|
بوب
هيربرت
أحياناً كثيرة أتساءل، بيني وبين نفسي، كيف سيجيب
كل مواطن أميركي عندما يطرح على نفسه السؤال
التالي: ماذا أضافت إليَّ حرب العراق وماذا
استفدته منها؟
في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة الأميركية إغداق
الأموال على الحرب.
وإرسال الجنود إلى جبهة خطيرة، في مغامرة لا تبدو
لها نهاية، تتغافل عن المشاكل المتجذرة في أميركا
نفسها، التي تضعف الجبهة الداخلية فيها ويتقوض
تماسكها. وفي اليوم نفسه الذي أعلن فيه الرئيس بوش
تعليق سحب القوات من العراق إلى أجل غير مسمى، كان
المعلق "ديفيد ليونهارت" في صحيفة "نيويورك تايمز"
يخبرنا عن قصة تراجع الطبقة الوسطى في أميركا خلال
سنوات حكم الرئيس بوش. أما الازدهار الاقتصادي
الذي لا يتوقف بوش عن التغني به فإن معظم
الأميركيين -يقول "ليونهارت"- لم ينعموا به، إذ
على رغم النمو الذي حققه الاقتصاد الأميركي في
السنوات الأخيرة ظلت الطبقة الوسطى -ولأول مرة في
التاريخ الأميركي- بعيدة عن هذا النمو، ولم تستفد
من المكتسبات المعيشية التي يفترض أن تكون هي أول
المنتفعين بها أصلاً. وها نحن اليوم ننزلق نحو
ركود قاسٍ سيطال الجميع، بحيث تبدو الولايات
المتحدة، التي كانت من أكثر البلدان قدرة على
الإنجاز، عاجزة عن القيام بأي شيء بعدما استنفدت
الطبقة الوسطى بطاقاتها الائتمانية، واستنزفت
القيمة العقارية لمنازلها. ولم يعد أحد يعرف كيف
يمكن تحفيز الوظائف ذات الدخل المرتفع والقادرة
على انتشال العائلات من مشاكلها وإيقافها على
أرجلها، مجدداً. وحتى شبكة البنى التحتية التي
كانت مفخرة الولايات المتحدة باتت اليوم متهالكة
وتحتاج إلى الترميم، وهو ما يعتبر في حال إقراره
مصدراً لا ينضب من الوظائف وفرص العمل، لكن لا شيء
من ذلك يلوح في الأفق. وللتأكد من مدى خطورة
المشاكل الداخلية التي تتخبط فيها البلاد ما عليكم
سوى استعادة مشاهد مأساة مدينة "نيوأورليانز"، وما
تلاها. فقد كتب المؤرخ "دوجلاس برينكلي" الذي يعيش
بالمدينة واصفاً الوضع العام بقوله: "ما لم يفهمه
الناس على وجه الدقة هو أن الكارثة التي حلت
بالمدينة وأدت إلى غرقها تحت المياه كانت من صنع
البشر، وهي نتيجة منطقية للطريقة السيئة التي
أقيمت بها السدود والجدران المانعة". ومع أنه كان
بإمكاننا إنقاذ "نيوأورليانز" من إعصار "كاترينا"،
إلا أننا لم نفعل ذلك وتركنا المنكوبين يتدبرون
أمورهم، واليوم وبعد كل هذا الزمن على الكارثة
مازلنا غير قادرين على إعادة المدينة إلى سابق
عهدها وإخراجها من المأساة التي تعيشها. وفيما
توفر بلدان العالم الرعاية الصحية لجميع مواطنيها
وتكفل لهم أفضل معايير العلاج تستنكف الولايات
المتحدة عن ذلك، وتتحدث عن برامج خاصة للتغطية
الصحية. وفي عصر أصبحت فيه الشهادة الجامعية
ضرورية لحياة تلائم مستوى عيش الطبقة الوسطى
مازالت تواجهنا في أميركا مشكلة تجاوز الطلبة
للثانوية العامة. وعلى رغم أننا من أغنى بلدان
العالم على الإطلاق، إلا أن 10% من الأميركيين
يستعينون ببطاقات التموين الغذائي لتوفير حاجياتهم
الأساسية من الغذاء، ومن بين كل عشرة أطفال
أميركيين هناك أربعة ينشأون في كنف أسر فقيرة، أو
قريبة من خط الفقر. نحن اليوم ننزلق نحو ركود قاسٍ
سيطال الجميع، بحيث تبدو الولايات المتحدة، التي
كانت من أكثر البلدان قدرة على الإنجاز، عاجزة.
وعلى رغم كل ذلك يبدو أن الولايات المتحدة
المنشغلة في العراق والغارقة في معضلاته غير قادرة
على اجتراح الزخم أو العزيمة اللازمين لمعالجة
مشاكلها المتعددة في الداخل. والأدهى من ذلك أن
الأموال الطائلة التي تكلفها هذه الحرب، حسب
"جوزيف ستيجلتز" الفائز بجائزة نوبل للاقتصاد، قد
تصل ثلاثة تريليونات دولار، وعندما سئل في أحد
البرامج التلفزيونية عن الجهات المستفيدة من الحرب
أشار إلى رابحين أساسيين هما شركات النفط
والمتعاقدون في مجال الدفاع. والحقيقة أن هذه هي
الحالة المؤسفة التي بلغتها الأمور في الولايات
المتحدة ونحن نستعد لمغادرة العقد الأول من القرن
الحادي والعشرين. فماذا حدث للأمة المفعمة
بالحيوية التي استعرضت عضلاتها بعد الحرب العالمية
الثانية وأحدثت خطة مارشال والأمم المتحدة وربطت
الولايات المختلفة بشبكة حديثة من الطرق، وسمحت
بظهور حركة الحقوق المدنية والحركات النسائية،
ووفرت لأبنائها أفضل تعليم عالٍ في العالم، فضلاً
عن مستوى معيشي يحسدنا عليه الجميع؟
لكن، على رغم كل ذلك عندما ذهب قائد القوات
الأميركية، "ديفيد بترايوس" إلى الكونجرس هذا
الأسبوع ومعه السفير الأميركي "رايان كروكر"،
للإدلاء بشهادتيهما، لم يستطيعا أن يجيبا على سؤال
واحد يتعلق بموعد انسحاب القوات الأميركية، أو حتى
متى يمكن رؤية وميض ضوء مهما كان خافتاً في نهاية
النفق العراقي المظلم والمريع. وهكذا أُضعفت قدرة
أميركا على الإنجاز التي تميزت بها طيلة أزمنة
ماضية بسبب الأداء الهزيل وغير المشرِّف للمسؤولين
الذين تولوا الأمور خلال السنوات الأخيرة، وهو ما
أحرجنا أمام العالم، وقادنا إلى الكارثة. لقد تحول
العراق إلى صخرة كبيرة تعيق الطريق نحو معالجة
الكثير من القضايا الأساسية الضرورية لسلامتنا
واستمرار المجتمع. والواقع أننا مررنا بالطريق
ذاته في الماضي عندما تعرضت خطة الرئيس "ليندون
جونسون" لإقامة ما كان يسميه بـ"المجتمع العظيم"
إلى الفشل بسبب حرب فيتنام. ورداً على تلك الحرب
يحضرني ما قاله "مارتن لوثر كينج" في 4 أبريل عام
1967، قبل عام من اغتياله، في إحدى الكنائس عندما
صرخ بأعلى صوته "هذا الجنون عليه أن ينتهي".
واليوم بعد 41 عاماً على تلك الصرخة، مازالت
أصداؤها تتردد حتى هذه اللحظة، والجواب الوحيد
الممكن عليها هو: "آمين". |