|
نعمان
حافظ
المثل الإنكليزي القائل (East or west, home is
best) أي بمعنى مهما شرقت أو غربت فلن تجد أفضل من
الوطن ويقول أبو تمام:
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدأً لأول
منـزل
لا يوجد أعز وأغلى من الوطن فهو العين التي نرى
بها والقلب الذي يحتضن العراقيين جميعا
وفيه نشعر بالأمان والطمأنينة مرفوعي الرأس
بإنتمائنا لوطن السيف واليراع, و لكن عندما تغادر
العراق لأي سبب كان حتى لو كنت موفدا رسميا ولأنك
عراقي تجد أمامك جملة من الإجراءات والإحترازات
عند وصولك في مطار دولة عربية كانت أو أجنبية
فتشعر بالمرارة أكثر عندما تجد أن المعاملة
للوافدين غير متوازنة وما يؤلمك أكثر إن الكيل
بمكيالين, ذلك جعلني أسجل بعض المشاهد خلال إيفادي
لدولة شقيقة الشهر الماضي. لقد تشرفت مع مجموعة من
الخبراء العراقيين لتمثيل بلدي في إحدى المؤتمرات
(على مرحلتين) وبإشراف منظمة دولية معروفة ولأن
هذه المشاهد قد تركت أثرا وجرحا عميقا في نفسي فقد
وجدت من المفيد أن أسجل ما يتعرض له العراقي من
حيف وظلم وقسوة من أقرب الأشقاء إليه لا لسبب, فقط
لأنه عراقي!! والسؤال الذي يطرح نفسه هل أصبحت
عراقيتنا جناية؟! تهبط الطائرة في مطار دولة شقيقة
وتبدأ معاناتك لا لشيء سوى أنك تحمل جوازا عراقيا
مهما كان نوعه فترى جميع المسافرين يصلون بسلام في
المطار ولأنك عراقي ستدخل بناية أشبه بالقفص لا
منفذ فيها ولا تهوية وتبدأ رحلة الإنتظار
والإستفسارات دون أن يكون لك الحق في الإعتراض على
شيء وعليك أن تسمع فقط وتجيب عن أسئلة غريبة
وعجيبة يصل بعضها الى حد عشيرتك وطائفتك وقد يطلب
منك هوية الأحوال المدنية أو مستمسكات أخرى مع إن
جواز السفر دولياً هو الوسيلة الوحيدة المعتمدة في
إثبات شخصيتك طبقا للمعايير الدولية إلا إن ذلك
غير كافي لدى أشقائنا الأعزاء!!
على الرغم من إننا نمثل الحكومة العراقية كوفد
رسمي وبدعوة من منظمة دولية معروفة فقد تعرضنا
لجملة من الإستفسارات والإنتظار لفترة تجاوزت
الساعتين أما بعض العراقيين الآخرين الذين وجدناهم
في المطار فقد أبلغني أحدهم بعدم حصول الموافقة
على دخوله مع مجموعةأخرىوسيعودون في اليوم التالي
الى العراق لعدم السماح لهم بدخول الأراضي (....).
في هذا المشهد لاحظت أن هناك عدد من الأجانب من
مختلف دول العالم يدخلون ويغادرون بمنتهى السهولة
دون أن يخضعوا للإجراءات التي يتعرض لها العراقي
بل لاحظت إن الآتي من مطار تل أبيب لا يعترضه أحد
في المطار لأن أشقائنا الأعزاء يخشون من حدوث أزمة
سياسية مع أبناء صهيون!!
? في إحدى القاعات الجميلة لفندق من الدرجة الأولى
الذي يسكنه الوفد العراقي عقد المؤتمر الذي حضرنا
من أجله ونمثل فيه حكومة العراق لعدد من الوزارات
العراقية وهناك أجانب حضروا المؤتمر وعدد الحاضرين
لا يتجاوز (40) شخصا مما يمكن للحاضرين معرفة
بعضهم خلال المؤتمر.
الأمر الغريب الذي حدث في المؤتمر دخول ضابط
مخابرات للجلوس بين المؤتمرين دون أن يقوم بأبسط
متطلبات اللياقة التي قد تكون ملزمة عند دخولك
لمكان معين مما يتطلب على أقل تقدير أن تلقي
التحية وتطلب الاستئذان بالجلوس والمشاركة, المهم
إن ذلك يتعلق بآداب المجالسة أو المشاركة في حديث
معين ولكن ذلك لا ينطبق على ضابط المخابرات الذي
جلس بدون إستئذان ليجلس بين المؤتمرين ويسجل كل
شاردة أو واردة في المؤتمر.
العراقيون بطبيعتهم شجعان ولا يخشون أحدا إلا إنهم
يخافون الله والوفد العراقي ترأسه عراقية جليلة
بعلمها وأخلاقها حيث تمكنت من طرد هذا المشبوه
بطريقة ذكية ولائقة لأمثاله حيث إنها أوقفت سير
اعمال المؤتمر وطلبت من الجهة المنظمة فورا إتخاذ
الإجراءات المناسبة لإيقاف مثل هذا التجاوز وإلا
فإن الوفد العراقي سيعود فورا الى بغداد وإنهاء
مهمته, مما جعل ضابط المخابرات في موقف لا يحسد
إليه ولم نره بعد ذلك أبدا.
? إتفقت مع أحد إعضاء الوفد لإجراء جولة مسائية في
وسط البلد وأخذنا المصعد الكهربائي في الفندق من
الطابق الخامس الى الطابق الأرضي وصادف أن صعد
معنا شخصين تحدثوا بلغة لم يعرفها زميلي وعند
وصولنا الى الطابق الأرضي ومغادرتنا المصعد سألني
زميلي عن اللغة التي تحدث بها الشخصين الذين كانوا
معنا في المصعد فأبلغته إنها اللغة العبرية يا
زميلي!! و مع دهشة زميلي لمعرفتي باللغة التي تحدث
فيها الشخصان الا انه لا يعلم ان معرفتي لتلك
اللغة لا تتجاوز اكثر من معرفة التحية (شالوم) أو
(ماشلومخا) باللغة العبرية التي تعلمتها من مسلسل
رأفت الهجان ! المهم اوضحت لزميلي بأن هؤلاء هم
أهل الدار ونحن الغرباء وسفارتهم يعلوها علم بني
صهيون وسط العاصمة (....) وهؤلاء يعملوا ويستثمروا
في مختلف النشـاطات ولديهم شركـات تعـاون (Joint
Venture) مع تجـار عرب وأهلنـــــــا في غزة
محاصرون من قبل الكيان الصهيوني مع إن أشقائنا
أجازوا لأبنائهم الجهاد في العراق لقتل العراقيين
وذبحهم تحت ذريعة الرافضة أو محاربة رجال الصحوة!!
الفندق الذي يسكن فيه الوفد العراقي من طراز
أمريكي وبخمسة نجوم ومخصص للوفود رفيعة المستوى
ورجال الأعمال والمترفين جداً ونحن لا من هذا ولا
ذلك والحمد لله, وإقامتنا في هذا الفندق على حساب
الجهة راعية المؤتمر ولكن ما لفت إنتباهي أن أشاهد
مسؤولاً رفيع المستوى يسكن في هذا الفندق مع
مجموعة من حمايته, وبمعادلة بسيطة جداً لمعرفة ما
ينفق من أموال لتغطية نفقات الإقامة في هذا الفندق
لأن أجرة السكن ليوم واحد (300) دولار عدا وجبتي
الغداء والعشاء ولثلاثين يوماً تكون كلفة الإقامة
(9000) دولار للشخص الواحد وبمقدور القارئ العزيز
أن يعرف تماماً ما يحتاجه هذا المسؤول (الفايخ
جداً) من أموال لتغطية نفقات الإقامة مع عشرة من
حمايته خلال الشهر الواحد!! في الوقت الذي لم يجد
بعض فقراء العراق والمحرومين منهم فرصة للعمل بأجر
يومي لا يتجاوز (5) دولارات يومياً لسد رمق العيش
وسد حاجة عائلته أليس هذا هو الظلم بعينه؟!! ?
أكملنا المؤتمر بنجاح وأكملنا إجراءات العودة وعند
وصولنا الى المطار للمغادرة الى العراق حيث تعرضنا
لتفتيش قاسي خلعنا فيها حتى الأحزمة والأحذية,
وأقنعنا أنفسنا بأن ذلك يمثل إجراءات ضرورية
لأغراض السلامة, ولكن ما رأيناه من مشهد ونحن
بإنتظار نداء المغادرة حيث نودي على الرحلة (825)
ليتهيأ المغادرون بالصعود على متن الطائرة ولكن
هذه الرحلة لم تكن الى عاصمة عربية أو أوربية بل
كانت الى تل أبيب ورأينا كيف يتبختر ركاب الطائرة
وكيف يغادرون دون أن يتعرضـــوا الى ما تعرضــــنا
إليه تحت حجـــــــــــة ال (Security Procedures)
كما يسمونها في المطارات بالإجراءات الأمنية, وقد
إقتنعنا تماما بأن المصير الواحد, التاريخ
المشترك, الدم والقومية العربية هي مجرد شعارات
نسمعها ونقرأها فقط أما الحقيقة فهي كما عشناها في
مطار الدولة الشقيقة إذ لم ينفعنا شيء لا المصير
الواحد ولا التاريخ المشترك ولا حتى عراقيتنا!!
? كانت مغادرتنا عبر الخطوط الجوية العراقية
وللأسف فهي عراقية بالأسم فقط لأن الطائرة و
طاقهما بما فيهم الكابتن لم يكن عراقيا, وكم
تمنينا أن يكون الطيار عراقي ولأننا نفخر بطيارينا
المشهود لهم بالكفاءة والقدرة الفائقة في الهبوط
الراقي (Landing) ويتميزون عن جميع الطيارين بلا
إستثناء لكن أمنيتنا لم تتحقق لا في الذهاب ولا في
الإياب.
من المفارقات الأخرى أن تجد وأنت تغادر على الخطوط
الجوية العراقية إن الصعود الى الطائرة دون ترقيم
أي إنك تصعد في الخطوط الجوية العراقية وكأنك
تغادر في سيارة (تاتا) دون أن يكون هناك أي
إعتبارلأرقام المقاعد في الطائرة الذي يمثل
الإلتزام فيها عن حالة حضارية لدى جميع الخطوط
الجوية العربية أو الأجنبية ومن غير اللائق
لخطوطنا أن لا تعطي إهتماما لأرقام المقاعد بالرغم
من سهولة تنظيم ذلك خاصة وإن الخطوط الجوية
العراقية تمتلك الخبرة الكافية والسمعة الجيدة بين
شركات الطيران الأخرى ومثل هكذا إجراء يعطي للراكب
الإنطباع الطيب لأن ذلك يمثل حالة حضارية أسوة
ببقية الشركات العالمية للطيران التي تهتم بكل
صغيرة وكبيرة حفاظا على سمعتها ونجاحها و راحة
المسافرين على متن خطوطها .
? مجموعة من المفارقات حدثت لي في يوم المغادرة
والتي تبدأ من التحضيرات للسفر حيث إن اللاءات
الأربعة قد إجتمعت في ذلك اليوم فلا كهرباء ولا
غاز ولا نفط والأصعب من ذلك إن أمانة بغداد قد
أعلنت عن إنقطاع الماء لأغراض الصيانة وقد تزامنت
اللاءات الثلاثة التي إعتاد عليها العراقيون مع
إنقطاع الماء وقد تدبرت الأمر بإستخدام (الجولة)
للحصول على (قدرية ماء) للإستحمام وإستخدمت
مصباحاً صغيراً لغرض الحلاقة و حمدت الله و توكلت
.
هذه المشاهد قد إعتاد عليها العراقيون وهم يمتلكون
ثاني إحتياطي عالمي من النفط والذي يمثل 11% من
الإحتياطي العالمي, وما يؤلمك أكثر عندما تجد نفسك
في بلد آخر ولا تجد في قاموسك اليومي أيا من
اللاءات التي إعتدنا عليها في العراق مع إن تلك
الدولة لا تمتلك 5% من مقومات بلدك!! أليس ذلك
غريبا ويستحق منا كعراقيين أن نبذل المزيد لإعادة
بناء العراق وأن نكون بمستوى المسؤولية من أجل حب
العراق وأقسم بالله لا يوجد أعز وأغلى من العراق |