القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (551) الاربعاء 26 / اذار / 2008م ـ 18/ربيع الاول/ 1429 هـ

علي جمعة الكعود: قصيدة النثر جلطة أصابت قلب القصيدة العربية..

 سوريا / البينة الجديدة
حاوره / بسام الطعان
الشاعر السوري علي جمعة الكعود اسم غني عن التعريف في المشهد الشعري السوري. صدرت له أربع مجموعات شعرية وديوان بعنوان قصائد آيلة للسقوط. حاز على عدة جوائز أدبية، وينشر نتاجه في الصحف والمجلات العربية
* يقولون إن الشعر كثيرا ما يكون بداية لتشكيل ملامح المبدع في حالتها الأولى، وبعد ذلك يكون النضوج أو الاكتمال، وكثير من الشعراء بدؤوا بالشعر ثم تحولوا إلى كتابة أجناس أدبية أخرى. هل فكرت بهجر الشعر والاتجاه نحو الرواية أو القصة مثلا؟
- الشعر شقيق لي ولدنا معا وترعرعنا معا، أشكوه همومي ويشكوني همومه.. وهموم الشعر كثيرة أبرزها هو تلك الفوضى التي تجردت من أصالته المعهودة، وأنا لا أجد نفسي إلا في الشعر حيث الموسيقى والحياة ، ولم أفكر بكتابة أجناس أدبية أخرى لإحساسي بأن ذلك يعد خيانة روحية لشقيقي الأبرز ألا وهو الشعر.
* كيف تنظر إلى الشعر بكل أشكاله، هل هو قادر على وقف نزيف الجرح العربي المعبأ بالهزائم والخيبات والانكسارات؟
- إن الجرح العربي عميق جدا ولا يستطيع الشعر سبر أغواره، كما أن النزيف المتدفق أغرق كل شيء ولم يسلم الشعر من الغرق، فالشعر مرتبط بالروح، وما يحدث هو تدمير للروح البشرية الحاضنة للقصيدة، وهذه الأخيرة قد أجهضت بدورها.
* اين تجد نفسك اكثر، في القصيدة الكلاسيكية ( العمودية) أم في قصيدة التفعيلة، أم في النثر؟ ما رأيك بقصيدة النثر وما مصيرها ، وماذا يمكن أن تسميها؟
- الشعر الكلاسيكي العمودي وقصيدة التفعيلة شكلان متلازمان.. والفرق بينهما عملية توزيع للتفعيلات على السلم الموسيقي فقط.. حيث الرتم موجود فيهما مع بعض الفوارق الطفيفة.. وأنا أجد نفسي في هذين النوعين معا.. أما قصيدة النثر فهي جلطة أصابت قلب القصيدة العربية، وهي غير شرعية وخارجة عن العدالة وما زالت سيوف الأصالة تطاردها في كل مكان.
* اتحاد الكتاب العرب في دمشق، هل هو لكل الكتاب السوريين أم للبعض فقط؟ ما دوره في المشهد الثقافي السوري، وهل كل أعضاء هذا الاتحاد يدخلون في عداد المبدعين؟
- اتحاد الكتاب العرب مؤسسة ثقافية مرموقة جدا وهناك بعض القائمين عليها يعدون من كبار الأدباء في العالم العربي، أما بالنسبة لأعضائها فهم بنسبة 40% لا يمكن تسميتهم بمبدعين حقيقيين، ولكن لأمور مزاجية أصبحوا أعضاءً، وهم معروفون من قبل المثقفين السوريين من خلال نتاجاتهم المنشورة عبر مؤسسة الاتحاد، ولكن هناك 60% مبدعون حقيقيون لا يمكن التنصل أو التنكر لإبداعاتهم.
* عندما تقدم أمسية أو نشاطا أدبيا في مدينة سورية، وتجد أن الفجوة كبيرة بينك وبين الجمهور، ما السبب في ذلك من وجهة نظرك، ومن المسؤول أنت أم الجمهور أم غير ذلك؟
- بالنسبة للأمسيات الأدبية ليست هناك فجوة بيني وبين الجمهور، ولكن هناك قلة في الحضور هذه الأمسيات من قبل الجمهور، ولكن الجمهور على قلته أحس بتفاعل حقيقي بيني وبينه من خلال فرض متطلبات الذائقة الشعرية، وهذا ما حفزني على الاستمرار وعدم الإحساس بالخيبة.
* إذا أردنا أن نختار من أحد الأجناس الأدبية التالية، الشعر، الرواية، القصية القصيرة، ليكون سلاحا في وجه الطغيان والظلم وقوى الشر والظلام، أي جنس تختار ولماذا؟
- لا أحد يستطيع الاختيار بين مدى جدية جنس أدبي عن آخر، لأنه ليس هناك عمليات فرز أو اختلال بينها، فلكل جنس أدبي مكانته الخاصة به وجمهوره الخاص به أيضا، أما ما يشاع عن أن الرواية هي ديوان العرب الحالي فهو أمر فارغ وعار عن الصحة لأن هناك شعراء كتبوا الرواية وليس العكس واستطاع بعضهم عن طريق كتابة رواية للمرة الأولى الحصول على جوائز عربية مرموقة، أمثال الشاعر"عادل محمود" عن روايته /إلى الأبد ويوم / الحاصلة على جائزة دبي الثقافية مؤخرا ، فالشعر كان وسيبقى وسيظل ديوانا للعرب.
* هل لديك مشكلة ما بعد هذه المدة الطويلة من الكتابة؟
- المشكلة اقتصادية بالدرجة الأولى ، فالوضع الاقتصادي الراهن يؤثر على السوية الإبداعية، ومقولة/المعاناة توّلد الإبداع/ هي مقولة ناقصة للأسف الشديد، لأن المعاناة العاطفية مثلا قد توّلد إبداعا، أما المعاناة الاقتصادية فتولد المعاناة في الكتاب، فالرأس المليء بالبحث عن الخبز والغاز لا يمكن أن يمتلئ بالإبداع، أضف إلى ذلك أزمة النشر والإعلام الثقافي الذي تتحكم به عقول جاهلة أحبطت الشباب العربي المبدع.
* أنت شاعر متميز ، تشهد على ذلك إبداعاتك المطبوعة والمنشورة، هل تأثرت بشاعر أو أديب خلال مسيرتك؟ من أين تأتي بصور أشعارك، من الواقع الذي تعيشه أم ترسمها بخيالك على الورق؟
- الشعر عندي إحساس خفي قد يتبلور وقد يصيبه الإجهاض، سواء كان من الواقع أم من الخيال، فلا يوجد منبع واضح يمكن استدراكه، المهم أن القريحة مفعمة بكل ما هو جميل وخلاق ويستحق الحياة، أما تأثري الشعري فأنا أتأثر بقصائد أكثر من التأثر بالشعراء، لأن الشاعر كالبحر قد ينتج شعرا جميلا أو شعرا لا حياة فيه، وهذا لا ينفي كوني احب نتاج شعراء عري كثيرين أمثال: فايز خضور وعبد القادر الحصني وعبد النبي التلاوي من سوريا ، ومحمد أبو سنـّة وعزت الطيري من مصر، وتميم البرغوثي ومحمود حامد من فلسطين ، وغيرهم.
* لماذا اخترت الشعر لتعبر من خلاله عن همومك وأحزانك؟ ما الذي يميز القصيدة عن الأجناس الأدبية الأخرى؟
- أنا لم اختر الشعر بل الحياة اختارتني لأن أكون شاعرا، وأنا سعيد بهذا الاختيار كون الكتابة الشعرية تنتشل الوجع المخبوء في داخلي، وتنثره على الورق فتشعرني بالراحة ولو قليلا.
* ما السؤال الذي كنت تريد أن أسألك إياه، وما جوابه؟
- السؤال الذي أود أن تسألني إياه: ما رأيك بالموت؟ وأقول لك: الموت يعيش في داخلي يوميا، لأنني أموت عشرات المرات وأبعث من جديد إلى حياة ميتة هي الأخرى، فالموت سلسلة متتابعة تبدأ من الصباح وتنتهي في المساء، أما الحساب على الأفعال والأفكار فإن الكوابيس كفيلة به.
* كلمة أخيرة، ماذا تريد أن تقول للقارئ العربي؟
- أقول للقارئ العربي توقف عن القراءة، لأن الكتـّاب أنفسهم توقفوا عن القراءة، فهم لا يقرأون إلا لأنفسهم، وأقول للكتاب توقفوا عن الكتابة وكفى الله القارئين شر القراءة.

الكوميديا والاجترار في العمود الصحفي
ابو الغوث

 نطلع يومياً عدداً هائلاً من الاعمدة الصحفية المنشورة على صدر الصفحات المختلفة من الصحف العراقية،بعضها يتسم بحرفية عالية والاخر لا يتعدى وصفه بالهشيم المنثور او (اللغو المتدارك) وصنف ثالث يريد من خلاله الكاتب ان يستعرض خفة دمه بالرغم من اسوداده من شدة الحقد وهذا الصنف اذا ما استمر بهذا التكتيك سيؤدي به الى الهاوية وينزلق في مزالق نتيجتها كسور من الدرجة(الثالثة) اذا ما علمنا ان السخرية والهزل في العمود يتطلبان روح شفافة تحمل معالم المعرفة المقارنة بموجودات الاشياء فضلاً عن فهم اللعبة الصحفية والكوميديا معاً.
وآخرون من الصنف الرابع بدأت كتابتهم لهذا اللون تهبط الى منحنيات حادة وبات حالها حال(ناكوط الحب) اذ انحسرت نشاطاتهم في هذا المجال مما يعكس وبوضح الى اضمحلال خزائنهم الفكرية والمعرفية والمفرداتية في آن،بعد ان ملؤا الدنيا زعيقاً ونهيقاً بما يحفظون من جملٍ تزويقية تخفي تحت ثناياها تجريداً طلسمياً يصعب فك شفراتها.
فالعمود الصحفي اليوم لم يعد تنظيراً تستغرق كتابته دهراً من الزمان بقدر ما يكون بقعة ضوء تكشف عن حالة ما سلبية كانت او ايجابية لذلك الاستمرارفي كتابته تؤكد الديمومة للمخيلة الناضجة والالتقاط المهني المتمرس اما كتاب الاعمدة في صفحاتنا الثقافية فقد استسلم معضمهم الى خوائهم واصبحوا يتبادلون الادوار على كتابة هذه (اللكَمة) معلنين عن بدء لقي حتف بريقهم.
وتصدر معضم صفحاتنا الثقافية بصحفنا اليومية بسلسلة من الاسماء تتباين الاراء فيها حتى ضلت بنا السبل لمعرفة الرأي او الموقف الذي تتأدلج به او تتبناه هذه الصحيفة او تلك.
وللتوثيق اقول ان هذا النهج اختطته احدى اهم الصحف العراقية المدعومة من اكبر ماكنة اقتصادية في العالم،وتحولت من صحيفة تختص بنقل الاخبار(التازة) (بحسب وصف احد الزملاء) الى نشرة اعلانية فاقدة بذلك مهنيتها وشعبيتها التي انتشرت بعد جهود وتضحيات كبيرة.
اامل ان استمر بكتابة العمود لأمارس من خلاله طقساً فيه شيء من الفنتازيا والوردية وقليل من النرجسية التي تحول للاعتداد بالنفس حين يجب ان يكون والا التحق بركب اولئك الفارغين الذين اعلنوا افلاسهم في بداية المشوار.

شـعــر
عد تنازلي
ميادة العسكري

 صباح يتوسد غربتي
يوقظني
أقطع المسافات بصوتك
وأغفو على دفء نبرتك ..
لا تقل أُحبكِ
ليس الآن
إنتظر ...
ستكبر الكلمة
وتتحول حرقة
ستنمو ..تتجذر
تتشظى داخلك
تلملمها
ترتبها
تحاول ان تمنطقها .. تعقلنها
تدور في دائرتها
تحاول أن تفلت منها
تصعد معك
تنزل فيك
تتنفسها
تتنفسك
أُحبكِ
لا تقلها
فمعها يبدأ
عد تنازلي

قصة قصيرةإمرأة......
لمياء الآلوسي

 أنا لست إلا طفلة صغيرة .. تتشبث بك ، وتختبئ وراءك ، وتحاول بكل ما فيها من خوف ، وتردد ، وقلق أن تمد يديها ، وتعانق هذا الكم الهائل من الجمال الذي يتألق فيك .. آه لو أتمكن من أن أختزن سنوات عمري .. أعبقها ، وألملمها ،وأهيلها بين يديك .. أنثرها لتكون لك ، قد تكون قصيرة وقصيرة جدا .. لكن من قال أن المعمرين ، أكثر سعادة من امرأة تحب ؟؟ .. أن تحبني فهذا يعني ، أني امسك الكون كله بيدي ، وأبعثره كما أريد .. أعيش كما أنا ، مجنونة ، صارخة بكل صوتي ..
أنا حبيبته .. وسحقا لكل شيء !!
كل يوم أكتب له هذه الكلمات .. وانتظره .. لكنه لا يأتي أبدا .. !!
منذ ذلك اليوم ، الذي اقتحم عليَ وحدتي في غرفتي المنعزلة في عملي
ووضع على مكتبي باقة من ألورد .. عبقت رائحته .. وأنعشت في قلبي شبح حب مات منذ زمن بعيد
كانت تلك ليلة بلا ضوء ، قارسة البرد لم يكن في البيت إلا فانوس خافت ، ومدفأة علاء الدين القديمة ، تحلقنا أنا وأمي وأبي العاجز حولها .. الصمت يغزل فينا ألف حكاية وحكاية كانت هذه المدفأة هدية عرسي .. وبعد عشرين سنة ، جاءني بصبغ حديث وقال ستعود زاهية كالأول ، لكني عندما أوقدتها اشتعلت فيها النيران .. عباس ( سوده عليا فقط هو الذي اقتحمها وأطفأها
إهتز جسد أبي ، ودفن وجهه بين يديه ، وبدأ ببكاء طفولي حاد أُمي ... ألا ينتهي هذا الموال بالله عليك يالك من جاحدة ..
أشرت إلى أبي المرتجف
كلما تدافعت حكاياتك القديمة عنهم .. يبدا أبي بالبكاء .. ولا ينتهي ليلنا أبدا
نهضت متحاملة على ألمها .. وأحاطته بفروته القديمة ،
بعد لحظات تكورا على بعضيهما ، وبقيت وحيدة .
الليل الطويل الذي يتركاني له دائما ، ويتركانه لي !! ...
ذلك التكور الذي يمتد بي بعيدا .. ويكورني في داخلي ، داخل صمتي !
أوقدت المصباح النفطي الصغير.. وتركت لهما الفانوس القديم المتهالك .. فهو والمدفأة والصندلية ، وبضع أشياء قديمة ، هي كل ماتبقى من أثاثهما الذي شهد يوم عرسهما .. وأبي يرفض أي تجديد ..
أريدهم أن يأتوا ، ويروا كل شيء كماتركوه
ممر مظلم يفصل بين غرفتينا .. تركتهما لكن ومنذ سنوات عافني النوم .. وأمتلكني الخوف .. لاادري كيف احتوى بيتنا القديم ، أجسادنا الصغيرة ، أنا وإخوتي الذين أذهبهم الزمان بعيدا .. عندما كانت مدينتنا الصغيرة ترخي أردانها على امتداد الشاطئ الجبلي ، الممتد على نهر دجلة من الشمال إلى الجنوب ، لم يمهد الأهالى الأرض ، بل بنوا بيوتهم متراصفة على التلال ، فغدت تتكتل بشكل عمودي ، اكسبها جمالا وتفردا عجيبا ، تفصلها أزقة متعرجة متداخلة ضيقة ، مشرفة بعضها على بعض
كان ذلك الزقاق يمتد بين بيتنا وبيتهم ، ترابيا يرشح طوال اليوم ماؤهم ، ومياه كل المدينة الصغيرة .. فتغدو زلقة كل الأيام .. وتسمع له خريرا مستمرا .. وينحدر بانحدار الأرض الترابية ، باتجاه النهر .. هذا الصوت الذي كان يسمع من بعيد .. حتى أطلق الأهالي على تلك المنطقة جزافا ( ألخر)
كان عليَ أن أتسلق تلك الهضبة ، كل يوم أكثر من مرة
تتلقفني امرأة كالصبح ، وأخرى سمراء دائمة الإنشغال بنساء متعبات ، مصابات بتخثرات متعددة في أجسادهن ، يجلسن حاسرات سيقانهن ، ممدات .. كانت تعمل في مواقع محددة أشرطة مسطحة بسكينة حادة مستدقة ، كانت ترفعها في وجهي ، كلما حاولت الدخول عليها ، تنضح دماً قانياً يفزعني في الغرفة البعيدة !!..
تعرف دقات يدي الصغيرة ، فتتلفت بحذر ، ثم تجعلني أمرق بجسدي الضئيل إلى الدرجات الضيقة ، التي توصلني إلى غرفته
أدخل عليه غارقا بين كتبه ، حاملة صحنه المليء بالطعام ، فيأخذه مني ، ويضعه على الأرض .. عندما يفعل ذلك كنت أهم بالصراخ ، لكني أخاف من المسنتين في الغرف التحتية فأطبق بأصابعي على شفتيَ .. أتوسله.
إتركني بالله عليك..

شـعـر
بـلاد مؤجلة الهوية
عباس الحسيني

 في يباس
كدهاشة الأرض
في طلسم
كرهافة
وخزة الناي،
اضم ندى العراق
رجعة ٌ من صدىً
وورقة ٌ من يـبابْ
على صفحة النهر ِ
روحي ...
رسالة ُحبٍ،
تطيل الجنون ،
تعابثُ جدوىً ،
فلا ترتقيك ...
لزوادة هجيرك ،
المرتعش
كموت الكلام ..
وازدهار رائحة الموت
أقود النهاية
صوب يديك،
واهما بقتال
جنّ إلتـباسي,
وسأخطأ ثانية
لادون براءة سرّك
عند الرحيلْ .....
في ذاكرة
ووجد ...
ونعش ذليلْ

توازن الفكر والشعر
د. جميل قاسم

 محمد علي شمس الدين شاعر متجدد الاوجه من جنوب لبنان يصعد هذا الشاعر المتفرد الى افاق الكون حاملا اسئلة المصير الانساني الوطن والارض والموت والحياة. يمتزج في داخله التراث الشعري العربي بتساؤلات فلسفية لاتهدأ حدتها وهو يصوغ كل اسئلته العطشى شعرا يتوسل للاجابة عنها باستخدام الاسطورة والتفاعل مع كل عناصر الكون شاعر مفطور مصنوع متعدد الاوجه لايكف عن التجدد كأنه عنقاء تخرج من نار
انه شاعر متفرد يجمع في شاعريته الفكر والشعر بتوازن خاص يكمن فيه الفكر ويستتر ويظهر الشعر ذلك ان الفكر في البنية الشعرية حين يطغى على الايماء والرمز والاحالة ويطفو على ماء القصيدة فأنه يحجب تلك العملية الخاصة في كيمياء الشعر والقادرة على تحويل جميع معطيات الثقافة والتأمل والاختيار والحكمة الى دمها الخاص. ونادرا مااجتمعت هاتان الصفتان في شاعر عربي من ابي العلاء المعري حتى صلاح عبد الصبور في شعر شمس الدين تمتزج الهوية بالحداثة المبنى بالمعنى بأسئلة الوجود والمصير الكينونة الحياة والموت والوطن والانسان والارض. ويتسم شعره من الوجهة الجمالية والاسلوبية ببنيان صوري سهل ممتنع كلاسيكي- محدث دون التقيد بلزوميات ما لايلزم من قافية ووزن وعمودية تقليدية مدرسية انه شاعر غير مدرسي كما جاء في تقرير اللجنة المشرفة على مناقشة اطروحة دكتوراه في شعره قدمها الدكتور حسين علي امين بالاسبانية في جامعة الاوثوناما في مدريد واجيزت بامتياز العام 1991 بعنوان الشاعر اللبناني المعاصر محمد علي شمس الدين في اطار الحداثة الشعرية حياة واثار بجزأين من 900 صفحة. يتعالى الشاعر شمس الدين الاتي من الجنوب الذاهب الى الكون والكونية وشمال الحقيقة بالشعر الى الفكر فيحمله الى ذرى علوية ويتنزل من صوى الفكر الى الشعر ويظل في الحالتين متألقا تأخذه الكلمات الى المطارح الاولى ويأخذها هو الى المطارحات العلوية. يقول المتنبي اعلى المماليك مايبنى على الاسل اي الرماح ويقال: فلان جمع مابين اليراع والاسل اي بين القلم والرمح واذا كانت هذه هي حال المتنبي الجامع مابين الخيل والليل والبيداء والسيف والرمح والقرطاس والقلم فأن الشاعر شمس الدين يبني بقلمه رمحه مملكته العالية في الجمع مابين الفكر والشعر والعلم والادب بحثا عن المختلف والجدة والجمال في ذرى البيان ومتانة القول وجلاء الصورة وبلاغة اللغة وموسيقى العبارة في شعرية غنائية فائقة المعنى راسخة المبنى في الكلمة والصورة.
اعلى الممالك مايبنى على الاسل
والموت عند محبيهن كالقبل
وقرعت كأسي بالذي برأ الحياة وقال للافلاك دوري
وجلست اكتب والنجوم شواهد حولي ومملكتي سطوري.
من الحداثة الى مابعد الحداثة
من زمن الحداثة الى مابعد الحداثة الشعرية بتمظهراتها العربية وعبر تجربته الشعرية المتطورة والغنية بابعادها الفكرية ضمن نصه المتحرك من الداخل ينتمي الشاعر شمس الدين الى زمنه الشعري وعصره الثقافي بامتياز مطورا تجربة من سبقه ومتواصلا مع طليعة الحداثة في عصر مابعد المدارس الكبرى او اللامدرسية في الشعر والادب وبروز الفرد كمذهب عام في حقل الابداع الفني(البياتي، ادونيس، حاوي) وتتلاقى في شعر شمس الدين الذاتية والشمولية التواصل والتجاوز التفريد والتجريد الرؤية والرؤيا كل ذلك بمنأى عن الاتباعية والتجريب الاصطناعي السائد في اللغة الشعرية الحداثة الراهنة. ولعل الشاعر الباحث عن ذاته في مايتجاوز الذات يعبر عن تبرمه من حالة التجريب الاصطناعي بامتياز في قوله في قصيدة بعنوان(درم):
سأروي لكم جملة قالها بدر عند السأم فلا تفهمونها.
درم بنفسي مما عراني ومنكم برم احزموا ارضكم وارحلوا باطل كل هذا الحوار
ولايعني هذا انتقاصا من التجريب والحاجة اليه فالشاعر نفسه بدأ منذ قصائد مهربة الى حبيبتي اسيا ديوانه الاول الصادر في العام 1975 عن دار الاداب في بيروت البحث عن افاق تجريبية تصل مابين الجديد والجدة والتفريد والتجريد في لغة مزودة بثقافة عالية ومتعددة. يقول فيه الدكتور خليل احمد خليل في كتابه اعلام العرب المبدعين في القرن العشرين تحت عنوان محمد شمس الدين- شاعرية الحب المهرب: بدأ الشاعر سريا يهرب قصائده الى حبيبته اسيا والى كل حب لايحيا الا مخاطرا ثم بدأ خياله يلعب دورا في ديوانه غيم لاحلام الملك المخلوع وبعد ذلك جاء انذار الشاعر متلبسا هذه المرة بين الحب ورغبات الامتلاك النرجسي في ديوان اناديك ياملكي وحبيبي وبخوف من الاتي اي الموت.
هذا الرأي للدكتور خليل احمد خليل يظل بالرغم من جمالياته ناقصا لانه لايذكر ديوان ممالك عالية وهو المعبر عن ذروة شعرية فلسفية وجودية تدمغ شخصية الشاعر المفكر ببعدها الفلسفي الصوفي.
يحضر الشاعر في نصه مفعما بالنرجس والنرجسية ومن منا انه لايخفى كغيره عشق الذات بل يخبئها خلف وجه الطفل حين تزمله الريح فيضيء جدلا كالرعشة حين تغرد في رحم الغابات من قصائد مهربة الطبعة الاولى ص7. هي نرجسية جذلى مضيئة ودودة يتكامل فيها البعد الطفولي مع البعد النرجسي فتشكل شخص الشاعر المحب والحبيب. في ديوانه منازل النرد عن مؤسسة الانتشار العربي بيروت 1999 يكتب لصديقه هذا التوقيع: الصديق الحبيب: معا في البحث عن جوهر واحد صعب في الفلسفة والشعر. واذا اخذنا التوقيع بالمعنى التفكيكي كامضاء تشكيلي بلاغي نقع على روح الشاعر في امضاءاته وومضات كتابه وهي بلا ريب علامات مضيئة على روح مضاءة قلما نجدها عند انصاف الشعراء وانصاف النقاد في مدينتنا العربية المترهلة. وليست القصيدة عند محمد علي شمس الدين تحفه نادرة توضع في الواجهات يستمتع بها المعجبون بل هي حرفة قائمة على التعب والبنلء الداخلي الذي تتقاسمه الرؤى:
افتح في جسدي
بابا يفضي للبحر
افتح بابا مجهولا خلف الابواب
افتح في الكوفة باب المحراب
افتح في المحراب طريقا
يصعد بي نحو الجنة
احفر في الجنة سردابا
يهبط بي نحو النار
احفر في النار طريقا
يدفعني نحو الانثى
افتح في جسد الانثى
بابا يفضي للملكوت
افتح في ملكوت الله الواحد بابا للتكرار
منازل النرد، قصيدة الابواب.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com