|
نيقوسيا
رياض علم الدين
لم يفاجأ الخبراء الذين يراقبون حركة الاساطيل
والبوارج الحربية الامريكية والاطلسية في المنطقة
بأرسال المدمرة يو اس كول، ومجموعة قتالية مرافقة
لها تابعة للاسطول السادس الذي مقره نابولي
بأيطاليا الى المياه الدولية المواجهة لسورية
ولبنان قبل ثلاثة ايام فقط من صدور قرار مجلس
الامن الثالث بتشديد العقوبات ضد ايران.
ولعل المفارقة في ان بعص المراقبين كانوا يتوقعون
تحريك الاسطول الخامس وزيادة الحشود الامريكية
العسكرية في مياه الخليج كتقليد تعتمده واشنطن
عادة لزيادة الضغوط العسكريو على طهران في موازاة
الضغوط الدولية التي تحملها قرارات مجلس الامن ضد
ايران.
لكن المطلعين على خفايا مناقشات القرار 1803 وما
رافقه من معلومات عن الاتصالات والمفاوضات السرية
الدائرة بين واشنطن وطهران وانعكاساتها على
استراتيجية بوش الجديدة للتعامل مع (الازمة
الايرانية) كانوا على دراية مسبقة بأن تحولات مهمة
طرأت في الاسابيع الماضية وقادت الى ما يشبه
الانفراج، التكتيكي في الصراع الامريكي- الايراني
وبالتالي الى انحسار شبح الحسم العسكري مع طهران
سواء بسبب البرنامج النووي او التدخل الايراني في
العراق.
وتكشف مصادر امريكية مطلعة ان تطورين مهمين حدثا
في الايام الماضية ساهما في اسقاط الخيار العسكري
عن الطاولة واعادة الحديث مجددا عن صفقة التسوية
بين واشنطن وطهران.
التطور الاول ظهر من خلال القرار الذي صدر بدون اي
فيتو روسي او صيني قد اعاد تشديد العقوبات على
طهران وضم عددا جديدا من رموز الحرس الثوري
والمسؤولين والشركات الاقتصادية والمالية المتهمة
بالمساهمة بالبرنامج النووي الايراني ووصل الى حد
الدعوة الى تفتيش السفن والطائرات القادمة من
ايران او المتوجهة اليها.
لكن الواضح ان القرار لم يكن بالتشدد المطلوب او
الذي تمضنته صيغ سابقة بل تميز بأنه لوح بغصن
الزيتون، وليس بالضربة العسكرية لطهران بدعوته الى
استئناف المفاوضات وتحديدا العودة الى العرض
الاوروبي بتزويد طهران باليورانيوم المخصب وانشاء
كونسرتيرم دولي لمساعدتها على اقامة برنامج نووي
مدني.
وكان لافتا للمراقبين ان صدور هذا القرار الدولي
قد تزامن مع حملة اعلامية شارك فيها مسؤولن
امريكيون حرصوا على ابداء انفتاح فاضح على القادة
في وقت كان بعضهم يعتبر من ابرز دعاة تشديد
العقوبات والحصار الى حد التهديد بالحسم العسكري.
ومن مقدمة هؤلاء كان زلماي خليل زاد السفير
الامريكي السابق في العراق الذي انتقل الى الامم
المتحدة ونيكولاس بيرنز نائب وزيرة الخارجية الذي
تولى ملف التعبئة ضد ايران لسنوات طويلة قبل
استقالته مؤخرا.
وفجأة تراجع هذان المسؤولان الامريكيان عن
موافقهما المتصلبة وانتهجا خط الدعوة الى التفاوض
والدبلوماسية والاعلان عن استعداد واشنطنلفتح
مفاوضات مباشرة مع طهران شرط موافقتها على تجميد
تخصيب اليورانيوم - وليس وقف- وذهب نيكولاس بيرنز
الى ابعد من دعوة خليل زاد هذه بالقول:
ان قضية البرنامج النووي الايراني ستنتقل الى
خليفة بوش وستظل الازمة قائمة (بلا حسم عسكري) حتى
العام 2009.
اما الاوساط الدولية المتابعة لخلفيات قرار
العقوبات الجديدة فراحت تؤكد ان المطلوب حاليا على
خلفية القرار الجديد هو دفع ايران الى قبول مبدأ
(التجميد مقابل التجميد) اي تجميد تخصيب
اليورانيوم مقابل تجميد قرارات العقوبات الدولية!!
نجاد في حماية الامريكيين!!
وتؤكد المصادر الامريكية المطلعة ان هذه المعادلة
الانفتاحية والحوارية الجديدة تعكس معادلة جديدة
بدأت تسود المفاوضات السرية الامريكية- الايرانية
وهي انعكست في شكل واضح على الساحة العراق، وظهرت
عبر (الزيارة التاريخية) التي قام بها الرئيس
الايراني احمدي نجاد الى العراق.
فهذه الزيارة لم تكن، في نظر هذه الجهات الامريكية
تحديا ايرانيا للامريكيين الذين يمثلون هذا البلد
العربي وينشرون فيه حوالي 160 الف جندي.
بل شكلت نوعا من الاعتراف الايراني بشرعية
الاحتلال الامريكي مقابل اعتراف امريكي بتكريس
النفوذ الايراني في العراق وما سماه احد الخبراء
انجاز تصدير الثورة الاسلامية الى العراق كمرحلة
اولى من مخطط تصديرها الى المنطقة وفرض الهيمنة
الايرانية والنفوذ الايراني الاقليمي.
فقد كان واضحا ان زيارة نجاد لم تكن لتحصل بدون
ضوء اخضر امريكي..
والمعلومات تشير الى ان الشرط الامريكي الوحيد لها
كان في جعلها (قصيرة هادئة) ولهذا لم تمتد لخمسة
ايام كما طلب نجاد بل يومين شارك خلالهما
الامريكيون في الاشراف على مخطط حماية الرئيس
الايراني بدون الظهور مباشرة وسمحوا له بدخول
(المنطقة الخضراء) التي تعتبر محمية امريكية
بأمتياز ولقاء المالكي على بعد كيلو متر واحد من
مقر السفارة الامريكية!!
وفي معلومات ان زيارة نجاد وتجوله في المنطقة
الخضراء وخارجها بأمان تام لم تكن المؤشر الوحيد
على تقدم مفاوضات الصفقة بين واشنطن وطهران، وما
سماه البعض التوافق على تقاسم النفوذ في العراق..
بل ان التقارير السرية تحدثت عن تزامنها مع
استرتيجية جديدة اعتمدها بوش للتعامل مع ايران
شعارها الحفاظ على الوضع القائم وانتهاج التهدئة
والتمهيد لفتح صفحة جديدة مع ايران يتولاها خليفته
في البيت الابيض.
يتوقع ان تتكرس صفقة حقيقية مع خليفة نجاد في
طهران بعد انتخابات منتصف 2009 الرئاسية.
ولعل ابرز ما كشفته هذه التقارير هو ان بوش اختار
مهادنة الايرانيين في العراق (كما في البرنامج
النووي) وذلك الى حد انه قرر سحب الامر الذي اصدره
سابقا بمطاردة قوات الحرس الثوري و (فيلق القدس)
في العراق ورفض رفضا قاطعا اقتراحات تقدمت بها
القيادة العسكرية الامريكية في العراق مؤخرا عندما
طلبت الضوء الاخضر لشن حملة عسكرية ضد الميليشيات
والنظيمات الايرانية المسلحة في العراق!
وفي معلومات ان الجنرالات الامريكيين قد تقدموا
بهذا الطلب بعدما تبين لهم ان التدخل العسكري
الايراني في العراق قد استؤنف بشكل ملحوظ في
الاونة الاخيرة..
وان قوات من (فيلق القدس) قد انسأت (سرايا قتل)
تتولى مهمة تصفية رموز (مجالس الصحوة) والقبائل
السنية التي تتعاون مع الامريكيين في محاربة
القاعدة!!
وتضيف هذه المعلومات ان الوفد الايراني الذي وصل
الى بغداد بعد يومين من عودة نجاد الى بلاده
لاستئناف المفاوضات مع الامريكيين التي قامت ايران
بتاجيلها عدة مرات، كان يضع موضع الالاف من مقاتلي
الصحوة في مقدمة مطالب السنة داخل المؤسسة
العسكرية والاجهزة الامنية العراقية خصوصا بعدما
تبين للايرانيين ان رئيس الاركان الامريكي
الاميرال مايك مولن الذي زار العراق في نفس فترة
زيارة نجاد قد لاتقى مسؤولين في هذه المجالس
وضباطا سابقين في الجيش العراقي.
من العراق الى لبنان
وعلى الرغم من ذلك يستبعد المراقبون المطلعون ان
تقود نقاط الخلاف المتبقية بين واشنطن وطهران حول
العراق، كما حول النووي الى مواجهة بين البلدين
وتؤكد ان كلا منهما بدأ يسير في اتجاه التوافق على
(اقفال الملف العراقي) في الفترة المتبقية من عهد
بوش وفق المعادلة القائمة حاليا على الاقل في
انتظار شهر يوليو (تموز) موعد انجاز المفاوضات
الامريكية- العراقية و(الايرانية) حول اتفاقية
الوجود العسكري الامريكي الدائم في العراق.
وفي معلومات هذه المصادر ان الاستحقاقات الخطيرة
التي تنتظر لبنان والخيار الامريكي الاخير بارسال
البوارج الحربية الى قرب الشواطيء اللبنانية
والسورية ترتبط بأستراتيجيتين ايرانية وامريكية
تهدف كل منهما الى تحييد ساحة الخليج وتحديدا
الساحة العراقية ونقل المواجهة الى لبنان وسورية
واسرائيل..
وفي راي احد الخبراء الامريكيين ان بوش يسعى الى
الاحتفاظ بالانجاز العراقي بوضعه الحالي ونقله الى
الخلف وهو بالتالي يرغب الى تحييد الساحة العراقية
في الاشهر المقبلة.
وفي المقابل يبدو ان قادة طهران الذين يعولون على
الرئيس الامريكي الجديد لانجاز الصفقة مع واشنطن
راغبون بدورهم في اكمال عملية (هضم) العراق وفي
الوقت نفسه المضي في مخطط( المثلث الشيعي )0وزيادة
النفوذ الاقليمي عبر الانتقال الى (قضم) لبنان.
وعلى ضوء ذلك يعتبر العديد من المراقبين ان ساحة
المواجهة المقبلة قد انتقلت من الخليج الى المتوسط
ومن ايران والعراق الى لبنان وسورية حيث ينتظر ان
تشهد الاشهر المقبلة مواجهة خطيرة جدا بين محور
واشنطن ومحور طهران- دمشق وحزب الله.
وتؤكد مصادر مطلعة ان لعبة (القط والفأر)
الايرانية- الامريكية- قد انتقلت الى لبنان حاملة
معها حادث التفجير الاقليمي الخطير وكذلك شبح
الحرب الذي كان يخيم على منطقة الخليج.
وفي اخر التقارير ان الكشف عن ارسال المدمرة كول
وبعض القطع الحربية الامريكية الى المتوسط لم يكن
سوى الجزء المعلن من استعدادات اقليمية..
فثمة من يقول دولية لحرب مدمرة تهدد المنطقة هذا
الصيف ، وفي المعلومات ان اعلان واشنطن عن وصول
(كول) الى المياه الدولية اللبنانية والسورية كان
يهدف اولا الى توجيه رسالة واضحة الى ايران وسورية
بأن لبنان هو (خط احمر) وان تكرار الانجاز
الايراني، في العراق لن يتكرر في لبنان.
ويبدو واضحا ان (الرسالة العسكرية) الامريكية كانت
تهدف الى ابعد من دعم قوى 14 مارس (اذار) وحكومة
السنيورة والغالبية اللبنانية، وهي رسالة متعددة
الاهداف والاتجاهات وتركز في شكل خاص على سورية
وايران وحزب الله.
وتؤكد معلومات امريكية ان بوش الذي قرر تحييد
العراق وتجميد الملف النووي الايراني لحسابات
داخلية وسياسية وعسكرية تجعل من الصعب شن الحرب
المخطط ضد ايران في الاشهر المتبقية من عهده قد
اختار نقل المواجهة من حرب مع ايران الى حرب مع
سورية ومن تحد لنجاد لبشار الاسد...
حيث تشير التقارير الى ان الهدف الابرز لحشد
البوارج الامريكية في المتوسط هو توجيه رسالة
واضحة للنظام السوري..
وفي المعلومات ان الرسالة لم تكن رمزية فقط بل ان
واشنطن قد ابلغت سورية صراحة بأن بوارجها حاملة
الصواريخ على استعداد لقصف دمشق وليس فقط لفرض
حصار بحري تنفيذا لسلسلة عقوبات يتوقع ان تتعرض
لها دمشق بقرار من مجلس الامن في الاسابيع
المقبلة. |