الطلابي وقد برز هذا الأنعكاس جلياً في مساهماتهم الفعاله في وثبة كانون المجيد ه عام 1948 وتقديمهم الشهداء الخالدين ( شمران علوان , قيس الآلوسي , جعفر الجواهري) حيث مهد ذلك الى تأسيس اول تنظيم طلابي عراقي تحت أسم ( أتحاد الطلبه العراقي العام ) وكان ذلك في 14 نيسان 1948 حيث أحتضنت ساحة السباع وسط بغداد وبصوره علنيه متحدية السلطات مندوبين من المدارس والمعاهد والكليات العراقيه وبحمايه عماليه وبحضور الجواهري الكبير الذي أستذكر في قصيدة ألقاها في الحضور اخيه شهيد الوثبه جعفر الجواهري . أخذ النضال الطلابي بشقيه المهني والوطني بعد تأسيس الأتحاد يسير بالأتجاه الصحيح ويأخذ الطابع المنظم مدعوماً من الأحزاب الوطنيه والمنظمات الجماهيريه الأخرى , إلا أنه وبالرغم من تأسيسه العلني أتجه الى العمل السري شانه شأن الأحزاب الوطنيه والمنظمات الجماهيريه الأخرى وذلك لحملة الأعتقالات الشرسه التي قامت بها السلطات آنذاك والتي شملت الكثير من ناشطي الأحزاب الوطنيه والديمقراطيه ونشطاءالأتحاد الذين كان لهم دوراً مهماً في وثبة كانون المجيده. لقد طبع النضال الطلابي وتنظيمهم الأتحادي الطابع السياسي في تلك الفتره على حساب الطابع المهني وهي حاله طبيعيه نتيجةً للظروف الموضوعيه السائده آنذاك ولحماس الطلبه الوطني والثوري كونهم الشريحه المتعلمه في المجتمع . وقد تبلور هذا النشاط بمساهمة الأتحاد جنباً الى جنب مع الأحزاب الوطنيه والمنظمات المهنيه الأخرى في إنتفاضتي 1952 و1956 . وقد برزت أهمية التنظيم الطلابي في إنتفاضة 1956 للتضامن مع الشعب المصري بشكل واضح حيث تشكلت لجنه طلابيه أخذت على عاتقها الأشراف على تعبئة الجماهير الطلابيه وتنظيم فعالياتهم , وكان من جراء هذه الانتفاضه مواجهة العديد من الطلبه عقوبات الفصل والابعاد والاعتقال, إلا أن كل ذلك لم يثني عزيمتهم او يضعف حماسهم الوطني الوثاب . لقد كانت الأنتفاضات الشعبيه المتلاحقه وروح التحدي لدى عامة الشعب بمثابة المقدمات الأساسيه والضروريه لقيام ثورة 14 تموز 1958 المجيده والتي هي محصله طبيعيه لهذا التحدي والنضال البطولي للعراقيين عامةً حيث سادت أجواء سياسيه جديده تمثلت بمناخ ديمقراطي محدود وأ تساع نسبي في مجال الحريات العامه, وكان لابد من أن ينعكس ذلك على الطلبه وتنظيمهم الأتحادي حيث استغل الأتحاد هذه الظروف الجديده فبادر الى عقد مجلسه الأتحادي عام 1957 بحضور الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم والقاده السياسيين إضافة الى ممثل اتحاد الطلبه العالمي والذي كان الأتحاد عضواً فعالاً فيه حيث تم آنذاك تغيير اسم الأتحاد الى ( أتحاد الطلبه العام في الجمهوريه العراقيه ) . وكعادتهم في تخريب كل جهد وانجاز وطني شكل البعثيون عام 1960 تنظيم الأتحاد الوطني لطلبة العراق والذي أحدث أنشقاقاً في الحركه الطلابيه العراقيه . ورغم ذلك أستمر اتحاد الطلبه العام في نشاطه الطلابي والوطني الواسع حيث انتشرت فروعه في كل مدن العراق وظل مدافعاً أميناً عن حقوق الطلبه المهنيه خصوصاً وحقوق الشعب عموماً . وفي 8 شباط 1963 جاء الأنقلاب الدموي الذي قاده البعثيون ضد ثورة 14 تموز المجيده حيث حولوا البلاد الى سجون ومعتقلات كبيره يقبع فيها خيرة أبناء العراق ومناضليه الذين خبرتهم سوح النضال , وكان لقادة اتحاد الطلبه العام واعضائه ومناصريه نصيباً وافراً من تلك الهجمه الشرسه حيث قدموا الأعداد الكبيره من الشهداء والمعتقلين دفاعاً عن ثورة تموز المجيده ومنجزاتها الوطنيه . إن كل ذلك لم يثني من عزيمة الأتحاد حيث أستمر في نضاله السري محاولاً لملمة جراحاته العميقه وأعادة بناء تنظيماته في الاوساط الطلابيه وكانت ثمرة نضالاته هذه حصوله على نسبه كبيره من أصوات الناخبين قاربت التسعين بالمائه في الأنتخابات الطلابيه التي جرت عام 1966 وفي ظل الحكم العارفي وهي نسبه كبيره قياساً بالوضع السياسي في البلاد ووضع الأتحاد بشكل خاص . وبعد أنقلاب تموز 1968 الذي أعاد البعثيين الى السلطه مجدداً, عاد معه الاتحاد الوطني لطلبة العراق محاولاً فرض سيطرته على الساحه الطلابيه وبدعم من أجهزة السلطه المدنيه والأمنيه , الا ان أتحاد الطلبه العام واصل نضاله وفي ظروف سريه صعبه مساهماً فعالاً في الانشطه الطلابيه والوطنيه . ورغم انبثاق ما سمي بالجبهه الوطنيه عام 1973 إلا ان عمل الأتحاد بقي سرياً حيث واجه منتسبوه الكثير من المضايقات من قبل عناصر الاتحاد الوطني وبدعم من أجهزة السلطه الحاكمه . وفي عام 1975 وفي مسعى لأحتكار العمل المهني عموماً من قبل البعث الحاكم ومنظماته المهنيه , فأنهم أصروا على تجميد نشاط اتحاد الطلبه العام والمظمات المهنيه الأخرى , مما جعل عمل الا تحاد يأخذ صيغ أخرى يغلب عليها الطابع السياسي . وللحقيقه والتاريخ لابد من الأعتراف من أن عملية التجميد قد الحقت بالأتحاد ضرراً كبيراً وأضعفت من أمكانياته في التحرك في الوسط الطلابي أضافة الى الأجتهادات والآراء المختلفه لدى منتسبيه حول عملية التجميد والتي ناقشها الأتحاد داخلياً بروح ديمقراطيه . وبعد إنهيار تجربة الجبهه الوطنيه المريره تعرضت الأحزاب الوطنيه والتقدميه عامه والحزب الشيوعي على وجه الخصوص الى أبشع هجمه إرهابيه حيث تمت ملاحقة المناضلين وايداعهم المعتقلات واصدار الأحكام الجائره بحقهم وتصفية وتغييب الكثير منهم ودفنهم في مقابر جماعيه تم اكتشاف العديد منها بعد سقوط النظام الديكتاتوري , وقد تحمل الطلبه جزءاً من هذه الهجمه مما دفع الكثير منهم الى ترك دراستهم متجهين للعمل السري فيما ألتحق قسم منهم فيما بعد بحركة الأنصار المسلحه في كردستان . لقد كانت تجربة عمل أتحاد الطلبه العام في ظل الأنظمه المختلفه تجربه هامه وغزيره وقد أفرزت الكثير من الدروس النضاليه والتي لابد للأتحاد نفسه والحركه الطلابيه عموماً من دراستها والاستفاده منها وأبراز جوانبها الأيجابيه الكثيره . لقد كان الأتحاد بحق مدرسه نضاليه تخرج منها الكثير من الوجوه التي لعبت ادواراً مهمه في مفاصل الحياة في العراق سياسياً وثقافياً وعلمياً في الماضي والحاضر. واليوم , وبعد سقوط النظام الديكتاتوري البغيض , تعيش البلاد اجواءاً سياسيه جديده حيث هامش الديمقراطيه النسبي والذي كان من نتائجه الكثيره ظهور اتحادات طلابيه جديده في الساحه الطلابيه وهي نتاج طبيعي للتعدديه السياسيه في البلاد والتي تجد لها أمتدادات في الوسط الطلابي , ولكن يجب ان لايدفع ذلك الى أن تتحول هذه الأتحادات الى فروع لهذا الحزب أو ذاك متخليةً عن دورها الحقيقي في الدفاع عن حقوق الطلبه المهنيه, كما إن قوة هذا الأتحاد أو ذاك يجب أن لاتتأتى من قوة الحزب السياسي المؤيد له بل من مدى دفاعه عن الجماهير الطلابيه وحقوقها المشروعه . لقد أثبتت التجربه العمليه وبصوره لاتقبل الشك فشل محاولات احتكار العمل الطلابي لهذه الجهه اوتلك وما محاولات الأتحاد الوطني في هذا الخصوص إلا دليلاً على ذلك وعليه لابد من العمل الحثيث وروح الحرص على الحركه الطلابيه العراقيه من أجل تأسيس لجنه عليا أو شبكه للأتحادات الطلابيه العراقيه كما هو الحال في شبكة النساء العراقيات مثلاً تأخذ على عاتقها تنسيق وتنظيم النشاطات الطلابيه المهنيه والوطنيه ولكي تلعب الشريحه الطلابيه دورها الهام في المجتمع المدني . إن الأهداف التي يناضل من أجلها أتحاد الطلبه العام في الظرف الراهن كثيره , لعل من ابرزها التصدي للأفكار السلفيه الأرهابيه المتطرفه والوقوف بحزم أمام القوى الظلاميه التي تحاول ومن خلال عناصرها ومليشياتها من التضييق على الحرم الجامعي وفي كافة الجامعات العراقيه وتهديد أو قتل كل من يقف في وجههم طلاباً واساتذه في محاوله مكشوفه لتفريغ الجامعات من الأساتذه الكفوئين المتحمسين لرفع المستوى العلمى للطلبه وجعله مواكباً للتطور العلمي السائد في العالم المتحضر . إن الأتحاد يناضل من اجل ديمقراطية التعليم ومجانيته وتهيئة برامج ومناهج دراسيه حديثه وسد النواقص في المؤسسات التعليميه عامة وأكمال المستلزمات الدراسيه من مختبرات وورش تطبيقيه , كما يناضل ايضاً من اجل حق الطلبه في تأسيس منظماتهم الطلابيه وأجراء أنتخابات حره ونزيهه بعيداً عن التدخلات السياسيه . وأخيراً , لابد لنا في هذا اليوم التاريخي المشهود ( الذكرى الستون لتأسيس أتحاد الطلبه العام ) من أستذكار اولئك الذين حفروا اسمائهم في تاريخ الحركه الطلابيه العراقيه واتحادها العام وعرفوا بنضالهم وأخلاصهم لقضيتهم . إن أعدادهم بالتأكيد كبيره وكبيره جداً لكنني سأتوقف أمام أسماء بعض الذين عرفتهم عن كثب وسأكتفي بكوكبه من الشهداء في بغداد والبصره مع التقدير الكبير للأحياء من المناضلين الذين ربما أتخذ البعض منهم سبلاً أخرى في حياتهم الا إن دورهم آنذاك لايمكن نسيانه على أية حال . ففي بغداد لابد من الوقوف اجلالاً وأكباراً أمام الشهيد خالد يوسف متي الذي عرفته قبل قيام ماسمي بالجبهه الوطنيه ضمن ثانويات بغداد الرصافه مناضلاً كرس جل وقته للعمل الأتحادي ومن اجل إيجاد نواتات لتنظيم الأتحاد في مدارس أطراف بغداد , ولابد من أستذكار الشهيده ياسمين قاسم تقي , المناضله المتسلحه بالوعي والثقافه والصلابه الكفاحيه . أما في البصرة الفيحاء فلابد من الوقوف بأجلال أمام الشهداء , رضيه ياس خضير , سامي غياض , حسن مرجان , وافي كريم مشتت , عصام حسناوي كسار , جمال وناس والذين عرفتهم جامعة البصره مناضلين أشداء عن حقوق الطلبه ومبادئهم السياسيه .

أما آن لهذا العنف أن يزول
صبيحة شبر

 تعاني المرأة في بلادنا من الكثير من سياسة الإلغاء ، والتمييز بينها وبين الرجل بالحقوق ، رغم ان الاثنين يقومان بنفس الواجبات ، وأحيانا تتضاعف واجبات المرأة ، بسبب تغيب الذكور ، أما بفعل الإبعاد القسري بدافع الموت والإعدامات ، وأما لان الرجل أراد طوعا ،الابتعاد عن المرأة لانه مل منها ، وأحب ان يغيرها بامرأة أخرى ، يتخذها بديلا لإشباع المشاعر ، والاستجابة لنداء العواطف ، والحاجة الضرورية الى الجنس الآخر ، بعيدا عن المرأة الأولى التي ارتبط بها ، فتعاني المخلوقة من الهجر والإلغاء والتهميش ، ومن العجز عن إشباع العواطف ، أسوة بالجنس البشري في كل أصقاع الدنيا .ورغم كل المعوقات التي تعاني منها المرأة العراقية ، من حياة غير طبيعية ، ومن انعدام الخدمات الضرورية ، ومن حاجة الى العمل المناسب ، والأجرة التي تسد الحاجات المختلفة ، ومن انعدام تكافؤ الفرص ، ومن الحاجة الملحة التي لاتجد الاستجابة ، الى الدفء والسفر وتوفر الصداقات ، والتمتع بالهوايات ، وعدم الحصول على التطبيب المناسب ، بسبب عدم توفر التشخيص للمرض ، لان الكفاءات العلمية والطبية قد غادرت البلاد ، نتيجة إرغامها على الهجرة او القتل بسبق الإصرار والترصد ، رغم كل هذه المعاناة ، التي وجدت المرأة العراقية نفسها تحت وطأتها ، الا ان البعض قد أراد ان يزيد النار اشتعالا ،والمعاناة غلوا ، والحرمان فظاعة ، فأعادوا الى الحياة قانونا جائرا ، قد أثبتت الأيام مدى ظلمه ، وتعديه على النساء الفاضلات ، بإحياء ما يسمى غسل العار ، وكأن العار يمكن ان يغسل ، حتى لو أريقت البحار من الدماء ، ولكن ماذا يفعل الإنسان أمام إرادة جهنمية ، بالإساءة الى عائلة من الغوائل ، واتهام نسائها بما هن بريئات منه ، وما أسهل هذا الاتهام الفظيع ، حيث يسارع الناس الى تصديقه ، وكأنهم لايعرفون الفتاة الطاهرة البريئة ، التي تتهم زورا وبهتانا ، فأي وشاية كاذبة لايسأل عن صحتها ، ولا يطعن في منطقيتها ، فتسلخ المسكينة وتطعن ، وأسرتها ان كانت غير واعية تنطلي عليها هذه التهمة
والدوافع لهذه التهمة كثيرة ، منها العداوات بين الغوائل ، ومنها رغبة بعض الذكور الحصول على ميراث الإناث ، او رغبة الزوج ان يتخلص من زوجته ، فيكيل لها التهم جزافا ، او نظرة بعض الذكور غير المتشبعين بالثقافة الإسلامية ، الى المرأة وكأنها أداة للإشباع الجنسي ، متناسين ما أضفى عليها الإسلام ، من احترام وتقدير ، فالمصدق لهذه التهمة الشنيعة لايستطيع ان يثبت عدم صحتها ، أمام من لايريد ان يفهم ، وقد ذهبت الكثيرات من النساء ، وهن بريئات من هذه التهمة ، أما بدافع الاتهام الظالم ، او لان غشاء البكارة لديهن ، من النوع المطاطي السميك ، بحيث لاتسقط قطرات من الدم ،اثناء الدخول في الزواج ، فيسارع الزوج الجاهل إلى اتهام زوجته ، مما يدفع الأهل الى المسارعة بالتضحية بحياتها ، متناسين أنهم يجب ان يكونوا واثقين من ابنتهم ، كما ان رأي بعض القبائل غير المتعلمة ،ان المرأة مخلوق دوني قد سكنها الشيطان ، وانها يمكن ان ترتكب كل أنواع المحرمات ، وانها لايمكن ان تتصف بحكمة الرجل ، واستطاعته ان يميز بين الخير والشر , هذه النظرة دفعت بعض الرجال ، ان يحيطوا المرأة بأسوار عالية من الشك والقيود ، مدافعين عن عملهم ذاك ، ان المرأة مخلوق ضعيف لاتستطيع مواجهة العالم ، وأنها تخضع لغريزتها الجنسية ، فلا تملك الإرادة لمقاومة المغريات التي توضع أمامها ، وانها مهما بلغت من السن والحكنة ، قد تشتهي ان تقوم بكل شيء ، مهما بلغت دناءته او معاداته للرأي العام المحلي ان توفرت على درجة ضئيلة من الحرية.
والمجتمعات العربية عموما ، ومجتمعنا العراقي على وجه الخصوص ، حيث عانى لعقود طويلة من سياسة الدكتاتورية ، وتكميم الأفواه وعدم القدرة ،على قول رأي مخالف حتى لو كان بسيطا ، من الطبيعي ان نجد ظاهرة غسل العا ،ر في هذا المجتمع الذي لم يتمتع بحريته الا في ظلال الاحتلال ، ونظرية الشرف الكامنة بين فخذي الأنثى ، تجد لها تأييدا لدى الكثير من أبناء الشعب العراقي ، الذي عانى كثيرا من الحروب الكثيرة العبثية ، ومن انعدام أي ظل للحريات العامة ، ونجد هذا الراي لدى النساء ، المحرومات من ابسط الحقوق الإنسانية ،واللاتي رزحن تحت نير أنواع من القهر ، كل سنوات عمرهن ولم يعشن جميلا ، ولم يتمتعن بشباب ، او تتكحل عيونهن بجمال ، فبالغن في تضخيم ظاهرة الحب العفيف ،التي قد يلمسنها لدى الفتيات ، او ينقلن كل مظاهر البراءة والاعتناء بالمظهر ، والرغبة في الأناقة التي تتصف بها المرأة عادة ، وكأنها امر سيء بحاجة الى عقاب من لدن الرجل .
ان عراقنا اليوم في ظل الصعوبات التي تعترض مسيرته ، ووجود الجماعات المسلحة ، وعدم وجود الأحكام الرادعة ، لمن يحلو له ان يقبض على حيوات الناس ، الذين وهبهم الله القدرة على الحياة والعقل ، والتفكير والتمييز بين الحق والباطل ، فالذي يلجأ الى إزهاق روح إنسانة حباها الله الحق في الحياة ، قد لايجد الأحكام التي تردعه ، من فعل ذلك المنكر ، فشهور قليلة من السجن ، يقضيها الفتى بين تشجيع الأهل والأحباب ، باعتباره بطلا أعاد الشرف السليب ، هذه الشهور القليلة ،لايمكن ان تكون مانعا لذوي النفوس المريضة ، الذين لم تتح لهم فرص التنوير ، والاطلاع الحقيقي على مباديء الدين الحنيف ، الذي أكرم المرأة كثيرا وأمر بمنحها كل الحقوق التي منحها للرجل.
ان المجتمع يكيل بمكيالين في هذه القضية ، فالرجل حين يرتكب الفواحش، وخاصة في أمر الاعتداء على الأعراض ، يتحدث مفاخرا بما قام به من أعمال يحسبها رجولية ، وقد يكون كلامه زورا وبهتانا ،الغرض منه الإساءة الى بنات الغوائل ، ولكن المرأة حتى لو كانت معتدى عليها ، تقتل غسلا للعار ، فأي جريمة هذه ؟ وأي مجتمع يكافئ الجاني ويعاقب المجني عليه ؟

ازمــــة الــوعــي الــجـمــعي وتـأثــيرهــا عـلــى الانـسـان الــعــراقـي

 محمد كامل احمد
محاولة لتلمس بعض مسبباتها هل تعاني الثقافة العراقيه من أزمة في أنجازمشروعها الهادف الى تحديث البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية وانماط التفكير والسلوك السائدة الارتقاء بما هو مشترك في مكونات المجتمع العراقي لصياغة هويه سياسية وثقافية وطنيه؟ واذا كان كذلك , فما هي اسباب هذه الازمة ؟
هل العجز على انتاج ادواتها المعرفية , ام في اشكالية العلاقة بين المثقف والسياسي , ام في حواملها الاجتماعية , ام في القطيعة المعرفية والمنهجية لفكر النهضه أم في الاستعاره لمناهج وانماط من التفكير دون تفحص مفاهيمها المركزية على ارض الواقع ,ام في توظيف الخطاب الاسلامي برغم اشكاليته الاجتماعية لممارسته السياسية والثقافيه التاريخيه ,ام استعارة الفكر العروبي بنزعته الطائفية والشوفينية وانتاجه الاستبداد ؟ هل ان ازمة الثقافة العراقية وليده جذرها التاريخي تجزء من ازمة الثقافة العربية الاسلامية بعد انحسار خطابها العقلاني وتنامي السلفية الدينيه مرورا بعجز الدولة العباسية في سنواتها الاخيرة في فعاليتها الآنتاجيه الماديه والروحيه وانهيارها باحتلالات متعددة و ظهور الدولة العثمانية الاكثر تخلفا على الصعد جميعا ,ام انها ملازمة للدولة العراقية الحديثة التي ظهرت في شروط التوسع الراسمالي العالمي المتمثل في الاحتلال البريطاني في بنيتها السياسيه والاقتصاديه والاجتماعيه ,ام انها وليدة الدكتاتوريات التي تعاقبت على الحكم منذ انقلاب شباط 1963وتعمقت بالممارسه السياسيه لنظام صدام حسين ونهجه الاجتماعي ,ام وليدة الاوضاع التي اعقبت الاحتلال الانكلو امريكي وانهيار الدكتاتوريه في نيسان 2003 ام انها وليدة هذه الظروف جميعها في تداخلها واستمرارها التاريخي ؟ تسعى هذه الدراسة في محاولتها لتلمس بعض مسببات ازمة الثقافة العراقية الى تحديد مفهوم الثقافه تلمس ازمتها منذ صعود الدكتاتوريات الى الحكم واستمرارها باشكال متعددة وانتهائا بانهيارها في نيسان 2003 ومحاولة اعادة انتاجها طائفيا وتغييب مشروعها الديمقراطي بعد ذلك التاريخ .
في سؤال المثقفين العراقيين لسبل النهوض بواقع الثقافه العراقيه واخراجها من ازمتها الراهنه.في تحديد مفهوم الثقافه ليست الثقافه فكره عرضيه انبثقت من دهاليز الوعي السحيق لتتوج الانسان على مملكة الواقع , بل هي بمثابة نبته حيه تنمو في رحم المجتمع وتتغذى على رحيق مكوناته ولذا فمن المتعذر بل المستحيل تصور وجود ثقافه دون حاضنه اجتماعيه ترعاها وتمدها باسباب البقاء والاستمرار "1" ولايكاد ينحصر مفهوم الثقافه في دلالاته الابداعيه على المعارف والانشطه الادبيه والفنيه والعلميه والعقليه والروحيه والعقائديه والقيميه والاخلاقيه "2" بل انه يمتد في مساحنه ليتسع لمختلف الممارسات والتجليات العمليه والسلوكيه والحياتيه الفرديه منها والجماعيه الاجتماعيه فضلا عن اشكال الحكم وانماط الانتاج ومضامين المواقف والممارسات السياسيه والاقتصاديه والاجتماعيه والعسكريه الى غير ذلك "3" في اطار العلاقه بين بنيتها المعرفيه ودلالاتها العمليه الواقعيه والثقافه بهذا المعنى هي رؤية العالم وتلمس الواقع العياني , هذه الرؤية تحددها بالضروره منظومة الافكار والمفاهيم والقبم ومظاهر السلوك والممارسات الواقعيه الحياتيه في تنوعها الناتج عن تنوع مكونات المجتمع وتعدد اطيافه وطبقاته الاجتماعيه في اطار موقعها الظرفي الانتاجي ومشروعها وخياراتها الفكريه والعمليه .
والثقافه بهذا الشكل تعكس موضوعيا حقيقة النشاط الانساني في سيرورة حركته التاريخية ليس من اجل الحياة واستمرارها كمعيار قيمي للوجود الانساني الحي فحسب وانما من اجل التأسيسلما هو عقلاني وحضاري من جهه ولما هو ارقى انسانية من جهه اخرى في مجالات الحريه والابداع المعرفي والاجتماعي على حد سواء . والثقافه بما تحمله من وحدة وخصوصية دلالاتها فأنها في الوقت نفسه تعكس تعدد وتنوع الرؤى كتعبير حي للوجود الانساني في حركته الارتقائيه وفي التنوع الثقافي والاجتماعي لهذا الوجود . كشف حساب ختامي للثقافه في ظل الدكتاتوريه يطرح واقع وطبيعة الانظمه الدكتاتوريه التي تعاقبت على الحكم في العراق منذ انقلاب 1963 وفي ظروف تكونها السياسي والاقتصادي والاجتماعي بشكل عام ونظام صدام حسين بشكل خاص حيث اكتسبت الدكتاتوريه في سنوات حكمه طابعها الكلياني الشمولي , لمجموع ممارساته على تنوعها وتعدد مستوياتها , العديد من الاسئله ليس الغرض منها بحث واقع النظام نفسه على اهمية هذا الغرض فحسب وانما بحث واقع الانظمه الشموليه كانظمه تحتكر السلطه والثروه والثقافه وتسعى الى الغاء الاخر المختلف بكل الوسائل المتاحه . على أن
تلك الاسئله تذهب جميعا لتصب في اطار سؤال مركزي يكتسب أهميته في حقل الممارسه السياسيه والثقافيه في نفس الوقت ,هو سؤال الديمقراطيه بمعناها الواسع على الصعد جميعا في تحديد العلاقه بين الحريه /الاستبداد , بين المجتمع السياسي وبين المجتمع المدني ومؤسساته المعبره عنه هذه العلاقه التي تقوم اساسا علىالغاء الاخر السياسي الاجتماعي والثقافي وتغييب دوره في الممارسه العمليه .
ان تحديد معنى الثقافه في الانظمه الشموليه يتم من خلال وظيفتها المناطه لها من خلال أليات عمل النظام الشمولي نفسه . لذا تسعى الى خلق منتجا رديئا وكذلك مستهلكا رديئا هو الاخر وتأخذ الثقافه في هذه الانظمه معنى الاعلام ودلالاتها لاتتجاوز بالضروره حدود النظام نفسه وتصبح بذلك نفيا للثقافه والغاءا لها ولدورها .ان الغرض من تحويل الثقافه الى اعلام هو السعي لانتاج اثر معين في وعي وادراك وسلوكية المتلقي كجزء من ألية الضبط والسيطره التي يمارسها النظام نفسه .شكل عجز نظام صدام حسين في فعاليته الانتاجيه على الصعد السياسيه والاقتصاديه والاجتماعيه والتعليميه والاعلاميه في واقع وحركة المجتمع العراقي الى عجز واضح في فعاليته الثقافيه فلقد تراجع دور الجامعات العراقيه العلمي والمعرفي وجرى تسيسها وتبعيثها على نطاق شامل وعلى حساب حرية البحث العلمي والمعرفي الجاد والرصين وافراغها من دورها التنموي والتحديثي وتراجع اداء الكوادر التعليميه وتدنت كفائتهم التدريسيه ولم يكن ذلك على نطاق التعليم الجامعي بل امتد تأثيرهذه السياسه على مجمل العمليه التعليميه وظهرت كوادر أميه تقود هذه العمليه. وعلى صعيد الانتاج الادبي والفني والعلمي شهد تراجعا هو الاخر , فتراجع المسرح الجاد والهادف لحساب مسرح تجاري هزيل وهابط في قيمه التعبيريه والجماليه وفي نوعية اداء العاملين فيه من مخرجين ومنتجين وممثلين وكتاب نصوص وظهرت العديد من المسرحيات الهابطه ومورست فيها اشكال التظليل والتزييف والضحك على الناس وقلب الحقائق وتوقف تقريبا الانتاج السينمائي على محدوديته وتراجع الفن التشكيلي وأنزوى أغلب ممثليه وانحسر بشكل كبير مجمل الانتاج في حقول المعرفه المختلفه الاخرى وتراجعت قيم الحياة المدنيه وتنامت وازدهرت الخرافات والغيبيات وقيم الطائفيه والمناطقيه والنزعات الانعزاليه وادت سياسة الحروب والحصار الاقتصادي وعموم الازمه العامه للنظام الدكتاتوري الى تقويض الطبقه الوسطى وتقويض مشروعها التحديثي الديمقراطي فتزايدت معدلات الفقر والحرمان وتراجع ألانتاج الصناعي والزراعي وتراجعت الخدمات الصحيه والخدمات العامه الاخرى وظهرت عصابات الجريمه واتسع نشاطها وانتشر الفساد الاداري والمالي في مؤسسات الدوله المختلفه.
لقد عانى المثقفون العراقيون وعلى امتداد سنوات الدكتاتوريه الفاقه والحرمان والجوع والسجن والمنافي والتغييب الجسدي والمعنوي وفي اطار الممارسه العمليه للدكتاتوريه تحولت الثقافه الى اداة لتشويه الوعي وتغييب ما هو حضاري وعقلاني فيها وازدهرت بالمقابل الغيبيات وقيم السلفيه الدينيه بنزعتها الطائفيه واعادت توظيف هذه القيم بما يعزز من ديمومة النظام واستمراره في الحكم . وعكست الانتهاكات الواسعه للحريات وحقوق الانسان والاضطهاد القومي والطائفي تاثيرها على فعالية المجتمع المدني فتراجعت قيمه الحضاريه المدنيه . لقد سادت ثقافة الانحطاط والتعصب القومي والطائفي واللامبالاة والخوف والخنوع والاستسلام . لقد عجز النظام الدكتاتوري عن انتاج وخلق ثقافه حقيقيه ابداعيه تمتلك ادواتها النقديه . ان أي ثقافه ابداعيه هي في جوهرها ثقافه ديمقراطيه و هي شرط وجودها .
لقد حول نظام صدام حسين الوطن الى سجن كبير قائم على الاباده والمقابر الجماعيه والتغييب الجسدي الواسع واصبح السؤال عن الديمقراطيه وحقوق الانسان يعادل بحق السؤال عن ضرورات الحياة الاخرى ما لم يوازيها في الاهميه ..اعادة انتاج الثقافه العراقيه طائفيا : لعل من الضروري ابتداء تحديد الفرق بين مفهومي الطائفه والطائفيه فالاولى مقوله اجتماعيه ظهرت في ظروف سياسيه وثقافيه محدده تاريخيا عكست فيها واقعا اجتماعيا , فبما ان الطائفيه نهج سياسي يعتمد الطائفه اساسا له لغرض أولآ: أيجاد أليات للضبط ألاجتماعي والسيطره داخل الطائفه نفسها0 ثانيا: لفرض هيمنتها وتعصبها ضد الطوائف الاخرى , واذا كان الوطن لايحتمل ولايطيق منافسة الطائفه له على السياده ,اذ في هذا ضياعه المحقق "4" فان الطائفيه باتت تشكل تحديا وجوديا يهدد وحدة المجتمع وتماسك نسيجه الاجتماعي وضمان قدرته على التطور والتحديث ليس بسبب منظومتها الفكريه ونزعتها التقسيميه وقدرتها على انتاج وسائل القهر والاستبداد وافتقار مشروعها السياسي لاي مضامين وطنيه فحسب بل ان مشروعها بات يصب في صالح الرأسمال المعولم بايديولوجيته الليبراليه الجديده في سعيه لآضعاف الدوله الوطنيه لشروط اليات السوق لقد تنامى الخطاب الطائفي بعد الاحتلال الانكلو امريكي وانهيار الدكتاتوريه في الوقت نفسه سعت العديد من القوى السياسيه للعمل على اعادة تمثيل الطوائف سياسيا في التأسيس القانوني للدوله العراقيه وفي حركة المجتمع العراقي واذا كان وضع الثقافه ومستوى تطورها والتعامل معها مشروطا بالممارسه السياسيه لمختلف القوى السياسيه فمعنى ذلك ان السؤال يبدأ من السياسه . لقد أدى أنهيار نظام صدام حسين وتفكك أجهزته ألامنيه والسياسيه الى أحداث فراغ أمني وسياسي دفع بتلك القوى لملئ ذلك الفراغ على أن تنامي الممارسات الطائفيه لهذه القوى ومجاميعها المسلحه حولت الممارسات القمعيه من الوظيفه اليوميه لآجهزة الدوله الى ممارسه يوميه لتلك الجماعات 0 لقد أستعاد الاسلام السياسي الممارسات القمعيه للدكتاتوريه بل أنها أتخذت طابعا أكثر دموية.ان تنامي الخطاب الطائفي وما يحتويه من قيم انعزاليه وعشائريه تسلطيه وابويه ذكوريه ومن هشاشه فكريه ورؤى انتقائيه تبريريه تجزيئيه , تخفي ورائها مصالح نفعيه ضيقه لشرائح اجتماعيه طفيليه تمتاز بطابعها الريعي المقاولاتي وتقوم على انتهاكات متعدده للحقوق والحريات الشخصيه وفي مقدمتها حقوق المرأه 0 أن هذ الشرائح يراد أعادة أنتاجها وربط مصالحا بالرأسمال العالمي وتعيق هذه الفئات بمصالحها الطبقيه وخطابها الطائفي , التأسيس الثقافي والمجتمعي المغير لها وتصبح بذلك حجر عثره على طريق انجاز المشروع الوطني بأبعاده المتعدده .
ان الطائفيه هي عدوة الديمقراطيه وهي بالضروره عدوة الثقافه وان ازدهار الثقافه لايتم الا بتعزيز الديمقراطيه وجعلها ممارسة يوميه للمجتمع 0ان الطائفيه من موقعها الانعزالي التقسيمي تلجم الثقافه وترمي بها الى حصار مستمر .ان المشروع التحديثي للثقافه العراقيه لايعادي الطائفه كونها وجود اجتماعي تاريخي بل يعادي الطائفيه كونها معيقه له .في سؤال المثقفين العراقيين تطرح مسأله علاقة الثقافه بالسياسه سؤالا أشكاليا بالغ الاهميه هو سؤال الموقف الطبقي في الممارسه الثقافيه , ان هذا السؤال في اجابته الجزئيه لايدعو اطلاقا الى تماثل المواقف بين السياسي والمثقف ولا الى طريقة ساذجه او عصبويه ضيقه بل انه يشير الى حقيقتين مهمتين في ان واحد هما :اولا : تهافت جميع النظريات التي تراهن على او تدعو الى حياد الثقافه او جعلها تبدو او الى تصويرها على انها فوق الطبقات الاجتماعيه .
ثانيا : ان الموقف الثقافي لايناهض السلطه السياسيه من حيث هي ثقافه او انها حزب ثقافي, بل انه يناهض السلطه السياسيه كونها ممارسه متميزه لصالح قوى سياسيه وطبقات اجتماعيه معينه .ان الحريه والديمقراطيه لاتكتمل دلالاتها الا في الممارسه الواقعيه لها وأساسا في ممارسة الفعل العقلاني المبدع والخلاق باتجاه التغيير لمختلف المستويات الانسانيه على صعيد الفرد والجماعه على حد سواء وفي مختلف مجالات الحياة السياسيه والاقتصاديه والاجتماعيه والثقافيه وانماط التفكير والسلوك حين تنهض ثقافة الابداع على مسائلة الواقع العياني الموضوعي للبحث ولايجاد اجابات جديده و تهدف الثقافه من وراء ذلك الى تغيير ما يجب تغييره وهي في ذلك ترتبط ببعدين اولهما التجديد للحياة في كافة جوانبها .ثانيهما التغيير في حركة التاريخ الانساني في صعوده وارتقائه .

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com