|
بعد خمس سنوات على حدوث التغيير أستطيع الزعم بأن
الحوار الحقيقي بين القوى الاساسية في العراق لم
يبدأ بعد وأن محاوره لم يتم تحديدها كما ان
الاسئلة الكبيرة المرتبطة بالمستقبل العراقي ما
زالت معلقة في الهواء ولم تهبط الى الارض لتوضع
على طاولة النخبة السياسية أو لتطرح للحوار
الاجتماعي الموسع .
لو جئت اليوم لتطرح سوألاً على الجمهرة العراقية
الواسعة مضمونه... على ماذا يختلف الساسة في
العراق...؟ فأنك ستجد هامشاً واسعاً من الأختلاف
في الاجابة لابل انك لو طرحت هذا السؤال على
السياسيين العراقيين أنفسهم فسوف تكتشف نفس
المساحة من التباين في الردود ، مثل هذه الحالة
تؤشر لظاهرة خطيرة في الحياة السياسية مفادها ان
الأزمة الراهنة لم تتبلوربعد في شكل أسئلة كبيرة
وان هناك مساحة واسعة من الغموض تحيط بها ..
وانطلاقاً من المنطق الذي يقول ان تشخيص الحالة هو
اول مراحل العلاج وهو الخطوة التي ينبغي ان تسبق
أي تعاطي جدي للخروج من الأزمة يمكن القول أننا
لازلنا بعيدين عن تلمس الطريق الحقيقي للخروج من
المأزق الوطني الراهن.
في علم النفس يقولون ان المخاوف التي تغوص في
أعماق الانسان ولا تطفو على سطح مشاعره وأحاسيسه
هي التي تسبب حالة القلق لديه ، وان هذه المخاوف
ما ان يتم التعبير عنها بكلمات واضحة عنده ، وتصبح
ماثلة لعينيه حتى يضع قدمه على طريق التعافي من
هذا المرض ، يبدو ان هذه الظاهرة ليست صحيحة في
علم النفس فقط ولكنها كذلك في علم السياسة فجزء
كبيرمن أزمتنا يعود الى اننا نختلف ونتقاتل دون ان
نعرف على وجه التحديد لأجل ماذا نفعل ذلك...!!، قد
تكون هناك أسباب واضحة لدى البعض ولكن حتى تلك
الأسباب البدائية والأنفعالية التي قد تكون
تعبيراً عن أزمة نفسية واجتماعية في المقام الأول
هي بالقطع ليست الأسباب التي تجمع المساحة العظمى
من العراقيين ، من اجل هذا كله كان وضع تعريفات
وأطر وتوصيفات للأزمة العراقية الراهنة أمر هام
للغاية وكان تحديد الأسئلة الكبيرة التي يتوزع
حولها العراقيون مهمة في غاية الحيوية ومدخلاً
لابد منه لايجاد علاج حاسم لحالة الاضطراب
والاحتقان الاجتماعي والسياسي الذي يعيشه عراق
اليوم.
اذا قبلنا بفرضية ان الصراع السياسي في العراق
اليوم وكل ما يتفرع عنه يدور بين مكونات وطنية او
بتعبير أكثر صراحة بين سنة وشيعة وأكراد ، مع كل
ما في هذا الافتراض من مجازفة وتجاوز لحقيقة
الانتماء الوطني ، فأن علينا ان نطالب هذه
المكونات بتعريف مشروعاتها بكل وضوح وصراحة وان
تضع على الطاولة أجندتها الحقيقية لا المخفية،
وبالطبع لا نريد مقالات مدبجة ولا نطالب ببلاغة
تخفي الحقيقة
ولكننا نريد تعريفات مختصرة لمشاريع لا تزيد عن
سطرين أو ثلاثة يتفق عليها قادة هذه المكونات
لتعريف مشروعهم الحقيقي وتلخيص طموحهم السياسي،
نريد من السنة ان يقولوا لنا... هل مشروعهم هو
العودة الى الماضي بكل معادلاته وتفصيلاته...؟؟ ام
ان استراتيجيتهم تدعو للعراق العربي الملتصق
ببيئته مع كل ما يفرزه ذلك من خيارات سياسية
واجتماعية، ام ان مشروعهم هو ان يحظوا بالعدالة في
العراق الجديد والمشاركة الطبيعية في السلطة
والقرار وان لا يفرض عليهم الاخرون ثقافتهم وان لا
يطغوا على المشهد الاجتماعي والثقافي في العراق
على حسابهم...
ونريد من الشيعة ان يقولوا لنا ما هو هدفهم الفعلي
الذي يريدون الوصول اليه في آخر المطاف ... هل
المطلوب هو دولة دينية يفرضون فيها ثقافتهم على
باقي العراقيين ويستأثروا بالحصة الأعظم من السلطة
ومغانمها وفق تفسيرهم لمنطق الأكثرية
السكانية...؟؟ ام ان المطلوب هو دولة عصرية ينالون
فيها حصتهم العادلة وبما يعوضهم عن حرمان الماضي
وتعقيداتها ...؟؟
ومثل هذا السؤال بالطبع يطرح على الكرد فهل يريدوا
ان يكونوا جزءاً أبدياً من كيان عراقي يعترف
بخصوصياتهم ولا يمارس ضدهم أي صورة من صور الحرمان
..؟؟ ام انهم يعتبرون انفسهم عراقيين بحكم الضرورة
لا بحكم الاختيار وما عليهم سوى انتظار الظروف
الدولية والاقليمية لكي تنضج وتحقق لهم حلم الدولة
الاسلامية ...؟؟ هل يريد الأكراد مثلاً ان يحظوا
بكل ثمرات الانتماء للعراق دون ان يدفعوا اية
استحقاقات لذلك الانتماء. بالطبع هناك اشكاليات
ضخمة متعلقة بطلب الاجابة على هذه الأسئلة فبادئ
ذي بدء لا يمكن اهمال الاعتراض الذي يطرحه
الوطنيون العراقيون والعلمانيون الذين يرفضون ان
يكون الحوار على أساس المكونات لا على أساس الهوية
الوطنية العراقية كما ينكرون التحاكم على أساس
البرامج الطائفية و العرقية بدلا من البرامج
السياسية والاجتماعية , لكننا حتى إذا تجاوزنا هذا
الاعتراض وأردنا أن نتعامل مع الواقع المختل
باعتباره واقعا لا باعتباره مختلاً فأننا سنواجه
بجملة من المشاكل العملية ,فمن ناحية يثور سؤال
.... من يملك حق الإجابة عن هذه المكونات؟ حتى أذا
اجبنا بأنهم القادة السياسيون والممثلون المنتخبون
فسنكتشف انه ليس من السهولة إن يتفق هؤلاء على
تعريف محدد لمشاريعهم وان هناك هامشا واسعا من
التباين بين قيادات المكون الواحد .
هنا نصل إلى استنتاج مفاده هوان حوارا قد ينشأ
داخل التكوين الواحد للوصول إلى جواب محدد , وقد
يقرر كل تيار سياسي إن يختار أجابته المستقلة دون
إن يرتهن لإجابة الآخرين ورغم إن وجود أكثر من
تعريف وتوصيف قد يزيد المهمة صعوبة لكنه بالقطع
لايمكن لنا إن نتخيل مشهدا امتحانياً يقدم فيه
سؤال إلى الممتحنين ثم يطلب منهم ان يقدموا مظروفا
يحتوي على الإجابة ولكن المطلوب هو حوار وطنــي
موسع داخل كل التكوينات المجتمع العراقي حوار
تقوده النخبة السياسية ويشارك فيه الجميع من اجل
الوصول إلى إجابات واضحة لأسئلة كبيرة بات بقائها
معلقة في الهواء يؤذن بالكثير من التعقيد للمشهد
الوطني والمزيد من التلوث والتعفن للجرح العراقي.
هذه الاجابات ستسهل عملية التحاور الوطني الشامل
بين كل مكونات المجتمع العراقي وتقلص مساحة الغموض
وتيسر عملية عزل المتطرفين على هذا الجانب او ذاك،
قد يكتشف العراقيون وقياداتهم انه لاداع لهذا
الثمن الباهظ لصراعاتهم وان هناك أرضية حقيقية
للتفاهم وان عملية تقوم على تسويات تاريخية
وتنازلات متبادلة وتوافق للإرادات قادرة على بناء
نموذج عراقي قابل للحياة والازدهار، لقد اخترنا
لمقالنا هذا عنوانا ندرجه تحت باب ( في أصول
المسالة العراقية ) لإيماننا بان البحث في أصول
المسائل والقضايا لا فرعياتها هو الطريق المفضي
لإيجاد الحلول وانه يوم ان نتعرف على ماهو (أصل)
في أي ظاهرة ونفصله عما هو (فرعي أو ثانوي) نكون
قد اقتربنا من عملية وضع اليد على موطن الداء
الحقيقي. |