|
الحلقة
الرابعة
غسان شربل
ما عاشه العراق في العقود الثلاثة الماضية هو
نتيجة جريمة غير مقصودة ارتكبها قائد الحرس
الجمهوري ابراهيم الداود. لو لم يفتح ابواب القصر
لما نجح البعثيون في اسقاط عبدالرحمن عارف والعودة
الى السلطة. وكان اول ما فعلوه هو إطاحة الداود
وحليفه عبدالرزاق النايف. واضاف: قتلوا النايف
لاحقاً اما الداود فيلتزم صمتاً مطبقاً ويعيش مع
مشاعر الغضب والندم. ضاعف كلام السياسي العراقي
البارز رغبتي في اخراج الداود من صمته. كان ذلك في
30 تموز (يوليو) 1968. نفذت قيادة البعث قراراً
كانت اتخذته قبل يومين من استيلائها على السلطة في
17 من الشهر نفسه. دخل صدام حسين وصلاح عمر العلي
بالرشاشات الى مكتب الرئيس احمد حسن البكر. شهرا
السلاح في وجه رئيس الوزراء عبدالرزاق النايف
ودفعاه الى المنفى. في اليوم نفسه ابلغ عضو مجلس
قيادة الثورة وزير الدفاع الفريق الركن ابراهيم
الداود خلال وجوده في عمان، بتجريده من كل مناصبه.
حاول العودة عنوة فهددوا بإسقاط طائرته ودفعوه الى
المنفى.
سر 17 تموز
أنا اخترت موعد 17 لأنني اتفاءل به. ابني أركان
ولد في 17 أيلول (سبتمبر). اعتبر هذا التاريخ
مباركاً. اخترت 17 تموز وكان ليل الأربعاء -
الخميس. صلاح عمر العلي لا يعرف لماذا اخترت 17
تموز. أنا قررت الموعد وليل الأربعاء - الخميس
ذهبت بالزي المدني إلى مركز الاستخبارات العسكرية.
قلت للنايف اريدك أن تأخذني إلى نادي المنصور
لأنني اريد أن أشرب. استغرب سعدون غيدان الحاضر
وقال: "خالي منذ متى تشرب أنت؟". وعرض أن يرافقنا
فقلت اريد أن أشرب مع النايف وحده. الحقيقة أنها
كانت ذريعة للتحدث إلى النايف، فأنا لم أشرب في
حيـــاتي. ذهبنا إلى مطعم فاروق وجلسنا في زاوية.
قلت للنايف: "أنا قررت ازاحة عبدالرحمن عارف. اياك
أن تبلغ أحداً. لم يكن البكر وحردان وعماش على علم
بالموعد. كانوا يعرفون انني قررت إطاحة عبدالرحمن
عارف لكنهم لا يعرفون الموعد. ربما لهذا السبب
راودتهم شكوك على رغم اتفاقنا على توزيع المناصب.
صارت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. قلت له أنا
سأتوجه إلى البيت لارتداء ملابسي العسكرية. بعد
قليل قرع الباب، وإذ بالنايف يقول اخبرت الثلاثة
فجنوا وأصروا أن يروك ولو دقيقتين.
الداود وعبدالرزاق النايف
ذهبنا إلى بيت مولود مخلص فاستقبلني البكر قائلاً:
"يا أخي أبو أركان هل حسبتها جيداً؟". فأجبت:
"ستكون كشربة السيجارة، اطمئن". قال حردان: "أنا
لا أملك بزة عسكرية وجسمي قريب من جسمك فلو تعطيني
واحدة". وكان عماش حاضراً.
ألم يكن صدام وصلاح عمر العلي هناك؟
- لم يكن لهم هناك أي أثر. كنا نحن الخمسة وحدنا.
رجعت إلى البيت وأعطيت النايف بزة عسكرية ليلبسها
حردان. وكنت وعدت البكر أن أرسل ضابطاً لاحضاره
إلى القصر مع حردان وعماش، فطلب أن تكون السيارة
ذات ستائر حتى لا يعرفه أحد.
ذهبت إلى بيت ابن شقيقتي محروس توفيق خلف وهو ضابط
في الحرس الجمهوري وطلبت منه أن ينادي مجموعة من
الضباط وأصدرت أوامري. سيطرنا على القصر، ونحن
حراسه أصلاً، وسيطرنا على بغداد. عرف عارف بوجود
تحرك وقال لمن اتصلوا به الآن يأتيهم ابراهيم
ويحبط التحرك فأبلغوه انني قائد التحرك. عندها لم
يبقَ عليه إلا أن يتقبل قدره.
سيطرنا على القصر والعاصمة. سألوني ماذا نفعل
بالرئيس، فقلت نرسله إلى لندن حيث تعالج زوجته.
واتصل حردان بنجل الرئيس وهو ضابط وصعد معه إلى
الطائرة. الواقع أن عارف نقل إلى بيت حردان
بانتظار تحضير الطائرة.
هنا كنت ارسلت ضابطاً اسمه طارق حمد الجبوري
لاحضار أحمد حسن البكر وأدخلتهم إلى القصر
الجمهوري. انتهى كل شيء واحضر هيثم نجل البكر غداء
تناولناه في مقر كتيبة الدبابات. وبين وقت وآخر
كان البكر يسألني متى سندخل القصر، أي مكتب
الرئاسة.
لكن صدام يقول إنه دخل القصر على أول دبابة؟
- دعك من روايات صدام وصلاح عمر العلي. 17 تموز
أنا قائدها. أمن القصر من مسؤوليتي وأنا سيطرت
عليه.
والبكر؟
- جاء به طارق الجبوري قبيل الصباح وبعد انتهاء كل
شيء. وقد اعدموا الجبوري لاحقاً.
من أبلـــــغ عــــارف بالحـــركة الانقـــلابية؟
- اتصل به عبدالرزاق النايف وقال له هناك ثورة في
البلد. فأجاب: "الآن يأتيهم إبراهيم". فأجابه:
"ابراهيم هو القائم بها". أخذ إلى بيت حردان وجاء
ابنه الملازم أول قيس وأمن حردان لهم طائرة إلى
لندن.
هذه هي الرواية الحقيقية. أنا سيطرت في الثانية
فجراً على القصر. والاذاعات كانت بيدي. أتحدى صدام
وغيره. ما هذه الروايات والأكاذيب. اعترف أنهم
خدعوني لكن أن يزوّروا مجريات 17 تمــوز فهـــذا
غـــير مـــقبول. |