|
بغداد/
جبار البهادلي
لايمكن تغطية المسيرة الفنية للمخرج المسرحي محسن
العزاوي ببضعة سطور، ذلك ان تجربته الغنية
والمؤثرة في المسرح العراقي، انتهت بإخراج اكثر من
60 عملا مسرحيا، منذ بداية مشواره عام 1958 وحتى
عام 2004 حينما قدم آخر اعماله (ارجوحة الزمن
الضائع).
حصل العزاوي على عشرات الشهادات التقديرية داخل
وخارج العراق، كان اخرها تكريمه في مهرجان المسرح
التجريبي في القاهرة العام الماضي، هذه الجائزة
التي منحت لثلاثة رواد عراقيين قبله، هم حقي
الشبي، ويوسف العاني وابراهيم جلال كما قدم اكثر
من بحث ودراسة تناول فيها جوانب متعددة في المسرح
العراقي والعربي،؟ واشترك ممثلا في 20 عملا دراميا
تلفزيونيا، وعلى خشبة المسرح الوطني يستعد الان
لاخراج مسرحية جديدة بعنوان (انتبه قد يحدث لك
هذا) من تأليف الكاتب الاماراتي احمد الماجد.
في بداية حواري مع العزاوي سألته عن عمل الماجد،
ولماذا اختاره من دون سواه فأجاب:
- عندما كنت عضوا في لجنة المشاهدة في مهرجان ايام
الشارقة المسرحي الذي اقيم في السنة الماضية،
وضعوا امامي اكثر من 25 نصا، تصور بعد ان عدت الى
بغداد، توافرت لي فرصة قراءتها كلها، بسبب وجودي
في البيت، فالخروج يعني الجحيم، لذلك عمدت لقراءة
هذه النصوص بتمعن ، فأعجبت بعشرة نصوص، واخترت من
بينها هذا النص للماجد، وقدمته للفرقة الوطنية
للتمثيل، وتمت الموافقة عليه، وبدأت الشروع
بالتدريبات، وقد اخترت لهذا العمل كبار الممثلين،
منهم الفنانة سليمة خضير، وطه سالم وعدنان حداد،
وسوف اخرجه على الطراز الرمزي التعبيري الجمالي،
مع التركيز على تأثيرات الانارة واللون والموسيقى،
علما ان هذا النص قدم في مهرجان الشارقة ولم
يعجبني تنفيذه، بسبب تراكم الديكور، ونقص بعض
الجوانب الفنية كالاداء، وطبيعة العمل من نواح
كثيرة، مع احترامي وتقديري ليحيى الشيخ الذي اخرج
هذه المسرحية.
* اخر اعمالك مسرحية (ارجوحة الزمن الضائع) قدمت
في عام 2004، ما الجديد فيها؟
- اردت ان اقول اننا ارجوحة ضائعة، الارجوحة قد
تستقر في موضع ثابت عندما لاتعمل، والحقيقة التي
تكمن وراء هذا العنوان، هو ان العراقيين ما زالوا
يتأرجحون بين الابيض والاسود، وبين الصدق والكذب،
وبين الحقيقة والخيال، في متاهات الحياة الجديدة
التي كنا نتأمل في ان يجد فيها الفنان والعامل
والمهندس والشاعر، موقعه الحقيقي، ولكنني ما زلت
اتمنى وانا واثق ومتفائل منذ سنين، ان الحياة تسير
في مسارها الطبيعي، كيفما كانت، وكما يقول شكسبير
(سمها ما شئت، فعبيرها الزكي هو هو) فالوردة هي
وردة، اذا كانت نرجسة او قرنفلة او فلة فالعراق
عبير واحد..
* بدأت العمل في فترة الخمسينيات بمنهج الواقعية،
حدثنا عن الينابيع والجذور التي رسخت تجربتك
المسرحية اللاحقة؟
-عندما بدأت في 1958 بأخراج اول عمل مسرحي بعنوان
(ماكو شغل) وبعدها اخرجت مسرحية (فلوس الدوه)
للكاتب المسرحي الكبير يوسف العاني.
كانت هذه الاعمال تتجاوب وتتجاذب مع جمهور
الخمسينيات الذي كان له مذاقه الخاص في ان يتقبل
هكذا اعمال، اضافة الى قدرة هذا الجمهور الثقافية
المتواضعة.
لذلك كان يتوجب علينا ان نوجد نوعا من المخاطبة
التي تستهوي هذا الطراز من الجمهور.
وعلى الرغم من انني شاركت في اعمال ذات قيمة فنية
من الادب العالمي ممثلا وليس مخرجا مثل مسرحية
(الملاح البائس) من تأليف (ت.س اليوت) ومسرحية
(فاوست) من اخراج مدرس مصري لا اتذكر اسمه في
مدينة الناصرية، اراد هذا المخرج ان يتقرب الى هذا
النوع من المسرح.. كان هناك التزام، لذلك بداياتي
الاولى كانت واقعية، ولكنها ملتزمة، كما كنا نبحث
عن الروائيين الواقعيين، وكان (قيس لفتة مراد) و
(عبد الرحمن مجيد الربيعي) من الذين وضعوا بعض
اللبنات للمسرح في مدينة الناصرية آنذاك، وحينما
اقول انذاك اعني عام 1954، وبعد دخولي الى معهد
الفنون الجميلة في بغداد عام 1955 اتجهت نحو
الكلاسيمكيات بسبب طبيعة الدراسة المنهجية التي
كانت سائدة في المعهد، مثل مسرحيات :(يوليوس قيصر،
وهاملت وعدو الشعب)..
ثم سافرت للدراسة في كلية الفنون الدرامية
والموسيقى في تشيكوسلوفاكيا وبعد تخرجي عملت مساعد
مخرج ثان في المسرح الوطني التشكيلي والوصول الى
هذه الرتبة ليس من السهولة بمكان، بحيث يستطيع اي
طالب يتخرج، وخاصة اذا كان طالبا اجنبيا، ان يجد
له مكانة متميزة في مسرح له تاريخ وباع طويلان،
يمتد قرابة 400 سنة وتعلمت هناك القيمة الفنية
والراقية ابتداءا من طريقة التفسير، وطريقة
التحليل، وطرق الحركة على خشبة المسرح، وطريقة
الاداء، والاهتمام بالجسد، وانتهاء بالممثل بوصفه
كتلة حية، هذه الفرصة وفرت لي الاطلاع على هذا
الطراز الكلاسيكي في المسرح.
* بعد عودتك من الدراسة في براغ، كيف وظفت هذه
التجربة في الاخراج المسرحي؟
- بعد عودتي الى العراق في عام 1967، كانت الضرورة
توجب عليّ وعلى اي فنان ان يدخل في صلب الحياة
الاجتماعية، وان يتعامل مع النص العراقي، وهكذا
تعاملت مع طه سالم ويوسف العاني وقاسم محمد وعادل
كاظم وعبد الله حسن وكتاب ذوي تنوع خاص المحتوى
والهدف، ولم يكن يتحتم علي ان اجمع كل هذه
المدارس: الواقعية والتجريبية والكلاسيكية في آن
واحد وان اقدمها لشريحة اجتماعية عراقية انذاك،
وادخل متفلسفا باتجاهات اوروبية، وانما كان قربي
من الجمهور هو اساس تفاعل مع الاختيارات الصائبة
لعروض مسرحية ذات محتوى وهدف اجتماعي نقدي، فأخرجت
مسرحية الطنطل، عام 1967 وبعدها (الكورة).
* متى بدأ يتبلور وعيك بمفهوم المسرح التجريبي؟
- عندما سافرت للدراسة الثانية لنيل شهادة
الدكتوراه في جامعة شارلس في امريكا، اغرقت نفسي
بفلسفة غريبة عجيبة في مفهوم المسرح التجريبي
وعملت مع فرق شبابية عديدة وادركت ان التجريب هو
المحرك للذاكرة والذهن، وبالتالي هو اساس على جميع
التيارات، سواء اكانت واقعية ام كلاسيكية ام
تقليدية في المسرح العراقي انذاك، فكان التجريب
ينحو نحو المفهوم المعرفي للقضية للوصول الى حقيقة
النص وليس التعتيم عليه ، التجريب ليس تعتيما بل
هو وضوح بمؤثرات تجعل من الذهن والذاكرة قوة جديدة
لاستيعاب الحدث، اسرع مما هو متاح في الحالة
التقليدية.
* هل كانت مسرحية روميو وجوليت عملا تطبيقيا
تجريبيا؟
- بعد عودتي في بداية السبعينيات، اخرجت مسرحية
روميو وجوليت عام 1975 وكان فيها مزيج من
الكلاسيكية، اقول لك ان نص شكسبير كلاسيكي واين هي
الواقعية في المسرحية؟ اقول انني عكست انذاك الحرب
التي كانت على اشدها عام 1974 بين الشمال والجنوب
في العراق، ولا اقول بين العرب والاكراد ، فكان
خطابي في هذه المسرحية ان العداء لن يدوم، وسيأتي
يوم يفرض فيه التسامح وتفرض فيه قيمة الانسان،
وعندها سوف تتفتح الزهور، كما يقال، لذلك حاولت ان
اسحب المسرحية من كلاسيكيتها الى واقعيتها، فأتصور
ان جولييت هي كردية، وان روميو هو عربي، وحينما
وصلت المسرحية الى ذروة النهاية، كان هناك تصفيق
قوي وشديد، وهذا يعني انني اوصلت الفكرة..
اما التجريب في هذه المسرحية فقد كنت اقرب هذا
الحدث الى حس الجمهور بمعزل عن المفاهيم التقليدية
التي ندعوها بمنهج (ستانسلافسكي).
فالحسي هو كيفية تحقيق جماليات العرض، بالشكل،
والسينوغرافيا والازياء.
كان التجريب في هذه المسرحية جزءا من حياتي
انذاك.. |