|
حفظت
التأريخ وشخصت لنا الحضارة بمكوناتها وادواتها
البدائية,ورسمت الخطوط العريضة المتنوعة للتدوين
والترجمة وتثبيت القوانين والانظمة والعقود
والمواثيق وغيرها من الامور الحياتية
المهمة,زاحمتها التكنلوجيا وخلقت منافسين لها حتى
ارهقت اصحابها وجعلتهم يتصارعون مع الواقع الهارب
من الالتزام والتمسك بالموروثات والتقاليد
الاجتماعية الراسخة.
قيل عن عقدة الانترنت سارق القراء والعجلة الاسرع
من تفتح امامها الصحف اليومية لتمارس هواية البحث
عن الاخبار السريعة التي تصبح في اليوم التالي خبر
ميت على صفحات الجرائد,ولكنه ليس مقياس ومعيار
الجميع فالتوثيق يحتاج الى الاثباتات المكتوبة
التي كانت في الازمنة الغابرة احدى الاسباب التي
تسقط امامها الرؤوس والابدان وتفتح في ازمنتنا
المعاصرة ابواب السجون لروادها,الكتاب باق في محله
ولكن بمعيار جديد ومقياس اخر ,كالفكرة التي لايمكن
لها ان تخرج بسهولة الى الملئ,ولكن ليست اوراق
مضغوطة بالمحشيات المكررة والمسموعة التي لاتحمل
معها اي جديد, ولاتعطي للمتلقي اية فائدة اومتعة
او حتى وقت للتسلية كقراءة العالم الغربي للكتاب
المستهلك في المحطات والطرق العامة والسؤال هنا
كيف يتفاعل هذا القارئ مع الكتاب الهادئ المحمل
بالافكار المختلفة .
الكتابة فن يحتوي على صيغ معرفية متنوعة يشمل كل
الفنون الادبية والثقافية
(الشعر-القصة-الرواية-المسرحيات الخ)له خبراءه
ومفكريه ومبدعيه,وهذا الجزء الاكثر تفاعلا وتداخلا
ورغبة لدى المجتمعات الحديثة المتطورة
المدنية,وتحول في اكثر صوره الاجتماعية المؤثرة
الى وسيلة يومية من خلال الصور الفنية التي تنقلها
لنا وسائل الاعلام المختلفة المرئية والمسموعة
والمقرؤة ايضا,وهو علم جميل ومفعم بالحيوية
والنشاط والتغير والتجديد,يكاد يكون الرفيق الاقرب
للانسان واحدى وسائله الترفيهية.
اما حرفة الكتابة فهي وسيلة الصحفي المتمرس
والحاذق الذي قد يحتاج الى التفنن في صياغة
الاخبار المؤثرة في المجتمع او المتلقي,وهنا تقف
الاخلاقيات حاجزا امام عملية شراء الذمم والضمائر
الرخوة , وبين اصحاب الاقلام الصادقة الذين يكونون
في الغالب من اصحاب المبادئ والاخلاقيات
الاجتماعية والسياسية الشديدة الثبات ,ولكن العالم
والحقائق تقول عكس ذلك فالسياسة وقوة السلطة
وادواتها الرقابية الظاهرة والمخفية قادرة على ان
تحجب الكتابات التنويرية, وان تتلاعب بالافكار
والعقول والقناعات وتحمل ثقافتها الرسمية اشكالا
متنوعة مزيفة احياننا .
والتركيز في عراق اليوم على استهداف الكوادر
الصحفية العراقية الحرة والتي ختمها الارهاب
المتخلف المسيس بعملية اغتيال نقيب الصحفيين
العراقيين خير دليل على خطورة الكلمة الصادقة ونقل
الاخبار الصحيحة والتحليل البناء الهادف.
الكتابة ثقافة مفتوحة ابوابها لكل الفنون والحرف
والافكار ,وهي اداة التغيير الاجباري الذي يجب ان
تمر به دول العالم الثالث والعراق تحديدا ,حتى
نستطيع ان نتخلص من التركة الكبيرة والحمل الثقيل
المملوء بالخرافة والجهل والموروث السيئ من
العادات والتقاليد البدائية,وهي احدى وسائل التحدي
والصمود بوجه كل التيارات الاجتماعية الطارئة,قد
لاتكون سلاح اني يفتك ويدمر الاعداء من امامه رغم
مرارة تجاربه واصطدامه بحواجز عديدة تمنعه من يأخذ
دوره في صناعة المستقبل الافضل للشعوب والامم ,الا
انه يبقى على المدى البعيد سلاح سري شامل تسقط
امامه عروش وتنهار تحت تأثيره انظمة متسلطة تخيفها
حتى صدى الشعارات التي تجري بين الاحياء الفقيرة
وتصعد الى قمة الهرم السياسي لتدمر مدن وحكومات
بكامل سلطاتها.
القول المكرر المعاد الخاطئ الذي نسمعه كصوت لليأس
بأن الكلمة والشعارات لاتسقط معها انظمة وحكومات
كما هو حاصل في العراق,ونقول ان مخاوف النظام
المقبور من ابسط انسان بائع اوكاسب او حتى رقم
مهمش منسي وصولا الى المثقف والفنان والشاعر وكل
الطبقات الاجتماعية الواعية هي الاختبار الحقيقي
لمخاوف الانظمة الشمولية المستبدة من اصوات الشعب
وغضبه المخيف,كيف وقد شرخت الفوضى والتخريب
والتحزب والتخندقات المختلفة الواقع والمجتمع
العراقي وزرعت فيه جرثومة الكراهية الطائفية, فهل
هناك احدا يأمن على مكاسبه ومنافعه وامتيازاته
عندما تظهر صرخة غضب الجماهير وصحوتهم امام كل هذا
الظلم الفاضح والمتعمد,تبقى وراء كل تلك
الاعتبارات انك تسجل موقفا تأريخا مهما في الاحداث
الجارية في العراق,حتى لاتصبح ثقافة الاخر السلبية
هي المعيار والمرجع الذي ستعود اليه الاجيال
القادمة لتقيم الاوضاع السائدة عبر الازمنة
المتغيرة,وهي اقرب ماتكون من رسالة اخلاقية
انسانية يتحتم علينا احترامها وتقديرها واعطاءها
اعتبارها المناسب.
في العراق لم نرى من استطاع ان يمزج بين المحاور
الثلاث التي كتبنا عنها,وبقيت المحاولات فردية
المحور كلا يجد نفسه في مجاله المحدد ,والاغلب
منهم يتبحر ويتنقل بينهما دون ان تتضح معالم
مدرسته او خطه الادبي والفكري فيه,لازلت اعتقد ان
الغرب حتى في كتاباته السياسية والاجتماعية وغيرها
من المجالات اقرب الى التحليل الواقعي الجاد وهم
اي كتابهم اغلبهم يجيدون الجمع بين المحاور الثلاث
حتى تكاد تقول عن كل كاتب منهم فيلسوفا اومفكرا او
ذو ثقافة وذكاء وله حس فني عال,اما نحن فلم نجد
غير العراك والركض خلف الكلمات والعبارات الملتوية
والاستفزازات الفارغة وحشو المقالات والكتابات
العامة بمقولات الاخرين وتعابيرهم والتي قد نمتلك
منها الكثير الا انها تضيع مع السنين الضائعة في
حقول التجارب الفاشلة.
ان كنت تريد ان تكتب وان تمتلك قوة الدمج بين
الفكر والثقافة اعطني من تأملاتك وعقلك وتجربتك
الذاتية وابتعد عن اعادة صياغة عبارات الاخرين
بطريقة مختلفة, حتى تريد ان تقول انك انت
قائلها,ولاتحترف الكتابة الهمجية المتلونة البعيدة
عن الواقع,كالذي تارة مع صدام المجرم المقبور
وتارة مع الوطنيين الاحرار الى جانب الشعب حتى
صرنا نتمايل مع هذا الاهتزاز الى الفوضى,اوذلك
الذي يضخ ثقافة الكراهية الساذجة تجاه الشعب
الايراني ويمزج بينهما وبين الحكومة الايرانية
وتوجهاتها في الشأن العراقي مع انها مشكلتنا
بالاساس او يتمادى في الاسفاف وانتهاك حرمة بعض
القيادات التأريخية ومنها السيد الخميني رحمه الله
الرجل الذي غير مجرى التأريخ في منطقة الشرق
الاوسط والعالم,اين نحن من ثقافة المجتمع الايراني
وحرصه او تماسكه الوطني والقومي وصلابتهم تجاه
قضايا بلدهم المصيرية المحصن بثقبافة عريقة راسخة.
التأسيس لثقافة وواقع جديد حقيقي فعال لايبدأ
بالاقاويل _قلت عني واقول عنك وكتبت عني فأرد
عليك,والاعتماد على فلسفة وثقافة وعبارات ومصطلحات
الاخرين ,نحن ننظر الى العراق ونتطلع الى جيل جديد
ينهض بالمجتمع والثقافة ويعيد عهد بغداد ووزنها
الادبي وارثها الثقافي الى سابق عهدها حتى تصبح
مدينة العلم والمعرفة وبلد الامن والامان وارض
السلام الدائم. |