|
محمد
حسين علاوي غيبي
اذا كنت تريد العراك وكنت شجاعا، فيجب ان تبحث عن
(تركي) حاد المزاج لا ان تقصد (هنديا) بارد الطبع
مثلي. وفي الحقيقية لم اهتد في البداية الى نص
تاريخي يؤكد (هندية) شاعرنا الكبير السيد رضا
الهندي غير هذا النص الذي قاله هو وبعظمة لسانه
الاديب جعفر الخليلي، وقد افصح فيه - عن سبق
اصرار- عن كونه هندي النشأة والتكوين. غير اني
اطلعت على كتاب (اعلام آل الموسوي الهندي) لمؤلفه
العلامة رياض الموسوي والمطبوع عام 2003م، ينقل
فيه نصا عن كتاب )اعيان الشيعة) يؤكد ان (ابا اسرة
آل الهندي، وهو السيد مير شجاعة علي، كان ممن فروا
من الاضطهاد الانكليزي على اثر احتلال الهند. ووصل
النجف الاشرف واتخذه موطنا، وهناك صاهر ال
الجزائري اذ تزوج كريمة الشيخ ابو الحسن بن الشيخ
حسن احمد الشهير صاحب كتاب (آيات الاحكام) ثم توفي
في النجف سنة 1215 هـ ودفن فيها وترك ولده السيد
هاشم، وعرفت اسرته بعده بآل الهندي. اذن هاجر جده
الاعلى من بلاد الهند الى النجف الاشرف طلبا للعلم
وصنوف المعارف الانسانية الاخرى حاله في ذلك حال
اكثر الطلبة الوافدين للدراسة في اروقة جامعتها
الفقهية الكبرى، والتتلمذ بين حناياها على ايدي
اساتذتها المشهورين. وكان والد السيد رضا الهندي
المرحوم السيد محمد الهندي عالما وفقيها وشاعرا
مفلقا، توفي رحمه الله في النجف الاشرف في شعبان
1333هـ ودفن بداره في محلة الحويش/ قرب جامع الشيخ
الانصاري وارخ وفاته ولده السيد باقر (وهو اسن من
السيد رضا) بقوله:
يا زائرا خير مرقد له الكواكب حسد
سلم وصل وارخ
(وزر ضريح محمد)
وقد المح الي احد شيوخ العلم والادب ان والده
المرحوم السيد محمد الهندي قد حل ضيفا على احد
مشايخ الجامعة العلمية في النجف الاشرف. ويحنما
جيء بالطعام، طلب السيد من صديقه صاحب البيت فلفلا
احمر فكان له ما اراد ، فقال صديقه الشيخ مداعبا.
عشقت الهند لما حل عندي
اديب، عالم بالفقه، هندي
سمي المصطفى ، لكن فيه
طباع الهند من جد لجد
تراه بارد الاطباع دوما
ويأكل فلفلا، من دون حد
لكن السيد محمد خزره بنظرة (فلفلية) حادة، واجابه
على الفور:
رأيتك قد جبلت على التعدي
فهل يا شيخ قد جاوزت حدي؟
تنازعني على اكلي لاني
سألتك فلفلا لا كأس شهد
فأن انا كنت هنديا فهب لي
من الاجداد جدا مثل جدي
ولا يخفى، فأن في الابيات الشعرية انفة الذكر ما
يؤكد (هنديته) رحمه الله، ولكنه ، رغم كونه هنديا
بالنشأة، فأنه عربي الاصل، قرشي المحتد لانه من آل
رسول الله (ص) ويرجع نسبه الشريف الى الامام علي
الهادي عليه السلام. ويؤكد الشيخ اغا بزرك
الطهراني في كتابه (الكرم البررة) على ان هذه
الاسرة اتصفت بالتقوى والسخاء والشرف وان جدهم
الاعلى المير شجاعة علي وفد على النجف الاشرف من
مقاطعة (لكنهو) في الهند. وقد ولد شاعرنا الكبير
السيد رضا الهندي في النجف الاشرف عام 1290هـ،
وهاجر مع والده الى سامراء واو ابن تسع سنين، لكنه
عاد الى النجف عام 1311هـ لاكمال دراسته الدينية
في الفقه والاصول والمعارف الاخرى. ويقال انه عثر
يوما في النجف على ورقة جلد قديمة، كتب عليها
بيتين من الشعر بخط كوفي قديم، اصبحا منهاجه
الحياتي في دنياه وهما:
من ذخر وماله
وفي الورى جماله
محمد وآلـــه
كيف تسوء حال؟!
والذي يذكر الشاعر والعالم الكبير السيد رضا
الهندي ، لايمكنه الا ان يذكر بكل اعجاب وفخر
واعتزاز قصيدته الرائعة العصماء (الكوثرية)
الشهيرة في مدح الامام علي (عليه السلام) والتي ما
زالت (محفوظة عند النجفيين، يرددها الاباء
والابناء والاحفاد منذ الثلث الاول للقرن الرابع
عشر الهجري. وقد عدها الادباء من عيون قصائد السيد
رضا الهندي. وهي من بحر المتدارك ، كما افادنا
بذلك الدكتور عبد الصاحب الموسوي في كتابه (حركة
الشعر في النجف الاشرف). وطبعت لاول مرة عام
1333هـ كما يؤكد العلامة السيد رياض الموسوي
الهندي في العدد الثاني من جريدة (ملتقى النجف).
وكان رحمه الله- قد اودع القصيدة ابداعه في الشعر
والادب، وبراعته في الفقه والتاريخ، واسلوبه
المتين في اللغة والبلاغة، وتفننه في عالم البديع
، وقد كان مطلعها:-
امفلج ثغرك ام جوهر
ورحيق رضابك ام سكر
قد قال لثغرك صانعه
(انا اعطيناك الكوثر)
والخال بخدك ام مسك
نقطت به الورد الاحمر
ام ذاك الخال بذاك الخد
فتيت الند على مجمر
عجبا من جمرته ، تذكو
وبها لايحترق العنبر
يا من تبدو لي وفرته
في صبح محياه الازهر
وبعد تغزله بمن احب والف، شأنه في ذلك شأن الشعراء
القدامى في افتتاح قصائدهم، يتحول الى وصف الخمرة
وليالي انسه مع حبيبه وسعادته بلقائه والانفراد به
في ذلك الجو الهانئ الجميل. وللمتلقي الكريم ان
يتلمس الروعة في التعبير والرقة في الاسلوب
والمتانة في اللغة بقوله:
فاجل الاقداح بصرف الرا
ح عسى الافراح به تنشر
واشغل يمناك بصب الكأ
س وخل يسارك للمزهر
فدم العنقود ولحن العود
يعيد الخير وينفي الشر
بكر للسكر قبيل الفجر
فصفو الدهر لمن بكر
ثم يقول من ضمنها مشيرا الى الامام عليه السلام،
معددا فضائله وصدق مواقفه:
سودت صحيفة اعمالي
ووكلت الامر الى حيدر
هو كهفي من نوب الدنيا
وشفيعي في يوم المحشر
فأسأل بدرا واسأل احدا
وسل الاحزاب وسل خبير
من دبر فيها الامر ومن
اردى الابطال، ومن دمر
من هد حصون الشرك ومن
شاد الاسلام، ومن عمر
ويحدثنا الاديب المرحوم جعفر الخليلي في كتابه
(هكذا عرفتهم) فيقول: لقد كان لقصيدته (الكوثرية)
دوي كبير، وقد صاغ على نمطها عدد كبير من الشعراء
قصائد فخمة ولكنها لم تبلغ شأو قصيدة السيد رضا،
ومن تلك القصائد كانت قصيدة الشيخ محمد السماوي،
وقد ركب في مباراته قافية الضاد الصعبة على سبيل
المنافسة. ففضلا عن كونها قليلة، فأن اغلب الشعراء
يركبون قافية (الظاء) بدلها ، فقال:
سودت صحائف اعمالي
وبمدح ابي حسن تبيض
صحيح ان السيد رضا الهندي كان من كبار الشعراء
واللغويين. وصحيح ان الشعراء كانوا يعرضون عليه
شعرهم قبل قراءته او الافصاح عنه. وصحيح انه (تربع
على دكة الشعر في النجف الاشرف لمدة اربعين سنة
واستهرت قصائده في حياته اشتهارا محليا
واقليميا).. على حد تعبير الاستاذ على الخاقاني في
شعراء الغري، الا انه ما انماز بالشعر وبعث الهمم
في نفوسهم ليصبح احد اقطاب النهضة الادبية في
بدايات القرن اعشرين، وانما كان - رحمه الله-
عالما نابغا وفقيها متضلعا ومعرفيا روحانيا فضلا
عن براعته في فنون الادب ومعرفته بشواهد وشوارد
اللغة. فقد كتب عنه جعفر الخليلي في جريدة الهاتف
عام 1943 م بعددها 331 بالقول: (ان له في عالم
الادب والعلم شأن كبير... واتيح لي ان ارى السيد
رضا عن كثب فيما كنت ارتاد المجالس الادبية، وارى
مقماه بين العلماء). واكثر ما تتجلى في شعره،
ومضات الثورة العقائدية وصور المواقف البطولية
والادوار الاستبسالية التي اداها الحسين عليه
السلام وابناؤه وانصاره على مذبح الشهادة ومسرح
العقيدة في طف كربلاء يوم عاشوراء. ومن اكثر
قصائده ابداعا وارقها عاطفة قصيدته البائية في
رثاء سيد شهداء الطف ورهطه الميامين والتي يقول
فيها:
او بعد ما ابيض القذال وشابا
اصبو لوصل الغيد او اتصابي؟!
ويقول فيها واصفا السيوف التي اصلتت لقتل سيد شباب
اهل الجنة واهل بيته:
صلت على جسم الحسين سيوفهم
فغدا، لساجدة الظبا، محرابا
ترب الجبين، وعين كل موحد
ودت، لجسمك، لو تكون ترابا |