|
الحلقة
الثالثة
غسان شربل
اعترف نائب رئيس الوزراء العراقي السابق الزعيم
الركن عبدالغني الراوي ان ما سمته بغداد في 1970
(مؤامرة الراوي)، واعدمت بسببه عشرات الضباط، كان
صحيحاً. وكشف للمرة الاولى ان الاتصالات الايرانية
معه بدأت في بغداد التي غادرها لاحقاً سراً الى
ايران حيث التقى رئيس (جهاز السافاك) الجنرال نعمة
الله نصيري. وقال الراوي الذي كان يتحدث في سلسلة
(يتذكر) ان خطة الاطاحة بنظام الرئيس احمد حسن
البكر ونائبه صدام حسين اقرت في اجتماع طويل عقده
مع شاه ايران الراحل محمد رضا بهلوي بحضور رفيقيه
رئيس الوزراء العراقي السابق عبدالرزاق النايف
والسيد سعد صالح جبر. وعزا افتضاح المحاولة الى
اعتماد الاستخبارات الايرانية خطة بديلة اعتمدت
على شراء ذمة ضابط عراقي اورد اسمه.
من المفكرة
طرحت مزيداً من الأسئلة على الراوي عن تفاصيل
المحاولة الانقلابية، ففضل تسليمي ما كان دوّنه في
مفكرته عنها. وهنا نصه:
إلى إيران والتعاون مع الحكومة الإيرانية
إن الأسباب التي دعتني إلى الذهاب إلى إيران
والتعاون مع حكومتها هي:
أ - وصل البعثيون إلى السلطة ببغداد في 7ذ/17/
1968 بعملية انقلاب نفذها آمر لواء الحرس الجمهوري
المقدم الركن إبراهيم عبدالرحمن الداود وزميله
معاون مدير الاستخبارات العسكرية المقدم الركن
عبدالرزاق النايف (وكلاهما من عملاء "سي آي اي").
واعترف الأول منهما في مجلس "بأن الأميركان هم
الذين جلبونا (جابونا) إلى الحكم وهم الذين
أخرجونا منه. فقد نفذا الانقلاب اطاعة لأوامر "سي
آي اي" لفرض متطلبات أمن اسرائيل واستمراريتها.
لأن حزب "البعث" هو من يؤمن هذه المتطلبات. ذلك
لأن الدول الغربية (والشرقية أيضاً - روسيا) كانت
تريد أن يقوم في العراق حكم تتوافر في قادته
المواصفات التالية:
أولاً، أن يكونوا أعداء مع نظام البعث السوري.
ثانيا، أن يكونوا أعداء مع النظام المصري
(الناصري).
ثالثاً، أن يكونوا أعداء مع الدول العربية
المجاورة (الأردن، السعودية، الكويت).
رابعاً، أن يكونوا أعداء مع الدول الإسلامية
المجاورة (إيران، تركيا).
خامساً، أن يكونوا أعداء مع الشعب العراقي من غير
العرب (الأكراد، الأتراك، القوميات الأخرى).
سادساً، أن يكونوا أعداء مع الإسلام والمسلمين
خارج العراق، وذلك بتطرفهم ضد عقيدة العراقيين (98
في المئة مسلمون) وضد الإسلام والمسلمين في أي
مكان آخر بتبنيهم الشيوعية المشوهة باسم
الاشتراكية.
وخلاصة هذه المواصفات المطلوبة هي أن يكون العراق
معادياً لكل الدول المجاورة له بسبب من عقيدة
يتبناها مخالفة لعقيدة الدول المجاورة، كما أن هذه
العقيدة هي مخالفة لعقيدة الشعب العراقي نفسه.
سابعاً، ان الجماعة المؤهلة والوحيدة التي لديها
هذه المواصفات هي عصابة "البعث" العراقي أو عصابة
الشيوعيين، وبما أن الشيوعيين غير مقبولين (في ذلك
الوقت) من قبل الشعب العراقي وغير مقبولين من قبل
الدول المجاورة، لذلك فإن "البعث" العراقي هو
المرشح الوحيد. فبسبب من مبادئه (التي لا تختلف عن
المبادئ اللينينية - الماركسية إلا في كون
البعثيين ينادون بالقومية العربية، بينما
اللينينية - الماركسية تنادي بالأممية). وعلى صعيد
القومية العربية المتطرفة، فسيكون معادياً
للقوميات غير العربية للدول المجاورة (إيران
وتركيا) ومعادياً للقوميات غير العربية الموجودة
في العراق (الأكراد والأتراك والقوميات الصغيرة
الأخرى). وعلى صعيد الاشتراكية (اللينينية -
الماركسية)، فسيكون معادياً للدول الإسلامية
المجاورة وللدول العربية المجاورة أيضاً التي لا
تدين بمذهبهم. هذا إضافة إلى معاداتهم أبناء الشعب
العراقي المسلم (98 في المئة مسلم). والنتيجة لذلك
هي "تثبيت الجبهة"، أي أن العراق يشد الدول
المحيطة به خوفاً منه على نفسها، وهذا هو الطريق
إلى أمن إسرائيل واستمرارية بقائها إلى أن يشاء
الله غير ذلك.
من سيساعدنا
أحمد حسن البكر في 7/30/ 1968 طرد البعثيون كلاً
من عبدالرزاق النايف وإبراهيم عبدالرحمن الداود
وبعدها باشروا شيئاً فشيئاً في تصفية خصومهم،
فابتدأوا بالناصريين ثم بالقوميين ثم بالمستقلين"
الخ. ولفقوا شتى التهم ضدهم فأعدموا وسجنوا كثيرين
وعذبوا الكثير من الأبرياء (التعذيب المنقطع
النظير مع التهديد بهتك العرض أمام أعينهم)، لكي
يرغموهم على الاعتراف بأمور هم أبرياء منها. ولم
يتعرضوا للمسلمين والمسلمين المنضمين الى تنظيمات
علنية أو سرية، حيث كان في تخطيطهم انهم سيكونون
آخر من يجري تصفيتهم (لأنهم جاؤوا إلى السلطة لهذا
الغرض أصلاً).
ج - ناقشت الموقف في نفسي، كما هو عليه في ربيع
عام 1969. من هي الدولة التي تعيننا على طرد
البعثيين (وإعادة العراق إلى حظيرة الإسلام وتصحيح
كل الأخطاء التي تراكمت. ليست تلك الأخطاء التي
حدثت منذ 14 تموز (يوليو) 1958 فحسب، بل تلك التي
كانت السبب في الثورة على العهد الملكي أيضاً، كما
يلي:
أولاً - السعودية: لا يمكن أن تعيننا لأن سياستها
الخارجية منذ أيام الملك عبدالعزيز هي عدم التدخل
في شؤون الدول المجاورة.
ثانياً - الكويت: لا يمكن أن تعيننا ولا يمكن
الاعتماد عليها ولا الثقة بها في هذا الأمر، لأنها
أعانت على مجيء حكم "البعث". كما أنها ضعيفة
ومسيطر عليها من قبل جهات أجنبية متعاونة مع
البعثيين. ولا يستبعد أن تفشي الكويت سرنا، بل
وتسليمنا إلى الحكام البعثيين في بغداد، إضافة إلى
أنها تأتمر بأوامر انكلترا التي أعانت على مجيء
البعثيين إلى الحكم بالاشتراك مع أميركا.
ثالثاً - الأردن: ضعيف في كل شيء. وفي أراضيه
حكومات تتقاسم السلطة، فهناك سلطة الحكومة الشرعية
وسلطة الجيش العراقي (الموجود في الأردن آنذاك)،
وسلطة حزب "البعث" العراقي وسلطة حزب "البعث"
السوري وسلطة حزب "التحرير" وسلطة الناصريين وسلطة
"الاخوان المسلمين" والسلطات المتعددة للثورة
الفلسطينية.
رابعاً - سورية: لا يمكن الاعتماد عليها، لأن حزب
"البعث" السوري هو المتسلط على الحكم فيها، وهو
وإن كان متظاهراً بالعداوة مع حزب "البعث" العراقي
المتسلط على الحكم في بغداد، إلا أنهما سرعان ما
سيتعاونان في أمور كثيرة، وعلى رأس هذه الأمور هي
أنهما عدوان لدودان للإسلام والمسلمين، وهما إنما
تسلما السلطة لهذا الغرض، لذا فهما يتعاونان ضد
أولئك الذين يريدون القيام بعمل لمصلحة الإسلام
والمسلمين، لذا فلا يمكن الثقة ولا الاعتماد على
سورية. |