|
عبد
الهادي فنجان الساعدي
ايتها النوافذ
قليلا من هواء الغابات
انني اختنق
ورئتاي جاحظتان خارج صدري
وصوتي ضالٌ كالرعد..
لايعرف اجيالا قادمة ينشدها
ولافما قديما يعود اليه).
الشاعر محمد الماغوط من شهادته امام العصر..
في مقالة لنا بعنوان وزير دفاع مدني نشرت في جريدة
التاخي ومقالة اخرى في جريدة الاهالي بعنوان من
تجارب الامم والشعوب تكلمنا عن تجربة الرئيس
الامريكي الاسبق جون كنيدي وكيف انه غير نمط تشكيل
الوزارات بحيث انه جلب في اول تشكيل وزاري له معظم
المجموعة الوزارية من اساتذة الجامعات الذين
درّسوه وبقيت اثارهم راسخة في ذاكرته، اضافه الى
التكنوقراط المعروفين بتوجهاتهم الليبرالية
وافاقهم العلمية والتقنية الواسعة.
وقد اختار وزيرا مدنيا في تلكم التشكيلة ليكون على
رأس ادارة وزارة الدفاع وعندما سالوه عن السبب في
هذا الاختيار باعتبار ان وزير الدفاع يجب ان يكون
عسكريا.. قال: ان الولايات المتحدة لاتحتاج الى
وزير دفاع يعرف كيف يستعمل البندقية ولكنها تحتاج
الى وزير دفاع يعرف كيف يبرمج الخطط الكفيلة
بحماية هذا البلد العظيم.
من هنا يبدأ الاختلاف بين المجتمعات المتطورة او
التي تسعى نحو التطور والمجتمعات المتخلفة بحيث ان
المسؤولين في الاولى يختارون الاكاديميين
والتكنوقراط لوزاراتهم..اما نحن فنملا الفراغ
بالقيادات العسكرية التي تنظر الى الامام ولكنها
ممتلئة حنينا الى الماضي.وخصوصا الماضي القريب
الذي امتلانا من تفاهاته وهزائمه بينما العالم
الان يمتلئ بالقيادات المدنية التي تمتلك نظرة
مستقبلية تستطيع ان تدير بها بلدانها من خلال تلكم
النظرة الخلاقة ونعود نحن لنختار الضباط العسكريين
وضباط الشرطة المسلكيين لنملا بهم الفراغات
الوزارية وكأن البلد قد خلا من الكفاءات المدنية
والتكنوقراط..ومااكثر المثقفين الذين يستحقون هذه
المراكز الحساسه..
ويزداد القيح في القلب عندما يقدم الوزير الجديد
نفسه الى كارتل المدراء العامين قائلا: اقدم لكم
نفسي-فلان الفلاني..قومي عربي، ناصري، سني( وفجاة
اتذكر الاوبئة التي كانت تصيب الشعب العراقي في
العشرينيات والثلاثينيات والتي بقيت عقابيلها حتى
الان.. واتذكر ايضا التظاهرات التي تتلوها الهزائم
القومية العربية الناصرية.. ثم اسرح مع انقلابات
البعثيين والقوميين العرب.. فلا اجد في ذاكرتي سوى
سيول من الدم والرعب والاعتقالات الدموية
الرهيبة).
ثم يكمل الوزير تصريحه- : لاتخافوا.. لن انقل احدا
منكم من مكانه(وتبدا بعد يومين التنقلات والاحالة
على التقاعد قبل بلوغ السن القانونية ويذكرني هذا
الموقف باحدى المهازل القومية الاخلاقية السياسية
عندما بدات الهتافات التي اطلقها جمهور البعث
الرياضي في لعبة كرة القدم بين العراق والكويت
عندما تغلب الفريق العراقي على الفريق الكويتي وقد
تكون تلكم الهتافات عفوية نابعة من روح الاخوة
العراقية الكويتية (... ياكويت لاتهتمين ماكو فرق
بيناتنا) ..وبعد مدة يهجم الجيش العراقي الباسل
(حراس البوابة الشرقية الاشاوس) ليحتل الكويت
ويدمر دولة كان اول من ادالها حسب الوثائق السرية
الاخيرة ويستمر العراق من نصر الى نصر.. ويقيم
الفنان العراقي الشاب حسين الركابي من الناصرية
معرضه الفني في قاعة من قاعات وزارة الثقافة (وبغض
النظر عن حيرة الوزارة في مكان مبيت هذا الفنان
الشاب في بغداد وبغض النظر عن مستوى المعرض
التشكيلي ولوحاته الفنية قياسا الى المستوى
الشبابي).. نجد ان الفاجعة الكبرى تكمن في دفتر
التشريفات او الملاحظات التي يتركها الزوار عن
انطباعاتهم حول المعرض. تصور وزير الثقافة والذي
تعتبر وزارته من اخطر وزارات البلد في الدول
المتقدمة يكتب لاحضت بالضاد اخت الصاد وليس بالظاء
اخت الطاء والمعانات بالتاء الطويلة وليس بالتاء
القصيرة. كل ذلك اضافه الى شيوع كلمة سيدي في
الوزارة وفي تعاملات الموظفين مع السيد الوزير
والتي لم يحتملها بعض الموظفين فاستقالوا من
الوزارة!!
واخرج لايسعني الشارع من الغيظ واكاد اخرج من جلدي
غضباً ولااعرف اين اتوجه..واذكر في هذه الاثناء
وزيرة الثقافة الفرنسية التي تغمس الهندسة
المعمارية بالشعر وتعرف عن الحداثة ومابعد الحداثة
والبنيوية والتفكيكية اكثر مما يعرف رئيس دولتها.
وتتشابك الانماط الفنية والفكرية مع عمليات
الاستنساخ البشري في الاقطار العربية لتنتج لنا
وزيرا للثقافة خريج كلية الشرطة ووزيرا اخر لوزارة
انشطرت عن وزارة الثقافة خريج الكلية العسكرية
ولاندري كم هو عدد الضباط العسكريين والشرطة في
التشكيلية الوزارية الحالية وكم هو عدد شاغلي
المناصب الرفيعة من خريجي كليات صدام العسكرية..
ولاندري لمن المشتكى بعد الله. يقال ان المشتكى
للمؤمن كالمشتكى الى الله ولكن اين سنجد هذا
المؤمن في خضم هذا القتل التعسفي والفقه الكيفي.
وكم تمنيت لو ان هؤلاء الوزراء يسكتون عن
تصريحاتهم او يكلفون احدا (من اهل الصنعه) ليصوغ
لهم تصريحاتهم ومايكتبون ولكن الذي يحدث هو العكس
فالديقراطية شملت التجاوز على الكلمات اضافه الى
التجاوز على الافكار وها هو السيد وزير الثقافة
يصرح بانه قدم مقترحا الى رئاسة الوزراء لتحويل
وزارته الى وزارة الثقافة والاعلام.وبودي هنا لو
اصرخ بأعلى صوتي متسائلا كيف تكون الانماط
والسلوكيات البعثية!!
لقد ذكرني هذا المقترح بتصريح للكاتب والمفكر
العربي نصر حامد ابو زيد عندما قال (ان اكبر خطأ
ارتكبه صدام حسين هو عندما دمج وزارة الثقافة مع
وزارة الاعلام والخطا الاكبر عندما جعل لطيف نصيف
جاسم وزيرا للثقافة والاعلام).
ان هذا الاجراء يتقاطع مع التوجه السياسي
الليبرالي للدولة العراقية الحالية حيث ان الاعلام
حر.. اما الاعلام المركزي فيذكرنا بالاعلام الموحد
ذي التوجه والايديولوجيا المركزية الواحدة..
ان مشكلتنا تكمن في اننا ننظر للماضي اكثر مما
ننظر للمستقبل وهذا احد اسباب كوارثنا الحاضرة اما
السبب الاخر فهو انتشار ظاهرة الامية الثقافية
وخصوصا في اوساط المسؤولين الكبار والتي تنام
الشعوب بموجبها في ظل الدكتاتوريات التي اضطرت
تلكم الشعوب الى ادمان الاضطهاد والتخلف ولو كانت
نظرتنا المستقبلية اكثر دقه وذكاء لاستطعنا ان
نخطط للمستقبل بموجب الخزين الحضاري الذي نمتلكه
في عقولنا الباطنه.. اما السبب الثالث فهو
البيروقراطية التي تنخر في اجساد مؤسساتنا
الحكومية والمدنية والاحزاب والتنظيمات حتى جعلت
منها هياكل ايلة للسقوط بعد ان سقطت شبيهاتها في
معظم دول العالم. |