|
معظم
الناس يتعلمون في العراق اللغة الانكليزية في
المدرسة او الروضة او المعهد البريطاني ومن فضل
الله عليه يأتيه والده بمعلم خصوصي يلقنه هذه
اللغة الحيوية التقيت بواحد او اثنين من اصدقائي
تعلموها في السجن قالوا هذه من افضال السجن فليس
هناك مانفعله غير الجلوس والقراءة وهم كرسوا
القراءة للغة الانكليزية فأتقنوها لاادري اذا كان
صدام حسين كرس شيئا من وقته لتعلم الانكليزية من
حرسه الامريكان في السجن يمكن واحد من الجنود عطف
عليه وعلمه اللغة.اذا فات وقتها في هذه الدنيا
الفانية ولم يعد له حاجة بها يمكن ان تفيده
بالاخرة يتفاهم بها مع كل هؤلاء الكفار والحكام
المستبدين في نار جهنم يسألهم عن درجة حرارة
النار. وهذا موضوع كثيرا ماسألني الناس بشأنه
قالوا يا ابو نايل من اين تعلمت لغتك الانكليزية
وصرت تكتب بها؟ كنت اجيبهم دائما واقول تعلمتها من
الموتى خاصة من واحد جندي انكليزي عريف فارق
الحياة في الحرب العالمية الاولى الحرب العظمى
اسمه العريف ماك مكدونالد لاينتمي بالمناسبة بأي
علاقة قربى او نسابة مع همبرغر مكدونالد هذا كان
اسمه بالصدفة ماك مكدونالد الله يرحمه كان اصحابي
يضحكون من اجابتي ويتصورون انني اهزل وامزح كيف
يعني الانسان يتعلم لغة من الموتى من واحد ميت
وخلصان؟ وهو سوال لابد ان يخطر ايضا لحضرات القراء
شلون ياخالد تعلمت اللغة الانكليزية من الموتى؟
ماحصل هو انني قضيت طفولتي وصباي في محلة
العيواضية المجاورة لمحلة الكرنتينة والوزيرية في
بغداد وكانت بين محلة الكرنتينة ومحلة الوزيرية
مقبرة الانكليز وهي المقبرة الواسعة التي دفنت
فيها القيادة البريطانية ضحاياها من قتلى الحرب
العظمى وغيرها من الحروب التي زعقت في العراق
وبالطبع كانت مقبرة مرتبة ومنظمة ومشجرة بألطف
الاشجار وكان العشب او ما نسميه بالثيل يغطي الارض
بين القبور يعني بأختصار كانت مقبرة تنحط عالراس
لايراها الانسان الا ويتمنى ان يموت فورا ليدفن
فيها وكان كل قبر يحمل شاهدا من الرخام النفيس
يحمل اسم المدفون ورتبته واسمته ويظهر انه حتى في
الموت توجد طبقية وامتيازات فبعض القبور كانت تحمل
تماثيل رخامية رائعة يعني بعبارة واحدة كانت مقبرة
الانكليز في غاية الجمال والابداع وليس مثل
مقابرنا المخربطة والمفشلة ومليانة زبالة
وعقارب.كنت اذهب لمدرسة العسكري القريبة من هذه
المقبرة واكتشفت انا وبعض الطلاب ان مقبرة
الانكليز هذه افضل مكان للدراسة والقراءة
فبالأضافة لخضرتها وجمالها ونظافتها كانت اهدأ
مكان في بغداد فالكل يحترمون الموتى ولاينغصون
عليهم راحتهم بالراديو والفونوغراف بأغاني عفيفة
اسكندر ومواويل حضيري ابو عزيز الناس لايعبؤون
براحة الاحياء ولكنهم يحترمون حقوق الموتى
وبالاضافة فهذه كانت مقبرة نصارى لااحد فيها يقرأ
سورة ياسين على روح العريف ماك مكدونالد او غيره
من المدفونين.باقتراب امتحانات البكلوريا كنا نسرع
الى مقبرة الانكليز ونفتش عن مكان لائق بارد ومضلل
بأشجار اليوكالبتوس العالية نجلس هناك ونراجع
دروسنا انا وجدت ان قبر المرحوم العريف ماك
مكدونالد من احسن المواقع للجلوس كنت اجلس بجانبه
واضع كتاب اللغة الانكليزية على مرمرة القبر واقرأ
وبالطبع كانت اللغة الانكليزية اهم مايعنينا
بالدرس والحفظ سنة بعد سنة واضبت على اتخاذ مقبرة
الانكليز وقبر المرحوم العريف مكدونالد موضعا
تقليديا للمذاكرة والدراسة وعندما انتهيت من
المدرسة الثانوية وجدت انني من دون سائر زملائي
الطلبة حققت في درس اللغة الانكليزية اعلى الدرجات
وصرت اتكلم الانكليزي مثل البلبل وكله بدون اي
معلم خصوصي كما كان يفعل زملائي وهذا ماجعلني
اعتقد انني تعلمت هذه اللغة من هؤلاء الانكليز
المدفونين في هذه المقبرة وبصورة خاصة المذكور
العريف ماك مكدونالد طيب الله ثراه هو الذي علمني
لغته من قبره.مازلت اشعر بالمنة والفضل له
ولزملائه الموتى المدفونين معه في هذه البقعة
الشريفة من محلة الكرنتينة ولهذا شعرت بألم كبير
سنة 1941 عندما قام رشيد عالي الكيلاني بحركته
واعلن الحرب على بريطانيا اسرع بعض الشبان
الموتورين الى المقبرة وهجموا على قبور الموتى
بدلا من ان يذهبوا الى الجبهة ويحاربوا الجنود
الانكليز الاحياء راحوا يحاربون الموتى الذين مضى
على موتهم نحو نصف قرن وتحولوا الى كومة من العظام
حطموا التماثيل وكسروا رخامات الشواهد وحولوا
المقبرة الى حطام من الاحجار والازبال.ولهذا عندما
سألوني مؤخرا عن الاماكن التي احلم بزيارتها عند
عودتي الى بغداد قلت اول شيء وبدون شك مقبرة
الانكليز اريد ان اقف عند قبر العريف ماك مكدونالد
واسلم عليه واستغفر له بكلمتين ثلاث واعرب له عن
شكري وامتناني فمن علمك حرفا ملكك عبدا وهذا
العريف الميت علمني لغة بكاملها او هكذا اعتقد على
الاقل. |