|
نحن
نعرف جميل صدقي الزهاوي كشاعر ونعرفه كفيلسوف
وكعالم ولكن قلما يعرفه احد كظريف منكت له حكايات
وطرائف كثيرة شهدها المقهى المعروف بأسمه مقهى
الزهاوي في شارع السراي لم يكن هذا المقهى يعرف
بهذا الاسم وانما بأسم قهوة امين دعاه يوما نوري
السعيد للالتقاء به. سأله الزهاوي وين نلتقي قال
له رئيس الوزراء في قهوة امين التقينا هناك رئيس
الحكومة والشاعر الفيلسوف ليس فيها من متاع الدنيا
غير بضعة مصطبات وكراسي قديمة وفونوغراف ابو
الزمبرك تصوروا رئيس الحكومة يجتمع في مثل هذه
المقهى.
مع ذلك اعجب الزهاوي بها فاتخذها مقاما له وسرعان
ما تحولت الى وكر للادباء والمفكرين كان بينهم
الرصافي وكما ذكرت في مناسبة سابقة كان بينهما
ماصنع الحداد وان كنت لا ادري ماذا صنع الحداد.
انطلق الرصافي في انشاد قصيدة طويلة فأخذ الزهاوي
يتضايق منها ومن صاحبها. جلس يتربص لفكرة يعمل
فيها مقلبا عليه حتى ظهر صبي يبيع الحب فقاطع
الزهاوي زميله الرصافي متوجها الى بياع الحب ياولد
عندك قميص شبابي على كدي؟ استغرق الحاضرون بالضحك
وضاعت القصيدة على الرصافي فخرج غاضبا ولم يعد الى
ذلك المقهى ابدا وعندئذ تربع الزهاوي في جلسته وقد
نصب من نفسه اميرا على المقهى.
ذهب الرصافي واذا بمحله يأخذه شاعر نابع اخر
تعرفونه: محمد مهدي الجواهري انطلق الجواهري يتلو
شيئا من شعره هو الاخر حتى قاطعه الفيلسوف افندم
تتراهن؟ استغرب الشاعر الشاب كان عمره سبعا وعشرين
سنة من هذا السؤال اعاد الكرة: تتراهن على اي شيء
استاذ؟ على ان اقطع نفسي وانت تقطع نفسك وخلي نشوف
منو يخلص نفسه بالاول!
كان لعبة مما يلهو به الاطفال ولكن الجواهري الشاب
لم يشأ ان يعترض على سيده وهو في السبعين فمسك
نفسه وفعل مثله الزهاوي بعد برهة من الوقت استسلم
الجواهري يا استاذنا كفاية! فكسب الزهاوي الرهان
وحق على الجواهري ان يدفع عنه اجرة المقهى: انة.
يقول المثل الشائع بيننا: ديكين على مزبلة واحدة
يعيشون كان الافضل لصاحب المثل ان يقول شاعران في
مقهى واحدة لا يعيشان.
بيد ان الزهاوي لم يكن بخيلا في الواقع او حريصا
على الانة اجرة المقهى بل كان المعتاد له عندما
يهم بالانصراف ان ينادي على الخادم ويدفع على
الجالسين ممن يحبهم ويستثنى من الدفع من لايحبهم
او من اغضبوه وعاكسوه في جلسة ذلك اليوم. لا هذا
اخذ حسابك منه! يقول للخادم ويشير باصابعه الى من
اغضبه.
هكذا كان مقهى الزهاوي واحة من واحات الفكر والادب
ارتباط باسماء مشاهير تلك الحقبة يوسف عز الدين
،عبد الرزاق الهلالي ،ماهر حسن فهمي، عبد الحميد
الرشودي.انضم اليهم عبد القادر المميز صاحب جريدة
ابو حمد. فأستقبله الزهاوي بهذين البيتين:
قد جاءنا ابو حمد
يمشي كمشية الاسد
قد طابت القهوة لي
صب ياولد! صب ياولد!
وهناك كان ينفث افكاره الفلسفية في شتى العلوم
الداروينية واصل الانسان وجاذبية الارض ونحو ذلك
فيما كان يوما محلقا بأفكاره هذه اقتحم المقهى رجل
يتطاير الغضب من عينيه وتوجه فورا الى الزهاوي
كلب! كافر! زنديق! تنكر خلقة الخالق؟ تقول اصل
الانسان قرد! اني ابويه قرد؟!
مسك به الزهاوي وقال له: لا ابني انا ماقلت ابوك
انت كان قرد حاشا انا قلت ثم كشف الشاعر عن رأسه
الاصلع ووجهه المكرمش واسنانه المنخورة ومسك ذقنه
بيده وقال: انا قلت اني ابويه كان قرد!
ضج الجالسون بالضحك في ذلك اليوم من ايام الخير
يوم طاب الحديث حرا دافئا في مقاهي بغداد
ومجالسها. مجالس الخير في ايام الخير اللي فاتت
وراحت وياهم. |