|
حاوره:هيئة
تحرير طريق الشعب
إلتقت هيئة تحريرطريق الشعب ، شأنها منذ سنوات،
عشية ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، الرفيق
حميد مجيد موسى، سكرتير اللجنة المركزية للحزب،
يوم السبت المصادف 22-3-2008، وتوجهت له بالعديد
من الأسئلة التي تعكس هواجس المواطنين، الذين
يقلقهم ما تتعرض له البلاد من أزمة تبدو عصية على
الحل، وتزداد تعقدا.
في اللقاء طرح الرفيق موسى رؤية الحزب للأزمة،
أسبابها، تجلياتها، تعقيداتها وتشابكاتها، وسبل
الخروج منها.
لم يخف، أبدا، صعوبات الوضع الراهن، لكنه أكد،
بالمقابل، إن الحل يمر عبر النشاط المنظم الواعي
للجماهير، فهي التي تتحمل آلام هذا الوضع ومصاعبه،
وعلى نشاطها المتنوع يتوقف الخروج من الأزمة وفتح
طريق المستقبل.وشأنه دائما أكد أن الشيوعيات
والشيوعيين، سيكونون كما خبرهم الشعب معه دائما
يتقدمون الصفوف دفاعاً عن مصالحه، من دون الابتعاد
عنه ولا التعالي عليه، لشق الطريق، مع الناس، إلى
المستقبل الوضاء. وفي ما يلي نص الحوار:
س: - نسمع ونقرأ عن الكثير من المبادرات واللقاءات
والتصريحات، ذات العلاقة بالحالة السياسية
الراهنة، ولكن لا تزل الاوضاع تراوح في مكانها،
فالسمة العامة يغلب عليها التردد، والركود،
وبالمعنى السياسي يعتبر هذا "تراجعا" أمام
المستحقات،فما هي اسباب المراوحة؟ وهل من آمل في
الخروج من حالة الاستعصاء الراهنة؟
- مع بداية السنة، كانت هناك الكثير من الأفكار
والمشاريع الهادفة إلى إخراج البلد من أزمته
السياسية، وهي تعكس القناعة بأن الأساليب والطرق
القديمة في إدارة شؤون البلد، وفي تنظيم العلاقات
بين القوى، تواجه مأزقا.فخمس سنوات من التجربة
والممارسة العملية برهنت على أن الطريق، الأسلوب،
النهج القديم غير قادر على الوصول بالبلد إلى شاطئ
السلامة، وان هناك حاجة ماسة إلى نمط تفكير جديد،
لمنهج سياسي جديد، من شأنه أن يراعي مصالح كل
الأطراف المعنية بإعادة بناء البلد وصياغة البديل
عن نظام الدكتاتورية، بديل ديمقراطي من شأنه أن
يفضي بالبلد إلى البناء والإعمار وتأمين معيشة
الناس.هذا الشعور نما بالنجاحات الأمنية وبضغط
الرأي العام العراقي الذي مل الانتظار والمعاناة
مما لحقه من أذى في مختلف الميادين. وهو أيضا ليس
بعيدا عن ضغط الرأي العام العالمي، دولا وكتلا،
وأحزابا، ومنظمات.....الخ وقد أثمرت كل هذه
العوامل حراكا سياسيا جديدا وإعلانات، تؤكد الرغبة
الجادة في الحوارات والاتصالات السياسية حتى
الوصول إلى النتائج السياسية المطلوبة. وبدأت فعلا
خطوات ايجابية تمثلت في تجديد اجتماعات المجلس
التنفيذي (3+1) وتحفيز لجنة الإسناد على العمل
وعقد اجتماعات للتحالف الرباعي والخماسي، ورافق
ذلك تشكيل لجان للمفاوضات ثنائية بين الحكومة
والكتل السياسية لإعادة الوزراء المنسحبين إلى
الوزارة، ومن شأن ذلك خلق أجواء ايجابية تمهد
لخطوات لاحقة أوسع على طريق المصالحة والوحدة
الوطنية والتوافق الوطني للمباشرة بحل الأزمات.
وقد وضعت الحكومة لنفسها برنامجا كبيرا ذا أبعاد
هامة ؛ اقتصادية واجتماعية والسير بخطوات جدية
لتوفير الخدمات، ومحاربة الفساد الإداري
والمالي.وكان بإمكان كل هذا، لو تحقق، ترسيخ
التحسن الأمني النسبي- الذي نرى بأنه سيبقى هشا
وقابلا للارتداد - ما لم يشفع بتدابير و إجراءات
سياسية فعالة. لكن للأسف الشديد فان هذا الزخم
الذي شهدناه في بداية السنة أعاق التردد والتلكؤ
مواصلته والسبب في رأيي يكمن في أن القيادات
السياسية المعنية لم تستطع تجاوز مصالحها الضيقة
ولم تتمكن من التخلي عن مطالبها المصلحية الخاصة
التي تسعى لتحقيقها في اقصر فترة ممكنة، بالرغم
مما يلحقه ذلك الإصرار على تحقيق المطالب الذاتية
الأنانية الخاصة، من أذى بكل العملية السياسية.
الـتنازلات والمرونة مطلوبتان يحتاج الوضع المتأزم
لحلحلته الى تنازلات ومرونة، إلى واقعية سياسية،
يحتاج إلى الترفع عن الصغائر إلى اعتبار المصلحة
الوطنية، مصلحة الشعب العليا، هي الأساس، وبالتالي
فان كل الصغائر و الثانويات والمصالح الضيقة يجب
أن تخضع لهدف العودة السريعة إلى الأمن والاستقرار
والأوضاع الطبيعية وإطلاق عمليات التنمية والبناء
والإصلاح والتعمير لتمكين الشعب من أن يحظى بمستوى
معاشي كريم، وان تتوفر للبلد مستلزمات نجاحه على
طريق إعادة سيادته واستقلاله الكاملين بتوفير
مستلزمات بناء أجهزته الأمنية وقواته المسلحة
للإسراع بجلاء القوات الأجنبية وفق جدول زمني متفق
عليه.لكن للأسف فإن الممارسات والمواقف التي جرى
الإشارة إليها هي السبب الذي يحول دون تحقيق تقدم
ملموس وسريع.ملفات الخلاف ليست قليلة وهي لا تقتصر
على الخلافات بين الحكومة والأطراف المعارضة لها،
فهناك خلافات حتى داخل الائتلافات الحاكمة، بينها
وبين بعضها، وهذا ما يمكن مشاهدته وتلمسه لدى كل
تحرك، ولدى كل منعطف سياسي ملموس.لكن هذه الحالة
يجب ألا تدفعنا إلى الجزع واليأس، ففي العراق وما
جرى فيه من تعقيدات وما يحيطه من إشكالات وتشابكات
تؤشر كلها إلى أن طريق الخلاص من الأزمة ليس طريقا
مفروشا بالورود، إنما هو طريق صعب يقتضي الصبر
والجد والمواصلة، واعتقد أن الكلمة الحاسمة في هذا
الموضوع يجب أن تكون للجماهير المكتوية بنار
الأزمة السياسية وإفرازاتها المتنوعة، فهي- أي
الجماهير- القادرة على إلزام القوى السياسية
والضغط الفعال على قياداتها، بأن تتحرك وان تعي
بأن كثرة المناورات وتعقد الألاعيب لن يفضي إلا
إلى الكوارث وبأن المطلوب هو الاستجابة لصوت العقل
والانسجام مع مصلحة الشعب ورأي جماهيره، وللتقدم
بخطوات جادة على صعيد الخلاص والتخلص من حالة
الجمود والشروع بانجاز خطوات فعلية على كل
الميادين لتحقيق كل ما يصبو إليه الشعب من انجازات
وحراك سياسي والتقدم على صعيد تطوير العملية
السياسية.
أزمة الوزارة مظهر من مظاهر الأزمة العامة
س:- ما زالت مقاعد وزارية كثيرة شاغرة، يبدو إن
التوافق ليس بالأمر السهل على ذلك؟
- يمكن اعتبار أزمة الوزارة هي إحدى تجليات الأزمة
السياسية العامة، فالانسحاب من الوزارة كان تعبيرا
عن تصاعد التناقضات السياسية بين أطراف العملية
السياسية وتعبيرا عن حالة الاستعصاء في التوصل إلى
حلول متفق عليها.وكما تقدم في الإجابة على السؤال
الأول هناك حاجة إلى المزيد من الواقعية، و احترام
مصالح البلد العليا، هناك حاجة فعلية لتقديم
تنازلات قد تكون آنية، فمن يعمل بعقلانية وحكمة هو
الذي سيكسب أخيرا.ذلك أن التعنت والتشنج والتشدد
والتصعيد ليس بالضرورة هو الطريق الأمين للحصول
على مكاسب معينة، ولو تم الحصول على بعض المكاسب
الوقتية فإن الخسائر على المدى الطويل هي التي
ستكون الأكبر والأفدح للجهة التي لا تراعي مصالح
الشعب العليا ولا الحاجة الماسة للوصول إلى
اتفاقات في الظرف الراهن.لابد إذن من بذل جهد مكثف
من كل الأطراف،من الحكومة،ومن الأطراف المنسحبة،
بتقديم المزيد من المبادرات والتنازلات المتبادلة
التي من شأنها أن تخلق حالة جديدة تؤدي إلى فتح
الطريق لإصلاح جذري للعملية السياسية وتطويرها
لتخليص البلد مما هو عليه من حالة الارتباك
والأزمة والفوضى. هناك مساع ومقترحات كثيرة، لكنها
كلها تصطدم، للأسف، بجدار التزمت والتشتت وعدم
المرونة، وتقدم اقتراحات متنوعة وأفكار مختلفة
لإصلاح هذه الحكومة، فهناك من يدعو لحكومة مصغرة
مرشقة بكفاءات نوعية، وهناك من يدعو لحكومة أحزاب،
وهناك من يدعو لحكومة موسعة تأتي عبر ترميم
الحكومة الحالية بعودة المنسحبين وإضافة بعض من لم
يساهم في الحكومة سابقا.هذه كلها أفكار تملك عناصر
قوة وايجابية كما إنها تواجه عقبات. برأينا أن
الطريق الأكثر واقعية والحل الأكثر نضجا هو طريق
ترميم الحكومة الحالية، فهذا من شأنه أن يوفر
أجواء سياسية ايجابية، وفي ظل تفعيل مؤسسات
الدولة، وممارسة الحكومة لنشاطها ويمكن إلى جانب
ذلك وبموازاته التفكير بترشيقها وإعادة هيكلتها،
وتأمين إعادة بنائها وفق توافقات لا تشل عمل
الوزارة - الحكومة - وإنما تولد بطريقة طبيعية
تدريجية وتزيد من كفاءة الحكومة وتحظى بقبول القوى
السياسية ذات الأغلبية في البرلمان العراقي
وبموافقة جماهير الشعب.المفاوضات والحوارات طالت
أكثر مما يجب، وهي تشكل صداعا للشعب وللبلد، ولقد
آن الأوان للانتهاء من هذه الدوامة، إذ يجب أن
توضع مصلحة البلد العليا فوق كل شيء وان تتقدم كل
الأطراف بأقصى ما لديها من تنازلات ومرونة لإعادة
تشكيل الحكومة.
قانون مجالس المحافظات
س:- في البلد حراك سياسي، ولكن لما يستقر بعد على
حال، وانتخابات مجالس المحافظات على الأبواب،
وحالة التنافس والصراع بدأت منذ الآن، وأحيانا
للأسف ليس بالوسائل السلمية، الدستورية.
- قانون انتخاب مجالس المحافظات غير المنتمية إلى
أقاليم وتشريعه والموافقة الصعبة التي حصلت عليه
في البرلمان في ظل صفقة فريدة من نوعها، كان الهدف
منه، أيضا، حلحلة الخلافات السياسية وفتح سبل وطرق
لحل جزء من الأزمة السياسية من خلال إعادة توزيع
مراكز السلطة والنفوذ في البلد بما ينسجم مع قوة
الأطراف المشاركة في العملية السياسية وخارجها.
فلقد جرت الانتخابات السابقة في ظروف تعتبر غير
طبيعية من قبل الكثير من القوى السياسية. كما إن
مجالس المحافظات الحالية تشكلت لصالح قوى سياسية
محددة، لم تعد معبرة عن حقيقة التغير الحاصل في
موازين القوى.فلأجل إعادة صياغة المعادلة بما
ينسجم مع الحالة الواقعية، جرى الضغط والتحرك
لإعداد هذا القانون كي نحل، ولو في ميدان من
الميادين، جزءا من الصراع بما يفتح الطريق لحل
أشمل للأوجه الأخرى للأزمة. حتى الحصيلة المعقدة
التي انتهت بإلغاء التحفظ لاحقا، وإقرار القانون،
ما هي إلا تعبير عن الصراع الجاري على السلطة
والنفوذ الذي جرت الإشارة إليه.في كل حال، فإن
الانتخابات، كما هو مقرر لها في الأول من تشرين
الأول المقبل، ولكي تكون سليمة بحاجة إلى صدور
قانون انتخابات وصدور قانون أحزاب، هذا من ناحية،
وكي تكون هادئة ومعبرة، لابد من تحسن في المناخ
السياسي العام، في العلاقة بين القوى السياسية، في
تطبيع الأوضاع بما يرسخ الحالة الأمنية ويحقق
نجاحات أمنية اكبر. وأخيرا في توفير ضمانات تكفل
إجراء هذه الانتخابات بنزاهة واستقامة بعيدا عن
التدخل والتزوير والتلاعب، وإلا سوف لن تكون هذه
الانتخابات جزءا من الحل المنشود وإنما ستكون
مشكلة أخرى تضاف إلى بقية المشاكل المستعصية.
س:- اذن هذه الانتخابات تفترض قانونا.
ـ هناك قانون معمول به جرى تطويره في انتخابات
مجلس النواب ويمكن اعتماده، لكن هناك ملاحظات من
بعض الأطراف تستهدف تدقيقه وتوضيح بعض جوانبه،
فضلا عن أن هناك قوى سياسية تطالب بتغيير قانون
الانتخاب جملة وتفصيلا، والذهاب إلى طرائق جديدة
في الانتخاب.في كل الأحوال لابد من أن يصدر ما
يؤكد القانون القديم أو يصوبه أو يعدله من مجلس
النواب، كإشارة للقبول بصيغة أو طريقة محددة
للانتخاب من أعلى سلطة تشريعية في البلد.
سيظل التحسن الأمني هشا ما لم يتعزز بانفراج سياسي
س:- مرت سنة على فرض القانون، تحققت نجاحات غير
قليلة، وبذات الوقت تحصل اختراقات أمنية، على درجة
عالية من التنظيم. ـ أعداء الديمقراطية والحرية
يملكون إمكانيات غير قليلة، والظروف التي مر بها
البلد من احتلال وفوضى ومليشيات وتلكؤ في العملية
السياسية وتدهور في الخدمات، تعطيهم الفرصة
لمواصلة نشاطاتهم لأمد طويل، ورغم أن الحكومة
والقوات المسلحة والقوات الأجنبية وصبر الشعب
وهمته وظهور الصحوات قد ساعدت، كعوامل متنوعة، في
تحسين الحالة الأمنية، إلا إنها لم تستطع بعد
اجتثاث ركائز وجذور الإرهاب والتخريب.علينا أن نعي
هذه الحقيقة وان نتعايش معها لفترة قد تطول، إذ
ستبقى عناصر وشراذم مخربة متوارية عن الأنظار تقوم
بأعمال التخريب مستفيدة من الاختراقات الأمنية
لأجهزة الدولة، الأمنية والعسكرية، ومن بعض
الحاقدين أنصار النظام السابق الذين يوفرون لهذه
العناصر الحاضنات السياسية والاجتماعية والمساعدات
اللوجستية والمعلوماتية، هذا فضلا عما يرد من خارج
الحدود من إسناد ودعم وطاقات بشرية لخدمة الإرهاب
والتخريب.سيبقى الصراع سجالا مع هذه القوى، لكن
الخط البياني يسير نحو التنازل، وقدرة هذه القوى،
مع اضطراد تحسين الأجواء السياسية وتحسين الخدمات
والأوضاع الاقتصادية عموما وتحسن مزاج الشعب،
ستستمر في الهبوط والى الزوال في مستقبل نتمنى أن
يكون قريبا. ولابد من التأكيد هنا أن محاربة
الإرهاب لا تقتصر فقط على الإجراءات العسكرية وحتى
في هذا الميدان فانه يتطلب تطويرا وتحسينا نوعيا
لأداء أجهزتنا الأمنية و الاستخبارية وعلى حسن
تعاملها مع الشعب والاستفادة مما تقدمه الجماهير
المكتوية بنار الإرهابيين والمخربين من دعم
معلوماتي وعلى مختلف الصعد، هذا من ناحية.ومن
الناحية الأخرى لابد من توفير كل العوامل التي من
شأنها تجفيف منابع الإرهاب الاقتصادية والاجتماعية
وغيرها باتخاذ إجراءات على صعيد تحسن مستوى معيشة
الناس، مكافحة الفقر والحرمان، توفير فرص عمل
للعاطلين، هذه كلها إجراءات متكاملة فضلا عن
الإجراءات التثقيفية والتربوية التي من شأنها أن
توفر على المدى المتوسط والبعيد إمكانيات اجتثاث
الإرهاب والتخريب من الجذور.خمس سنوات على الحرب
والاحتلال زكت مواقف الحزب س: تمر هذه الأيام
الذكرى الخامسة لبدء الحرب، والاحتلال ورحيل
الدكتاتورية، فكيف جرت الأمور، ونحن نعرف إن الحزب
كان معارضا للحرب، ولكنه مساهم في العملية
السياسية.
ـ تدفعنا ذكرى الغزو وسقوط النظام الدكتاتوري لفحص
وتمحيص مسيرة هذه السنوات , فكما كنا نؤكد في
السابق أن الحرب ليست الطريق الأمثل لتحقيق
الديمقراطية، بل هي طريق وعر يمكن أن ينتج إفرازات
مؤذية ليست لاقتصاد البلد فقط ، وإمكاناته
المادية، بل حتى على الحالة المادية والنفسية
للشعب.كنا نتمنى ونرغب أن يتم التغيير بطريقة
أخرى، لكن هذا أصبح تأريخا الان، فنحن نتعامل مع
الواقع. الحرب أسفرت عن احتلال أنتج بدوره ممارسات
شاذة وعقد أوضاع العراق الاجتماعية والاقتصادية
ودمر مؤسسات الدولة، دون أن يقدم بدائل كفوءة
لإصلاحها، وخلق تناقضات جديدة في البلد.اننا ندفع
الآن ثمن كل ذلك، وللأسف الشديد لم تتمكن القوى
الوطنية التي عارضت نظام الدكتاتورية ودعت
لإسقاطه، لم تتمكن،حتى الآن، من إيجاد الأساليب
الضامنة لإعادة بناء البلد وتشكيل البديل
الديمقراطي المنشود على أشلاء الدكتاتورية ولمصلحة
الشعب العراقي بعيدا عن العنف والإرهاب وبعيدا عن
الاحتلال والوجود الأجنبي. هذه هي إحدى الإشكاليات
الأساسية التي نعيشها في اللحظة الراهنة.تمثلت
إفرازات السنوات الخمس المنصرمة في فوضى سياسية
وصراعات غير شرعية بين القوى وفي تكريس للمحاصصة
الطائفية وإطلاق للمليشيات وانفلات للعنف والفوضى،
وخراب اكبر في الخدمات الصحية والتعليمية
والبلدية، وفي عدم توفير مستلزمات الحياة
الاعتيادية, بتوفير فرص العمل والحصول على موارد
للمعيشة. لكن كل ذلك دفع العديد من القوى للبحث
عما يساعد البلاد في الخروج من أزمتها المستعصية،
وذلك بهجر الطريق القديم واعتماد التوجه لبناء
حكومة وحدة وطنية، عبر مصالحة وطنية وبتوافق سياسي
يضمن للجميع فرصة المشاركة في صنع القرار وإعادة
بناء البلد وتوفير كل مستلزمات جلاء القوات
الأجنبية وتفعيل استقلال القرار السياسي العراقي
بوجه الضغوط الإقليمية والأجنبية للخلاص من آثار
الحرب ونتائج الاحتلال و إعادة الحياة الطبيعية
ومركز ثقل القرار السياسي إلى السلطة والقوى
السياسية الوطنية العراقية.خمس سنوات مليئة
بالتناقضات، فالحرب بما تعنيه من تدمير وخراب كان
من إفرازاتها، أيضا، إسقاط الدكتاتورية. ولقد كانت
هذه أمنية كبيرة وفرحة غير قليلة للعراقيين،
ولكنها فرحة لم تكتمل والحاجة ماسة أن تتحول فرحة
إسقاط الدكتاتورية إلى مناسبة لتهيئة بديل
ديمقراطي، يعبر عن مصالح الشعب ويضمن له الحرية
وحقوق الإنسان والتطور الحر الاجتماعي، الاقتصادي،
والثقافي.بهذا الاتجاه يمكن استكمال الفرحة عندما
نتمكن من تهيئة مستلزمات جلاء كل القوات الأجنبية،
وتنتقل قوة صنع القرار إلى الأيادي العراقية.
س:- انعقد مؤخرا المؤتمر الثاني للقوى السياسية
العراقية، في إطار مشروع المصالحة الوطنية. ورغم
مرور ما يقرب من سنتين على إطلاق المشروع فانه ما
زال يتعثر، فهل من آفاق له؟.
ـ ما زالت المصالحة الوطنية هدفا نبيلا، ضروريا
وملحا لتحسين وإصلاح الحالة السياسية في العراق،
هي مدخل رئيسي لإعادة بناء العملية السياسية
والوصول بها إلى غاياتها المنشودة في الأمن
والاستقرار وإعادة البناء والإعمار.بذلت جهود غير
قليلة من اجل إخراج هذا المشروع إلى حيز التطبيق
الفعلي والممارسة السليمة، لكن هذا كله يجري في ظل
صعوبات وعراقيل لا حصر لها ولا عد. طريق المصالحة
ليس طريقا سهلا فهو محفوف بالمخاطر والأعمال
المعرقلة المخربة أيضا، فكل من يسعى لديمومة
الفوضى والتهريب والتنابز يسعى عمليا لتخريب
المصالحة وحرمانها من عناصر النجاح.هناك
المترددون، المتشككون، في المصالحة وهم بسعيهم
لتحجيم وتضييق ميادين المصالحة، يؤثرون سلبا على
زخم العملية الفعلي، وهذا كله يلحق الضرر بمسيرة
المصالحة التي تسعى القوى الخيرة إلى إنعاشها
وإنجاحها والوصول بها إلى غايتها المنشودة.صحيح ان
المصالحة ليست مؤتمرات وليست مجرد لقاءات, فهي
متنوعة الطرائق والوسائل والأساليب وذات أبعاد
مختلفة عديدة، متنوعة، منها المؤتمرات، والأهم من
المؤتمرات هو الاتصالات السياسية الثنائية ومتعددة
الأطراف والإجراءات الفعلية على الأرض.وبهذا الصدد
فقد تحققت انجازات محددة، مثل صدور قانون المسائلة
والعدالة، قانون العفو، إعادة الكثير الكثير من
منتسبي القوات المسلحة والجيش السابقين إلى الخدمة
وإحالة قسم آخر إلى التقاعد أو إلى وظائف مدنية،
حلّ قضية الدوائر المنحلة، وغيرها من الإجراءات
التي تمثلت في ظهور الصحوات المحاربة للقاعدة،
وتأمين انتساب عدد غير قليل من أفرادها إلى القوات
الحكومية النظامية، وضمان حلّ مشاكل العديد من
المحافظات والتوجه لانتخابات مجالس المحافظات، إن
كل ذلك يشكل خطوات ملموسة على طريق المصالحة، ولكن
تبقى الخطوات السياسية الأخرى مهمة ويجب تحقيق
انجازات بهذا الصدد. ونعني بذلك مسألة تشكيل
الحكومة وتفعيل الأمن السياسي وتحقيق انجازات اكبر
في البرلمان وتفعيله وتفعيل الحوارات السياسية
المتنوعة.... الخ.مع ذلك يبقى لمؤتمرات المصالحة
طعم خاص ومنزلة خاصة. فكلما اتقنا التحضير لها
وكلما اتسمت عمليات الإعداد لها بالجدية والسعة
والمسؤولية، وكلما أشركنا أوسع قوى ممكنة من ذوي
الأفكار المختلفة من المشاركين في السلطة وغير
المشاركين فيها، من المشاركين في العملية السياسية
والمعارضين لها ومن هم خارجها، كلما كانت هذه
المؤتمرات أفضل وانجح وأكثر قدرة على الخروج
بنتائج من شأنها أن توفر المناخ السليم لعودة
وبناء الوحدة الوطنية. بالنسبة للمؤتمر الثاني،
والأخير للمصالحة، غاب عنه للأسف الكثير من هذه
المستلزمات، لكن هذا لا يعني أن المسؤولية عن ضعف
النتائج وقلة الحصيلة تعود فقط إلى تقصير منظمي
المؤتمر، إذ تقع مسؤولية ذلك أيضا على عاتق من
قاطعوا وانسحبوا من المؤتمر وخلقوا هذه الأجواء
غير المريحة التي انعكست سلبا على نتائج المؤتمر،
وتتحمل إدارة المؤتمر قسطا من المسؤولية إذ كان
عليها أن تكون أكثر التصاقا بأعماله وبمناقشاته
وبنتائج عمل ورشاته، و لكي تلخص كل ذلك في بيان
ختامي من شأنه أن يعرض على الجمهور صورة متكاملة
لنتائج أعماله، وليس الاكتفاء فقط بتصريح صحفي.
الأمل، كل الأمل، في أن تتم معالجة هذا النقص من
خلال بناء الهيئة العليا للمصالحة، وبتعزيز قوامها
ولتفعيل نشاطها وبتأكيد ارتباطها بأعلى هيئات
الحكومة، و الممثلة لكل التلاوين السياسية للمجتمع
العراقي، كي تأخذ موقعها الفعلي في صياغة القرارات
وصنع الأجواء الرحبة المناسبة لتفعيل المصالحة
الوطنية.
س:- هل انتم راضون عن أداء مجلس النواب، وانتم احد
أعضائه؟
ـ ما يجري في مجلس النواب وهيئاته وطريقة عمله
ونقاشاته والغياب المتكرر لعدد غير قليل من أعضائه
هي كلها مؤشرات ضعف في دور المجلس، وهذا ما ساعد
على أن لا يؤدي المجلس دوره الدستوري الكامل
باعتباره مركز السلطة التشريعية، وصانع السياسات
العامة والتوجهات الأساسية في البلد.لم يرتق عمل
البرلمان، للأسف، إلى مستوى ما يطمح له شعبنا، وهو
الذي يتطلع إلى أن يقدم له من انتخبهم المزيد
والمزيد من الانجازات والتشريعات ومن الأعمال
الرقابية.صحيح يقع أحيانا بعض الالتباس، فبعض
الانتقادات غير الدقيقة، تصب جام غضبها على
البرلمان وعمله في قضايا هي ليست من اختصاص
البرلمان، بل من اختصاص السلطات التنفيذية، وتحمله
هذه الانتقادات وزرا لا يتحمله. ويجري أحيانا خلط
غير مبرر في الأوراق، بطريقة مؤسفة، وكأن كل أعضاء
البرلمان هم في خانة واحدة من حيث التقصير وعدم
الإنتاجية والافتقار إلى الشعور بالمسؤولية، في
حين ان اغلب أعضاء البرلمان هم منتظمو الحضور،
جادون ومسؤولون ويقلقهم التأخر والتخلف في انجاز
ما هو مطلوب منهم، لكن أداءهم يصطدم أحيانا برئاسة
البرلمان، بعمل اللجان، بأسلوب إدارة اجتماعاته
وتنظيم التشاور بين كتله وأعضائه.ولا أروم من وراء
هذا التدقيق في بعض الانتقادات، أن اعفي البرلمان
من التقصير والخلل في ممارسة واجبه التشريعي
والرقابي، لكن أن نصوب وجهة الانتقادات وندقق
المسيرة حتى تأتي الانتقادات في مكانها الصحيح،
وتحقق النتائج المرجوة منها، ولكي تنتج ثمارا أينع
وأفضل في المسيرة الدستورية للبلد. لا ريب أن
البرلمان يحتاج إلى الكثير من الهمة والنشاط ،
ويمكن له أن يكون ميدانا فعالا لتجسيد المصالحة
الوطنية. لكن بعض أحزابه، وبعض شخصياته أساءت،
للأسف، بشكل متعمد أو غير متعمد، مباشر أو غير
مباشر، للرسالة التاريخية النبيلة للبرلمان،
وحولته في أحيان عديدة مسرحا للتنابز والصراعات
غير المشروعة والتشنيع والمهاترات التي انعكست
سلبا على مزاج الشارع العراقي، بل ساعدت على إشعال
صدامات وفتن يتحمل مسؤوليتها السياسيون الذين
أساءوا استخدام هذا المنبر الدستوري القانوني
الرفيع.إلا انه ما يزال في الوقت متسع وإمكانية كي
يلعب البرلمان دوره و يتفحص خطاه ويستخلص الدروس،
وتجربتنا البرلمانية الديمقراطية ما تزال ضعيفة،
لكن التعلم السليم من خلاصات التجربة يساعد على
تحويل البرلمان إلى إدارة فعالة في خلق المزاج
السياسي الايجابي في البلد، وعلى تنظيم حوارات
مثمرة من شأنها أن تعزز وحدة البلد وترسخ التقدم
الأمني بإجراءات قانونية فعالة وتشريعات اقتصادية
وثقافية يمكن أن تدفع عملية المصالحة الوطنية
وتعزز الرقابة على السلطة التنفيذية وتدقق حسن
أدائها. |