القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (551) الاربعاء 26 / اذار / 2008م ـ 18/ربيع الاول/ 1429 هـ

كيف تزدهر الأيديولوجيات المتطرفة؟

  بول بيرمان
لعل المفاجأة الكبرى في نظري هي ما حدث في المناطق الغامضة من الأيديولوجيا المتطرفة. ففي الأشهر والأسابيع التي سبقت غزو العراق، كنت قد كتبتُ كثيراً حول أيديولوجيات الشرق الأوسط
وبخاصة حول العقيدة السياسية الثورية التي يعبر عنها التيار الإسلامي الراديكالي. وحاولتُ أن أبين أن ذلك التيار يمثل فلسفة جديدة، وليس مجرد مجموعة من الأحكام والتصورات النمطية القديمة، وذلك على اعتبار أن هذه الأيديولوجيا، في صورها المختلفة والمتنوعة، تقوم على جذور محلية ودينية، تماماً كما تقول عن نفسها، ولكنها تستند في الوقت نفسه إلى الأفكار الشمولية التي سادت في أوروبا القرن العشرين. وأود أن يفهم قرائي أن قوة التيار الإسلامي الراديكالي، بجذوره الدينية والحديثة المتداخلة، هي أكبر -من الناحية الثقافية- مما قد يعتقده المراقبون السذج. لقد سبق لي أن أعلنت عن سعادتي من حيث المبدأ بفكرة إسقاط صدام حسين، تماماً مثلما كنت سعيداً بخلع نظام "طالبان" من السلطة. بيد أنني كنت أريد أن يفهم الجميع أن العمل العسكري لوحده لا يمكن أن يهزم أيديولوجيا مثل التيار الإسلامي الراديكالي، ولا يمكن أبداً أن يساهم بأكثر من 10% (هذا الرقم اخترعته على سبيل الشرح والتوضيح) في حل أكبر. وكنت قد شددت على هذه النقطة كثيراً في الأيام التي سبقت الحرب، ومع ذلك، فعليّ أن أقرّ اليوم بأن التيار الإسلامي الراديكالي، وبالرغم من كل ما كتبته عنه، قد أثبت في العديد من فروعه الراديكالية المتشددة والأكثر تشدداً، أنه أقوى مما كنت أتوقع. حكوماتنا جربت دعم صدام (ريغان)، ومحاربته جزئياً (بوش الأب)، ومعاقبته وقصفه (كلينتون)، وأخيراً إطاحته (بوش الابن). وكلها سياسات آذت العراقيين! العديد من الناس يتبنون الافتراض المنطقي القائل بأنه إذا كانت الإيديولوجيات المتطرفة قد دخلت في السنوات الأخيرة نوعاً من العصر الذهبي، فإن الأخطاء الفادحة، والمتوقعة، التي ارتكبتها إدارة بوش في العراق هي المسؤولة عن ذلك. وهو كلام صحيح لا شك فيه، غير أن ذلك ليس التفسيرَ الوحيد. فقد أخذت شوكة الحركات المتطرفة تقوى منذ أكثر من ثلاثة عقود، وخلال هذه الفترة، جربت الولايات المتحدة كل شيء تقريباً من حيث السياسات. فقد كان رؤساؤنا شيطانيين (ريتشارد نيكسون)، وملائكيين (جيمي كارتر)، ومثقفين أغبياء (رونالد ريغان)، وواقعيين حذرين (جورج بوش الأب)، وجذابين على نحو رائع (بيل كلينتون)، وغير ذلك (جورج بوش الابن). وكانت سياسة كل رئيس تجاه الشرق الأوسط تتأثر بشخصيته وطباعه. وبخصوص صدام حسين مثلاً، جربت حكومتنا تقديم الدعم له (ريغان)، وشنت حرباً محدودة عليه (بوش الأب)، وفرضت عليه عقوبات وقصفته (كلينتون)، ثم أطاحت به (بوش الابن). غير أن كل واحدة من هذه السياسات تركت الشعب العراقي أسوأ حالاً مما كان عليه من قبل، حتى وإن كان الناجون المنكوبون يستطيعون هذه الأيام على الأقل التفكير، من تحت الأنقاض، في مستقبل أفضل، وإن كنت أشك في أن العديد منهم في مزاج وحال يسمحان له بذلك. فكل نكبة جديدة تصيب العراق هي بمثابة السماد الذي يزيد من خصوبة المنظمات المتطرفة المختلفة. وقد يوحي التسلسل الكامل للأحداث بأن أميركا محتم عليها القيام بالشيء الخطأ، وهو أمر مرجح جداً في الواقع، ولكنه يشير أيضاً إلى أن أميركا ليست نقطة ارتكاز الكون، وإلى أن الأيديولوجيات المتطرفة إنما ازدهرت بفضل قدرتها الخاصة على التكيف والاستمرار، وبكلمة واحدة: شجاعتها. ألاحظُ بشيء من الأسف أنني ربما قللت من شأن الأيديولوجيات المتطرفة من ناحية أخرى. فقبل خمس سنوات خلت، لا بد أن كل من كان مهتماً بشؤون الشرق الأوسط، سيتذكر بسهولة أن مثقفي المنطقة مروا على مدى قرن من الزمن عبر عدد من المراحل: ليبرالية، ماركسية، علمانية، تقليدية، قومية، مناهضة الإمبريالية، إلخ، تماماً على غرار المثقفين في أي مكان من العالم. وبالطبع، سيُبدي المثقفون الغربيون الذين ليست لديهم أية خلفية عن الشرق الأوسط، تضامناً قوياً مع نظرائهم المسلمين والشرق أوسطيين الذين يقفون في التيار اللبرالي التقدمي المسلم في عصرنا والذي يدافع عن حقوق الإنسان، والفكر العقلاني، والتسامح، وانفتاح المجتمع. بيد أن الأمور مختلفة اليوم. ففي منطقة الشرق الأوسط حالياً، يَتهم الإسلاميون الراديكاليون المتعددون المنتشون بنجاحهم، خصومهم ومنافسيهم الليبراليين بخيانة الحضارة الإسلامية، ويصفونهم بأنهم دمى في أيدي العدوان الصليبي أو الصهيوني. والغريب أن العديد من المثقفين في البلدان الغربية وافقوا مؤخراً على هذه الاتهامات السخيفة في إطار نسخة منقحة مناسبة للاستهلاك الغربي. بل حتى في البلدان الغربية، يعيش اليوم عدد من الليبراليين المسلمين يجهرون بمواقفهم تحت التهديدات بالاغتيال، ناهيك عن الإساءات وحملات التشويه التي يتعرضون لها. وليست "هرسي علي"، النائبة والكاتبة الصومالية الهولندية، سوى مثال على ذلك. وبدلاً من أن يحظوا بدعم زملائهم غير المسلمين، يجد الليبراليون المسلمون أنفسهم بشكل روتيني معرضين لانتقادات وهجومات المجلات الثقافية والجامعات التي تصفهم بأنهم انتزعوا من جذورهم، من العالم الإسلامي، أو يجدون أنفسهم متهمين بأنهم دمى بأيدي "المحافظين الجدد"، كما لو أن أي كاتب من مرجعية إسلامية يتخلف عن تأييد بعض المبادئ المناهضة للإمبريالية أو المناهضة للصهيونية من التيار الإسلامي، لا بد أنه غير قادر على التفكير والإتيان بأفكاره الخاصة. تطور مثبط ومؤشر آخر على قوة الإيديولوجيات المتطرفة! تطور مفاجئ آخر، يضاف إلى المفاجآت السيئة الأخرى.

فتاوى مشبوهة من شيخ الإرهاب القاعدي
حازم مبيضين

 بات واضحاً حجم التخبط الذي يمر به أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي الذي تكرم علينا بدعوتين مشبوهتين بعد أن اختفى مشكوراً عن ساحات الإعلام لفترة خيل للبعض أنها تعني موته.
لكنه اتضح أن (الشيخ) كان يفتش عن فتوى مدوية يفاجىء بها كل الكون وتختلف عن ما اعتدناه منه من صولات كلامية تفرق بين فسطاطين متعاديين متقاتلين، أحدهما يقوده هو والثاني يمتد ليشمل كل من لا يوافقه الرأي على مساحة هذا العالم.
الفتوى العجيبة الأولى للرجل المختفي في جبال تورا بورا كانت موجهة للفلسطينيين، وهي تدعوهم إلى ساحة الجهاد الرئيسية عنده وهو الذي يرى في العراق أولوية تفوق ما عداها من ساحات الجهاد التي يجهد لنشرها في مشارق الأرض ومغاربها.
كيف لا وفي العراق روافض من أبناء الطائفة الشيعية التي يؤكد ابن لادن ضرورة محاربتها قبل أية فئة معادية أخرى، ثم أن الجهاد في فلسطين لم يكن يوماً عنده من الأولويات، ويقيناً أننا لم نسمع بعد عن واحدة من عملياته المدوية ضد الإسرائيليين الذين يحتلون أولى القبلتين وثالث الحرمين.
والفتوى الثانية كانت على شكل تهديد للعالم الأوروبي برمته، استناداً إلى أن رسام كاريكاتير دانمركي تجرأ على الإساءة للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وتوهم الشيخ أن مسلمي أوروبا سيعلنون الجهاد على الصليبيين الكفرة لتعلو راياته خفاقة، لكن الرد الصفعة الموجه لساكن الكهوف جاء من المسلمين المتنورين.
الذين تظاهروا معلنين أن على الرجل الكف عن التدخل في شؤونهم، وأنهم يعرفون كيف يردون قانونياً على كل من يسي للدين الإسلامي ورسوله الكريم. نحن بالطبع لم نسمع رداً من فلسطين على الدعوة المشبوهة القادمة عبر أشرطة مسجلة اعتاد المجاهد الكبير على التواصل عبرها مع أجهزة إعلام بذاتها تروج لأفكاره وإن كانت تدعي عدم تبنيها ومع اتباعه ومريديه، والسبب شديد الوضوح، فأبناء الشعب الفلسطيني الذين تمرسوا بكافة أشكال النضال، على مدى تاريخهم الحديث، واستطاعوا بجلدهم ودماء شهدائهم أن ينتزعوا اعتراف العالم بهم.
وهم يواصلون السعي لانتزاع الاعتراف بكامل حقوقهم، أكبر من أن ينساقوا وراء مثل هذه الدعوة التي تخترع لهم أولويات مشبوهة دينياً ووطنياً وقومياً وأخلاقياً، ذلك أن اختلاف رؤية ابن لادن عن ما يراه شيعة آل بيت الرسول صواباً، لاتعني ولايجب أن تعني أن على جمهور المسلمين من معتنقي المذاهب الإسلامية الأخرى القبول بهذه النظرة الخلافية المنحرفة التي لن تؤدي إلا إلى مزيد من الفرقة والتشرذم، وكأنه ينقصنا ذلك فوق ما نحن فيه. الرد الأقوى والأكثر تأثيراً، والمفعم بالدلالات، جاء مبكراً، وحتى قبيل الفتوى الأخيرة، من بلاد الرافدين، على شكل صحوة انبثقت من الأنبار وامتدت إلى باقي مناطق العراق، وصولاً إلى إقامة الصلوات المشتركة بين أبناء الطائفتين السنية والشيعية الذين أسقطوا مشروع ابن لادن المثقل بالفتنة والدم المحرم عند خالق الكون.
ويقيناً أن من لم ينجروا إلى بدايات فتنة القاعدة في العراق هم العقلاء من أبناء الطائفتين المدركين لمرامي شيخ الإرهاب القاعدي، المحاطة دعوته وتنظيمه منذ نشأته الأولى بالشكوك وعلامات الاستفهام. وإذا كان مهووس يتبع فكر ابن لادن اجترح بطولة بقتله عدداً من التلميذات في صنعاء فإن ذلك لا يعني ولا يجب أن يعني غير افلاس هذا التنظيم الإرهابي واعتماده عمليات تفجير يقوم بها من غسلت أدمغتهم وهي لاتعني أبدا أن القاعدة قادرة على الاستمرار في ظل الأجواء المعادية لها في كل أنحاء العالم وعند أتباع كافة الديانات والمنتمين لكل القوميات.

المــأســاة النفـطيـة الـعـراقـيــــة...!
د.مراد الصوادقي

 أزمة الحياة في العراق تتلخص في أنها نفطية كرسوية نسبة إلى الكرسي. وهي أزمة مصطنعة لكي يبقى البلد في حالة قلق واضطراب وعدم استقرار. وقد شاءت الأهداف المرسومة ومنذ تأسيس دولة العراق , أن يبقى البلد في حالة فوضى سياسية ضد روح الدستور والقانون, وأن تتواصل فيه الصراعات على كرسي الحكم بعيدا عن الغايات الوطنية والمصالح العامة لأبنائه. فأصبح الكرسي كل شيء في حركة الحياة على مدى القرن العشرين , وتراجع الوطن وغابت الراية وحل محلها الانقلاب والثورة والصورة. وتنامت روح الأنانية السياسية وسادت إرادة الحزب الواحد على مدى العقود الدامية الحزينة , التي حفل بها القرن العشرون وهاهو صاحبه القرن الجديد يدشنها بأفظع المآسي والخطوب.ترى لماذا تم تحويل العراق ومنذ البدء إلى أزمة كرسي , وإلى وطن بلا قدرة على التفاعل الآمن واستثمار الطاقات والقدرات وبناء الدولة المعاصرة؟ ولماذا تم تسخير كل ما في الوطن من موارد , لِما يتسبب في دماره وإهلاك أهله وتشريدهم وتحويل الحياة فيه إلى ما يشبه الجحيم؟
وقد لا يتفق البعض مع ما يبدو أن للنفط دور رئيسي وفعال في هذا المضمار وغيره عوامل ثانوية وتمويهية. فالعراق يمتلك أكبر مخزون احتياطي منه وبنوعية جيدة وممتازة , تساهم في إدامة حركة المصانع العالمية وتحقيق الإنتاج الدائم. ولكي يبقى النفط خارج إرادة الوطن والسلطة أيا كانت , لا بد أن تسود البلاد حالة عدم استقرار, وأن يمضي أبناؤه في عناءاتهم الصعبة ويلهو ببعضهم البعض , فيبتعدوا عن النفط ويتركونه للذين يريدونه فيفعلون به ما يشاءون بحرية كاملة. ولكي تحقق الفوضى حالة انفعالية تمنع أبناء البلد من النظر الواضح البعيد عن التشويه والتشويش اليومي , الذي يستهلكهم ويصادر حقوقهم ويقيد حركتهم ويمنع مشاركتهم في بناء الحياة , ويدفع بهم إلى خرابها وقتل كل مفيد فيها.وقد تسبب الطمع بالنفط بتفاعلات سلبية متلاحقة أدت إلى صياغة الوضع القائم , وتحويل أبناء الشعب الواحد الطيبين المتحابين إلى حالة أخرى غريبة وغير معهودة في تأريخه. ودفعت بهم إلى تداعيات لا يقبلها العقل والمنطق والضمير ولا يقرها العرف الاجتماعي والدين, بل أن الأخير تم استخدامه كأداة للدمار والعبث بالبشر المسكين , الذي يريد الأمن والسلام ولقمة العيش البسيطة الشريفة من غير عناء ومذلة.ووقعت الواقعة وفار التنور وتأججت المشاعر وصب فيها زيت التداعيات بأحداثها المرسومة وفقا لقوانين الإهلاك والسحق والخراب . وتم صناعة البشر الذي تحول إلى أدوات مرهونة بقدرات السيطرة عن بعد , لكي يفعل ما لا يتفق ونهجه ونهج آبائه وأجداده , وأن يتقيأ الأعراف والقيم والمثل والتقاليد ويتحرك وكأنه مخلوق قادم من جرم سماوي آخر, ويدعي بأنه يمت بصلة إلى الشعب المبتلى به , ويريد أن يعبر عن أحقاده وسلبيات رؤاه باسم الشعب المقهور.لقد تأكد دور النفط الرئيسي والمصيري في حياة الكرسي وتوطدت العلاقة بينهما , حتى تحول الكرسي إلى بئر نفط مشتعل , والجالس عليه يتقلب فوق النار إلى أن يسقط محروقا متفحما في بئر الويلات. وهذا يفسر المصير القائم لكل من جلس على الكرسي إلا ما ندر. ولا زال الكرسي العراقي في أزمة مشتعلة ومتنامية الأجيج لدرجة أنها امتدت لتمزج الشعب بالكرسي, وأصبح ابن الشعب مصنّعا وفقا للكراسي ويتحرك وفقا لإرادتها المسيّرة والمتغيرة وفقا لتقديرات الحاجات البترولية وسياسات امتلاك كل بئر في أرض العراق وشفط المخزون النفطي بكامله.ومن لا يقر بأن النفط قد أسهم بصورة أساسية بكل الأحداث في العراق , ومنذ بداية القرن العشرين واكتشاف المحركات وحاجتها الملحة للوقود لكي تتحقق الحركة والقوة والسيطرة, فأن عليه أن يأتي بسبب آخر معقول يفسر ما قد جرى ويجري حتى هذه اللحظة القاسية من حياة العراق المعاصر, الذي يغطس في الخوف والرعب والخطف والدمار والخراب اليومي والدنيا بأسرها في صمت وإنكار وإسقاط وتبرير وتسويغ , وإسناد لكل النشاطات المؤذية التي تستهلك كل ما في العراق من طاقات , وتعاقب أهل البلد وترمي بهم في حالات يرثى لها في البلدان الأخرى , والتي كأنها قد تلقت التوجيه من بئر نفط ظالم للقسوة عليهم وإهانتهم وترويعهم. ويتم إسقاط حقوقهم ومصادرة وجودهم في مأساة لم يحصل مثلها في التأريخ المعاصر , وكأن العراقي لا ينتمي إلى المجتمع البشري ولا تنطبق عليه لائحة حقوق الإنسان.العراقي الذي أصبح ضحية للنفط المشتعل في الكرسي , والكراسي المتصارعة والمتأسدة حول آبار النفط المسروطة بسرعة تفوق سرعة الضوء , فيزداد السراطون ثراءا وفحشا ويعاني ابن الشعب قحطا وقهرا , ويعز عليه أن يحصل على لتر من البنزين أو النفط أو قنينة غاز للتدفئة في بلده المسجى بالنفط. فبيوته تتهاوى وتتهدم من شدة الانفجارات المتواصلة في مدنه والتي أثقلت أهله بكاهل إعادة الترميم والبناء مع شحة وغلاء مواده. وإذا مرض فأنه ينظر إلى قبره لعدم توفر أسباب العلاج والأدوية الضرورية لشفائه.أجل إن العراق وعلى مدى القرن العشرين قد سقط فريسة في بطون آبار النفط , وتحول إلى وجود مأساوي بسبب النفط اللعين الذي لم يجلب للعراقي إلا العذاب , ولم يسمح له بتأسيس نظام حكم رشيد, لأنه لا ينسجم وسياسة أخذ النفط والاستحواذ عليه. فكل استقرار لا ينفع الطامعين بالنفط , وكل تقدم ورفاه لا يفيدهم , وأي ثقافة ووعي وتبصر قوة ضد النفط. فلا بد أن يبقى النفط في حِلٍ من أهله المشغولين ببعضهم وبكراسي الحكم المضطرمة , والتي تحرق كل مَن يجلس عليها وتمنحه سوء المصير. ويمضي النفط إلى العالم الذي يعرف كيف يوظفه لمصالحه وقوته وإحكام قبضته على عنق الأرض, ويبقى ابن العراق في أشد حالات العناء والعوز والهوان. ولا يمكن لأحد أن يقول شيئا آخر لأن ذلك أصبح من المحرمات والممنوعات , ومن التهم التي يعاقب عليها القانون. فالدنيا هذه الأيام تنظر في شأن العراقي وتريد أن تقرر هل أنه من بني الإنسان أم لا, وإلا لماذا لا تصرخ بأعلى صوتها وقوتها وتعلن أنه في أشد حالات المأساة؟!وأن الويلات قد تفاقمت لدرجة الكارثة المروعة , وعلى الدنيا كلها أن تستيقظ من غفلتها وتنقذ شعبا ووطنا , وأن تعالج شراهتها النفطية وإدمانها الخطير على النفط الذي أعمى بصيرتها وحولها إلى وحش لا يرى إلا بئر النفط , ولا يكترث بالآلاف من المعذبين المشردين المتناثرين جثثا على أرصفة الطرقات...!
فهل ستتواصل المأساة العراقية حتى نفاذ النفط؟!

عشاء عـراقـــي أخــير

 خيري منصور
ما إن فرغ ديك تشيني من تبشير جنوده في العراق بأن العنف قد تراجع حتى جاءت الاجابة من كربلاء. والكرادة، لتكون الذكرى الخامسة لاحتلال العراق، على غير ما اشتهى تشيني وسيده الذي أرسله في ربع ساعته الأخير.لم تكن ذكرى الحرب الخامسة مختلفة عن الذكريات الاربع التي سبقتها، فالعراق كله كر وفر وبلاء، ومن سمى سامراء ذات يوم ليقول للناس إن اسمها مشتق من السرور، وهي سرّ من رأى، لم يخطر بباله ان تتحول الى زقورة من العظم والدم. لكن ديك تشيني مهندس الحرب وقارع طبولها يأتي الى بغداد ليرى من حرائقها ما يروق له، تماماً كما فعل نيرون مع روما، ولم يكن احتراق روما أصعب من مطالبة نيرون لأهلها بأن يرقصوا على غنائه بصوت أجش.تشيني يطالب العراقيين بالرقص في مأتمهم، وبأن يشكروا من يشعل الحرائق كي يتدفأوا عليها ويستضيئوا بها كبديل عن الكهرباء المدمرة.
ان بإمكان أي معلق كسول أو يراهن على لامبالاة العرب بما يحدث لهم، ان ينتزع من أوراقه تعليقاً استخدمه قبل عام أو اربعة أعوام حول ما يحدث للعراق وفي العراق.فالعناصر الأساسية المكونة للمشهد لم تتغير، لكن التفاصيل هي التي تغيرت، بحيث لم يعد الشيطان وحده كامناً فيها، فالملاك أيضاً له مكانه في تفاصيل مضادة.
إن العراق الموعود والجديد الذي بشرت به الولايات المتحدة ليس من تضاريس هذا الكوكب، هو عراق متخيل، لكن على سبيل الديستوبيا أو المدينة الراذلة وليس اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة، فالزمن معكوس، والدبابات لا العربات أمام الخيول، وثمة اصرار على اصدار معجم امريكي بطبعة عربية تتحول فيه كلمة تمزيق إلى وحدة، وكلمة تدمير إلى بناء، وكلمة شيطان الى قديس.
لقد رأى تشيني بأم العين عراقاً آخر لا يشبه العراق الذي زينوا له سماسرة الدم، والحالمون بالسلطة حتى لو كانت على خازوق، لكنه فعل ما فعله من قبل الرئيس بوش ووزيرة خارجيته وبلير وكل من زاروا العراق ليتأكدوا من أنه أصبح خالياً من العراق.
فعل مثلهم وأشاح عن المشهد الدموي لأنه يمكث في المنطقة الخضراء كما تمكث الدودة في التفاحة.
ومن راهنوا على أن العراق الجديد المنزوع الدسم قومياً ووطنياً سوف ينجز خلال خمسة أسابيع يرونه الآن عصياً بعد خمسة أعوام، ولن تكون السنة السادسة أو السابعة عطلة اسبوع امريكي طويل تحت تلك السماء الدافئة.
لقد تحولت متوالية الأخطاء الأمريكية الى كوميديا حمراء، وليست بحاجة إلى شكسبير كي يصوغها درامياً، لأن الجنرالات تولوا ذلك بدءاً من باول حتى فالون، والاستقالات لم تكن سوى أضعف الايمان العسكري للتعبير عن ورطة اضافت إليها الخديعة حمولة لم يعد حتى الجنرالات قادرين على حمل اعبائها.
ولن يعود تشيني من بغداد بباقة نرجس من سفوح الشمال أو بقبضة ياسمين مما يسميه العراقيون الرازقي من الجنوب، سيعود الى من أرسله واثقاً من شيء واحد فقط، هو أن الدبابة لا تكتسب التاريخ.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com