القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (555) الاحد 6 / نيسان / 2008م ـ 29/ربيع الاول/ 1429 هـ

الهيمنة الثقافية وقدرتنا على المواجهه..

 البصرة / ياسر جاسم قاسم
(الهيمنة- نظام يقوم على فرض أسلوب معين للحياة والفكر ووجود تصور وحيد للحقيقة يسود في المجتمع ككل ويمحو كل مظاهر الوجود البشري من عادات وأخلاقيات ومبادئ دينية وسياسية) انطونيو كرامشي
انطلاقا من التفسيرات المنطقية لمعنى الهيمنة ننقسم إزاءها عدة أقسام ضمن من يعتبر الهيمنة حسب التفسيرات المنطقية والتي نستطيع اختصارها بقول كرامشي الذي ورد في أعلاه حيث يعتبرها تدميرا شاملا للثقافة التي نهجناها ضمن مجتمعاتنا وضمن قدراتنا التي أوصلتنا لها وبالنتيجة فالهيمنة من المنطلق الثقافي هي سيطرة شاملة ونظرة أحادية الجانب الى أي مشروع ثقافي يطرح أمامها وذلك لان من ينتهجها يحاول دائما العمل على سيادة مشروعه الثقافي والمعرفي في جانب واحد وإلقاء ما أمامه لعل هذا ما طرحته الهيمنة عند القوى الاستعمارية طوال قرون عديدة ومن أي جهة كانت سواء كانت احتلالات عربية لدول أجنبية أو العكس احتلالات أجنبية لدول إسلامية وعربية وبالنتيجة فقد أفرزت هذه الحقبة من التاريخ حروب ثقافية وذلك لمقاومة الهيمنة التي تحاول القوى الغازية فرضها على الجماعات المحكومة ومن هنا نستطيع القول ان الهيمنة تنتج حربا ثقافية لما تحوي من جانب استفزازي في هذا المجال وحسب الشكل في أدناه: وترى في أساليب الهيمنة التعددية من ناحية :
السياسة ـ الاقتصاد ـ الدين ـ التراث والتاريخ ـ القيم ـ الثقافة تحت مسمى كبير ـ القوى السلطوية. فنرى الهيمنة تنتقل من السياسة إلى الاقتصاد إلى الدين إلى التراث إلى القيم وهكذا وتفرض كل ما تشاء من هذه الأمور تحت القوى السلطوية الحاكمة حيث لولاها لم تستطع الهيمنة الاقتصادية على سبيل المثال أن تفرض نفسها بقوة على البلد المحتل مثلا أو الهيمنة الثقافية التي مارسها الفرنسيون مع الجزائر كانت تحت طائلة السلطة الحاكمة الفرنسية وبالنتيجة فنحن عندما نريد تحليل الحروب الناتجة عن الهيمنة نجدها في الغالب حرب ثقافات cultures war وذلك لان الثقافة المسلط عليها تحاول أن تفرض حضورها في ظل ثقافة سلطوية وبالنتيجة هناك باعث ايدولوجيا مدمر للمجتمع عندما لا يكون وفاقا على مبادئ مهمة. هذا عندما تكون قوى احتلالية تسيطر على دولة أو مجتمع ما ولكن كيف إذا تكون الهيمنة من داخل المجتمع الواحد حيث نرى نظرة أحادية الفكر في كل شيء وهذه القوى المهيمنة تتخذ أشكالا عديدة فمنها قوى سياسية ومنها قوى اقتصادية ومنها سلطوية حاكمة ومنها دينية ومنها ثقافية ولكن تشترك بشيء واحد ان لديها قوة غاشمة تعمل على إشاعة مفاهيمها ومحاربة المفاهيم المناهضة أي تحارب ثقافات معينة وتنتهج لمجتمع ثقافتها الأحادية النظرة والضيقة الأفق،وبالنتيجة فان الصراعات الناتجة من هذه القوى المهيمنة او ما أسميناه فيما سبق بالحرب الثقافية الناتجة من الهيمنة ليست حربا سلمية بالضرورة أو في كل الأحوال كما إنها لا تقل ضراوة وشراسة عن الحروب الاستيطانية أو التجارية والاقتصادية وان هدفها الأخير هو تحقيق الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية ولكن بأسلوب مختلف ظاهره المعاونة على تحقيق التقدم الثقافي والفكري من خلال عمليات التغيير التي تقوم بها حيث ان هذه الحروب الثقافية بعض الأحيان تنتهج ظاهرا قبل الشروع ببدئها إنها تحاول أن تساعد في تحقيق تقدما ثقافيا أو اقتصاديا أو سياسيا أو اجتماعيا ضد الثقافة الأخرى ومجرد أن تنتج في بث ما تريد تبدأ الهيمنة مما يدفع الثقافة المقابلة للرد وهنا يكون بقوة. قد يتساءل سائل ويقول لماذا تقوم الجهة التي تريد بالهيمنة بهذا المبدأ وللجواب فان الذي يقوم بالهيمنة ليست لديه الأساليب الكافية والحقيقية لإقناع الناس بمبدئه وبتصوراته حول الفكر والثقافة وأي ناحية أخرى من نواحي الحياة مما يدفعه للتفكير بالقوة كحل أخير لكي يشيع نظريته. اذن فالهيمنة سلاح عند من هم عالة على الفكر والثقافة كي يحققوا ما يريدوا في مجالاتهم كافة والتي اشرنا إليها فيما سبق. وهنا لا بد من الإشارة الى العولمة كمصطلح يحاول الكثير عده ضمن سياقات الهيمنة الثقافية على العالم ولكن نراه غير صحيح بدرجة ما وذلك لان ثقافة العولمة تعمل اليوم على جعل العالم قرية صغيرة متحاورة تفرض من خلالها ثقافات عدة وليست ثقافة واحدة فالعولمة حققت جانبا من الاتصالات العالمية بين العالم جعلت منه مجموعه كبيرة من الناس المتحاورين بل ان الاعتقاد في ان العالم يتجه الان نحو التقريب بين ثقافاته المتعددة والمتنوعه بحيث يتنبا الكثيرون بقرب او على الاقل امكان قيام ما يطلقون عليه اسم الحضارة العليا او المتميزة او الحضارة السوبر super civilization التي تتعدى كل الحدود وتحاول ان تصنع مجتمعا كوكبيا 1(( حروب الغد الثقافية –د.احمد ابو زيد- عالم انثربولوجي من مصر ،مجلة العربي ،العدد589،ديسمبر 2007)) ولكن اعتقد ان هذه الحضارة السوبر هي صعبة التحقيق ولا أبالغ اذا قلت انها مستحيلة وذلك لوجود ثقافات مناهضة لثقافة العولمة الواحدة والتي تشترك بالكثير من المشتركات العالمية وهنا لا يفوتني ان اذكر المعاهد والوسائل الثقافية التي أعدت في هذا الجانب لتحقيق هذه المسائل ومنها معهد الأخلاقيات الكوكبية the institute of the global ethics والذي يعمل على إشاعة مجموعة مصطلحات متفق عليها عالميا ومنها :قيم التسامح. وغيرها من القيم المتفق عليها دينيا وعالميا وإنسانيا بالدرجة الأولى. وهنا سينفتح أكيد باب النقاش بين الأديان حول التفسيرات لكل من هذه المصطلحات فماذا يعني التسامح عند الإسلام وعند المسيحية وهكذا وذلك لان الأديان تختلف في تفسيراتها وفي سيرتها حول تطبيق كل هذه المصطلحات وكذلك تختلف في التنظير لها. إن الثقافة تراث إنساني شاركت فيه كل حضارات وأمم العالم. وأسهمت في تكوينه قرائح المبدعين من أبناء أصغر الشعوب وأقلها شأناً إلى أكبرها... ولا تستطيع أمة مهما حشدت من الشواهد، أن تزعم لنفسها السبق على غيرها في تدعيم أركان الفكر الإنساني. ذلك أن هذه الأمة -وإن بدت اليوم عملاقة- قد مرت في فترات ضعف وخمول. واستقبلت أكثر مما أعطت. وليس ذلك عيباً أو عاراً.. فبمقدار ما قدمت حضارتنا العربية وثقافتنا وفكرنا العربي، بمقدار ما أخذ، وكذلك سائر الثقافات العالمية. وتشير مواقع الأرقام القياسية في تاريخ ثقافتنا العربية الإسلامية إلى تلازم هذه الأرقام الصاعدة مع حركة انفتاح ثقافي عربي بلا حدود ولا قيود تقريباً. فقد انفتحت ثقافتنا العربية في العصر العباسي -بحذر أول الأمر- على مختلف الثقافات العالمية آنذاك، إغريقية وفارسية وتركية وهندية وغيرها، ثم انفتحت انفتاحاً كاملاً على قاعدة الثقة بالنفس. ومن تلاقح هذه الثقافات مع ثقافتنا العربية الصاعدة، خرج المولود العباسي القوي، ليقف شامخاً إلى جانب أرقى البناءات الثقافية وأقواها. وقد يقول قائل: ذلك انفتاح كان مشروعاً في ظل القوة العربية الإسلامية، أما في ظروف الضعف فالحذر واجب. غير أن هذا المنطق ينطوي على خطورة شديدة في تطوراته اللاحقة. إذ سرعان ما يعد أصحاب تلك المقولة قائمة المحرمات والمحذورات للشعب والمثقفين، مستندين إلى مرجعيات ومنظومات شمولية، لا تلبث أن تتحول إلى سلاح صارم ضد انطلاقة الفكر والثقافة، واستعداداتها للمواجهة والتحدي المطروح. وهذا ما يفضي بالثقافة إلى الجمود أولاً والضعف في المواجهة ثانياً، ذلك أن لغة الاتصال اليومية هي بقوة ونفاذ علم العصر وسرعته. فليس بمستطاع سلطة ما أن تحمي شعبها بمنعه من متابعة ثلاثين قناة تليفزيونية أو أكثر في عصر اللاقط"الدش" إلا إذا قدمت محطاتها الوطنية ما يأسره ويشغله عن متابعة المحطات الأخرى. والأمر كذلك مع كافة مصادر الثقافة أيضاً. ولا يمكن لسلطة أن تحمي أبناء أمتها من التأثر والتأثير بغير الحجر الثقافي، الذي لا يعني سوى التحجر والجمود، بحجة حماية هوية الأمة، المهددة في ظروف الضعف. إن هذا المنطق كان وعلى مر التاريخ سلاحاً رجعياً رادعاً يقف بوجه انطلاقة العقل والفكر، سعياً من السلطات لتشكيل وعي الشعب، بما يتناسب مع مصالحها لا بدواعي الدفاع عن هويتها في الغالب. فالخوف على الهوية الثقافية لا مبرر له. إنها اسطوانة أشاعتها النظم المتخلفة وغير الديمقراطية، وأوجدتها السلطات لإحكام قبضتها على عقل الشعب.

المثقف... صانع الحياة
عبد الزهرة البياتي

  على امتداد حقب التاريخ ومنعطفاته المصيرية بقي المثقفون الاساس المحرك للمجتمعات المتطلعة نحو التحرر والانعتاق من قيود الاستبداد والعبودية والقهر والظلم، وكانت نتاجاتهم انعكاس لارهاصات تلك المراحل وتسجيل دقيق لدرجات الغليان وحالات التمرد على اوضاعها..
لقد حضرت نتاجات المثقفين اثارا غائرة على اديم العراق ولعبت اسماء بارزة ادوارا في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والفكرية لايمكن لاحد ان يتجاهلها او يتغافلها.. المثقفون العراقيون ومنذ بواكير تأسيس الدولة العراقية الحديثة ولحد الان حملوا هموم شعبهم على راحاتهم وانخرطوا في التصدي لقضايا الوطن لانهم لم يقبلوا ان يكونوا خارج دائرة الهم اليومي المعاش ولا يمكن ان يتنازلوا عن مهماتهم الوطنية شأنهم شأن الشرائح الاخرى..
المثقف اذا يجب ان يفكر ويبدع وينتج بوصفه مواطنا عراقيا بالدرجة الاساس وثانيا كونه مبدعا وواعيا لما يدور في محيطه من هواجس وتفاعلات الحدث اليومي الضاج بقضايا كبيرة وتحديات خطيرة تتعلق بمصير شعب.. وازاء ذلك لايمكن ان يختار المثقف العزلة والجلوس على التل للاكتفاء بالتفرج على مشهد ساخن.. انه بالتأكيد مشارك في صناعة الحياة ولهذا يعيش حتما في قلب الحدث وليس على هامشه.. وهو قوة فاعلة ومؤثرة لتحويل الاحباطات الى نجاحات واليأس الى امل والحزن الى فرح.. ان عصر العولمة وافرازاته يفترض اليوم بالمثقف العراقي ان يطور اساليبه وادواته لتتلائم مع ثورة العصر وان يتخلى عن مفهوم (المثقف النخبوي) لان زمن التنظير ولى الى غير رجعة وان تثوير الجماهير والارتقاء بوعيها يتطلب اصلا منها مسايرة تحولات العالم ورهاناته ومتغيراته حيث لم يعد للشعارات الوردية المعسولة مكانا.. انه عصر الواقعية وان الجماهير التي ظلت متلقيا لهذه الشعارات لردح طويل من الزمن ادركت اللعبة وافاقت على انها ضحية (خدع السياسة)..
ان المثقف العراقي يعيش الان لحظة حاسمة تتطلب منه المساهمة مع السياسي جنبا الى جنب في تحديد البوصلة جيدا وتحديد المخارج الآمنة وذلك من خلال خطاب ثقافي عراقي اصيل بعيدا عن الطائفية والتحزب الضيق او الانغلاق الاعمى.. انه خطاب يتجرد عن الاهواء والنزعات المريضة.. نعم نريد خطابا عراقيا يسمو فوق كل الجراحات... يرفض الجزئيات.. يرفض النكوص.. يرفض ادران الهزائم وعاراتها ويؤمن بحضارية هذا الوطن العزيز.

دلـــو اللــبن
عباس يونس العـنزي

 كمتشردٍ ثملٍ يتوكأُ على جدران هرمة مترنحة ، هكذا بدا البيت المتعب من فعل السنين والُمضاء بمصباح وحيد معلق وسط الباحة المزحومة بالأشياء الصدئة حيث تسيل منه أضواء متقاعسة تنفث لونها الأصفر الرتيب بكسل ممل فيما تشبثت البيوت المجاورة بالطابوق المتكسر الذي يكاد ينفلت عن بضعه. هناك في البيت العجوز ، في حجرة بنيت من شقوق وأحجار مكسرة ، حلقت بضعة أحلام عسلية ملذة أسكرت الرؤوس الصغيرة ذات العيون الحزينة المتطلعة إلى دلو أبيض تسيد الحجرة الخربة وتسلط على أفئدة عائلة مظلومة مفجرا في عروقها رغبة عارمة بخلع أردية اليأس الثقيلة عنها ، ملقيا بها في لذة خدر الأماني المستحيلة لما قد يفعله هذا الدلو الأبيض الناصع من بحر خير متلاطم الأمواج يزيل كل رمال الحزن المزمنة. تكوم (مظلوم) فوق فراشه البالي بعد انفعالات السعادة التي صحبت مقدم الدلو الأبيض..تطلع بحنو شديد إلى أولاده الأربعة وابنتيه الذين افترشوا ما تبقى من أرض الحجرة فيما راحت امرأته تطلق شخيرا متقطعا تعاضد مع قرقعة تحدثها بقايا مروحة هوائية في إرباك انسياب أفكاره وبث في صفاء تفاؤله خيط دخان أسود ، تراءت له صور طفولته القاسية الممتدة خلال أكداس من الوجوه والأحداث الأليمة ، وجه جده المغطى بطبقة حزن وراثي وصوت أمه الباكي في نعيها الأبدي أباه الذي لم يره قط ، بيوت القصب التي تعودت الاحتراق في كل صيف وسواقي المياه الآسنة التي تخترق كل زوايا الحي المتعفن ، ومنذ تلك الأيام التي رفرفت فيها رايات الفقر المهلهلة فوق قلاع زمنه الرديء وإلى ساعة مقدم الدلو الأبيض لم تكن هناك بارقة أمل ، حتى يوم زواجه لم ينج من مخالب النكد والحسرة !! فلعل الأمل في هذا الدلو الأبيض الذي سيملؤه لبنا كثيرا يدر عليه مالا وفيرا يبدل فيه كل حياته التي لم تشهد دلوا بهذا الحجم الأسطوري. عند أول الصبح .. احتضن مظلوم دلوه الجديد مستعظما إياه بنظرات مدهوشة يتبعها سيل لا ينقطع من التعاويذ والاستغاثات وأدعية الرجاء ، فيما انفلت لسان زوجته بابتهالات عدتها موثوقة في تحقيق مراميها ، ولتلك الطقوس وقع عميق في قلب مظلوم المحزون ، ففي دوامتها يجد متنفسا لهموم روحه الكئيبة ويكتسب بها نشوة صوفية غريبة رغم أن واحدا ممن عرفهم كان يقهقه واصفا ما يتلوه بحكم العادة أنه ((استمناء فكري )) ، ذلك الوصف الذي لم يفقه معناه أبدا ، توقفت الحافلة الحمراء القديمة التي تلملم أجزاءها بعسر ، فاندفع مظلوم يسابق الواقفين بانتظارها مستثمرا دلوه العزيز الذي احتضنه بحرص وحب شديدين لاتقاء تدافع الناس ، تأفف سائق الحافلة من الراكب المسلح بدلو مزعج كبير فصاح عليه بصوت لا يكاد يتميز عن لغط الناس. ألا يمكن أن تتخلى عن هذه الخردة التي تحملها؟. صدم مظلوم لقسوة الوصف ! وفكر ..كيف يمكن لهذا الجاحد أن يهين معقل آماله .. دلوه العزيز ؟ هم أن يثور بوجهه لكنه في لحظة حكمة تكبل الفقراء آثر أن يصمت ، فكر (لا أفصح ولا أعنف من الصمت إزاء أولئك الجهلة ) ، بعد حين حمل دلوه برفق وترك الحافلة في المحطة الثانية تنتفخ بدخان السجائر القديمة تتبعه نظرات السائق الشزرة. حطت قدماه على الرصيف الواسع المكتظ بالمارين وبسرعة أكمل استعداداته في عرض دلوه الجديد بحلة لم يعتدها قبل اليوم ، أقداح زجاجية ملونة وضعت على جانبي الدلو فبدا كطائر بأجنحة قزحية ، فيما تطايرت أوراق الزينة فوق الدلو تتخللها مصابيح صغيرة حمراء وصفراء فغدا الرصيف القديم محل احتفالية مبهرجة لعرض هذا الدلو الأبيض الثمين ولم يخب فأل مظلوم هذه المرة فقد تقاطر الظامئون وازدحموا لشرب اللبن وهم ينظرون المنظر الجديد وبتقاطرهم كانت جيوبه تنتفخ بالمال فتذوب السعادة في دمه الحار المتدفق نحو رأسه الطرب ، أحس بنشوة الانتصار تمسك بتلابيب روحه وتفتح حولها أبواب مملكة الأمل ، تخيل أن الناس تلتف حوله تحييه وتعظم دلوه المبارك العتيد ، فبث ذلك نشاطا عجيبا في مفاصله المفككة ولم ينس أن يرسل إلى زبائنه فيضا من كلمات الكياسة مع كل قدح يبيعه لهم تفضل عيوني. وأحيانا ينوع مفرداته فيبدل مفردة عيوني بجمل أطول وأغنى تنم عن فرح حقيقي عميق يرتدي أقنعة احترام مبتدعة ولم يشعر إلا بمعاني الصداقة والمحبة تظلل رؤوس الجميع حتى أولئك المنافقين والغاضبين منه ومن شدة الحر.

بينما الطريق يخبأ
هناء السعيد

 بينما الطريق يخبأ الغروب
بأنتظار عاصفة لبرهة قرمزية
النوافذ القديمة
تلملم اذيال الشمس
عائدة الى دنياها ........
خلف منازلنا العتيقة
حينها استرخى الغائبون
من لظاهم .........ولو خرسا
استجماع النسيان
تعتق صداه ..........
واضحت السماء لنا اضابير
ولكن حزن الاشجار بي
يقودني
ومازالت ........اسئلة الحب
ايه ........ياثورة روحي
ذاك طائرا بنته المرأة
وبين جبهتي الارض
تلتهب وحدتي الداعرة.

جدل الهوية مجددا
د. صلاح الدين بوجاه

  نشأ جدل حاد بين متطلبات العولمة والتكتلات الاقليمية والهوية او (الهويات) الوطنية في عالم يشهد تحولات كبرى تهز بنيته التقليدية هزا، بمختلف مستنداتها التاريخية والاقتصادية والجغرا-سياسية.
فأنتشر الشعور بالحيرة واستشرى البحث عن المعنى وتوطد الاحساس بأن بداية القرن المقبل يمكن ان تشهد صراعا بين (العالم القديم) (ومحوره كتلة البحر الابيض المتوسط) و (العالم الجديد) و (محوره امريكا الشمالية واللاتينية!
بهذه الثنائية التبسيطية، ذات الجدوى المنهجية نسعى الى تناول بعض الشواغل الراهنة عسى ان نتحسس اسبابها وانعكاساتها الامنية والتنموية والثقافية على المنطقة العربية ضمن المحيط المتوسطي القريب والمجال العامي البعيد.
ولا يعنينا ان نعرف العولمة بقدر ما يعنينا ان نؤكد انها ظاهرة شاملة واجهتها اقتصادية عامة، وعمودها الفقري اقتصادي صرف، واركانها سياسية.. اما اسسها ففكرية حضارية ضاربة في القدم..
حتى انه ليعسر ان ندرك ابعادها دون العودة الى المباحث الفلسفية الخفية التي صاحبت ولادتها منذ عصر الثورة الصناعية.
فهل يعني طابع الشمول هذا وجوب موت الثقافات وتراجع فكر الاختلاف واندثار الهويات، خاص ان دينامية العلومة قد اتخذت شكل عولمة للمضامين الاقتصادية ذات التوجه الليبرالي الصريح حتى غدت - في عديد من الحالات- رديفا للامركة؟!
شاهد الطفل امه تطارد فأرا في المطبخ فهتف بها ( ماهذا يا اماه؟) لاول مرة ارى فأرا لايشبه (ميكي ماوس!)..
تختزل هذه الطرفة البسيطة، المستقاة من عالم الطفولة، الكثير من الظواهر التي تسود عالمنا اليوم:
سرعة الاتصال - طغيان المنظومات السمعية البصرية- شيوع مادة ترفيهية واحدة- غلبة انموذج ثقافي بعينه..
فضلا عن دخول عصر (العالم القرية) الذي يوحد الاذواق، ويقلب الموازين، ويفضي الى تساؤلات جديدة لا عهد للبشرية بها ويؤدي الى سطوة القوى العظمى في العالم.
وكان ازدهار الرأسمالية قد توطد، في القرن الماضي بفضل جهود منظري الفكر الليبرالي المعدودين من امثال ادام سميث، ودافيد، وريكاردو ، نتيجة التقدم التكنولوجي الحاسم في مجال الالات البخارية والسكة الحديدية خاصة، وتبعا للتبادلات البريطانية ونهضة المانيا وانبثاق قوة الولايات المتحدة الامريكية.
ولا شك ان تدخل هذه المؤثرات قد ولد ظاهرة تطور فريدة كانت السبب المباشر في انبثاق الثورة الرأسمالية (الاولى) المسايرة للثورة الصناعية التي نشرت الرخاء حقا..
مثلما كان العمال واكدت طغيان رأس المال، مثلما كان وقد شهد ذلك في ابانه كل من شارل ديكنز وايميل زولا وجاك لندن..
فكيف يكون في امكان البشرية ان تجني ثمار التقدم دون اذلال الانسان وسقوطه في الاستلاب المقيت؟.

منع التجول والتأثير في الناشطات الثقافية
الباقيات الصالحات توقف احتفالها بمناسبة غاية في الاهمية
نضال الامير

  كانت بعض المؤسسات والمنظمات الثقافية تمارس نشاطا اسبوعيا او شهريا، وتعد نفسها لاقامته بما يتوفر لديها من امكانات ولكن اجراءات منع التجول، ادت الى ايقاف هذا النشاط وعدم اقامته في موعده المحدد، حيث وجد المدعوون انفسهم مضطرين الى ملازمة بيوتهم، والمكوث فيها، ومتابعة الاخبار، وما تحمل من فواجع وصدامات وما ينجم عنها من تبعات واثار وتضحيات، واجراءات منع التجول لاتقود الى خسارة فرصة ثمينة للقاء والحوار بين المثقفين فقط، وانما تقود الى ارباك وعرقلة البرامج الثقافية للمؤسسات والمنظمات المعنية، وعدم التنفيذ الدقيق والمحدد لها، وهكذا وجد الاتحاد العام للادباء نفسه مضطرا الى ايقاف عدد من نشاطاته الثقافية، واضطرت قاعات فنية مثل قاعة حوار الى ايقاف وتأجيل بعض نشاطاتها، كما اضطرت دار الشؤون الثقافية الى وقف مكائنها الطباعية، وتأجيل اصدار بعض الكتب في المواعيد المحددة لها..
ولم يقف الامر عند هذه المؤسسات والمنظمات، وانما ادت اجراءات منع التجول الى ايقاف المجالس الثقافية لبعض الشخصيات والمؤسسات، وذلك ما حدث لمؤسسة الباقيات الصالحات للثقافة والعلوم والاعمال الخيرية، اذ يقول رئيسها المرجع الديني الشيخ اسماعيل الخالصي:
لقد استعدت المؤسسة بكل ما تملك من امكانات لاقامة مجملها الثقافي التاسع الذي خصص لافراح ذكرى ميلاد الرسول الاعظم (ص) وخصص يوم الثامن والعشرين من اذار الموافق 20 ربيع الاول لاقامة المجلس، وحجزت لذلك قاعة حسينية ام البنين في الكاظمية وتم تزيينها بأجمل واروع مظاهر الزينة اللائقة بالمناسبة وطبعت الدعوات، ووزعت على المدعويين وكل استلزم نفقات واستعدادت كثيرة لا تشكل شيئا ازاء عظمة ومكانة المناسبة التي اعدت لها عدة محاضرات وقصائد وكلمات، ولكن المجلس لم يعقد اذ حال اجراء حظر التجول دون انعقاده.
- والمادة الرئيسية في المجلس كيف تم التعامل معها؟
- اعتاد المجلس الثقافي للباقيات الصالحات للثقافة والعلوم والاعمال الخيرية ان يتناول في العشرة الثانية من كل هجري مناسبة بارزة من مناسبات هذا الشهر ، لان المناسبات ذات حضور ملموس في اذهان الناس ولان، للمناسبات ابعاد وجوانب ثقافية، وهذا ما اردنا تحقيقه في الاحتفال بيوم ميلاد النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) اذ اعددت محاضرة تناولت فيها قسما من خصائص السيرة النبوية، وما احل للرسول (ص) دون غيره، وما وجل عليه دون غيره، وما اعطي من ميزات، وما اثبت تفضيله على جميع الانبياء والمرسلين (صلوات الله عليهم اجمعين) ولاهمية هذه المحاضرة، وما تتناول من ابعاد فكرية واخلاقية للسيرة النبوية فأننا سنقوم بطبعها، وتوزيعها على الحاضرين في المجلس العاشر لمؤسسة الباقيات الصالحات للثقافة والعلوم والاعمال الخيرية، لتعبر بذلك عن حرصنا على عقد المجلس الثقافي ، وانه حتى في حالة عدم انعقاده فأن بأمكان المتواصلين والمتابعين لنشاطاته ان يطلعوا على ما اعد لهذه النشاطات.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com