|
البصرة
/ ياسر جاسم قاسم
(الهيمنة- نظام يقوم على فرض أسلوب معين للحياة
والفكر ووجود تصور وحيد للحقيقة يسود في المجتمع
ككل ويمحو كل مظاهر الوجود البشري من عادات
وأخلاقيات ومبادئ دينية وسياسية) انطونيو كرامشي
انطلاقا من التفسيرات المنطقية لمعنى الهيمنة
ننقسم إزاءها عدة أقسام ضمن من يعتبر الهيمنة حسب
التفسيرات المنطقية والتي نستطيع اختصارها بقول
كرامشي الذي ورد في أعلاه حيث يعتبرها تدميرا
شاملا للثقافة التي نهجناها ضمن مجتمعاتنا وضمن
قدراتنا التي أوصلتنا لها وبالنتيجة فالهيمنة من
المنطلق الثقافي هي سيطرة شاملة ونظرة أحادية
الجانب الى أي مشروع ثقافي يطرح أمامها وذلك لان
من ينتهجها يحاول دائما العمل على سيادة مشروعه
الثقافي والمعرفي في جانب واحد وإلقاء ما أمامه
لعل هذا ما طرحته الهيمنة عند القوى الاستعمارية
طوال قرون عديدة ومن أي جهة كانت سواء كانت
احتلالات عربية لدول أجنبية أو العكس احتلالات
أجنبية لدول إسلامية وعربية وبالنتيجة فقد أفرزت
هذه الحقبة من التاريخ حروب ثقافية وذلك لمقاومة
الهيمنة التي تحاول القوى الغازية فرضها على
الجماعات المحكومة ومن هنا نستطيع القول ان
الهيمنة تنتج حربا ثقافية لما تحوي من جانب
استفزازي في هذا المجال وحسب الشكل في أدناه: وترى
في أساليب الهيمنة التعددية من ناحية :
السياسة ـ الاقتصاد ـ الدين ـ التراث والتاريخ ـ
القيم ـ الثقافة تحت مسمى كبير ـ القوى السلطوية.
فنرى الهيمنة تنتقل من السياسة إلى الاقتصاد إلى
الدين إلى التراث إلى القيم وهكذا وتفرض كل ما
تشاء من هذه الأمور تحت القوى السلطوية الحاكمة
حيث لولاها لم تستطع الهيمنة الاقتصادية على سبيل
المثال أن تفرض نفسها بقوة على البلد المحتل مثلا
أو الهيمنة الثقافية التي مارسها الفرنسيون مع
الجزائر كانت تحت طائلة السلطة الحاكمة الفرنسية
وبالنتيجة فنحن عندما نريد تحليل الحروب الناتجة
عن الهيمنة نجدها في الغالب حرب ثقافات cultures
war وذلك لان الثقافة المسلط عليها تحاول أن تفرض
حضورها في ظل ثقافة سلطوية وبالنتيجة هناك باعث
ايدولوجيا مدمر للمجتمع عندما لا يكون وفاقا على
مبادئ مهمة. هذا عندما تكون قوى احتلالية تسيطر
على دولة أو مجتمع ما ولكن كيف إذا تكون الهيمنة
من داخل المجتمع الواحد حيث نرى نظرة أحادية الفكر
في كل شيء وهذه القوى المهيمنة تتخذ أشكالا عديدة
فمنها قوى سياسية ومنها قوى اقتصادية ومنها سلطوية
حاكمة ومنها دينية ومنها ثقافية ولكن تشترك بشيء
واحد ان لديها قوة غاشمة تعمل على إشاعة مفاهيمها
ومحاربة المفاهيم المناهضة أي تحارب ثقافات معينة
وتنتهج لمجتمع ثقافتها الأحادية النظرة والضيقة
الأفق،وبالنتيجة فان الصراعات الناتجة من هذه
القوى المهيمنة او ما أسميناه فيما سبق بالحرب
الثقافية الناتجة من الهيمنة ليست حربا سلمية
بالضرورة أو في كل الأحوال كما إنها لا تقل ضراوة
وشراسة عن الحروب الاستيطانية أو التجارية
والاقتصادية وان هدفها الأخير هو تحقيق الهيمنة
السياسية والاقتصادية والثقافية ولكن بأسلوب مختلف
ظاهره المعاونة على تحقيق التقدم الثقافي والفكري
من خلال عمليات التغيير التي تقوم بها حيث ان هذه
الحروب الثقافية بعض الأحيان تنتهج ظاهرا قبل
الشروع ببدئها إنها تحاول أن تساعد في تحقيق تقدما
ثقافيا أو اقتصاديا أو سياسيا أو اجتماعيا ضد
الثقافة الأخرى ومجرد أن تنتج في بث ما تريد تبدأ
الهيمنة مما يدفع الثقافة المقابلة للرد وهنا يكون
بقوة. قد يتساءل سائل ويقول لماذا تقوم الجهة التي
تريد بالهيمنة بهذا المبدأ وللجواب فان الذي يقوم
بالهيمنة ليست لديه الأساليب الكافية والحقيقية
لإقناع الناس بمبدئه وبتصوراته حول الفكر والثقافة
وأي ناحية أخرى من نواحي الحياة مما يدفعه للتفكير
بالقوة كحل أخير لكي يشيع نظريته. اذن فالهيمنة
سلاح عند من هم عالة على الفكر والثقافة كي يحققوا
ما يريدوا في مجالاتهم كافة والتي اشرنا إليها
فيما سبق. وهنا لا بد من الإشارة الى العولمة
كمصطلح يحاول الكثير عده ضمن سياقات الهيمنة
الثقافية على العالم ولكن نراه غير صحيح بدرجة ما
وذلك لان ثقافة العولمة تعمل اليوم على جعل العالم
قرية صغيرة متحاورة تفرض من خلالها ثقافات عدة
وليست ثقافة واحدة فالعولمة حققت جانبا من
الاتصالات العالمية بين العالم جعلت منه مجموعه
كبيرة من الناس المتحاورين بل ان الاعتقاد في ان
العالم يتجه الان نحو التقريب بين ثقافاته
المتعددة والمتنوعه بحيث يتنبا الكثيرون بقرب او
على الاقل امكان قيام ما يطلقون عليه اسم الحضارة
العليا او المتميزة او الحضارة السوبر super
civilization التي تتعدى كل الحدود وتحاول ان تصنع
مجتمعا كوكبيا 1(( حروب الغد الثقافية –د.احمد ابو
زيد- عالم انثربولوجي من مصر ،مجلة العربي
،العدد589،ديسمبر 2007)) ولكن اعتقد ان هذه
الحضارة السوبر هي صعبة التحقيق ولا أبالغ اذا قلت
انها مستحيلة وذلك لوجود ثقافات مناهضة لثقافة
العولمة الواحدة والتي تشترك بالكثير من المشتركات
العالمية وهنا لا يفوتني ان اذكر المعاهد والوسائل
الثقافية التي أعدت في هذا الجانب لتحقيق هذه
المسائل ومنها معهد الأخلاقيات الكوكبية the
institute of the global ethics والذي يعمل على
إشاعة مجموعة مصطلحات متفق عليها عالميا ومنها
:قيم التسامح. وغيرها من القيم المتفق عليها دينيا
وعالميا وإنسانيا بالدرجة الأولى. وهنا سينفتح
أكيد باب النقاش بين الأديان حول التفسيرات لكل من
هذه المصطلحات فماذا يعني التسامح عند الإسلام
وعند المسيحية وهكذا وذلك لان الأديان تختلف في
تفسيراتها وفي سيرتها حول تطبيق كل هذه المصطلحات
وكذلك تختلف في التنظير لها. إن الثقافة تراث
إنساني شاركت فيه كل حضارات وأمم العالم. وأسهمت
في تكوينه قرائح المبدعين من أبناء أصغر الشعوب
وأقلها شأناً إلى أكبرها... ولا تستطيع أمة مهما
حشدت من الشواهد، أن تزعم لنفسها السبق على غيرها
في تدعيم أركان الفكر الإنساني. ذلك أن هذه الأمة
-وإن بدت اليوم عملاقة- قد مرت في فترات ضعف
وخمول. واستقبلت أكثر مما أعطت. وليس ذلك عيباً أو
عاراً.. فبمقدار ما قدمت حضارتنا العربية وثقافتنا
وفكرنا العربي، بمقدار ما أخذ، وكذلك سائر
الثقافات العالمية. وتشير مواقع الأرقام القياسية
في تاريخ ثقافتنا العربية الإسلامية إلى تلازم هذه
الأرقام الصاعدة مع حركة انفتاح ثقافي عربي بلا
حدود ولا قيود تقريباً. فقد انفتحت ثقافتنا
العربية في العصر العباسي -بحذر أول الأمر- على
مختلف الثقافات العالمية آنذاك، إغريقية وفارسية
وتركية وهندية وغيرها، ثم انفتحت انفتاحاً كاملاً
على قاعدة الثقة بالنفس. ومن تلاقح هذه الثقافات
مع ثقافتنا العربية الصاعدة، خرج المولود العباسي
القوي، ليقف شامخاً إلى جانب أرقى البناءات
الثقافية وأقواها. وقد يقول قائل: ذلك انفتاح كان
مشروعاً في ظل القوة العربية الإسلامية، أما في
ظروف الضعف فالحذر واجب. غير أن هذا المنطق ينطوي
على خطورة شديدة في تطوراته اللاحقة. إذ سرعان ما
يعد أصحاب تلك المقولة قائمة المحرمات والمحذورات
للشعب والمثقفين، مستندين إلى مرجعيات ومنظومات
شمولية، لا تلبث أن تتحول إلى سلاح صارم ضد
انطلاقة الفكر والثقافة، واستعداداتها للمواجهة
والتحدي المطروح. وهذا ما يفضي بالثقافة إلى
الجمود أولاً والضعف في المواجهة ثانياً، ذلك أن
لغة الاتصال اليومية هي بقوة ونفاذ علم العصر
وسرعته. فليس بمستطاع سلطة ما أن تحمي شعبها بمنعه
من متابعة ثلاثين قناة تليفزيونية أو أكثر في عصر
اللاقط"الدش" إلا إذا قدمت محطاتها الوطنية ما
يأسره ويشغله عن متابعة المحطات الأخرى. والأمر
كذلك مع كافة مصادر الثقافة أيضاً. ولا يمكن لسلطة
أن تحمي أبناء أمتها من التأثر والتأثير بغير
الحجر الثقافي، الذي لا يعني سوى التحجر والجمود،
بحجة حماية هوية الأمة، المهددة في ظروف الضعف. إن
هذا المنطق كان وعلى مر التاريخ سلاحاً رجعياً
رادعاً يقف بوجه انطلاقة العقل والفكر، سعياً من
السلطات لتشكيل وعي الشعب، بما يتناسب مع مصالحها
لا بدواعي الدفاع عن هويتها في الغالب. فالخوف على
الهوية الثقافية لا مبرر له. إنها اسطوانة أشاعتها
النظم المتخلفة وغير الديمقراطية، وأوجدتها
السلطات لإحكام قبضتها على عقل الشعب. |