القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (546) الثلاثاء 18 / اذار / 2008م ـ 10/ربيع الاول/ 1429 هـ

اليسـار الإسـلامي... و(الثـلـج المقـلي)!

 د. حسن حنفي
على رغم المداخل الواضحة لليسار الإسلامي وعرض أوجهه المختلفة إلا أن تجربة ربع قرن من محاولات تأسيسه لم تمنع من توجيه بعض الاعتراضات الرئيسية عليه. وهي شبهات تثار من الأحزاب السياسية الدينية والعلمانية، المحافظة والتقدمية، ومن الدولة ومؤسساتها الدينية، ومن الأفكار الشائعة نتيجة للإعلام المزيف، وما تعود عليه الناس من تقليد لما هو سائد دون التفكير الأصيل
إذ يقال عن اليسار الإسلامي:
1- ليس في الإسلام يسار ويمين. الإسلام دين واحد، جوهره واحد، وعقائده ثابتة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، خيره وشره. كبائره معروفة وصغائره محصاة. لا تختلف العبادات من قُطر إلى قُطر، ولا من قارة إلى قارة، ولا من شعب إلى شعب، ولا من ثقافة إلى ثقافة. شهادة أن لا إله إلا الله على كل لسان. ينطقها المسلم ليعلن انتماءه وانتسابه إلى الأمة. وهذا صحيح نظراً، ولكن عملاً تتعدد القراءات والممارسات الإسلامية خاصة في المعاملات والعادات. يشير اليسار الإسلامي إلى إحدى القوى الاجتماعية الموجودة في المجتمع، الفقراء والمحرومين والمساكين والطبقات الدنيا في مقابل إسلام الأغنياء وشركات توظيف الأموال ورجال الأعمال وموائد الرحمن وبيوت الزي الإسلامي. ففي كل مجتمع هناك يسار ويمين، فقراء وأغنياء، طبقة دنيا وطبقة عليا. اليسار الإسلامي سياق اجتماعي سياسي تاريخي للإسلام في مرحلة تاريخية معينة وفي عصر معين ولدى شعب معين، في مرحلة تفاوت الدخول. وكما أن هناك تمايزاً بين المذاهب الفقهية الأربعة والاتجاهات الفلسفية والفرق الكلامية والطرق الصوفية هناك تمايز أيضاً في تفسير الإسلام طبقاً لحاجات الناس وطبقاتهم الاجتماعية التي تتغير بتغير الزمان والمكان، وكما فعل الشافعي بين العراق ومصر.
اليسار الإسلامي استئناف لحركات الإصلاح التي أسسها الأفغاني وإقبال، وتطوير لها كي تصبح أكثر جذرية وقدرة على التأثير في العالم وتأسيس نهضة الشعوب.
2- اليسار الإسلامي نزعة توفيقية وأحياناً تلفيقية بين نزعات عدة تجمع بين عدة متناقضات. هو مشروع مستحيل مثل "الثلج المقلي"، يرفضه اليسار واليمين، فاليسار علماني لا ديني، واليمين ديني لا علماني. والحقيقة أن هذه الشبهة إنما تنتج من عقلية الاستقطاب بين مطلبين كلاهما صحيح، القديم والجديد، الماضي والحاضر، التراث والمعاصرة، الأصل والفرع، الآخرة والدنيا. وكل سمات اليسار الإسلامي مطالب فعلية للعصر. فهو إسلام مستنير لحاجة العصر إلى العقلانية والاستنارة كما عبر عن ذلك بعض المفكرين العرب المعاصرين مثل محمد عبده ومصطفى عبدالرازق وطه حسين. وهو إسلام ليبرالي لحاجة العصر إلى الحرية كما عبر عن ذلك الطهطاوي والعقاد والشرقاوي، وهو إسلام اشتراكي جماعي لحاجة العصر للعدالة الاجتماعية والمساواة كما عبر عن ذلك مصطفى السباعي في سوريا، وهو إسلامي قومي كما هو الحال عند منير شفيق وخلف الله ومحمد عمارة نظراً لمخاطر التجزئة والتفتيت للأقطار بعد أن قضى على الخلافة لصالح القومية في 1923 ثم قضى على القومية لصالح القطرية، ثم قضى على القطرية لصالح الطائفية والمذهبية والعرقية والعشائرية والقبلية. وهو إسلام إنساني كما عبر عن ذلك العقاد وغيره نظراً لخرق حقوق الإنسان في عصرنا وتعذيب المعتقلين السياسيين بالآلاف. وهو إسلام تقدمي كما هو الحال في تونس نظراً لتصنيف الشعوب العربية والإسلامية ضمن الدول المتخلفة أو النامية. وهو إسلام طبيعي يبدأ من العالم والناس نظراً لغلبة العقائدية القطعية والنصية الحرفية مثل أحمد كمال أبو المجد وسليم العوا. وهو إسلام وطني مثل طارق البشري نظراً للهويات الطائفية السائدة الآن وتواري الأوطان. وهو إسلام أممي مثل عادل حسين نظراً لما فعلته الحدود الوطنية من تجزئة وتقسيم ومعارك حدودية ونزاعات بين القبائل على طرفي الحدود على الثروات الطبيعية. وهو إسلام علماني مثل أحزاب الوسط نظراً لسيادة النزعات الدينية المعادية لقيم العقل والحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وهي قيم إسلامية أصيلة تجلت في التراث الإسلامي. وهو إسلام عملي حركي مثل بعض الأجنحة المستنيرة في الحركة الإسلامية نظراً لسيادة الخطاب الديني النظري الوعظي الذي يدخل في أذن ويخرج من الأذن الأخرى.
3- اليسار الإسلامي نزعة مادية وتيار ماركسي شيوعي إلحادي. لا يهتم بالغيب ولا بالحياة بعد الموت إلى آخر ما هو معروف من أمور المعاد. والحقيقة أن هذه صورة نمطية للإسلام منذ العصر العثماني، تغليب الآخرة على الدنيا، والنفس على البدن. وهو ما قاومته حركات الإصلاح الديني الحديثة. فالتراث الإسلامي قام على أساس الاهتمام بالعالم. يبدأ علم الكلام وهو علم العقائد بالعالم أولاً للاستدلال به على وجود الله. ويتحدث الفلاسفة عن الطبيعيات كمقدمة للإلهيات. ويدافع بعض الصوفية عن وحدة الوجود، الجمع بين الحق والخلق. ويقوم علم أصول الفقه على تعليل الأحكام بالعلل المادية ليقيس عليها أحكام الوقائع الجديدة.
4- اليسار الإسلامي تيار غربي يقلد "لاهوت التحرير" في المسيحية خاصة. والحقيقة أن اليسار الإسلامي استئناف لحركات الإصلاح التي أسسها الأفغاني وإقبال، وتطويرها كي تصبح أكثر جذرية وقدرة على التأثير في العالم وإصلاح المجتمعات وتأسيس نهضة الشعوب. وقد سبقت الديانات الأخرى مثل المسيحية والبوذية الإسلام في وضع أسس "لاهوت التحرير" المعاصر في تحقيق المشاريع القومية في الحرية والعدالة، والاستقلال والتنمية ابتداءً من تراثها. كان القدماء منتصرين على الأرض فصاغوا العقائد النظرية. ونحن منكسرون على الأرض في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وكشمير، وكلها تحت الاحتلال المباشر، ومازلنا نتحدث عن إرضاع الكبير. كما أن هذه الشبهة تعطي النفس أقل مما تستحق، وتعطي الغرب أكثر مما يستحق. وترجع كل تقدم وإبداع عند الأنا إلى منابعه ومصادره عند الآخر، وكأن الأنا أصبح عقيماً رضي بأن يكون تلميذاً إلى الأبد، والآخر هو المبدع والمعلم. ولقد استطاع الإسلام في الماضي القيام بنهضة من الداخل وتأصيله في إبراهيم ولم يرَ غضاضة في التعامل مع الحضارات المجاورة، يونانية ورومانية غرباً، وفارسية وهندية شرقاً، والآن أوروبية شمالاً، وأفريقية جنوباً.
5- اليسار الإسلامي خلط بين الدين والسياسة، يرغب في الوصول إلى الحكم. هو مجرد توزيع أدوار داخل الحركة الإسلامية التي مازالت تسعى للوصول إلى السلطة. اليسار الإسلامي مجرد واجهة إعلامية مستنيرة تقوم بدور الغطاء النظري للحركات الإسلامية المحافظة. والحقيقة أن الإسلام -من وجهة نظري- لا يفرق بين الدين والسياسة كما يفعل الغرب نظراً لظروف الكنيسة في صراعها مع الدولة. الإسلام يطبق المثال في الواقع، يحول النظر إلى عمل، والفكر إلى ممارسة. هدفه تحقيق التقدم والتغير الاجتماعي من خلال التواصل وليس من خلال الانقطاع حتى لا يحدث رد فعل إلى القديم من جديد كما حدث في الغرب. الإسلام هو اللحظة الثالثة في تطور العلاقة بين الدين والسياسة بعد اللحظة الأولى تغليب السياسة على الدين في اليهودية، واللحظة الثانية، الفصل بين الدين والسياسة في المسيحية. اليسار الإسلامي تيار معارض. ينقد بعض النظم السياسية القائمة على التبعية للخارج، والقهر والفساد في الداخل. وينقد المؤسسة الدينية التابعة للدولة والمبررة لقراراتها في الحرب والسلم، في الاشتراكية والرأسمالية بنفس الرجال ونفس الفتاوى. الإسلام دين ليس به رجال دين أو كنيسة أو سلطة دينية إلا سلطة العلم. يفك الحصار عن المعارضة العلمانية بأنها ضد الدين. ويخفف من عداء الحركات المحافظة للأيديولوجيات العلمانية، ليبرالية وقومية واشتراكية وماركسية وإسلامية مستنيرة، كما هو الحال في تركيا وماليزيا. وينقد نفاق بعض الإعلام الرسمي واستخدام الدين لصالح الحزب الحاكم.
6- اليسار الإسلامي قد يرفضه الناس لأنه يمس عقائدهم الشعبية. هو تيار نخبوي يسهل حصاره من اليمين واليسار والدولة. هو عند اليمين الديني شيوعية وإلحاد مقنعان. وعند التيار العلماني إسلامي مقنع، وفي أجهزة الدولة الأمنية اليساريون الإسلاميون "إخوان شيوعيون" كما اتهم الشاه من قبل فصائل الثورة الإسلامية مثل "مجاهدي خلق". هو غير مؤثر، أقلية معزولة أمام الأغلبية الطاغية للحزب الحاكم. والحقيقة أن الاتصال المباشر بين اليسار الإسلامي والجماهير يدل على قدرته على التعبير عن الأغلبية الصامتة، عن الوسط بين الجناحين السلفي والعلماني. يريد المحافظة على الشرعيتين في نفس الوقت، الإسلام والعالم، الدين والثورة. ليس حريصاً على السلطة والحكم بل هو للحفاظ على وحدة الأمة في مسارها التاريخي، إن الله يبعث للأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها.

صحــافة الانـترنـت

 حازم مبيضين
يبشر البعض بأن انتشار المواقع الإخبارية على شبكة الإنترنت سيكون مبرراً لانحسار ملحوظ في الصحافة الورقية المطبوعة، لكن هؤلاء يتجاهلون أن ثقافة الانترنت لم تنتشر في عالمنا العربي بشكل يمكن تلك المواقع من المنافسة، سواء من حيث عدد القراء، أو من ناحية اجتذاب المعلن، الذي مايزال يفضل المطبوعة الورقية على شاشة الكمبيوتر، مع ضرورة الملاحظة، أن هذا المعلن هو الممول الحقيقي للاثنتين، إذا تجاهلنا أن هناك ممولين للصحف والمواقع، على السواء لا يستهدفون الربح المادي، بقدر ما يرضيهم تحقيق أهداف أخرى متباينة بين كل واحد منهم والآخرين.
وبمتابعة بسيطة سنكتشف أن من يلجأون للشبكة العنكبوتية، إنما يفعلون ذلك لانخفاض كلفة إنشائها عن المطبوعة الورقية، وأن بعضها يسير بمحرر واحد او اثنين، إضافة إلى غياب أي شكل من أشكال الرقابة التي تفرضها بعض الدول على وسائل الاعلام فيها، ان لم تكن تلك الوسائل مملوكة للدولة، لكننا سنكتشف أن الكثير من هذه المواقع يخلو تماما من أي إعلان تجاري، وإن كان واضحا بروز الإعلان السياسي في الكثير منها، من خلال الترويج لهذا السياسي أو ذاك، أو من خلال الترويج لفكر معين. والاخطر هو المواقع التي تروج لمذهب أو دين من خلال الحط من قدر المذاهب والاديان الاخرى. المؤكد أن المواقع الإخبارية ستفوز بنصيب من سوق الإعلان التجاري، لكنني ومن خلال تجربة حقيقية أكتشف أن المعلن التجاري يبحث أولا عن الموقع الالكتروني للصحيفة الورقية التي يفضلها ليعلن فيه، رغم أن أجور الإعلان في مثل هذه المواقع تفوق كثيراً الأجر الذي تطلبه المواقع التي لاسند لها من صحيفة مطبوعة تستند على تاريخها وعدد قرائها، وإذا كان البعض يحتج بما يحدث في الدول الغربية فإن عليه انتظار انتشار الكمبيوتر وثقافة الانترنت عندنا بنفس المستوى، إضافة الى ترسخ قناعة المعلنين بجدوى نشر إعلاناتهم على المواقع الالكترونية . ما يدفع إلى الخوض في هذا الموضوع هو الانتشار السرطاني للمواقع التي من المؤسف أن بعضها يخلو من أية مهنية أو حتى اطلاع على المواقع الاخبارية الناجحة، والتي من المؤسف ايضا أن بعضها لا يختلف عن اي من المطبوعات الأسبوعية التي يعاني معظمها من قلة عدد القراء والتي تعتمد في موادها الاعلانية على طرق يصعب أن نصفها بالصحيحة والصحية، وبما يبيح لنا ابداء مخاوفنا من تحول هذه الوسيلة الاعلامية الى مجرد نقل الاسبوعيات الى يوميات الكترونية تعاني من انعدام القراء والمعلنين على حد سواء . وإذا كانت تقنية الانترنت تسمح لنا بمعرفة عدد قراء أي موضوع منشور على واحد من أقدم المواقع التي انطلقت من عمان فان المفاجأة أن العدد لم يكن ليزيد على خمسة، هذا إذا كان الموضوع شديد الأهمية، أما بقية الموضوعات فإن عدد زوارها يتراوح بين واحد واثنين، لا أعتقد أنهما غير المحرر الذي نشر الخبر، وصاحب الموقع الذي يرى واجبا عليه الاطلاع على ما هو منشور في صحيفته الالكترونية . نرحب بالمواقع الخبرية على الانترنت، لكننا نتمنى على مطلقيها الأخذ بأسباب النجاح بدل التسابق على أولوية كل واحد منهم أو ريادته لهذا النشاط الاعلامي الطارئ والممتع والذي لن يشكل في المدى المنظور منافسا للصحيفة الورقية الطاعنة في الحضور على أذواق الناس وعاداتهم..

(ميدفيديف) بعيون أوروبية

 هناك أسئلة كثيرة يطرحها الأوروبيون، والغربيون عامة، حول شخصية الرئيس الروسي المنتخب ديمتري ميدفيديف. إنها بالأحرى أسئلة حول النهج الذي سوف يتبعه وإمكانيات (انزياحه) عن الخط الذي أرسى الرئيس الحالي فلاديمير بوتين دعائمه (تدريجياً) خلال فترتيه الرئاسيتين
لقد قيل الكثير في أوروبا، إثر انتخاب ميدفيديف "المبرمج"، عن "الاستمرارية" وتعزيز "النظام التسلطي" وعن "الدب الروسي الذي يكشّر عن أنيابه" وعن أشياء كثيرة أخرى تصب كلّها في نفس الخانة، لكن بالمقابل لم تبخل التعليقات في مختلف وسائل الإعلام الأوروبية بالإطراء على الصفات "الحضارية" التي يتمتع بها الرئيس الروسي المنتخب وأنه رجل "لطيف" ويستخدم "لغة مهذبة" تليق بأستاذ القانون الذي كان في جامعة سان بطرسبورغ، العاصمة الامبريالية للقياصرة، بل وتحدثت بعض التعليقات عن "يديه اللتين تشبهان يدي فتى يافع في الرابعة عشرة من العمر"، هذا قبل التساؤل "البريء" كيف سيتمكن من حكم روسيا بـ "مثل هاتين اليدين". كلام في منتهى اللطف والتودد ولكن تنقصه البراءة بل هو "ملغوم" ولا يرمي سوى إلى الإشارة لكل ما هو عكس ذلك لدى الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين "الفظ" الذي لم يعد الغرب يرى به إلاّ رجل الكي.جي.بي السابق. ديمتري ميدفيديف عمره 42 سنة. وبالتالي سيكون الأكثر شباباً بين الذين حكموا روسيا منذ نيقولا الثاني، آخر قياصرة سلالة رومانوف والذي كان قد لقي حتفه على يد البلاشفة عام 1918. تعوّد الأوروبيون أن لا يروا في روسيا سوى بعدها القيصري ومركزية سلطة القرار فيه، وحتى صناديق الاقتراع لا تخدم اليوم برأيهم إلاّ من أجل المصادقة على قرارات اتخذها الكرملين. الرأي الشائع في أوروبا، المصرّح به أو "المضمر" لأسباب دبلوماسية، يعتبر ميدفيديف مجرّد لعبة بيد بوتين. صحيح أن الرئيس "الداخل" مدين بصعوده كله إلى الرئيس "الخارج". ولكن لا شيء يسمح بالقول انه سوف يكون مثل "خاتم في أصبعه"، وهناك مؤشرات تذهب في اتجاه تكذيب مثل هذا الرأي. عشية انتخاب ميدفيديف، سأله صحافي انجليزي حول من سوف يدير السياسة الخارجية الروسية ـ كان يقصد بوضوح هل هو أم رئيس وزرائه بعد استلام مهام منصبه فلاديمير بوتين ـ فلم يتردد في القول ان "الرئيس الروسي هو الذي يتولّى دائماً هذه المسائل". سيتولّى ميدفيديف مهام منصبه رسمياً يوم السابع من شهر مايو المقبل. ويعوّل عليه الكثير من الغربيين كـ "شريك أكثر سهولة"، هذا ما تنمّ عنه تصريحات عديدة. لا شك أن خطاب ميدفيديف ذو "نكهة أكثر ليبرالية" من خطاب بوتين. ومثل هذا الخطاب يدغدغ مشاعر الغربيين. ولكن لا ينبغي الاستعجال في الاستنتاجات. هذا ما نبّه له فلاديمير بوتين نفسه عندما قال في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع المستشارة الألمانية انجيلا ميركل عند زيارتها إلى موسكو قبل أيام: لا اعتقد أن الشراكة معه ـ ميدفيديف ـ ستكون أسهل". مشكلة الأوروبيين ليست مع بوتين ولا مع ميدفيديف وإنما هي في الواقع مع رؤيتهم، أو "نقص رؤيتهم"، حيال روسيا. ومهما قيل عن هذه البلاد، فقيرة كانت أم مزدهرة، وعن رؤسائها من كلام "طيّب" و"تصالحي" فإنها تبقى بالنسبة لهم في خانة الخصم. ومهما قيل، لا تزال أوروبا وروسيا تفتقران عملياً إلى قدر كاف من الثقة والمعرفة المتبادلة بعيداً عن الأحكام المسبقة والمواقف الجاهزة. وزاد الالتباس في سياق ما بعد انهيار جدار برلين فالاتحاد السوفييتي "تفجّر" بينما تحوّلت المجموعة الاقتصادية الأوروبية السابقة إلى اتحاد أوروبي يضم 27 دولة كان البعض منها يدور في الفلك السوفييتي. في هذا السياق الجديد ليست هناك أية رؤية استراتيجية لموقع روسيا في أوروبا. أي الرؤية المتعلقة بالإجابة على السؤال الخاص بمدى أوروبية روسيا؟ الإجابات عديدة ومتنوعة ومتناقضة أحياناً. ما يدركه الجميع هو أن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع "ابتلاع" روسيا. إنها أكبر من ذلك. ولا يستطيع أيضاً "تجاهلها"، فهي حاضرة في واقعه وفي مخيلته وعالم أشباحه، وعليه التعايش مع هذا البلد العملاق الذي لم يتخلّ في أي يوم من الأيام عن طموح أن يكون قوّة كبرى على المسرح الدولي. ولم تغادره أبداً أحلام القوّة، وكان القيصر الاسكندر الثالث يردد "ليس لروسيا حلفاء إلاّ جيشها وبحريتها". تغيّرت الأدوات، لكن القول لا يزال ساري المفعول. تبقى هناك نقاط خلاف راهنة بين الأوروبيين وروسيا لم تكن مشكلة كوسوفو سوى أحد تجليّاتها الأخيرة. الروس يرفضون شكلاً ومضموناً استقلال كوسوفو ويرون به سابقة قد تؤدي إلى المساس بالسيادة الوطنية للعديد من الدول وفي عدادها روسيا. وكان من الموقف الروسي المتشدد أن جعل صربيا أكثر اقتراباً من موسكو، ومن السهل فهم أن هذا ما تسعى له روسيا في سياق موازين القوى الأوروبي الراهن. وهناك خلاف كبير في الرؤية حول الحلف الأطلسي ودوره ومستقبله. الروس، كما جاء على لسان الرئيس بوتين، يرون أن الحلف الأطلسي يسعى إلى أن يحل محل منظمة الأمم المتحدة، وبحيث تلعب واشنطن دور "المايسترو" للجوقة الدولية. بكل الحالات ترى روسيا في مشروع توسيع إطار الحلف الأطلسي وصولاً إلى حدودها القريبة في منطقة البلطيق مصدر تهديد مباشر لأمنها القومي، وعلى الأقل إضعافاً لقوتها ولهامش حركتها. كذلك يرى الروس أن عملية توسيع مجال الحلف الأطلسي لا علاقة لها بتحديثه، كما يقال، ولا في الأمن الأوروبي. ولا شك هناك تباين في الرؤية أيضاً حول العديد من القضايا مثل الوضع في الشرق الأوسط والملف النووي الإيراني ومشروع الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا ومسألة النظام العالمي الجديد حيث "تريد أميركا إقامة عالم وحيد القطب، وهذا غير مقبول فقط وإنما غير ممكن"، حسب تصريح للرئيس الروسي بوتين في شهر فبراير من عام 2007. لكن بالمقابل ميادين التعاون بين الاتحاد الأوروبي وروسيا كثيرة ومتنوعة والأوروبيون هم الشريك الاقتصادي الأول لروسيا والمستثمر الأول فيها؛ وهي بدورها المصدر الأول للطاقة بالنسبة للاتحاد الأوروبي. الأوروبيون والروس يتحدثون كثيراً عن "شراكتهم" ولكن الواقع يقول شيئاً آخر. إن الوصول إلى شراكة حقيقية، وليس إلى مجرّد "زواج واجهة" يتطلب أولاً وأساساً امتلاك الثقة المفقودة. ولا يهم بعد ذلك إذا كان رئيس روسيا اسمه بوتين أو ميدفيديف.

الأميرال (المخملي) ابتعد فهل اقتربت الحرب؟

 سعد محيو
الاستقالة المفاجئة للأميرال وليام فالون من منصبه كقائد أعلى للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، ليست حدثاً عادياً وإن كانت متوقعة. متوقعة من جانب من؟
من الطرف الذي تسبب بها، أو على الأقل كان له دور رئيسي فيها: توماس بارنيت، أشهر المحللين الاستراتيجيين الأمريكيين، الذي نشر في مجلة "إسكواير" الأمريكية مقالاً مطولاً ضمّنه أبرز آراء الأميرال العلنية حول كيفية إدارة أمريكا للمنطقة الشاسعة تحت قيادته (التي تمتد من شرق إفريقيا إلى حدود الصين وتضم الشرق العربي، والقرن الإفريقي، وآسيا الوسطى)، إضافة إلى انطباعاته "السرّية" حول رئيسه المباشر جورج بوش.
قال بارنيت، في نهاية مقاله الذي وقع في 10 صفحات فولسكاب: "الوقت وحده سيقول لنا ما إذا كانت عقلانية الأميرال ستكلفه منصبه في القيادة المركزية".
حسناً. الوقت قال كلمته، وتمت دحرجة رأس فالون. لكن لماذا "عقلانية" الرجل هي السبب في رحيل من وصفه وزير الدفاع الأمريكي جيتس بأنه "ألمع استراتيجي في العالم"، ومن يطلق عليه رفاقه الجنرالات "فوكس" (الثعلب) بسبب تفوقه التكتيكي؟
حتماً ليس، كما قالت بعض التحليلات الصحافية الغربية، لأنه يعارض بالمطلق الحرب فيما البيت الأبيض يؤيدها. فالأميرال لم يعرف عنه أبداً أنه من الحمائم، ولا هو بالتأكيد من أنصار السلام. إنه في النهاية صاحب الجملة الشهيرة: "كن جدياً. هؤلاء الناس (أي الإيرانيين) ليسوا أكثر من نمل نستطيع سحقهم حين يحين الوقت". كل ما هناك أن آراء فالون الاستراتيجية حول كيفية تحقيق السيطرة الأمريكية على الشرق الأوسط الكبير، وبالتالي، على العالم، تختلف عن تلك التي يؤمن بها المحافظون الجدد الأمريكيون ومعهم الرئيس بوش ونائبه تشيني. وهو اختلاف في الأسلوب لا الجوهر. ماذا يعني ذلك؟
إن فالون وبقية الجنرالات الأمريكيين يلعبون دور الدبلوماسي، فيما بوش وبقية المسؤولين المدنيين يلعبون دول الجنرالات. الأوائل يريدون السياسة بوسائل أخرى غير الحرب، أو أن تكون الحرب الملاذ الأخير، فيما الأخيرون يريدون الحرب قبل السياسة أو بأن تكون السياسة في خدمة الحرب.
منطق غريب؟ بالتأكيد. لكنه حقيقي، وهو ينسف الافتراض الشهير الذي يقول إن "الحرب أخطر بكثير من أن توضع في يد الجنرالات". الأصح أن يقال الآن ".. في يد المدنيين".
وهل يعني غياب الأسلوب المخملي المرقط معاً للأميرال فالون مع إيران، تقدم خيار الحرب معها؟
توماس بارنيت يعتقد ذلك. قال (قبل استقالة الأميرال): لا يستبعد ان يطيح البيت الأبيض بفالون وان يعين مكانه قائداً جديداً أكثر مطواعية. وإذا ما حدث ذلك، فهو سيعني أن الرئيس بوش ونائبه تشيني ينويان تطبيق الخيار العسكري ضد إيران قبل نهاية هذا العام.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com