|
د-سامية
حسن الساعاتي
لفت نظري عند قراءة مقدمة ابن خلدون اكثر من مرة
لمحاضرة الطلاب فيها،انه في الفقرة التي يقرر فيها
وضعه لعلم جديد-الذي على حد قوله -(اعثره الله
عليه) لم يذكر اسم العلم الذي اهتدى اليه،وإنما
ذكر فقط موضوعه ومسائله،اذ قال:(وكأن العلم مستقل
بنفسه فإنه ذو موضوع وهو العمران البشري والاجتماع
الانساني وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض
والاحوال لذاته واحدة بعد اخرى) ثم قال في مكان
آخر في المقدمة(وهذا هو معنى العمران الذي جعلناه
موضوعاً لهذا العلم)
وقد شغلت كثيراً بهذا الامر لان اسم العلم ليس هو
موضوعه وابن خلدون يعلم ذلك جيداً لان تناوله
للعلوم في المقدمة فرق بين اسماء العلوم
وموضوعاتها فهو على سبيل المثال يفرق بين(اصول
الفقه) كأسم للعلم،وبين موضوعه وهو كما يقول في
المقدمة(النظر في الادلة الشرعية من حيث تؤخذ منها
الاحكام والتآليف وأصول الادلة الشرعية هي الكتاب
الذي هو القرآن ثم السنة المبينة له) كما(كم يفرق
بين(الكلام) كأسم للعلم وبين موضوعه... الخ واخذت
اقرأ المقدمة كلما خلوت الى نفسي قراءة متأنية
ومتفحصة فصلاً فصلاً علني اعثر على ما ينير لي
السبيل ويقودني الى اسم العلم وركزت القراءة على
وجه الخصوص في ذلك القسم من المقدمة الذي يتناول
العلوم والصنائع تكسب صاحبها عقلاً لانها مجتمعه
من صنائع في شأن تدبير المنزل ومعاشرة ابناء الجنس
وفي هذه الفقرة ذكر ابن خلدون اسم علمين هما:
1-تدبير المنزل الذي هو السياسة المدنية
2-معاشرة ابناء الجنس.
وبمفهومات العصر الحاضر يتضح ان معنى كونهما من
الصنائع انهما علمان تطبيقيان وهذا هو الهدف
العملي للعلوم النظرية.
قوانين الحركة الاجتماعية
ولما تاكد ان ابن خلدون لم يغفل اسم العلم الذي
وضعه بل اخره ليذكره ذكراً عابراً في الفصل الذي
مهد به لباب العلوم واصنافها (المقدمةص429) اخذت
اتساءل عن دوافعه الى ذلك لكني رأيت ان اهتدي في
هذا الامر بالغ الاهمية الى ما ذكره العلماء العرب
الذين أولوا مقدمة ابن خلدون عنايتهم الفائقة
وتناولوها بالبحث والدراسة.
ولقد كان اول من عني بمقدمة ابن خلدون هو(طه حسين)
الذي جعل من (ابن خلدون) المشكلة البحثية لاطروحته
للدكتوراه من جامعة السوربون سنة 1917 وجاء في هذه
الاطروحة ان ابن خلدون يقرر ان هناك قوانين تسير
الحركة الاجتماعية وانه يجب البحث عن تلك القوانين
بدرس المجتمع في ذاته ذلك الدرس هو موضوع علم
مستقل يسميه ابن خلدون(علم العمران) وهكذا تأكدت
من ان(طه حسين)لم ينتبه الى اسم العلم كما ورد في
المقدمة وانه جعل من موضوع العلم اسماً له.
وجاء من بعده(ساطع الحصري) الذي توفر على دراسة
مقدمة ابن خلدون سنوات طويلة بدأت سنة 1947 ثم نشر
بحوثه عنها في مجلد بعنوان (دراسات عن مقدمة ابن
خلدون) صدرت في سنة 1952 وفي هذا المجلد كتب ما
يلي:(لقد قال ابن خلدون بوجوب اتخاذ الاجتماع
الانساني علم العمران على البحوث التي تدرس ظواهر
هذا الاجتماع).
وفي سنة 1962 صدر عن المركز القومي للبحوث
الاجتماعية والجنائية في القاهرة كتاب يحوي اعمال
مهرجان ابن خلدون الذي عقد في المدة من 2-6 يناير
وضم ابحاثاً متنوعة لعدد من العلماء والمتخصصين
الذين تناولوا فكر ابن خلدون من كل زواياه
واتجاهاته.
وقد قدم (عبد العزيز عزت) في هذا المؤتمر بحثاً
بعنوان (تطور المجتمع البشري عند ابن خلدون) قال
فيه:(لكن لآراء ابن خلدون في مقدمته عن علم
العمران قد اوجزها الفرنسي جرسان دي تاس..)
والقى سيد بدوي بحثاً في هذا المؤتمر بعنوان
الموفولوجيا الاجتماعية واصولها المنهجية عند ابن
خلدون وفيه يقول (واصبحت هذه المقدمة فيما بعد
اشهر ما كتب ابن خلدون لانها وضعت اسس (علم
العمران) او علم الاجتماع كما نسميه اليوم)
كما قدم حسن الساعاتي في هذا المؤتمر بحثاً بعنوان
المنهج العلمي في مقدمة(ابن خلدون) ذكر فيه
بالنص(يتضح من ذلك ان اصطلاح العمران البشري او
علم العمران ادق واوضح واصدق على العلم الذي نطلق
عليه اسم اصطلاه علم الاجتماع)
العمران البشري.
وفي سنة 1972 نشر(حسن الساعاتي) كتاباً عنوانه
(علم الاجتماع الخلدوني:قواعد المنهج)وفيه كتب
يقول:(ومما هو جدير بالملاحظة ان (ابن خلدون) قد
استعار من علم الطبيعيات مصطلحات
وافكاراً،استخدمها في علم العمران البشري الذي
ابتدعه).
من ذلك يتبدى لنا ان ابرز العلماء العرب الذين
تناولوا مقدمة ابن خلدون بالبحث والدراسة لم
يفطنوا الى اسم العلم الذي كشفنا عنه بل اعتبروا
جميعاً موضوع العلم الجديد اسماً له فذكر جميعهم
بلا استثناء ان اسمه العمران البشري او احياناً
الاجتماع الانساني.
كذلك فات على (فرانز روزنتال) الذي ترجم مقدمة ابن
خلدون الى الانكليزية ان يكتشف اسم علمه الجديد
وكان اجدر به ان يكشفه لانه حين يترجم فإنه يتمعن
في كل كلمة ويتفحص كل جملة بل ان ترجمة روزنتال
للفصل الثالث والثلاثين من المقدمة الذي ورد فيه
اسم العلم الجديد جاءت غير موفقة ولا تؤدي تماماً
المعنى الذي قصده ابن خلدون ويكفي ان نشير انه
ترجم اصطلاح المعاشرة بكلمة(Contact) ونحن نعلم ان
هذه الكلمة معناها الاتصال المباشر أما المعاشرة
فتعني المشاركة والمخالطة والامتزاج وهي علاقات
اوثق واعمق من مجرد الاتصال المباشر.
وفي رأيي ان علم المعاشرة عند ابن خلدون او ما
أطلق عليه ابن خلدون نفسه (معاشرة ابناء الجنس)
اسماً لعلمه الجديد هو ما يذكره في موضع آخر على
انه مشتق من مصطلح الانس بالعشير وهو الهدف الاول
للعمران في رأيه ويوضح لنا ذلك بجلاء المثل الشعبي
المصري الذي يقول(تعرف فلان ....قال:اعرفه
،عاشرته:لا ما عشرتوش تبقى ما تعرفوش) فالمعاشرة
بين بني البشر من اهل وعشير هي وحدها الكفيلة
بمعرفة الشخصيات والكشف عن الطبائع اما الاجتماع
الانساني فقط فربما لا يؤدي الى علاقات اجتماعية
وثيقة يتبدى فيها التأثير والتأثر مثل الاجتماع
بين مشاهدي فيلم في سينما او الاجتماع حول حادثة
في الطريق.
لماذا أخفى علمه؟
يبقى أمامنا الان سؤال وهو:لماذا اخفى ابن خلدون
اسم علمه الجديد حين كتب عن موضوعه ومسائله واخره
ليذكره ذكراً عابراً في الفصل الذي مهد به لباب
العلوم؟! وهذا السؤال يشبه سؤالاً اخر،وهو لماذا
لم يفصل ابن خلدون علوم المقدمة في كتاب على حده
مادام كان واعياً تماما بانه انشأ علماً مستقلاً
مبتكراً غير مسبوق ذا اسم وموضوع ومسائل يطلق عليه
(علم معاشرة ابناء الجنس) لكنه وضعه في مقدمة كتاب
في التاريخ هو كتاب(العبر) ويدو ان المبتدأ والخبر
في ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي
السلطان الاكبر)
ونخلص من ذلك الى ان ابن خلدون قد اخفى اسم العلم
الجديد،كما اخفى موضوعه ومسائله فقد اخفى اسم
العلم في فصل بعنوان (في ان الصنائع تكسب صاحبها
عقلاً)كما اخفى موضوعه ومسائله في شكل مقدمة طويلة
لكتاب في التاريخ.
ويمكن الاجابة عن هذين التساؤلين بما يأتي:
1-كان ابن خلدون فقيها.ولذا فقد كان التوقع منه
بهذه الصفة ان يكون كل ما يكتبه يمت الى علوم
الفقه بصلة ولهذا السبب نجد ان ابن خلدون قد خشي
ان يساء فهمه من معاصريه من الفقهاء والعلماء وقد
كان علمه الجديد على حد قوله (مستحدث الصنعة غريب
النزعة) لذلك فقد وضعه ضمن كتاب في التاريخ حتى لا
يثير من حوله الاقاويل.
2-يؤمن ابن خلدون بالتدرج في تقديم الجديد وعدم
الشذوذ عن المألوف والمعتاد فهو القائل عمن تحدثه
نفسه الخروج على مألوف العوائد:(فلا يمكنه مخالفة
سلفة في ذلك اذ العوائد حينئذ تمنعه وتقبح غلبة
مرتكبه ولو فعله لرمي بالجنون والوسواس في الخروج
عن العوائد دفعة وخشي عليه عائدة ذلك)
ويمكن ان نقول في النهاية ان ابن خلدون قد ترك
مقدمته لمن يأتون بعده ليتعمقوها ويحللوا افكارها
ويبحثوا فيها حتى يعثروا على اسم العلم الذي كشفه
وذلك وفقاً لما ذكره في نهاية المقدمة:(وقد
استوفينا من مسائله وما حسبناه كفاية ولعل من يأتي
بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم مبين يفوص في
مسائله على اكثر مما كتبنا فليس على مستنبط الفن
احصاء مسائله وانما عليه تعيين موضع العلم وتنويع
فصوله وما يتكلم فيه والمتأخرون يلحقون المسائل من
بعده شئياً فشئياً الى ان يكمل.
|