القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (554) الخميس 3 / نيسان / 2008م ـ 26/ربيع الاول/ 1429 هـ

علـى الرئيـس الامريكـي القـادم إعـداد سياستـه حـول العـراق

  كوردن لوبولد
رغم الخطابات الرنانة ,يحاول المرشحون الثمانية الابقاء على خياراتهم مفتوحة.هنالك قول مأثور في العسكرية يقول بأنه حتى أفضل الخطط لا تمر دون الاحتكاك والأتصال بالعدو وهو اعتراف بأن أي خطوة يجب تبنيها طبقاً لظروف اللحظة.ويمكن قول نفس الشيء عن المرشحين الرئيسيين للرئاسة عندما يتعلق الامر بكيفية معالجة كل منهم للحرب في العراق.
ومهما كانوا صلبين الان في مواقفهم حول خططهم الخاصة ,فعلى المرشحين مماشاة مواقفهم مع سير الاوضاع الامنية والسياسية التي سيواجهونها كقادة لهيئة الاركان في السنة القادمة ,حسب قول المحللين.
وعلى سبيل المثال ,فان خطط المرشحين الديمقراطييان لسحب القوات بسرعة ,قد تخف بسبب الحقائق العملية حول مايستلزمه الامر على أرض الواقع .واذا ماأصبح الجمهوري جون مكين رئيساً ,فعلية بان يستجيب لجمهور الناخبين وأيجاد مستوى للقوات الاميركية في العراق يكون قابلا للاستمرارية.
وكانت مساعدة للسناتور باراك أوباما قد كشفت بأن خطة السيد أوباما بسحب معظم القوات من العراق في غضون ستة عشر شهراً "تعتبر السيناريو الذي يمكن تنفيذه في أفضل الحالات "في أشارة للذين يدعون بأن خطة أوباما غير واقعية.وقد تركت تلك المساعدة وتدعى سامانثا بور الحملة ,الا أن مساندي كلا المرشحين يعترفون بأن تلك المواقف قد تتغير بشكل طفيف على الاقل عندما يصل أي منهم الى الرئاسة.
وحسب قول الجمهوري جو سيستاك من بنسلفانيا وهو أدميرال بحري متقاعد ومن المساندين للديمقراطية هيلاري كلنتون "أي شيء يمكن دائماً بأن يتغير لان عليك التعامل مع الوضع عندما ترثه". ولم تعرض السناتور هيلاري "موعداً محدداً "لخروج أخر القوات الا أنها قالت بأنه في غضون ستين يوماً من توليها المنصب فأنها ستود بأن يقوم البنتاغون بتقديم خطة للانسحاب .
ولايتوقع النائب سيستاك بأن تتغير خطط كلنتون حول الانسحاب كثيراً أذا ماتم أنتخابها كرئيسة,الا أنه أعترف بأن البنتاغون يمكن أن يتجاهل خططها باعادة القوات بمعدل لواء أو أثنان في الشهر ,طبقاً لواقع الحال في وقتها.
أما حملة أوباما التي ركزت على ماأطلقت عليه "بالخطأ الستراتيجي" في الحرب على العراق في المقام الاول ,وحسب قول مستشارة أوباما"نحن بحاجة لسحب الويتنا القتالية ,نحن نأمل بسحب لواء او اثنان شهريا، مضيفة بأن تحديد موعد ستة عشر شهراً هو أمر واقعي وأن عليهم القيام بذلك وفقا ًللظروف على ارض الواقع.
كما واجه السناتور ماكين الانتقادات لانه قال بأن القوات الاميركية يجب أن تظل في العراق لعدة سنوات ,وسيكون على ماكين الذي لطالما ساند عملية زيادة القوات الاميركية وتركهم هنالك مهما تطلب الامر من وقت للوصول في النهاية الى تحقيق منجزات سياسية في العراق,القتال للابقاء على أعداد أساسية هناك .الا أن موقفه سيعكس أيضاً الظروف التي سيواجهها كرئيس .وقد زار مككين العراق مؤخراً وحافظ على القول بأن الامريكان لن يعترضوا على وجود عدد كبير نوعاً ما من القوات في العراق طالما لاتتعرض القوات للهجوم .
وحسب قول ماكس بوت ,المستشار الاقدم في مجلس العلاقات الخارجية ومستشار لماكين "لو تمكنا من جعل الوضع مستقراً في العراق ولو تمكنا من تقليل نسبة الخسائر الى الصفر ,فأنا لا أعتقد بأن فكرة وجود قوات هناك ستكون مثار جدل عسير". مضيفاً بأن الرئيس كلنتون كان قد وعد بارجاع القوات من البوسنة ,ومع هذا لايزال الكثير منها هناك بعد مرور عقد من الزمن .
وقال بوت بأنه يعتقد بأن تلك الفكرة لابأس بها "من الصعب جدا على الناس رؤية العراق في ذلك السياق في الوقت الحالي"
و قد تغيرت بعض الظروف في العراق من التي قادت في المقام الاول الجدل حول الانسحاب.وقد تسببت عملية زيادة عديد القوات في السنة الماضية الى تحسين الامن هناك .ولكن المصالحة السياسية التي كان يفترضغ67 بأن يسمح بها تحسن الامن لم تتحقق بعد بالكامل .وأن تحقيق المصالحة السياسية في العراق هي وثيقة الصلة لانها تقود مواقف المرشحين حول المهمة الاميركية هناك -والنجاح أو الفشل في كانون الثاني 2009 سيحدد موقف الرئيس القادم .وقد واصل الجنرال ديفيد باتريوس القائد الاعلى للقوات الاميركية القول بأنه بالرغم من أن المصالحة في العراق تسير بشكل بطيء يدعو للاحباط ,فأنها لاتزال ممكنة.
والمزيد من التقدم على صعيد المصالحة السياسية ,أو المزيد من العنف على أرض الواقع ,سيدفعان أما الديمقراطيين للتسريع بسحب القوات ,أو سيظهر هنالك سيناريو أخر سيجبر ماكين على أن يصبح أكثر تحديداً حول خطته للانسحاب. كما قد تشكل حرب أفغانستان مستقبل سياسة الرئيس حول العراق .واذا ما أستمرت العمليات هناك بالتدهور ,فأن ذلك سيضع المزيد من الضغط على الرئيس للتفكير بمصادره أو مصادرها في العراق .
ويوجد في الوقت الحالي حوالي 158,000 جندي في العراق ,من ضمنهم تسعة عشر لواء مقاتلا ,وتنص الخطط الحاليةعلى وجود حوالي 140,000 هناك بحلول شهر تموز -اي تقليل خمس الوية منذ تنفيذ عملية زيادة القوات .وقد عاد لواء واحد للوطن ,وقد أعلن المسؤولون العسكريون مؤخراً بأن اللواء القتالي الثاني ,الوحدة الجوية الثانية والثمانون ,قد أكملت تقريباً واجبها بعد قضائها اثني عشر شهراً .كما سيتم أعادة ثلاث الوية أخرى بحلول شهر تموز ,وقد لمح مسؤولو أدارة بوش الى أن مرحلة أخرى أصغر من الانسحاب قد تحدث بنهاية السنة.
الا أن كل المرشحين سيكونون مقيدين بمدى سرعة البنتاغون في الاشراف على سحب القوات ,وسيكون كل منهم مسؤولاً عن أتخاذ القرار الصائب في ذلك الوقت ,رغم مواقفهم عن العراق في موسم الانتخابات .
ويقول محللون مثل فريد كاكان ,العضو الاقدم في معهد أميركان أنتربرايز في واشنطن بأنه في النهاية ,فأن الرئيس القادم أياً مايكن أو تكون ,سيتخذ القرار الصائب.وقال كاكان "لن يتصرف أي شخص بغباء عندما يتولى الرئاسة ويطلع على حقيقة الوضع ومن ثم يتخذ قراراً خاطئاً.

فـــــهــمــيــدا مــــيــــــرزا

 محمود الزهيري
إنشغلت , وسعدت بفوز فهميدا ميرزا , وتساءلت لماذا فازت , ولم يشغلني كيفية الفوز برئاسة البرلمان الباكستاني , أما عن لماذا فازت فذلك لأن المجتمع الباكستاني بتنويعاته الدينية والعرقية يعيش حالة عصيان سياسي وطني تقترب من حد الديمومة والإستمرار
ومن ثم كانت مواقفه إيجابية في إحداث التغيير الذي ينشده المجتمع الباكستاني , ولو كانت كلفة التغيير هي الدم والحبس والإعتقال أو النفي من الوطن الباكستاني , وهذه مواقف إيجابية جعلت من المجتمع الباكستاني مجتمعاً حياً برغم الفقر الشديد الذي يعيش تحت نيره المجتمع الباكستاني , والتساؤل الطارح ذاته هو لماذا هذا هو حال المجتمع الباكستاني بمقاطعاته الجغرافية وما تحمله من معتقدات دينية وايديولوجيات سياسية موزعة في أقاليم السند والبنجاب , والتخوم المتاخمة لأفغانستان مثل وزيرستان , والقبائل والعشائر الباكستانية التي تمثل أحلافاً عسكرية بالتعاون مع طالبان والمدارس الدينية ومبعوثي الأزهر والسعودية من أصحاب المفاهيم الجهادية المتأثرين بالطبع الباكستاني لهذه المناطق , وذلك في مقابل حزب عوامي الذي يمثل حزب النخبة والمثقفين والقوي النخبوية المنتشرة خاصة في السند والبنجاب وبدرجات تكاد تنعدم في وزيرستان , فكيف تم تحقيق الإنتصار بالفوز لفهميدا ميرزا في المجتمع الباكستاني بالرغم من تعدد المفاهيم واختلاف الرؤي المبنية علي أسس دينية عقائدية , وأسس ومفاهيم سياسية علمانية , داخل إطار مجتمعي متأزم , وكذا بالرغم من الضغوطات الخارجية علي السيادة الباكستانية !!؟؟
إنه العقل الباحث عن المصلحة وتحقيق الذات في هذا المجتمع والذي أوعز لأبناء المجتمع الباكستاني للخروج إلي صناديق الإقتراع وكأنه في حالة عصيان وطني ضد المؤسسة العسكرية , وضد الإسلاميين في الدولة الباكستانية .
وهذا هو العقل الغائب أو المغيب في الدول العربية أو التي تدين شعوبها بالإسلام ولاتتحدث العربية , ومن ثم فرضت الوصايات السياسية والدينية فرضاً علي تلك المجتمعات المأزومة بهاتين الوصايتين المغيبتين للعقل الباحث عن المصلحة , ومن ثم تضحي تلك المجتمعات ذات مواقف سلبية حاجمة عن المشاركة الإيجابية وتصبح ذات مواقف سلبية , وهذا لم يتحقق في الباكستان بالرغم من ذلك , الأمر الذي يستحق الدراسة وتقييم الحالة الباكستانية في شخص فهميدا ميرزا .
وكأنها مكافأة من المجتمع الباكستاني لذاته , التي تعتبر أن الذات الإجتماعية الباكستانية قد تجسدت في المطالب الإجتماعية التي إرتسمت في شكل وملامح ذات فهميدا ميرزا , تلك الذات المجدولة بعلاقة مطالب إجتماعية وإقتصادية تشكلت في المجتمع الباكستاني , رهين المحبسين , محبس المؤسسة العسكرية , ومحبس الجماعات الدينية والقوميات والعرقيات في الباكستان , والتي تم تقديم العديد من أبناء المجتمع الباكستاني قرابين للديمقراطية والحرية والعدالة , كان آخر هذه القرابين الراحلة بينظير بوتو , والتي كافأها المجتمع الباكستاني برد الجميل , بإختيار فهميدا ميرزا رئيسة للبرلمان الباكستاني تلك المرأة البالغة من العمر مايقرب من 51 عاماً والتي تعمل طبيبة بجانب أنها تعمل سيدة أعمال بجانب الطب وعضويتها لحزب الشعب الباكستاني , وفازت فهميدا ميرزا برئاسة البرلمان الباكستاني بعدد أعضاء 249 من عدد 324 في الإقتراع الذي تم داخل البرلمان الباكستاني لتكون فهميدا ميرزا أول رئيس للبرلمان الباكستاني منذ تاريخ وجوده , معلنة ومؤكدة للمجتمع الباكستاني أن الراحلة بينظير بوتو كان أملها أن تتولي إمرأة هذا المنصب , وقد كان ماتنمنته حقيقة واقعية في المجتمع الباكستاني !!
وليس هذا بغريب أن تصل المرأة إلي هذا المنصب في بلد مثل باكستان , تلك الدولة ذات النشأة والأصول القومية المبنية علي تاريخية الإنفصال عن الدولة الهندية بخلفيات دينية , تريد من خلال الإنفصال الحفاظ علي الهوية الدينية من الذوبان في الديانات الأخري في الدولة الهندية .
وهذه هي الباكستان التي أنجبت رائد فكر المصطلحات الأربعة , ونظرية الإسلام السياسية , ومبتكرعقيدة التكفيرفي صياغاتها الحديثة والذي تبنته جماعات العنف الديني المقدس لديها والمبني علي أسانيد عقيدية مؤسسة ومنتجة من عقلية أبو الأعلي المودوي , فكان أن قدم هذا المجتمع الباكستاني جملة من التضحيات متحدية فكر أبو الأعلي المودوي , وأبو الحسن الندوي وسيد قطب , وغيرهم من أصحاب نظريات التكفير وأسلمة السياسة والمجتمع , وابتكار عقائد التكفير والتجهيل للمجتمعات , ووجود فهميدا ميرزا علي رأس البرلمان الباكستاني يشكل أكبر وأعظم تحدي لهذه الأفكار والعقائد السياسية المبنية علي مرجعيات دينية تحرم علي المرأة مجرد الخروج من المنزل للسوق أو للعمل , ناهيك عن العلم أو الترفيه والتنزه , حيث أن المرأة في المفهوم لدي هذه الجماعات تمثل أخطر عورة من عورات المجتمع !!
ولكن مازالت المجتمعات العربية مأزومة وحتي الآن بفكر أبو الأعلي المودوي الذي سحبه علي الدولة الباكستانية في مواجهة طرائق الإنفصال عن الدولة الهندية , ومازالت الجماعات الدينية صاحبة المنهج الدموي المبني علي العنف المقدس , أو المسمي بفقه الجهاد , تتصادم مع المجتمعات في الدول العربية , وتتعامل معها بفكر أبو الأعلي المودوي , وكأن أعضاء الجماعات الدينية والمنتسبين إليها يمثلوا الباكستان , والرفضين لهذه الجماعات من أبناء المجتمعات العربية يمثلوا الهند , ومن ثم وجب الإنفصال , وإلا لزم الخروج علي المجتمع وتكفيره وتلعينه ونعته بالجاهلية !!
والسؤال الأخير مؤداه : متي نري في الدول العربية إمرأة عربية رئيسة للبرلمان , بلا تزوير ولا بلطجة ولا إرهاب من الأنظمة الحاكمة ؟!!

الاحتلال والاقتتال
عبد الاله بلقزيز

  حملت المجابهات العسكرية الطائفية في العراق على سلاح الأجنبي واستراتيجيته التفكيكية. تلك حقيقة لا تقبل أن يذهل عنها المرء وهو يطالع وقائع هذا المنحى الانحداري الذي تقطعه العلاقات الأهلية العراقية ويهدد بتمزيق البقية الباقية من روابط الاتصال والوحدة بين أبناء الرافدين. قد يستهوي كثيرين أن يبحثوا عن علل تلك المجابهات في البنى العميقة للمجتمع العراقي، أو في تجربة الدولة الحديثة في البلد وعلاقاتها بالجماعات الأهلية كافة، فينتهي البحث إلى نتائج مُتضمَّنة سلفاً في مقدماته والمنطلقات: الحرب رد على حيف أو غبن أهلي لفريق من المجتمع، ونتيجة "طبيعية" لانقلاب موازين القوة الداخلية! وتلك نتيجة/ فرضية لا تستقيم بالعودة إلى معطيات المجتمع الوطني العراقي قبل الاحتلال وأنماط الصلة التي شدت مكوناته إلى بعضها فصنعت منها شعباً. كما لا تستقيم إلا بالقول، إن نظام "حزب البعث" قام على قواعد طائفية. وهذه "أطروحة" لا يرددها إلا من يحمل مشروعاً طائفياً يبتغي تبرير نفسه باصطناع "سابقة" يبني عليها.وإذا كان "لا بد من القول" إن المجابهات الطائفية الجارية في العراق تنهل بعض مصادرها من جوف البنية الاجتماعية وانقساماتها العمودية أو العصبوية التقليدية، فإن هذا التعليل لا يستقيم إلا بالقول، إن تلك الانقسامات ما كانت لتطفو على سطح العلاقات الاجتماعية والسياسية وتتحول إلى صراعات أهلية إلا بتأثير قوة فجرت تلك البنية بالعنف وأخرجت تناقضاتها إلى السطح. والقوة تلك ليست شيئاً آخر غير الاحتلال. يخطئ كثيراً في الفهم والتقدير أولئك الذين أخذهم الظن بأن سلطات الاحتلال الأمريكي وحاكمها بول بريمر أخطأت في قرارها حل الجيش العراقي وأجهزة الاستخبارات بعد غزو بغداد. لعلهم صدقوا أن جيوش الغزو إنما أتت فعلاً ل "تحرير العراق" وإسقاط النظام وتسليم البلد لـ "المعارضة" ثم العودة إلى قواعدها في أمريكا وبريطانيا وسواهما! لكن جيوش الغزاة لم تأت من أجل هذا، وإنما لتدمير الدولة والكيان وتفكيك النسيج الاجتماعي من أجل إعادة تركيب العراق وفق هندسة سياسية جديدة تناسب الصورة التي ترسمها الولايات المتحدة الأمريكية لمصالحها الاستراتيجية في المنطقة للمراحل القادمة.وما كان لامرئ في رأسه عقل أن يفوته أن أول آثار إسقاط الدولة (وليس النظام السياسي فقط) وتدمير مؤسساتها (هو) نشر الفوضى والتسيب، وإطلاق المخاوف المتبادلة بين العراقيين، والعودة بهم من الولاء لوطن تفتت ومزقته الجراحة الكولونيالية إلى عصبيات صغرى تقليدية تبدو شيئاً فشيئاً وكأنها الملاذ والمأوى والحاضنة، ثم دفْع كل فريق إلى إنتاج سلطته المحلية وقوته القتالية (المليشياوية) في وجه الفريق الآخر! وبكلمة: إنتاج البنية التحتية للحرب الأهلية وإعداد مسرحها السياسي ومناخاتها النفسية.ولم تكن مسؤولية الاحتلال في تفجير البنية الاجتماعية العراقية، وإطلاق انقساماتها وتناقضاتها العصبوية أو الأهلية فحسب، بل في تغذية الانقسامات تلك ودفعها في أفق التعبير عن نفسها في علاقات صدام واصطراع تذهب بالبقية الباقية من عوامل الوحدة والتضامن في النسيج الاجتماعي والوطني. فلقد أتى يكرس لدى العراقيين شعوراً بأن الغزو والاحتلال أسفرا عن غالب ومغلوب، يدفع فريقاً إلى تحصيل "حقوق" الغلبة، ويدفع آخر إلى الإفصاح عن الشعور بمظلوميته وما يعانيه من ضيم وحيف؛ أي ليثير التواجس بين الفريقين ويؤسس علاقتهما على شك متبادل يأخذ فيه الاحتلال قسطاً من الراحة ناهيك بدور الحَكَم الذي يقضي في ما شجر بينهما.
انتقل الاحتلال سريعاً من استثارة المشاعر العرقية والغرائز الطائفية، ومن توزيع العراقيين على حدود العصبيات الأهلية التقليدية، إلى مأسسة ذلك كله: أي إلى دفع تلك التكوينات العصبوية إلى التعبير عنها مؤسسياً من خلال تفريخ "دولة" و"نظام سياسي" قائم على مبدأ المحاصصة (العرقية والطائفية) و"تمكين" كل عصبية من حصة. بدأ ذلك في صيغة "مجلس الحكم الانتقالي" من دون أن ينتهي اليوم ب "حكومة" نوري المالكي، وبينهما سرت مفاعيله في "حكومة" علاوي المؤقتة و"حكومة" الجعفري الانتقالية، وتكرست صيغه التقنينية في "قانون إدارة الدولة الانتقالي" الذي وضعه بريمر وفي "الدستور" المأخوذ روحاً عن "فلسفة" قانون بريمر. ولنا أن نتخيل أي صراع ذاك الذي سيندلع ويستعر بين العراقيين حين تقع دسترة ومأسسة "حقوق" أعراقهم وطوائفهم: دفاعاً عن تلك "الحقوق" من جانب أو نقضاً لها واعتراضاً من جانب آخر.
ما يقع من مواجهات مسلحة تنذر بحرب داخلية واسعة، لا قدر الله، بين العراقيين ليس إلا الثمرة المرة لفعل الاحتلال، وآثاره التدميرية والتفكيكية. ومن أراد أن يبحث عن أسبابه والعلل، فإن مجال ذلك البحث ليس الاجتماع الأهلي العراقي ومكوناته، وإنما الاجتماع السياسي الراهن ومعطياته ومعادلاته.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com