|
الخليج الاماراتية عاطف الغمري
هل هي مصادفة أن يتكرر من جانب الولايات المتحدة
القول بأن النظام الإقليمي في الشرق الأوسط قد
انهار؟ إن روبرت زوليك وكان نائباً لوزيرة
الخارجية قد صرح في عام ،2006 بأن النظام الإقليمي
القديم في المنطقة ينهار.
وبعدها جاء في مشروع الاستراتيجية الأمريكية لما
بعد بوش، التي وضعها كبار صانعي السياسة الخارجية
من الجمهوريين والديمقراطيين في عام 2008 نفس
القول بانهيار النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
إن ترديد نفس مقولة انهيار النظام الإقليمي من
تيارات سياسية مختلفة، يكشف عن ضيق مساحة
الاختلاف، في النظر إلى هذه المسألة، في حالة
انتقال السلطة من جورج بوش إلى الرئيس الذي
سيخلفه، لأن هدف عدم التقاء الدول العربية حول
مشروع قومي موحد، واستراتيجية أمن قومي واحدة،
يظلان شاغلا لأي من يحكم أمريكا سواء كان جمهورياً
أم ديمقراطياً، أو كان من المحافظين الجدد أو
المعتدلين، فالمصالح الاستراتيجية الأمريكية
الهائلة في المنطقة هي 1- البترول، 2- "إسرائيل"،
هي التي تحدد هذا التوجه.
وعندما نفذت الولايات المتحدة خطة حرب العراق في
مارس/آذار ،2003 نشرت الصحف الأمريكية معلومات
سربها عسكريون في البنتاجون معارضون للحرب، بأن
الهدف الرئيسي لحرب العراق هو إعادة رسم خريطة
الأوضاع الإقليمية في الشرق الأوسط، بما يضع
"إسرائيل" في مركز هذه الخريطة سياسياً واقتصادياً
وأمنيا.
ولكي يتحقق هدفهم، تلزمه مقدمة مطلوبة هي انهيار
النظام الإقليمي بإيجاد نظام بديل للجامعة
العربية، تكون "إسرائيل" جزءاً منه، وجاء إعلان
مشروع الشرق الأوسط الكبير عام ،2004 حاملا الهدف
نفسه، وذلك ببعثرة المنطقة وقضاياها، وخصوصا
النزاع العربي- "الإسرائيلي"، في محيط أوسع من
المشاكل والقضايا، وذلك من خلال إيجاد نقاط التقاء
بين الدول العربية و"إسرائيل" أمنية "كالحرب على
الإرهاب"، واقتصادية "كإقامة نوع من التعاون
الإنتاجي الصناعي والزراعي"، تهيئ الظروف لإيجاد
هذا النظام الإقليمي البديل.
كان المطلوب إعادة هيكلة أوضاع المنطقة بمشاركة
بين "إسرائيل" وأمريكا وكان تعبير إعادة هيكلة
المنطقة هو موضوع دراسة قام بها "مركز بحوث مؤسسة
هيريتاج"، وبينها وبين المحافظين الجدد تقارب
وتعاون. بالإضافة إلى مشروع تغيير الشرق الأوسط من
الداخل على مدى عشر سنوات، والذي اعده "معهد
أمريكان انتر برايز".
والمتفق عليه بين كثير من خبراء الشرق الأوسط في
الولايات المتحدة، أن وجهات نظر اليمين
"الإسرائيلي"، وخصوصا الليكود، والمحافظين الجدد
كانت هي المسيطرة على اتجاه تفكير السياسة
الخارجية للولايات المتحدة تحت رئاسة بوش.
وخطة إعادة هيكلة الشرق الأوسط، كان لها ترتيب
أولي، جرى تعديله فيما بعد، فأصل الخطة قام على
ضربة عسكرية كاسحة للعراق، ثم انتصار سياسي، تعقبه
حملة دبلوماسية، تمارس ضغوطا شديدة على حكومات
المنطقة مع التركيز على الحكومات التي تواجه ضغوطا
اقتصادية داخلية.
وبدأت هذه الحملة بمشروع الشرق الأوسط الكبير
للتغيير الديمقراطي، وباستخدام سلاح المعونات
الخارجية، لكن الفشل العسكري في العراق، أدخل
تعديلا تكتيكيا على الخطة يقوم على التلويح
باحتمالات حدوث تغيير أمريكي إيجابي يؤيد تسوية
سلام بين "إسرائيل" والفلسطينيين من خلال مبادرات
دبلوماسية، ليست لها آلية تنفيذ أو مدى زمني
لتحقيقها، والإيحاء للفلسطينيين بأن الحل في
متناول يدهم، وفي الوقت نفسه الوصول بالفلسطينيين
إلى نقطة يشعرون فيها أن أمامهم فرصة يجب ألا
تضيع، بقبول شيء ولو قليل، وهو خير من لاشيء.
ويسير بمحاذاة هذه الخطة استخدام وسائل الضغوط
بأدوات اقتصادية "المعونات وصندوق النقد والبنك
الدولي"، ومطالب الديمقراطية وحقوق الإنسان، لدفع
هذه الحكومات إلى وضع ترفع فيه يدها عن انفراد
أمريكا و"إسرائيل" بالفلسطينيين، خلال الفترة من
إطلاق دبلوماسية بوش بدعوته لاجتماع أنابوليس
وانعقاده، إلى تاريخ تنفيذ وعده بقيام الدولة
الفلسطينية قبل انتهاء ولايته آخر 2008.
لكن الواقع يصطدم بكل هذه الأماني، فهل يمكن لعاقل
أن يتصور أن الفريق المختص بسياسة الشرق الأوسط من
حول بوش سوف يغير موقفه تماما، من مشروعهم المعلن
والمنشور طوال عشر سنوات من1990-،2000 لتصفية
القضية الفلسطينية وليس حلها؟ ابتداء من اليوت
ابرامز مدير إدارة الشرق الأوسط بمجلس الأمن
القومي بالبيت الأبيض، وزميله في المجلس ديفيد
دورمسر، إلى جون هاناه مستشار الأمن القومي لنائب
الرئيس ديك تشيني، بالإضافة إلى تشيني ذاته، وهو
ضمن هذه المجموعة التي لها برنامج معلن منذ عام
،1996 برفض مرجعية مدريد 1991( الأرض مقابل
السلام)، ومرجعية أوسلو 93 و،95 بقيام الدولة
الفلسطينية.
إن أمريكا وفق السياسة الخارجية لبوش مازالت
ملتزمة بهذه الأفكار، فرجالها هم الذين قاموا
بصياغة برنامج حكومة نتنياهو عند فوزه برئاسة
الحكومة في انتخابات ،1996 لتحقيق برنامج التصفية
وليس التسوية.
أما ما يعقب ذلك من بعد بوش، فمازال هناك توجه،
تحكمه قاعدة الاستمرارية في السياسة الخارجية وهو
تعويق قيام تجمع إقليمي عربي قوي، في إطار
استراتيجية إعادة هيكلة الأوضاع الإقليمية،
انطلاقا من نقطة لا تفارق نظر صناع السياسة
الخارجية، تحت مسمى انهيار النظام الإقليمي في
الشرق الأوسط، والإلحاح على هذا المعنى.
إن مسارات السياسة الخارجية بعد بوش سوف تلحقها
تغييرات، وهذا أمر مؤكد نتيجة انتقال السلطة من
رئيس يعاونه فريق تسيطر عليه إيديولوجية، لا يعترف
بغيرها، إلى رئيس لن يكون بالقطع متفقا مع
إيديولوجيتهم، بل إن المرشح الجمهوري جون ماكين،
وإن كان جمهوريا محافظا، إلا أنه لا ينتمي إلى
المحافظين الجدد.
لكن ذلك لا ينفي أنه إلى جانب ما سيتغير، فإن
المنظور العام للسياسة الخارجية الأمريكية، به
الكثير من عناصر الاستمرارية، أكثر مما به من
دواعي التغيير، وتلك من أبرز القواعد الراسخة في
إدارة السياسة الخارجية للولايات المتحدة، مهما
اختلف الرؤساء.
ويبقى في عمق التفكير الاستراتيجي الأمريكي للشرق
الأوسط، موقف متربص من النظام الإقليمي العربي،
وهذا الموقف ليس مجرد طرح نظري، بل له أدوات
ووسائل تنفيذ، ليس ببعيد عنها ما كان يأتينا على
لسان مسؤولين وخبراء أمريكيين عن الفوضى الخلاقة،
وهدم النظام، وهو ما كان قد بدأ تنفيذ خطته في
العراق، باستبدال للهدف المعلن للحرب عن تغيير
النظام، بهدمه من أساسه، مما أوجد مناخا من الفوضى
الشاملة. والمثير للشك والقلق في الوقت نفسه، أن
تلك المقولات مازالت تتوالى عن انهيار النظام
الإقليمي، من دون ذكر للسبب وللمتسبب، أو لوسائل
اصلاح ما ارتكب من خطأ. |