القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (555) الاحد 6 / نيسان / 2008م ـ 29/ربيع الاول/ 1429 هـ

حشود الاسطول السادس واجتياح غزة مقدمة للمواجهة
شبح الحرب الامريكية ينتقل من ايران الى لبنان

 نيقوسيا/رياض علم الدين
لم يفاجأ الخبراء الذين يراقبون حركة الاساطيل والبوارج الحربية الامريكية والاطلسية في المنطقة بأرسال المدمرة يو اس كول، ومجموعة قتالية مرافقة لها تابعة للاسطول السادس الذي مقره نابولي بأيطاليا الى المياه الدولية المواجهة لسورية ولبنان قبل ثلاثة ايام فقط من صدور قرار مجلس الامن الثالث بتشديد العقوبات ضد ايران.
ولعل المفارقة في ان بعض المراقبين كانوا يتوقعون تحريك الاسطول الخامس وزيادة الحشود الامريكية العسكرية في مياه الخليج كتقليد تعتمده واشنطن عادة لزيادة الضغوط العسكرية على طهران في موازاة الضغوط الدولية التي تحملها قرارات مجلس الامن ضد ايران.
لكن المطلعين على خفايا مناقشات القرار 1803 وما رافقه من معلومات عن الاتصالات والمفاوضات السرية الدائرة بين واشنطن وطهران وانعكاساتها على استراتيجية بوش الجديدة للتعامل مع (الازمة الايرانية) كانوا على دراية مسبقة بأن تحولات مهمة طرأت في الاسابيع الماضية وقادت الى ما يشبه الانفراج، ولو التكتيكي في الصراع الامريكي- الايراني وبالتالي الى انحسار شبح الحسم العسكري مع طهران سواء بسبب البرنامج النووي او التدخل الايراني في العراق.
وتكشف مصادر امريكية مطلعة ان تطورين مهمين حدثا في الايام الماضية ساهما في اسقاط الخيار العسكري عن الطاولة واعادة الحديث مجددا عن صفقة التسوية بين واشنطن وطهران.
التطور الاول ظهر من خلال القرار الذي صدر بدون اي فيتو روسي او صيني قد اعاد تشديد العقوبات على طهران وضم عددا جديدا من رموز الحرس الثوري والمسؤولين والشركات الاقتصادية والمالية المتهمة بالمساهمة بالبرنامج النووي الايراني ووصل الى حد الدعوة الى تفتيش السفن والطائرات القادمة من ايران او المتوجهة اليها.
لكن الواضح ان القرار لم يكن بالتشدد المطلوب او الذي تضمنته صيغ سابقة بل تميز بأنه لوح بغصن الزيتون، وليس بالضربة العسكرية لطهران بدعوته الى استئناف المفاوضات وتحديدا العودة الى العرض الاوروبي بتزويد طهران باليورانيوم المخصب وانشاء كونسرتيرم دولي لمساعدتها على اقامة برنامج نووي مدني.
وكان لافتا للمراقبين ان صدور هذا القرار الدولي قد تزامن مع حملة اعلامية شارك فيها مسؤلون امريكيون حرصوا على ابداء انفتاح فاضح على حكام طهران في وقت كان بعضهم يعتبر من ابرز دعاة تشديد العقوبات والحصار الى حد التهديد بالحسم العسكري.
ومن مقدمة هؤلاء كان زلماي خليل زاد السفير الامريكي السابق في العراق الذي انتقل الى الامم المتحدة ونيكولاس بيرنز نائب وزيرة الخارجية الذي تولى ملف التعبئة ضد ايران لسنوات طويلة قبل استقالته مؤخرا.
وفجأة تراجع هذان المسؤولان الامريكيان عن موافقهما المتصلبة وانتهجا خط الدعوة الى التفاوض والدبلوماسية والاعلان عن استعداد واشنطن لفتح مفاوضات مباشرة مع طهران شرط موافقتها على تجميد تخصيب اليورانيوم - وليس وقفه- وذهب نيكولاس بيرنز الى ابعد من دعوة خليل زاد هذه بالقول:
ان قضية البرنامج النووي الايراني ستنتقل الى خليفة بوش وستظل الازمة قائمة (بلا حسم عسكري) حتى العام 2009.
اما الاوساط الدولية المتابعة لخلفيات قرار العقوبات الجديدة فراحت تؤكد ان المطلوب حاليا على خلفية القرار الجديد هو دفع ايران الى قبول مبدأ (التجميد مقابل التجميد) اي تجميد تخصيب اليورانيوم مقابل تجميد قرارات العقوبات الدولية!!
وتؤكد المصادر الامريكية المطلعة ان هذه المعادلة الانفتاحية والحوارية الجديدة تعكس معادلة جديدة بدأت تسود المفاوضات السرية الامريكية- الايرانية وهي انعكست في شكل واضح على الساحة العراق، وظهرت عبر (الزيارة التاريخية) التي قام بها الرئيس الايراني احمدي نجاد الى العراق.
فهذه الزيارة لم تكن، في نظر هذه الجهات الامريكية تحديا ايرانيا للامريكيين الذي يمثلون هذا البلد العربي وينشرون فيه حوالي 160 الف جندي.
بل شكلت نوعا من الاعتراف الايراني بشرعية الاحتلال الامريكي مقابل اعتراف امريكي بتكريس النفوذ الايراني في العراق وما سماه احد الخبراء انجاز تصدير الثورة الاسلامية الى العراق كمرحلة اولى من مخطط تصديرها الى المنطقة وفرض الهيمنة الايرانية والنفوذ الايراني الاقليمي.
فقد كان واضحا ان زيارة نجاد لم تكن لتحصل بدون ضوء اخضر امريكي..
والمعلومات تشير الى ان الشرط الامريكي الوحيد لها كان في جعلها (قصيرة هادئة) ولهذا لم تمتد خمسة ايام كما طلب نجاد بل يومين شارك خلالهما الامريكيون في الاشراف على مخطط حماية الرئيس الايراني بدون الظهور مباشرة وسمحوا له بدخول (المنطقة الخضراء) التي تعتبر محمية امريكية بأمتياز ولقاء المالكي على بعد كيلو متر واحد من مقر السفارة الامريكية!!
وفي معلومات ان زيارة نجاد وتجوله في المنطقة الخضراء وخارجها بأمان تام لم تكن المؤشر الوحيد على تقدم مفاوضات الصفقة بين واشنطن وطهران، وما سماه البعض التوافق على تقاسم النفوذ في العراق..
بل ان التقارير السرية تحدثت عن تزامنها مع استرتيجية جديدة اعتمدها بوش للتعامل مع ايران شعارها الحفاظ على الوضع القائم وانتهاج التهدئة والتمهيد لفتح صفحة جديدة مع ايران يتولاها خليفته في البيت الابيض.
يتوقع ان تتكرس صفقة حقيقية مع خليفة نجاد في طهران بعد انتخابات منتصف 2009 الرئاسية.
ولعل ابرز ما كشفته هذه التقارير هو ان بوش اختار مهادنة الايرانيين في العراق (كما في البرنامج النووي) وذلك الى حد انه قرر سحب الامر الذي اصدره سابقا بمطاردة قوات الحرس الثوري و (فيلق القدس) في العراق ورفض رفضا قاطعا اقتراحات تقدمت بها القيادة العسكرية الامريكية في العراق مؤخرا عندما طلبت الضوء الاخضر لشن حملة عسكرية ضد الميليشيات والنظيمات الايرانية المسلحة في العراق!
وفي معلومات ان الجنرالات الامريكيين قد تقدموا بهذا الطلب بعدما تبين لهم ان التدخل العسكري الايراني في العراق قد استؤنف بشكل ملحوظ في الاونة الاخيرة..
وان قوات من (فيلق القدس) قد انسأت (سرايا قتل) تتولى مهمة تصفية رموز (مجالس الصحوة) والقبائل السنية التي تتعاون مع الامريكيين في محاربة القاعدة!!
وتضيف هذه المعلومات ان الوفد الايراني الذي وصل الى بغداد بعد يومين من عودة نجاد الى بلاده لاستئناف المفاوضات مع الامريكيين التي قامت ايران بتأتجيلها عدة مرات، كان يضع موضوع الاف مقاتلي الصحوة في مقدمة المطالب الستة داخل المؤسسة العسكرية والاجهزة الامنية العراقية خصوصا بعدما تبين للايرانيين ان رئيس الاركان الامريكي الاميرال مايك مولن الذي زار العراق في نفس فترة زيارة نجاد قد التقى مسؤولين في هذه المجالس وضباطا سابقين في الجيش العراقي.
من العراق الى لبنان
وعلى الرغم من ذلك يستبعد المراقبون المطلعون ان تقود نقاط الخلاف المتبقية بين واشنطن وطهران حول العراق، كما حول النووي الى مواجهة بين البلدين وتؤكد ان كلا منهما بدأ يسير في اتجاه التوافق على (اقفال الملف العراقي) في الفترة المتبقية من عهد بوش وفق المعادلة القائمة حاليا على الاقل في انتظار شهر يوليو (تموز) موعد انجاز المفاوضات الامريكية- العراقية و(الايرانية) حول اتفاقية الوجود العسكري الامريكي الدائم في العراق.
وفي معلومات هذه المصادر ان الاستحقاقات الخطيرة التي تنتظر لبنان والخيار الامريكي الاخير بأرسال البوارج الحربية الى قرب الشواطيء اللبنانية والسورية ترتبط بأستراتيجيتين ايرانية وامريكية تهدف كل منها الى تحييد ساحة الخليج وتحديدا الساحة العراقية ونقل المواجهة الى لبنان وسورية واسرائيل..
وفي رأي احد الخبراء الامريكيين ان بوش يسعى الى الاحتفاظ بالانجاز العراقي بوضعه الحالي ونقله الى خلفه، وهو بالتالي يرغب الى تحييد الساحة العراقية في الاشهر المقبلة.
وفي المقابل يبدو ان ملالي طهران الذين يعولون على الرئيس الامريكي الجديد لانجاز الصفقة مع واشنطن راغبون بدورهم في اكمال عملية (هضم) العراق وزيادة النفوذ الاقليمي عبر الانتقال الى (قضم) لبنان.
وعلى ضوء ذلك يعتبر العديد من المراقبين ان ساحة المواجهة المقبلة قد انتقلت من الخليج الى المتوسط ومن ايران والعراق الى لبنان وسورية حيث ينتظر ان تشهد الاشهر المقبلة مواجهة خطيرة جدا بين محور واشنطن ومحور طهران- دمشق وحزب الله.
وتؤكد مصادر مطلعة ان لعبة (القط والفأر) الايرانية- الامريكية- قد انتقلت الى لبنان حاملة معها حادث التفجير الاقليمي الخطير وكذلك شبح الحرب الذي كان يخيم على منطقة الخليج.
وفي اخر التقارير ان الكشف عن ارسال المدمرة كول وبعض القطع الحربية الامريكية الى المتوسط لم يكن سوى الجزء المعلن من استعدادات اقليمية..
فثمة من يقول دولية لحرب مدمرة تهدد المنطقة هذا الصيف ، وفي المعلومات ان اعلان واشنطن عن وصول (كول) الى المياه الدولية اللبنانية والسورية كان يهدف اولا الى توجيه رسالة واضحة الى ايران وسورية بأن لبنان هو (خط احمر) وان تكرار الانجاز الايراني، في العراق لن يتكرر في لبنان.
ويبدو واضحا ان (الرسالة العسكرية) الامريكية كانت تهدف الى ابعد من دعم قوى 14 مارس (اذار) وحكومة السنيورة والغالبية اللبنانية، وهي رسالة متعددة الاهداف والاتجاهات وتركز في شكل خاص على سورية وايران وحزب الله.
وتؤكد معلومات امريكية ان بوش الذي قرر تحييد العراق وتجميد الملف النووي الايراني لحسابات داخلية وسياسية وعسكرية تجعل من الصعب شن الحرب المخططة ضد ايران في الاشهر المتبقية من عهده قد اختار نقل المواجهة من حرب مع ايران الى حرب مع سورية ومن تحد لنجاد لبشار الاسد...
حيث تشير التقارير الى ان الهدف الابرز لحشد البوارج الامريكية في المتوسط هو توجيه رسالة واضحة للنظام السوري..
وفي المعلومات ان الرسالة لم تكن رمزية فقط بل ان واشنطن قد ابلغت سورية صراحة بأن بوارجها حاملة الصواريخ على استعداد لقصف دمشق وليس فقط لفرض حصار بحري تنفيذا لسلسلة عقوبات يتوقع ان تتعرض لها دمشق بقرار من مجلس الامن في الاسابيع المقبلة.

5500عالم عراقي قتلوا و(الفاعل مجهول)
الموساد أوفد مجموعات سرّية الى العراق لمطاردة العلماء والباحثين والمفكّرين والأطباء لا سيما الطاقمين النووي والكيميائي

 المشاهد السياسي
في الذكرى الخامسة لحرب العراق سؤال: من يتكتّم على عصابات قتل العقول العراقية التي ذهب ضحيتها أكثر من خمسة آلاف عالم وجامعي عراقي حتى الآن، وما هي نتائج التحقيقات التي أجريت في هذه القضية؟ وتحت عنوان (الفضيحة) نحاول ان نفتح ذلك الملف ونلقي الضوء على خفاياه. والمقصود بالفضيحة أن ملفات المتهمين بهذه الجريمة أحيلت على المحاكم الجنائية العليا في بغداد، لكن أي مرجع عراقي رسمي، قضائي أو سياسي، لم يكشف حتى اللحظة أي معلومة تتصل بجرائم التصفية التي استهدفت الآلاف، وكأن المقصود التستر على هذه الجرائم ومرتكبيها أو الذين حرّضوا عليها ولا يزالون. والمطلوب في النهايةـ وهذا ما بات يعرفه الجميع ـ تفريغ العراق من عقوله كي يسهل قياده، ومنع العلماء الذين هاجروا من العودة كي لا يكون للعراق مستقبل في المدى المنظور.
من قتل العلماء العراقيين؟
حتى الآن، ورغم مرور خمس سنوات على بدء المجزرة التي تستأصل رؤوس العراق وأدمغته، لم يجب أحد عن السؤال. الذين اعتقلوا يعدّون بالآلاف، والذين أطلق سبيلهم بعد التحقيق يعدّون بالمئات، لكن أي قرار ظني أو اتهامي لم ينشر، وأي تفصيل لم يتسرّب عن هويّة القتلة، والجرائم التي ارتكبت تعدّ بالآلاف، والعراق يفرغ كل يوم من النخبة، وليس من يدل على الفاعلين أو المتهمين. وفي معلومات مسربة أن عملية وأد العقول العراقية التي بدأت في اليوم الثاني لسقوط بغداد، تتوزّع بين أطراف ثلاثة:
ـ الطرف الأول هو "الموساد" الذي أوفد مجموعات سرّية الى العراق لمطاردة العلماء والباحثين والمفكّرين والأطباء، لا سيما الطاقمين النووي والكيميائي، وتصفيتهم بناء على قرار اتخذ على أعلى المستويات الأمنيّة في إسرائيل.
ـ الطرف الثاني هو المخابرات الأميركية المركزية، التي قدّمت عروضاً مغرية للعلماء العراقيين من أجل التعاون معها، بينها تأمين عقود عمل لهم في الولايات المتحدة وضمان سلامتهم، والذين رفضوا هذه العروض تمّت مطاردتهم وتصفيتهم على مراحل.
ـ الطرف الثالث هو جماعات مسلحة وقد صدرت إليها التعليمات بالانخراط في حملة التصفية بناء على توجيهات خارجية.
حتى الآن، كل ما صدر عن السلطات العراقية يقول إن "جماعات مسلّحة مجهولة" قتلت عشرات الأكاديميين والباحثين، واستهدفت كذلك الأطباء والمهندسين وكبار الموظّفين الحكوميين السابقين، لكن هذه "الايضاحات" لا تكشف هويّة هذه الجماعات لا بصورة مباشرة ولا غير مباشرة، وكأن المقصود أن يستمر التعتيم على المجرمين كي تتواصل عملية الذبح التي تستهدف الجامعيين العراقيين الى ما لا نهاية.
اللائحة الأولى التي نشرت، والتي ضمّت مئات العلماء العراقيين الذين تعرّضوا للاغتيال، ظهرت في موقع إلكتروني عراقي انفرد بنشر أسماء بضع مئات من الأكاديميين والباحثين خطفوا وقتلوا في جامعات العراق، من دون تعليق اللائحة. الثانية نشرها موقع اخر قال إن عملية خطف العلماء تتّسع ولا يستبعد أن تكون هناك "جهات أجنبية" وراء الظاهرة لإفراغ العراق من كوادره المميّزة. والتصريحات الأولى التي صدرت حول هذه العمليات جاء على لسان طبيب في وزارة الصحّة العراقية هو الدكتور محمود العباسي الذي قال: إن هذه الظاهرة تحتاج الى بحث واستقصاء لأنها ليست عملاً عبثياً، وإنما هي من تخطيط جهات أجنبية، وأصابع الاتهام تتجه نحو "الموساد" الإسرائيلي الذي يعتبر الجهة الوحيدة التي تمارس مثل هذه الجرائم، لأنه سبق أن اغتال عدداً من علماء الجامعات العراقية وأساتذتها، لا سيما في بغداد والمنطقة الشمالية. في وقت لاحق كشفت مصادر في وزارة الداخلية أن إجراءات أمنيّة مشدّدة اتخذت لمواجهة عمليات الخطف والتصفية التي تتولاّها عصابات مسلّحة في حق العلماء والأطباء، بقصد حرمان العراق من عقوله المبدعة.
كل هذا حصل في مرحلة الحكم الانتقالي، مباشرة بعد سقوط بغداد، مع حديث تكثّف في تلك المرحلة عن دخول مجموعات من "الموساد" مختلف المدن العراقية، في حماية الجيش الأميركي، بحثاً عن علماء الذرّة العراقيين وأشهر علماء الكيمياء. في الفترة نفسها، وبعد مضي بضعة أشهر على انتهاء الاجتياح، نشر موقع "العراق " الإلكتروني معلومات أكثر تفصيلاً. وقد استند الموقع الى تصريحات أدلى بها الدكتور زياد عبد الرزاق، وزير التعليم العراقي السابق (في زمن صدّام) يقول فيها: إن ????? عالم وباحث وأستاذ جامعي عراقي فصلوا من أعمالهم في سياق الحملة الأميركية ـ الإسرائيلية التي استهدفتهم، وقد تكتّمت وزارة الداخلية العراقية على نتائج التحقيقات التي طاولت المتّهمين في عمليات الاغتيال ضد أصحاب الكفايات العلمية العراقية، في حين أطلقت السلطات الأميركية عدداً منهم ورفضت الكشف عن نتائج التحقيقات التي أجريت معهم.
في السياق نفسه، اتّهم وكيل وزارة الصحّة العراقية عامر الخزاعي "أيادي خفيّة وخبيثة" بالوقوف وراء هذه الظاهرة، بهدف تعطيل عملية النهوض بالعراق من جديد"، وشاركت في هذا الاتهام رئيسة مركز الدراسات الفلسطينية في جامعة بغداد هدى النعيمي التي قالت إن "الموساد" يقف وراء التصفيات، وأن عروضاً إسرائيلية قدّمت الى فريق من العلماء العراقيين للعمل في إسرائيل، وتبلّغ أصحابها رسائل تقول: عليكم أن تختاروا بين القبول أو الاغتيال!
في الوقت نفسه حذّرت هيئات محلية في العراق من أن أعداداً كبيرة من العلماء يتعرّضون للضغوط من أجل الرحيل عن بلادهم، وأن بعض تلك الهيئات تلقّت نداءات استغاثة من علماء وأطباء يشكون من أنهم مهدّدون إذا لم يتركوا أعمالهم ويهاجروا.
وقد تكثفت التهديدات الى حدّ ان مجموعة كبيرة من الباحثين العراقيين وجهت رسائل عبر الإنترنت بعنوان: "علماء الأمّة مهدّدون" طلب موقّعوها من الجهات العربية المعنيّة العمل على إنقاذهم من عمليات الدهم والاغتيال والتصفية التي يتعرّضون لها، خصوصاً الخبراء منهم في مجال التسلّح. وفي ?? أيار (مايو) نشرت صحيفة "المنار" الفلسطينية الأسبوعية، أن الولايات المتحدة نقلت اليها أكثر من سبعين عالماً عراقياً، ودفعت بهم الى معسكرات خاصة كي تضمن عدم قيامهم بتسريب معلومات أو معارف عسكرية الى جهات تصفها الدوائر الأميركية بأنها "معادية" وتشكّل خطراً على المصالح الأميركية. وتشير مصادر الصحيفة الى أن هؤلاء العلماء موجودون في المكان نفسه الذي نقلت اليه مجموعة علماء من مختلف الجنسيات. كما يعملون في برامج تطوير الأسلحة الليبية في طرابلس الغرب على أيدي رجال المخابرات الأميركية.
في مجال آخر، كشفت "المنار" أنه رغم التعاون الوثيق بين "الموساد" و"سي آي إيه" في عملية التحضير للحرب على العراق، إلا أن صراعاً نشأ بين الجهازين محوره استقطاب العلماء العراقيين بطرق خاصة الى الداخل الأميركي كما الى الداخل الإسرائيلي، وقد استخدمت إسرائيل في هذه المحاولة الأسلوب الذي استخدمته بعد تفكك الاتحاد السوفياتي عندما استدرجت عشرات العلماء الروس مع برامجها التسليحية ونقلتهم الى قاعدة سرّية في وسط إسرائيل.
وما يؤكّد الدور الإسرائيلي في خطف وقتل أو استقطاب العلماء العراقيين، التصريحات التي أدلى بها في ? نيسان (أبريل) ???? جنرال فرنسي متقاعد الى القناة الخامسة في التلفزيون الفرنسي، أكد فيها أن أكثر من ??? جندياً من وحدات "الكوماندوس" الإسرائيلية دخلوا الأراضي العراقية في مهمة تستهدف اغتيال العلماء العراقيين الذين كانوا وراء برامج التسلّح العراقية الطموحة في أيام النظام السابق، وقد قدّمت أسماء الإسرائيليين الى لجنة مفتشي الأسلحة الدولية التي ترأسها هانز بليكس في حينه. ومما قاله الجنرال الفرنسي: إن مخطط الاغتيال هذا تمّ وضعه من قِبل مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، وأن لديه معلومات دقيقة عن الغرض المقصود منه، وهو تصفية العلماء الذي خطّطوا للقوّة الصاروخية العراقية ووضعوا أسس البرنامج النووي، كما ساهموا في برنامج الأسلحة الكيميائية الذي أرعب إسرائيل، وعددهم ???? عالم من ذوي الخبرات العالية، بينهم نخبة تتكوّن من ??? عالم اشتغلوا في تطوير مختلف الأسلحة.
في وقت لاحق نشر "مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية" تقريراً مفصّلاً عن أبعاد المخطط الأميركي ـ الإسرائيلي الذي يهدف الى منع العراق من إعادة بناء ترسانته العسكرية، واستقصاء المصادر التي استقى منها العلماء العراقيون معلوماتهم ومعارفهم، ومنع انتقالهم الى أي بلد عربي أو إسلامي، وتحذيرهم من معاودة نشاطاتهم تحت أي صورة من الصور، في المجلاّت التي ترى واشنطن أنها محظورة عليهم. ويوضح التقرير أن المخطط يقوم على عدد من المحاور الرئيسية وأبرزها:
تدمير البنية التحتية العراقية المتطوّرة التي سعى العراق الى بنائها منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، مستفيداً من قدراته المالية التي وفّرت له التكاليف الباهظة لامتلاك الأسلحة المتطوّرة، ومستثمراً حالة الدعم الأميركي والغربي له تحت مظلّة التحالف الذي كان قائماً بينهما في ذلك الوقت. وقد بدأ تنفيذ هذا المخطّط عندما قامت إسرائيل بقصف المفاعل النووي العراقي "تموز" في حزيران (يونيو) من العام ????، ثم أُعقب باستصدار واشنطن مجموعة من القرارات غير المسبوقة من مجلس الأمن تدعو الى تدمير هذه البنية ونزع أسلحة العراق عقب حرب الخليج الثانية، وبقيام بوش باستغلال هذه القضية كمبرّر لإعلان الحرب على العراق، وغض القوّات الأميركية الطرف عن عمليات النهب والسلب التي أعقبت احتلال بغداد، والتي طاولت أكثر من ??% من المختبرات والأجهزة داخل الجامعات ومراكز البحث العلمي في العراق. ـ أما المحور الثاني من المخطّط فيقوم على ملاحقة العلماء والخبراء الفنّيين العراقيين والعرب الذين عملوا في برامج التسليح العراقية. وفي هذا السياق، يقول التقرير إنه منذ بدء البرنامج النووي العراقي، عملت إسرائيل على تعقّب العلماء العرب الذين كانت لهم صلة بتطوير هذا البرنامج، وهو ما حدث مع عالم الذرّة المصري يحيى المشدّ الذي استعين به كحلقة وصل مع مؤسّسة الطاقة الذرّية في فرنسا. لكن عناصر من "الموساد" استطاعت اغتياله في باريس أثناء مهمّة له هناك في صيف العام ????. كذلك يوضح التقرير، أنه رغم أن النفط كان وما زال الدافع الرئيسي لتلك الحرب، فإن استهداف العلماء العراقيين كان عاملاً مهمّاً أيضاً، وهو ما عبّر عنه البريغادير جنرال فينسنت بروكس من مقرّ القيادة المركزية الأميركية قبل شهرين من الحرب، عندما تحدّث عن أهمية العلماء العراقيين بالنسبة الى الولايات المتحدة، حيث قال: "إن واشنطن لها أهداف أخرى غير الاطاحة بصدّام، على الأخص مقدرة العراق على تطوير أسلحة نووية أو كيميائية أو بيولوجية ضمن برنامج القضاء على أسلحة الدمار الشامل"، كما عبّر عن ذلك بوضوح جاك بوت رئيس بعثة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في العراق قبل الحرب حين قال: "يجب أن نحدّد ما إذا كانت توجد قدرات نووية في العراق أم لا؟، وبالنسبة لي فإن ذلك يشمل العقول والأسلحة". كما تحدّث العديد من الدوائر داخل أميركا عن هذا الموضوع، فقد دعا "جون بي ولفثال" عضو برنامج حظر انتشار الأسلحة النووية في مؤسّسة "كارنيغي" وهو مستشار سابق لسياسات منع الانتشار النووي في وزارة الطاقة الأميركية.. إلى استقطاب علماء العراق مذكّراً بما حدث بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، حيث تعاونت الولايات المتحدة وأوروبا واليابان على إغراء علماء الأسلحة السوفيات، لضمان عدم قيامهم ببيع خبراتهم أو أي مواد تحت تصرّفهم كسباً للرزق، وأوضح أنه يمكن تبنّي الحل ذاته في العراق، فبدلاً من تعقّب هؤلاء العلماء والخبراء، فمن الأفضل أن يمنح غالبيتهم عفو عام مقابل تعاونهم. وكتب مارك كلايتون في صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" في تشرين الأول (أكتوبر) ????، محذّراً من العقول المفكّرة التي تقف وراء المخزون العراقي من الأسلحة، وقدّم لائحة بأسماء علماء العراق الذين تدرّبوا في الولايات المتحدة، وقال: "إن هؤلاء العلماء والفنّيين أخطر من أسلحة العراق الحربية، لأنهم هم الذين ينتجون هذه الأسلحة"، ودعا المفتشين الدوليين إلى ضرورة إيجاد هؤلاء الأشخاص إلى جانب مهمّتهم في البحث عن أسلحة الدمار الشامل العراقية. ويشير التقرير إلى أن واشنطن اتخذت العديد من الاجراءات لتحقيق هدفها في تفريغ العراق من علمائه قبل إعلان الحرب عليه، فقد أصرّت على تضمين قرار مجلس الأمن الرقم ???? الذي صدر في العام ????، فقرة تجبر العراق على السماح للمفتشين الدوليين باستجواب علمائه وفنّييه حتى لو تطلّب الأمر تسفيرهم هم وعائلاتهم خارج البلاد، لضمان الحصول على معلومات منهم عن برامج التسلّح العراقية. كما أقرّ الكونغرس الأميركي في مطلع العام ???? قانون "هجرة العلماء العراقيين" الذي ينص على منح العلماء العراقيين الذين يوافقون على تقديم معلومات "ذات صدقيّة" بشأن برامج التسلّح العراقية تصريح إقامة دائمة في الولايات المتحدة. وقد حصلت بعد الحرب على العراق على قوائم بأسماء هؤلاء العلماء، خصوصاً الذين ساهموا في برنامج التسلّح العراقي، من لجان التفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرّية التي تعاقبت زياراتها للعراق قبيل الحرب. ويشير التقرير إلى أن الخطة الأميركية عملت على إجبار العلماء العراقيين على الاختيار بين عدّة بدائل هي: ـ العمل داخل العراق شريطة التزامهم عدم تقديم خبراتهم إلى دول معيّنة تحدّدها واشنطن، وقد أعدّت الخارجية الأميركية في هذا الصدد خطة حملت اسم "مبادرة رعاية العلوم والتكنولوجيا والهندسة في العراق" فاقت ميزانيتها ?? مليون دولار، من أجل توظيف العلماء العراقيين في أبحاث سلمية داخل العراق.
ـ إغراء هؤلاء العلماء بالعمل في الولايات المتحدة ذاتها، مع منحهم حق الاقامة فيها. وقد أكّدت مصادر علمية رفيعة المستوى في العراق، أن ثمّة مفاوضات تدور مع الكثير منهم لنقلهم إلى مراكز بحثية غربية، كما عرض على العديد منهم السفر إلى إسرائيل، والعمل في جامعاتها ومعاملها التي تتسم بدرجة عالية من التطوّر والتقدم التكنولوجي والعلمي، والحصول منها على درجات علمية. وقد استجاب بعضهم بالفعل لمثل هذه الدعوات، وعلى رأس هؤلاء الدكتور كنعان مكية رئيس قسم الدراسات الشرق الأوسطية في جامعة بوسطن والمحاضر في العديد من الجامعات الأوروبية، وطاهر لبيب أستاذ علم الفيزياء النووية، ومحمود أبو صالح المتخصّص بالتكنولوجيا. أما من يرفض من العلماء العراقيين التعامل مع هذه الخيارات السابقة، فإن المصير الذي ينتظره ما زال مكتنفاً بالغموض. ومن خلال مراجعة دراسات أخرى تعود الى مطلع التسعينيات من القرن الفائت، يتبيّن أن المـؤسسات الأمنيّة والعسكرية الأميركية كانت منذ ذلك الوقت تركّز على الخبرة التي يملكها العراقيون. وفي مقال لمارتن أنديك نشر في مجلة "الشؤون الخارجية" في العام ????، نقرأ: إن الاهتمام الأميركي بالعراق يرجع الى أسباب عدّة أهمها الخبرة العراقية الكبيرة والمتراكمة في مجال التصنيع العسكري والبحث العلمي، وهناك آلاف العلماء العراقيين الذين يشكّلون بحق مصدر خطر في الشرق الأوسط لأنهم قد ينقلون خبراتهم الى دول عربية وإسلامية.
ولم يخف الأميركيون اهتمامهم بموضوع العلماء العراقيين منذ بدء التحضير للحرب الأخيرة، إذ ركّزوا عى الأسماء وطالبوا المحقّقين في لجنة الأنفوميك" بضرورة إعطاء الأولوية لاستجواب هؤلاء العلماء، وتحديد أسمائهم، الأمر الذي مهّد في مرحلة ما بعد الاحتلال لملاحقتهم، وتنفيذ خطط موضوعة سلفاً للتعامل معهم. وفي بعض الاحصاءات غير الرسمية أن شهر أيار (مايو) ???? شهد مقتل ??? عالماً وباحثاً عراقياً، وأن العدد ارتفع الى ??? في حزيران (يونيو) ثم الى ??? في آب (أغسطس). وقد استقرّ متوسط عدد هذه الاغتيالات على ??? ضحيّة في الشهر، اعتباراً من آب (أغسطـس) ???? حتى أوائل العام ????. وتقول إحصائية صادرة عن عدد من المنظّمات غير الحكومية التي قامت بزيارة العراق بعد الحرب، أن صناعة الاغتيال التي ازدهرت بعد سقوط بغداد، حملت آلاف الأطباء والمهندسين والباحثين والجامعيين على مغادرة العراق قبل أن تشملهم لائحة التصفيات الطويلة في غياب الرادع الأمني. وتؤكد هذه المنظّمات أن التصفيات كانت تجري في الشارع من دون إنذار مسبق، قبل أو بعد صلاة الجمعة، عندما يتأكد الجناة هويّة الشخص المراد قتله، وفي كل الحالات كانت التحقيقات تحفظ تحت عنوان أن "الفاعل مجهول".
إحصائية أخرى أعدّتها "رابطة الأساتذة الجامعيين" في بغداد تؤكّد أن ?? في المئة من عمليات الاغتيال استهدفت العاملين في الجامعات، وأكثر من نصف القتلى يحملون لقب أستاذ أو أستاذ مساعد، وأكثر من نصف الاغتيالات وقعت في جامعة بغداد، ثم البصرة، ثم الموصل والجامعة المستنصرية، و?? في المئة من العلماء الذين تمّت تصفيتهم يحملون شهادة دكتوراه دولة من جامعات غربية، ثلثهم مختص بالعلوم والطب، و?? في المئة منهم أطباء ممارسون، وقد قتل ثلاثة أرباع الذين تعرّضوا لمحاولات اغتيال والربع الذي نجا فرّ الى الخارج.
وتبقى شهادة ذات دلالة خاصة وردت على لسان العالم العراقي الدكتور نور الدين الربيعي الأمين العام لاتحاد المجالس النوعية للأبحاث العلمية، رئيس أكاديمية البحث وأحد أبرز العلماء العراقيين في مجال التكنولوجيا النووية. يقول الربيعي: إن التقدّم التقني للعراق كان أحد أسباب الحرب، وقد سبق لمادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية أن صرّحت "ماذا نستطيع أن نفعل مع العراق غير تدمير عقوله التي لا تستطيع القنابل الذرية أن تدمّرها، فتدمير العقول العراقية أهم من ضرب القنابل".
يضيف الربيعي: لقد تحقّق الوعيد الذي أطلقه جيمس بيكر في وجه طارق عزيز وهما مجتمعان في جنيف في العام ????، إذ قال: إذا لم تتعاونوا معنا فسوف نعيدكم الى عصور ما قبل الوسطى". ويستطرد: "إن اغتيال علماء العراق جزء من استراتيجية الفوضى المنظّمة التي اعتمدها الاحتلال لتطويع العراقيين وإخضاعهم، وعلى أساسها تمّت استباحة قصور الدولة ومنشآتها الحكومية ومصارفها وجامعاتها ومصانعها ومراكزها الهندسية العسكرية ومتاحفها ومكتباتها الى جانب كنوزها التراثية".
ويبقى السؤال مطروحاً: لماذا التغطية على المجزرة التي استهدفت علماء العراق، ولماذا لا يتم نشر محاضر التحقيق كاملة مع الموقوفين المتّهمين، أو عناوينهم العريضة على الأقل؟
واضح تماماً أن التحقيقات التي تمّت كشفت بالأدلّة القاطعة هويّة الفاعلين والجهات التي تقف وراءهم، لأن أحكاماً قضائية صدرت في حقهم تراوحت بين الاعدام والسجن المؤبّد، فلماذا تتلكأ السلطات العراقية في الجهر بالحقيقةمن أجل حماية من بقي حيّاً في المجتمع الأكاديمي العراقي؟.

السياسة العلمية .. وخطط التنمية العراقية

 د.عبدالامير مطلك فنجان
تعتبر وظيفة البحث العلمي ، وما يتمخض عنها من نتاجات قابلة للتطبيق - أحد المصادر الرئيسية لدفع عجلة التنمية الوطنية الى الامام ، والنهوض بمقوماتها المادية والبشرية في إطار مفهوم شامل ومترابط ، مابين الاهداف المرسومة لعملية التنمية والوسائل المتاحة لبلوغها
إنّ للبحث العلمي دورا" في تناول المشاكل التي واجهت عملية التنمية فيها ، على أساس تحديد هوية الجهد العلمي الوطني ، وعلى نحو واضح من الآليات ومدعوم من الدولة ، بحيث يجعل إستجاباتها سليمة في تبني مشروعات إقتصادية ناجحة من قبل قطاعات الدولة أو القطاع الخاص ، ويمتد هذا الدور ليشمل الاستمرار باعداد الدراسات والبحوث العلمية لمعالجة المشاكل التي قد تظهر أثناء تشغيل تلك المشروعات . لقد إستندتْ تجارب العالم المتقدم في مجال البحث العلمي ، على ما جاءت به نظريات التنمية من فلسفات ، أخضعتْ للتحليل الموضوعي ، ثم تكييفها مع واقع اقتصادها ، عبرّ دراسة المشاكل التي تواجه أساليب العمل والانتاج ، واكتشاف مصادر جديدة للمواد الاولية ، إضافة الى إعادة تنظيم القاعدة الصناعية القائمة إعتمادا" على فئة خاصة من الباحثين والمبتكرين . وبسبب ظهور عنصر المنافسة ، وإتساعهِ على الموارد المادية والبشرية المتوفرة في إقتصادياتِ البلدان ، وتزايد الحاجات الانسانية - إتجه العالم ومنذ بدايات القرن التاسع عشر بصورة تدريجية ، نحو بناء مجتمع يقوم على إقتصاديات معرفية متطورة ، بالاعتماد على معطيات العلم وتوظيفها لخدمة المجتمع . إنّ أيّة جهود تبذل نحو رسم سياسات البحث العلمي ونقل التكنولوجيا ، لابُد أنْ تأخذ بنظر الاعتبار الاليات التي تقود بالنهاية الى تحويل نتاجات البحوث النظرية الى تقنيات قابلة للتطبيق على أسس إقتصادية وتنظيمية تعتمد على تنمية الموارد البشرية ، وتشجيع الابتكار والابداع ، وزيادة الانفاق على نشاط البحث والتطوير ، وفتح آفاق التعاون مع المنظمات الدولية والمراكز الاقليمية ، بحيث تساهم في إحداث نقلّة نوعية في هيكل المجتمع وتحويلهِ من مجتمع مستهلك الى مجتمع منتج - مؤهل لمواكبة التطورات العلمية في مختلف الحقول التقنية مثل : الصحة ، الزراعة ، الصناعة ، الاتصالات ، المعلومات ، النقل ، الطاقة . تتباين السياسات المعتمدة في مجال العلوم والتكنولوجيا من دولة لاخرى ، إعتمادا" على الظروف الاقتصادية والسياسية ، ودرجة التطور الصناعي ، والقدرات المالية ، والموارد البشرية المتوفرة فيها . إنّ ما يميّز تجربة سياسات العلوم والتكنولوجيا في أميركا - إنها وظّفتْ معطيات العلوم والتكنولوجيا لتحقيق نمو سريع في الاستثمارات الاقتصادية ، وتخصيص جزء كبير من أرباحها لدعم وتحفيز نشاط البحث والتطوير بوساطة الاستفادة من خدمات التكنوقراط الذين هاجروا من دوّل أوربا الى أميركا ، والتطبيق السريع لنتائج البحث والتطوير ، وبناء مفاهيم ومؤسسات تتجاوز أدوات الانتاج ذات الطابع التقني البحثي . أما التجربة اليابانية ، فقد تبنتْ إسلوب الهندسة العكسية في إدخال وتوطين التقنيات الحديثة ، ورسمتْ خطة بعيدة المدى لتحقيق الابداع والابتكار العلمي والتقني بوساطة تفعيل قطاع التربية والتعليم بمختلف مراحلهِ عبرّ إستيعاب التقنيات الحديثة ، وتجديدها باستمرار ، وتطعيمها مع أساليب الادارة لغرض تنمية القدرات الوطنية . إنفردتْ التجربة الصينية بميزة إنتاج التقنيات اللواتي تحتاج الى كثافة عالية في الايدي العاملة ، واقتصارها على الصناعات الالكترونية والخفيفة اللواتي يمكن إنتاجها خارج المعامل ، وبالمواصفات النوعية اللواتي تتطلبها الجهة المستفيدة . لقد لجأت الصين الى الخبرات الاجنبية في المراحل الاولى من عملية تطوير وتوطين التقنيات اللواتي تم إدخالها . على الرغم من الكثافة السكانية التي يتميز بها الاقتصاد الصيني ، إلا ّ إنها استفادت ْ من أتمتة أدوات ووسائل الانتاج ، مما خفّض من قيمة رأس المال في العملية الانتاجية . إنّ البحث العلمي العراقي يطمح أن يعتمد على سياسة نقل وتوطين التكنولوجيا
تستند هذه السياسة على تحديد دورة نقل التكنولوجيا من : الاختراع ، التقويم التكنولوجي ، الحماية العلمية ، تسويق التكنولوجيا ، المنتجات والخدمات ، البحث والتطوير ثم التسويق . يعتمد هذا النوع من السياسة على التجديد المستمر للتكنولوجيا ، إذ إنها تعتمد على تخطيط التنمية ، الذي يتطلب وضوح الرؤى حول أهداف التنمية بالاعتماد على توزيع الموارد المتوفرة ، وتحديد حصة كل قطاع ، والعمل على تطويعها مع ترشيد عمليات النقل التكنولوجي بوساطة الخطط والاستراجيات والوسائل اللواتي تسيطر على إختيار التقنيات ، وإنتقاء أدوات نقلها . وعليه لا بُد من تشجيع الدولة للبحث العلمي للاغراض السلمية بما يخدم الانسانية ، وترعى التفوّق والابداع ، وأنْ تعمل جاهدة" على تحديد جهة مركزية ، تتولى مسؤولية التخطيط وإدارة النشاط العلمي ونقل التكنولوجيا على مستوى العراق . وبالتالي لا بُد من توظيف نتاجات العلماء والباحثين العراقيين في مجال البحث العلمي العراقي ، وجعلها في خدمة برامج التنمية الحالية والمستقبلية بوساطة إيجاد الاليات اللازمة لتحقيق التنسيق العالي ما بين مراكز البحوث الوطنية والقطاع الحكومي ، والقطاع الخاص . عموما" تهدف السياسة المقترحة الى إيجاد الاسس والقواعد السليمة اللازمة للنهوض بنشاط البحث العلمي في العراق ، ووضع الالية المناسبة لاداء العلماء والباحثين الى المستوى الذي يؤهلهم لمواكبة التطورات العلمية الحاصلة في العالم لغرض دعم برامج التنمية الوطنية ، وبناء البنى التحتية للعراق بوساطة توظيف نتائج البحوث العلمية لخدمة المجتمع . وعليه ، لابُد من وجود إستراتيجيات ذوات أهداف محددة في مجال البحث العلمي والنقل التكنولوجي من قبل الوزارات الاساسية مثل : وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، وزارة العلوم والتكنولوجيا ، وزارة الصناعة والمعادن ، وزارة البيئة ، لصهرها في مجرى التنمية الوطنية ضمن الخطة الخمسية المقترحة ، ليتسنى رسم السياسات العلمية والموضوعية لتحقيق الاهداف الاستراتيجية المرسومة للبحث العلمي والنقل التكنولوجي في العراق .

الــدول الفاشـلة واخطـار الـغـد

 د. احمد ابو زيد
من الملاحظ على الصعيد الدولي انه في الوقت الذي تتراجع فيه الحروب بين الدول عما كانت عليه الحال في القرون السابقة يزداد الصراع الدموي والحروب الداخلية في كثير من انحاء العالم وبخاصة في دول العالم الثالث- وفي افريقيا بالذات
بل ولم تسلم من هذه الظاهرة بعض المجتمعات التقليدية ذات الحضارات القديمة والتراث الثقافي الطويل والعميق.
وقد افلحت المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن السياسية والاقتصادية والحروب الداخلية في ان تفرض نفسها على المجتمع الدولي بأسره.
اذ يعيش الان ما يزيد على بليوني نسمة في مجتمعات تعاني من هذه الصراعات وتتعرض للانهيار، نتيجة لاستفحال المخاطر التي تهدد كيانها من الداخل وتشكك في فرصة استمرار وجودها كمجتمعات متكاملة لها هوياتها الخاصة المتمايزة.
فقد وصلت مؤسسة الدولة في تلك المجتمعات الى درجة من الضعف افقدتها القدرة على التصدى بقوة وفاعلية لهذه الاضطرابات الداخلية، وما يترتب عليها من ازدياد حالات العنف وانتشار الجرائم والفقر والفساد ونمو الحركات الارهابية والجريمة المنظمة وانتشار الاسلحة في ايدي الاهالي العاديين وتعرض البلاد لاعاصير التطرف السياسي والديني والعرقي ولكثير من تيارات الفكر المناوئة، التي تمثل تهديدا ليس فقط لوحدة مجتمع الدولة/ الامة ولكن ايضا خطرا على استقرار وامن وسلامة المجتمع الدولي ككل.
ولذا تسمى هذه الدول العاجزة عن اداء وظائفها سواء فيما يتعلق بالسلامة الداخلية ام امن العالم بالدول الفاشلة.
فالدول الفاشلة تفتقر الى القدرة على السيطرة على ارضها والدفاع عنها، ضد اي عدوان.
كما تفتقر الى وجود قدرة شرعية تستطيع الاعتماد عليها في تعبئة الرأي العام لتأييد ومساندة قراراتها وتعجز عن توفير الخدمات العامة الاساسية لشعوبها.
ومع ذلك فأن المشكلة الحقيقية ليست هي غياب قوة الدولة او عجزها عن الفعل بقدر ما هي غياب حقوق الفرد وعدم وجود قاعدة وقوانين تكفل حماية افراد الشعب من الاجراءات التعسفية التي كثيرا ما تلجأ اليها الاجهزة الحكومية والفئات المتسلطة في نظم الحكم الاستبدادية.
وتقدر بعض البحوث التي اجريت عام 2005 عدد الدول الفاشلة في العالم بنحو ستين دولة حسب ما جاء في تقرير نشرته مجلة (السياسة الخارجية) ..
في 8 سبتمبر 2005..
وقد اثارت هذه الدراسة كثيرا من النقاش والخلاف والجدل حول مفهوم (الفشل) خاصة ان التقرير ينظر الى ذلك المفهوم من منظور واسع جدا يعتبر الفشل مرادفا لغياب او عدم كفاءة النظم والمؤسسات في اي مجال من مجالات الحياة، وعدم فاعلية او جدوى القوانين القائمة بالفعل في الدولة.
وفي مقال نشرته جريدة الاندبندنت البريطانية بتاريخ 19 اغسطس 2004 عن مفهوم الدولة/ الامة يقول الكاتب ادريان هاملتون انه على الرغم من ان مصطلح (الدول الفاشلة) شديد الانتشار والتداول فأنه لايساعد كثيرا على فهم الاوضاع في العالم بل انه كثيرا ما يساء استخدامه.
فبعض رجال السياسة على سبيل المثال يعتبرون افريقيا كلها (قارة فاشلة) بسبب الاضطرابات التي تعم اجزاء كثيرة منها والعجز عن التصدي بنجاح للفساد وتهريب الاموال للخارج وانتشار تجارة المخدرات، وغيرها من الممارسات السلبية التي تمنع الاستقرار الداخلي وتسيء الى العلاقات مع الاخرين..
فثمة اذن اسباب كثيرة تؤدي الى الحكم على دولة بأنها دولة فاشلة..
الدولة الفاشلة
وخلال حوار اجراه ايمي جودمان وخوان جونزاليز مع المفكر الامريكي الكبير نعوم تشومسكي ونشر بتاريخ 13 مارس 2002 يقول تشومسكي ان:(الدولة الفاشلة) مصطلح صاغة الامريكان بعد تراجع استخدام بعض المصطلحات الاخرى مثل الدولة ذاتها هي المسؤولة في المحل الاول عن فشل الدولة ولكن هناك بغير شك عوامل اخرى خارجية تسهم في ذلك الفشل ليس اهونها واقلها شأنا الاستعمار الغربي الذي استنزف قوى تلك الشعوب ماديا وبشريا ومعنويا، ثم هناك القيود الشديدة التي تفرضها الدول المتقدمة الان على تداول المعرفة لتضمن عدم وصولها الى الدول المتخلفة واتباع سياسة حجب المعلومات المتقدمة الحديثة وعدم نشرها على نطاق واسع والافادة من التقدم العلمي والتكنولوجي وغير ذلك من المعوقات التي ترمي في اخر الامر الى الابقاء على الدول الفاشلة في مستوى الفشل الذي تراوح فيه وعدم السماح لها بتجاوزه، وذلك على الرغم من كل دعاوى تلك الدول المتقدمة وتظاهرها بعكس ذلك ولكن يبدو ان الدول الفاشلة انتبهت الى ذلك واخذت تعمل على التغلب عليه بمختلف الطرق بما فيها القرصنة العلمية بعد ان انعدمت ثقتها في الغرب وفي اهدافه ومرامية..
نذر الزوال
هذه الاوضاع تثير قلق المجتمع الدولي بعامة والدول المتخلفة التي تؤلف العالم الثالث بوجه خاص نظرا لان بقاءها على حالة الفشل ينذر بزوالها نتيجة للتقدم الذي تحرزه وتحققه الدول المتقدمة بأستمرار ودون توقف مثلما يزيد خطورتها على السلام العالمي، ففي تقرير ظهر بمجلة السياسة الخارجية (يوليو- اغسطس) 2007 تقول المجلة ان اشد الدول ضعفا يمكن ان تكون مصدر خطر حقيقي على العالم كله.
وان عدم الاستقرار لن يكون محدودا او محصورا في نطاق ضيق بل قد يتجاوز كل الحدود السياسية والجغرافية اذ لم يعد البعد المكاني عامل امن في ذاته من الاخطار التي يمكن ان تنتقل بسهولة عبر الكرة الارضية كلها في زمن وجيز للغاية.
وهذا يثير التساؤل عن مدى امكان التوصل الى استيراتيجية لتدعيم الدول الفاشلة والانتقال بها خارج نطاق الفشل وكيف يمكن انقاذ وتقوية الدول التي على وشك الانهيار والتي يهدد انهيارها التوزان الدولي والنظام العالمي كله؟
الاجابة عن هذه التساؤلات تتوقف على مدى ادراك اصحاب القرار في الدول الفاشلة ذاتها لحجم الاخطار التي تحيط بها وبالعالم كله.

أمـوات فـي طــوابير الانتظار!

  د. سليمان الهتلان
يا لها من صدمة ـ وهي أخطر من وصفها بالصدمة ـ أن نرى تلك الطوابير المتزاحمة أمام المخابز ومحلات بيع الدقيق في أكثر من قطر عربي. هل يعقل أن تصل بنا سوء الحال إلى التدافع أمام المخابز والموت في طوابير الانتظار من أجل الحصول على رغيف خبز؟ أليس في هذه الصورة المخيفة لطوابير المنتظرين أمام المخابز - في أكثر من مدينة عربية ـ دليل ساطع على فشل كبير في خطط التنمية في المنطقة العربية؟ وهل تفيقنا أزمة الخبز الراهنة كي نعيد النظر في خطط التنمية ونبدأ جدياً في ترتيب أولوياتنا التنموية؟ أسئلة محرجة تتبعها يتبعها مزيد من الأسئلة. ففي ظل اليأس المهيمن على المنطقة، هل نلوم آلاف الشباب العرب إن بحثوا عن أي فرصة للهجرة الدائمة إلى الغرب؟ تلك أسئلة أثق أنها تثار اليوم في أكثر من عاصمة عربية غير أن الأهم من طرح الأسئلة هو البدء في تنفيذ مشاريع تنموية تأخذ في الحسبان أهمية البحث عملياً عن آليات ضمان "الأمن الغذائي" عربياً قبل أن تكبر المشكلة وتزداد تعقيداً. واحدة من الأسباب الجوهرية في هذه الأزمة تأتي في غياب القراءة الصحيحة والدقيقة لما يحدث اليوم في العالم من حولنا. يخبرني مسؤول خليجي كبير قبل أيام أن بلاده الآن تعاني من عودة كثير من الخبراء والمهندسين الناجحين الهنود إلى بلادهم لأن النمو الاقتصادي المستمر في الهند بدأ يوفر لهم خيارات أفضل مما هو متاح حتى في بلدان الخليج العربية. الطبقة المتوسطة في الهند تنمو بشكل متسارع وفي نموها زيادة في الطلب على المواد الغذائية التي تصدرها الهند وزيادة في العروض المغرية للخبراء الهنود في الاغتراب. ليس جديداً القول أن نمو الطبقة المتوسطة في أي بلد هو دلالة صريحة على صحة الاقتصاد وخطط التنمية في ذلك البلد. وفي المقابل، كلما تقلصت الطبقة المتوسطة في أي بلد كلما زادت الفجوة بين أقلية فاحشة الثراء وأغلبية ساحقة تقارب خط الفقر. المؤسف أن بيننا - ممن يعنى بالتخطيط والتنمية - من ظن طويلاً أن العالم سيبقى على حاله وأن الهند - مثلاً - ستبقى فقيرة تصدر الأرز والعمالة للعرب فيما نظل نحن في العالم العربي نبيع النفط ونشتري الغذاء وما يصنعه الآخرين وكفى الله المؤمنين شر القتال! هنا تزداد الصورة قتامة. وحينما تصل الحال بمجتمع يموت أفراده في طوابير الانتظار أمام المخابز فتلك دلالة أخرى على أننا أمام كارثة خطيرة لن يتحقق معها أي سلم اجتماعي أو استقرار سياسي، تلك فعلاً خيبة أمل جديدة تعيشها منطقتنا اليوم وربما تقود إلى ما هو أسوأ. في العالم العربي اليوم، نحن أمام أزمة ضخمة تتمثل في زيادة خطيرة في عدد السكان مقابل انخفاض متواصل في مستوى دخل الأفراد وهجرة متلاحقة للقدرات البشرية التي تبحث - معذورة - عن نافذة أمل خارج حدود منطقة تعصف بها المخاطر من كل اتجاه. والهجرة نحو الغرب أصبحت اليوم طموحاً وأمنية لآلاف الشباب في البلاد العربية فمن يحصل منهم على "فرصة العمر" وهي الهجرة إلى أوروبا أو أميركا تحديداً كالناجي من محرقة! وفيما تزداد منطقتنا تصحراً وجفافاً وتتواصل الأزمات الاقتصادية وتتكاثر المخاطر من كل صوب تواصل النخب انشغالها بمصالحها الخاصة أو بصراعاتها الفكرية (بين الحلال والحرام والتكفير والتحريض) غافلين عن الحقيقة الأكيدة: الجميع في سفينة واحدة، أم أننا - كلنا ـ فعلاً في نفق لا يؤدي أبدا إلى نقطة ضوء؟ ومع كل هذا ثمة من يسأل: لماذا يهاجر الشباب العربي إلى الغرب؟ في الوطن العربي اليوم آلاف من النماذج النابغة التي حتماً سنخسرها في هجرتها أو في بقائها. فكيف لنابغة أن ينجح في بيئة لا تملك أن تهيئ أمامه أية فرصة للنبوغ والنجاح؟ قبل سنتين التقيت بشاب فلسطيني اسمه أحمد يدرس في الجامعة الأميركية في الشارقة. لم يكن أحمد يترك فرصة للسؤال عن الجامعات الأميركية إلا ويقتنصها. من أسئلته تعرف بسهولة مستوى طموحه وتطلعه للتميز. وكنت وما زلت أستثمر أي فرصة للحديث عن أحمد وما يمثله من طموح وجد ونبوغ وتطلع نحو الأفضل. هذا هو النموذج الذي تمنيت وأتمنى أن يتكاثر في بلداننا. عاد أحمد لدراسته وانشغلت أنا بما أنا فيه حتى جمعتني به الصدفة قبل أيام في المركز التجاري بدبي. أين غبت يا أحمد؟ كان يجيبني وحماسه الذي أعرفه فيه يطغى على صوته: أخطط لرحلتي إلى نيويورك للعمل هناك. وقبل أن أسأله عن فكرة مواصلة دراسته في أميركا، وهي طموحه القديم، بادرني يطمئنني بأنه يخطط للعمل في الوول ستريت لسنتين أو ثلاث حتى يؤسس لمستقبله وحتى يسهل قبوله في إحدى الجامعات الشهيرة في أميركا تلك التي تقدر الخبرة العملية كما تقدر التحصيل العلمي. لكن أحمد فاجأني وهو يتحدث بثقة في رؤيته عن حرصه على إنجاز طموحه في الدراسة والعمل في أميركا كي يؤمن مستقبله ومستقبل أولاده. ففيما والدي أحمد يفكران في راهنه بدأ أحمد يفكر مبكراً في مستقبله وفي مستقبل أبناءه اللذين لم يلدوا بعد. هذا هو النموذج الذي يحتاجه الوطن العربي لأنه يفكر في غده أكثر مما يفكر في يومه وهذا هو النموذج الذي ـ للأسف - تخسره مجتمعاتنا المزدحمة بالمنشغلين بأنفسهم وبيومهم تاركين أمر غدهم للمجهول! أم أننا أمة تسيّر أمورها بالبركة؟ وهل ستسوء بنا الأحوال في الوطن العربي فنبقى أمام خيارات كثيرة للموت كالموت عطشاً أو الموت انتظارا لرغيف خبز أو الموت على طرق الموت بين المدن أو الموت تحت وطأة حروبنا وفتاوينا وجهالاتنا وخيباتنا؟ محزنة هي تلك الأسئلة

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com