|
قبل
أعوام خمسة، وفي أيار من عام 2003 ومن على متن
حاملة الطائرات الأمريكية يو أس أس ''ابراهام
لنكولن'' وقف بوش معلنا انتهاء العمليات القتالية
في العراق وأن ''المهمة أنجزت'' وأن الولايات
المتحدة وحلفاءها قد '' انتصروا في معركة العراق’
، وفي 11 تشرين الأول 2007 وقف، أي بوش، مرة أخرى
في حديقة البيت الأبيض وأعلن أن ''مواصلة المسيرة
تعني ألا ننصرف قبل إنجاز المهمة''، وأضاف ''سننجز
المهمة في العراق''.
وقبل أسبوعين تقريبا، في التاسع عشر من آذار من
العام الحالي وفي خطابه بمقر البنتاجون بولاية
فيرجينيا بمناسبة الذكرى الخامسة لبدء العمليات
العسكرية في العراق ودخول القوات الأمريكية بغداد
أعلن، بوش ما غيره، أن من أهم إنجازات غزو العراق
بالنظام السابق، وإنقاذ الملايين من العراقيين
الذين كانوا يعيشون حالة من الرعب لا يمكن وصفها.
وقال '' أن الإطاحة بصدام أعادت الأمن والطمأنينة
للمنطقة بعد زوال الخطر الذي كان يمثله العراق
لجيرانه!! المتمثل بإمكانية غزوهم أو توجيه
الصواريخ البالستية إليهم ''، على حد قوله.
وذهب بوش إلى أبعد من ذلك واعتبر '' أن العالم
أصبح أكثر أمنا بعد صدام ''. ورأى أن الحرب على
العراق، مكنت الأمريكيين من هزيمة تنظيم القاعدة،
لكنه أقر '' بأن الحرب كانت أطول وأكثر كلفة مما
كان متوقعا''.
ولنفس المناسبة توجه، سرا، نائبه ديك تشيني إلى
بغداد ليعلن من هناك أشادته بالتحسن الكبير بالوضع
الأمني، مشيرا أن ذلك لا يعني سحب مزيد من القوات
الأمريكية، وقبله وصلها السيناتور جون ماكين، مرشح
الحزب الجمهوري لخوض انتخابات الرئاسة الأمريكية
في زيارة مفاجئة لم يعلن عنها مسبقا، ومن المعروف
أن ماكين ممن أيدوا غزو العراق عام 2003 وخطة
الرئيس جورج بوش بزيادة عدد القوات الأمريكية
العاملة في العراق التي طبقت العام الماضي.
وبالعودة إلى خطاب بوش في البنتاجون، فقد مارس
الرئيس الأمريكي الكذب المفضوح على جنوده وشعبه،
فهو مازال متمسكا بقصته بأن حربه على العراق حققت
انتصارا استراتجيا، وأنقذت الملايين من العراقيين،
وأنها، أي الحرب، جعلت العالم أكثر أمنا وأنها
ألحقت الهزيمة بتنظيم القاعدة!!.
المتابع والمدقق لخطاب بوش لا يمكن إلا أن يقف
ساخرا من هذا الإصرار على المضي في الحرب والدمار
دونما لحظة تأمل في النتائج التي أدت إليها سواء
في ما تعلق بالعراق وشعبه أو أمريكا نفسها وما
حصدته هذه الحرب للطرفين وجرته من مآسي. فمنذ خمس
سنوات والإدارة الأمريكية تحاول أن تقنع الرأي
العام الأمريكي والعالمي بأنها تحقق الانتصار في
حربها على الإرهاب والتي استنزفت تريليونات
الدولارات إضافة إلى الآلاف من القتلى والجرحى
والمعوقين من الطرفين و في وقت يعتبر 53 % من
الأمريكيين بأن الانتصار في العراق لم يعد ممكنا
وأن الحرب هناك لا تستحق العناء.
فعن أي انتصار استراتجي يتحدث بوش وعن أي أمن تحقق
للعالم وأي ملايين نجت من بطش النظام السابق؟ في
دراسة أعدها جوزيف ستجليتز، أستاذ الاقتصاد في
جامعة كولومبيا والحاصل على جائزة نوبل، وليندا
بلمز، الأستاذة في جامعة هارفارد، أكدت أن إجمالي
الخسائر الأمريكية في الحرب على العراق، بما في
ذلك تكاليف العمليات العسكرية وتعويضات القتلى
وأقساط تأمين ونفقات علاج الجرحى، والخسائر
الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع سعر النفط بسبب توتر
الأوضاع في الشرق الأوسط، وصل في نهاية عام 2006
إلى 2267 بليون دولار، ومن المرجح بحسب التقديرات
أن يتزايد تدريجيا ليصل إلى ما يتراوح بين 3 و6
تريليون دولار.
عبء التكلفة المتزايدة للحرب في العراق والنتائج
التي وصلت إليها والتي أخذت ترهق الاقتصاد
الأمريكي بوضوح، أصبحت تثير حفيظة الرأي العام
الأمريكي الذي يرى في هذه الأكلاف على حرب غير
عادلة وغير مبررة إرهاقاً لدافعي الضرائب
الأمريكيين.
لقد حصدت واشنطن كراهية شعوب المنطقة بحربها
المجنونة وغير المشروعة وفقدت إلى سنوات احترام
شعوب المنطقة، وربما ستحتاج إلى مثل هذه المبالغ
وربما أكثر حتى تستعيد أمريكا حضورها وقبولها لدى
هذه الشعوب.
على واشنطن إعادة النظر في استراتجياتها في
العلاقة مع المنطقة وفي سياساتها الخارجية بما
يحفظ لشعوبنا كرامتها وسيادتها والإسهام السلمي في
نهضتها وتطورها وتحديثها وانتهاجها سياسة عادلة
إزاء قضايا المنطقة وبخاصة المسألة الفلسطينية
التي هي لب الصراع والمغذي الأساسي في كل ما يجري
في المنطقة من توترات، الأمر الذي سيعكس بنتائجه
المثمرة والإيجابية على كل الأطراف. |