القائمة الرئيسية

الاولــــــــى

الافتتـاحيـة

الثــــــانيـــة
السياسيـة
محليـــــات
تحقيقـــات
الثقـافيـــة
حـــــــوارات
طب و علوم
مــقـــالات
الـــريـــاضــية
الاخــيـــرة

القائمة الثانوية
الاتصال بنا
الارشـــيف
كاريكــاتيــر

 

    
البينة الجديدة جريدة يومية سياسية عامة                                                                                                                                               رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين العراقيين (134)                                                                                                                      رقم الايداع في دار الكتب والوثائق (970) لسنة 2007

السنة الثالثة العدد (543) الخميس 13 / اذار / 2008م ـ 5/ربيع الاول/ 1429 هـ

افلام السيرة الذاتية .. الوقائع... والتخيل

نديم جرجورة
لاتزال السينما العربية والغربية منجذبة الى السير الذاتية لمشاهير الثقافة والمجتمع والسياسة والفنون. ولكن هذه الافلام اثارت سجالات عدة حول (مصداقية) التعاطي الفني مع هذه الوقائع والتفاصيل، وحول مدى التزامها الحقائق التاريخية، من دون التغاضي عن الجانب المتخيل..
ان اختيار النتاج السينمائي في هذا المجال لايلغي الجانب التلفزيوني، اذ ان الاسئلة المطروحة على السينما يمكن طرحها، بسهولة على الاعمال الدرامية الخاصة بالشاشة الصغيرة...
لكن التزام النتاج السينمائي في هذه القراءة النقدية مرتبط بأهتمام شخصي بحت بالافلام السينمائية..
يمكن القول ان هناك ثلاثة اسئلة اساسية تشكل مدخلا نقديا لقراءة النتاج السينمائي المتعلق بالسير الذاتية للشخصيات التاريخية.
فهذه الاسئلة تفتح نقاشا جديا حول موقع الصنيع الابداعي في المشهد الانساني والتاريخي والثقافي، وحول مدى قدرته على التوفيق الجمالي بين الواقع والمتخيل..
من دون الاساءة الى الحقائق التاريخية والجماليات الفنية والدرامية والتقنية على حد سواء...
لعل البعض يرى اسئلة اخرى تساهم في تطوير النقاش النقدي ، ذلك ان الاسئلة الثلاثة لاتغلق الباب امام طرح مزيد من العناوين، وامام تفعيل التنقيب النقدي عن مفاهيم جديدة للعلاقة القائمة بين النتاج الفني (السينما تحديدا) والشخصيات التاريخية المختارة للصنيع الفني هذا، الناشطة في السياسة والعلوم والفنون والرياضة والاداب والمجتمع وغيرها..
تزداد المسألة اهمية، اذا كانت الشخصية المختارة للصنيع الفني مشحونة بالتباسات العيش على حافة المغامرة والتمرد، وبتشابك فظيع بين الحقائق الضائعة في متاهة هذا العيش نفسه، وتحول الشخصية الى اسطورة حية مغلفة بالاسرار او التفاصيل الغامضة.
تساؤلات
لا شك في ان كل سؤال من الاسئلة الثلاثة يولد اسئلة فرعية تبغي تشريح العنوان الاساسي بهدف البحث عن اجوبة لن تكون حاسمة، ما دام الموضوع نفسه لايزال قابلا للتحليل من جوانب مختلفة.
اما الامثلة التي تدعم محاولة الاجابة عن الاسئلة كلها، فمنتقاة من بعض ابرز الافلام التي انتجت في الاعوام السبعة الاولى من القرن الجديد، مع الاستعانة ببعض الافلام السابقة عليها لتبيان مسألة او للاضاءة على غموض.
1- ما حجم المتخيل في عمل ابداعي يرتكز اساسا على سيرة حقيقية؟ هل يسمح للسينمائي بأن يتصرف بالحقائق والوقائع بما يخدم الصنيع الابداعي، ام يتعين عليه الالتزام التام بتلك الحقائق والوقائع مبتعدا عن هامش التخييل الابداعي؟ هل يؤثر المتخيل في الشخصية، ام انه يلعب دورا اساسيا في انجاز النص الابداعي المرتكز، اساسا على سيرة معروفة، وان لم تكن السيرة مكتملة؟
2- هل يفترض بالممثل والممثلة ان يشبها الشخصية المختارة فيزيولوجيا؟ هل يفترض بهما ان يخضعا لتدريبات عملية تهدف الى تلقينها كيفية التماثل مع الشخصية، حركة ونطقا وتصرفات وسلوكا؟ في حال الاقرار بهذا المنحى التمثيلي، الا يؤدي التماثل الشكلي الى الاساءة الى الشخصية والعمل الفني معا، والى الغاء الجانب الابداعي في التمثيل؟
3- ما دور العائلة في المشروع السينمائي: هل يحق لها ان تتدخل في انجازه، بأن تمنع تنفيذه في حال لم يستجب لمتطلباتها التي يمكن ان تخالف الوقائع والحقائق (حماية) لسمعة العائلة على حساب الشخصية، او بأن تفرض شروطها الصارمة ، بأن تشارك فعليا في كتابة السيناريو واختيار الممثلين وفريق العمل؟ هل هناك قوانين تحمي العائلة على حساب الصنيع الفني الابداعي؟
لا يزال الصراع بين المتخيل والواقع حاضرا بفعالية كبيرة في الافلام المنتجة حديثا، اذ يستحيل على السينمائي المبدع ان يلتزم التاريخ كما هو، لانه يصنع فيلما ولايقدم درسا في التاريخ، ولا يحق له ان يتلاعب بالوقائع، كما يحلو للانتاج الهوليوودي ان يفعل احيانا كثيرة خدمة للسياسة، لانه (اي السينمائي المبدع) يرتكز عليها لبناء عمارته الفنية.
بمعنى اخر يتعين على الفنان ان يستفيد من الوقائع التاريخية كلها الخاصة بالشخصية او بالحدث الذي يريد، من دون ان يقع في اسرها، بل لينطلق منها الى رحاب عالمه الابداعي البحت، هنا تبرز السينما او تضمحل فكلما غاص صانعو الفيلم السينمائي في الوقائع بدا الفيلم محاضرة لاطائل فنيا لها.
وكلما حرر هؤلاء عملهم من سطوة الواقعي لحساب المتخيل (نيكسون و الاسكندر) لاوليفر ستون مثلا و (ايام السادات) لمحمد خان الى حد ما ، خصوصا على مستوى رسمه شخصيات عدة في علاقاتها وبعض تصرفاتها وحركاتها) امتلك الفيلم شرعيته السينمائية الابداعية. ولا يمكن التخلي كليا عن الوقائع ما يدفع بفريق العمل (السيناريست والمخرج والممثل/ الممثلة تحديدا) الى اجراء ابحاث ميدانية (كتب ووثائق افلام وصور فوتوغرافية ومعطيات لقاءات مع اناس على علاقة بالشخصية او الحدث الخ...).
يجعلونها اساسا متينا للنص السينمائي بمفرداته الفنية والجمالية والدرامية..
تشابه في الشكل والاداء الدرامي
لم يكن الممثل الامريكي كولن فاريل شبيها بالاسكندر المقدوني، في فيلم ستون (2005)، لكن انتوني هوبكنز خضع لتمارين جسدية وسلوكية وماكياج معين، لبلوغ اقرب حد ممكن من الرئيس الامريكي نيكسون، في فيلم ستون ايضا 1996 علما انه ابدع في تأديته دور الرسام العالمي بيكاسو، شكلا ومضمونا نفسيا وانسانيا ونزقا اخلاقيا في (بيكاسو حيا) 1996 لجيمس ايفوري، هذا ما اعتاد الممثل المصري الراحل احمد زكي الذي قدم شخصيتي جمال عبد الناصر (ناصر 56) لمحمد فاضل وانور السادات في فيلم (محمد خان) ان يفعله. تدريب شاق يجعله قادرا على تأدية شخصية تاريخية بأكبر قدر ممكن من التشابه الجسدي والسلوكي، من دون ان يتغاضى عن البعد الدرامي والجمالي للشخصية.
ان التوازن بين الطرفين مطلوب للغاية، لان الايغال في التماهي بالشكل فقط لاينجز فيلما سينمائيا في حين ان الشكل ضروري في احيان كثيرة لجعل الشخصية السينمائية حقيقة تاريخية وحسية . 

أخشى التقزم امام المنشد

 ابو الغوث
اعتدت ومعي زملائي من المهتمين بالثقافة عامة وفن المسرح على وجه الخصوص ان نطالع في كل يوم اربعاء صفحة مسرح في الزميلة(الاتحاد الغراء) التي يشرف عليها الزميل والصديق الناقد المسرحي والصحفي (عدنان منشد)بعد ان ترطبت خلايا مخيلته بهوس المسرح واعتداله وانشقاقه وتآلفه وظل حريصاً طوال عامين او ما يزيد على بذل جهودٍ جدية في اصدار تلك الصفحة لما يتمتع به من سمعة طيبة في الوسط المسرحي والثقافي وتواصله (الجيلي)المتعاقب مع الفنانين المسرحيين سواء كانوا في المحافظات او العاصمة بغداد . فضلاً عن علاقاته الطيبة مع رواد المسرح واساتذته ومن ابرزهم الفنان الكبير يوسف العاني وسامي عبد الحميد والدكتور صلاح القصب والدكتور عقيل مهدي يوسف وآخرين من (التابعين).
وما يميز تلك الصفحة ذلك الانعكاس الجميل للماضي وأثره وارتباطه بالحاضر عبر كتابات جادة للمشتغلين في هذا الفن وتراوحت الاسماء المساهمة فيها من التجريبيين والمتمذهبين وآخرين من الوسط الادائي المراوح في محيط الفن الخالد حبا وعشقاً دونما منجز يذكر على ذلك الصعيد الا انهم اشتهروا بالتنظير على ما سواه من تفاصيل العرض المسرحي...
الزميل(السعيدي) قد لا يحب الالقاب،وانا ادري بذلك ولكن لكل رأس سطر مقام... اتسم المنشد بهدوئه ودماثة خلقه وورعه وأنتظامه في حضور جلساته وألتصاقه وهو الاهم بعالم المسرح بالرغم من ان الاخير لم يمنحه رغيفاً واحدا من الخبز . الا اني اعترف ان المسرح قد منح الزميل الناقد الاصالة في الرأي ونبذ التوافقية والمجاملة على حساب الجمال اينما يكمن.وبما اني قصير امام قامة عدنان الطويلة فلا يمكن لي ان اتسق معه خوفاً على نفسي من عوق التقزم،لذلك اختم قولي وانهي حديثي بالمباركة له وأمنيات التواصل لرفد الحركة المسرحية العراقية الحرة بالمزيد من الصواب والرقي.

شـعـر
مـرافـئ مهـجـورة

 سهران حسين علي الشمري
عندما يصبح الحب مستحيلاً
تحلم المرافئ بالنوارس
الشفاه بالقبل
الليالي بالقمر
والصبر بالامل
الكل،الكل يسير نحو الجبل
يكتم صمتاً تفضحه المقل
وهذه السفن تتجه الى المقبرة
هذه السفن من غير ميسرة
تحمل احلام المسافرين
اشرعة احلام المسافرين
اشرعة فرقتها السنين
كثر الترحال يا دهري اللعين
الان اين المسير؟
تلك المرافئ اصبحت حلم الجميع
بعيدة بعيدة مرافئنا
والاقرب منها دموعك يا نوارس
يغشاني النعاس
فيأخذني حلمي الى عالم من البراءة
الى عالم من الصراحة
فأحس حينها بان الجميع في صورة تفضح الحقيقة
استيقظ بعدها وهي لا تفارق ذاكرتي
فتختلط الصورة وتذبل امنيتي
واعشق صورتكِ واغنيتي .

شــعـــر
ذلــك الصـيــــف

 سامي العامري
مِن عالَم المشفى تغادرُني حروفي
والحقلُ من خَلَلِ النوافذِ محضُ بَرّاجٍ وصوفي
هو ذلك الصيفُ البعيدُ اذا تأوَّدَ
تَسجَعُ الرؤيا حماماتٍ
كما سَجَعَتْ
ظلالي
او قُطوفي
ولأنتِ أدرى بيْ وأدرى
ورُويدَ قلبِكِ وهو يعرى
النجمُ عالٍ مثل أعذاق النخيلِ !
والعودُ والقيثار مالا عن شراييني
وسارا في السبيلِ !
انا مُذْ وعيتُ – وما وعيتُ –
اذا وَهبتُ من السرورِ فَجُلَّهُ
فَخُذي الذي تهوين قِنطاراً
وأرضى بالقليلِ !

أوهام رمادية الجدران
قصة قصيرة

 عقيل العذاري
لم يتصور طيلة بقائه في هذا المكان انه يستطيع الخروج إلى دائرة الضوء ثانية لان مدة سجنه طالت وربما ستطول.. لكن ثمة أفكار كانت تساور مخيلته المعتمة بان الأوهام ربما تصبح حقيقة يوما ما... رفع رأسه إلى الأعلى وراح يتمعن في الجدران الملساء المكسوة باللون الرمادي . ثم انز ل حدقتيه ليصب غضب عينيه على ذلك الباب الحديدي الهائل ذي القضبان السوداء الغليظة وكأنه يبحث عن منفذ صغير ليكون طريقا للخلاص. بينما كان الباب الحديدي متوثبا إمامه كغراب اسود فاردا جناحيه وهو يناديه, بصوت ناعق, أن يتعلق بهما لينفلت به في الفضاء بعيدا عن كل سجون الأرض الضاجة بالعسس ورائحة التبغ المحترق المنبعثة من الأفواه المتكلسة من الصمت المطبق.
قال له الغراب هيا تقدم ما بالك متسمر كالأبله !؟
إستك جسده من الذهول وراحت عيناه تبرزان من محجريهما حتى صارتا كعيني ضفدع ميت...
قام من مكانه وراح يتقدم الى ذلك الغراب الهائل فامسكه بكلتا يديه وادخل وجهه عنوة بين طيات ريشه السوداء المتشابكة وراح يهمس بصوت خافت.
هيا انطلق ها أنذا متعلق بريشك العملاق هيا ما لك متسمرا كالأبله...!!! عندما كنت صغيرا عرفت إن الغراب لا يجلب إلا شؤما فكيف به اليوم يصبح منقذا!!؟ هيهات أن يكون..
صاح بصوت متهدج فلتعلم و ليعلم الجميع خارج هذا القبو إن بمقدوري...وهو يصيح بأعلى صوته...إن بمقدوري... ثم صمت برهة ..واطرق ليسمع, فلم يجبه إلا صوته وهو يتلاشى وسط الظلام.
انزل رأسه إلى الأسفل ويداه تنزلقان بهدوء حتى انسدلتا متدليتين إمام فخذيه.. اخذ يتراجع إلى الخلف مرددا جزعا إن بمقدوري..إن بمقدوي... تهالك على الأرض باكيا بمرارة وراح يخفت صوته بين النشيج مطلقا أخر كلماته ليصبح فحيحا يحتضر إن بمقدوري أن ألوذ.. بال... صــــمــــت..

شــــاعـــر المــديـنـــة

 د.جابر عصفور
ظل عبد الصبور في كل احواله ومراحله المتقلبة شاعر مدينة شانه في ذلك شأن اقرانه من شعراء الحداثة الذين ظلت المدينة فضاء شعرهم واساس بنيته في الوقت نفسه ..المدينة متعددة الطبقات والاجناس وفيها المصنع والمعبد والمسجد والسجن التي تكتمل بحضورها ملامح مدينة انتسب اليها صلاح عبد الصبور وظل لقاؤه بها حجّه ومبكاه خصوصا بعد ان اصبح مغلولا الى الشوارع المسفلته والميادين التي تموت في وقدتها خضرة الايام فيغترب من يحبها فيها ماظل منكرا في رحابها بعد ان طار عنه طيره الاليف كالحرية ولم يبق له سوى احتمال المزيد من عذاب المدينة التي لم تعد جنة مامولة بل جحيما واقعا.. واتصور ان انطلاق شعر صلاح من وعي مديني محدث هو الذي جعله يرى المدينة في نفسه ويرى نفسه في المدينة وذلك منذ ان قطع هذا الوعي الحبل السري الذي وصله بالقرية الرحم فاستبدل بها المدينة التي اصبحت موضوعا للتامل ومن ثم تمثيلا رمزيا للوجود وليس ملاذا روحيا للفرار من وطأة مدينة بلا قلب فكانت القرية موضوعا شعريا يعالج من منظور فكر مديني ..بدأ بالتمرد على الميتافيزيقا في (الملك لك) التي تؤكد حضور الانسان الذي له وحده الملك على الارض لا تحتها نفيا للمنظور الديني للانسان عند ت اس اليوت الذي تاثر به صلاح تاثرا بالغا نقضا وموازاة واستلهاما وذلك قبل ان تحل المدينة محل القرية وتعود اليها مناجاة الله التي حلت محل صرخة نيتشة الشهيرة عن موت الاله كما في قصيدة (اغنية الى الله) التي جاورت (اغنية للقاهرة) في ديوان احلام الفارس القديم ومضت قصائد صلاح في تقبل المدينة بوصفها موضوعا للتامل اما المدينة نفسها فتقبلتها القصائد بوصفها فضاءها الممكن وغوايتها الاولى فتجسدت بها وفيها وجسدتها في الوقت ذاته وظلت هذه القصائد منتسبة الى المدينة في ملامحها تحمل همومها النوعية وتنطق المسكوت عنه في احلامها وكوابيسها باحثة في قيعانها عن خلاصها غير مترددة في ادانة خيانتها حالمة بنبي يحمل سيفا متوسلة بلغة المفارقة والسخرية والامثولة والقناع ولغة المجاز التي تظل غير نائية عن الحياة الفعلية في المدينة فهي لغة تسعى الى ان تغوص الى قرارة الحياة المدينية فتبدو كانها هي مع انها غيرها.
ولاتنفصل هذه اللغة عن وعي تشكيلي صارم في رهافة احساسه ببنية القصيدة واتساق تكوينها ..ومهما تعددت اشكال البناء وافادت في تكوينها من انساق الموسيقى او انساق العمارة او النحت او انساق اللوحة فهي دائما اشكال بنائية تصدر عن وعي مديني محدث ..وعي ظل يرى الجمال في النظام ويسعى الى اكتشاف النظام في الفوضى.. والصفة المحدثة ليست قرينة الرؤية وحدها في هذا السياق فالرؤية لا تتجسد الا بوسائلها التعبيرية المحايثة ابتداء من جسارة الاستعارة الجزئية او مراوغة الاستعارة الممتدة مرورا بالتباس التمثيلات الرمزية او الكنايات الكاشفة وليس انتهاء بالتقبض الايقاعي الذي هو بعد اخر من ابعاد الموسيقى الحديثة خصوصا في حرصها على احباط التوقيعات النغمية التقليدية لمن يتلقاها.. ان الصدمة المحسوبة اساس العلاقات اللغوية في قصائد صلاح وهي اساس البناء في احوال تجاوبه مع ابنية الفنون التشكيلية وصفة الاحكام البنائي التي نراها في شعره-من منظور هذا التجاوب- نادرة في شعر كثير من معاصريه واذا كانت العقلانية هي السمة الاولى لوعيه المديني المحدث خصوصا في انشاء علاقاته اللغوية وتوافقات ابنيته فان السمة الملازمة لهذه العقلانية قرينة العلاقة بين قصائد صلاح عبد الصبور واعمال الفن التشكيلي الذي عشقه وسعى الى استلهام قوانين صياغاته في بناء قصائده.. اقصد الى تجليات الضربات التاثيرية للفرشاة او الكلمة او تعيين الكنايات المثيرة للمخيلة البصرية او التخطيطات التجريدية للموقف او اللوحة وغير بعيد عن ذلك الافادة من تقنيات الفنون في تشكيل مستويات التجاور او التوازي او التقابل او التقطيع او حتى الكولاج في القصيدة ويوازي ذلك كله ايمان مطلق بالشعر وجدواه في حياة الانسان.. ايمان كان قدس اقداس شاعر وهب حياته للشعر وظل يكتب عن الكلمة التي يرسلها شهادة انسان من اهل الرؤيا في زمن قاس وضنين ولذلك عرف شعر صلاح القصيدة التي تتحدث عن القصيدة كما كان الشعر الشارح ملمحا بارزا من ملامح هذا الشعر ملمحا لايقل في اهمية حضوره عن حضور نموذج الشاعر نفسه بطلا تراجيديا على امتداد مسرح صلاح عبد الصبور ذلك المسرح الذي هو في بعد من ابعاده بحث عن الخلاص بواسطة الكلمة الشاعرة من شاعر يحاول ان يجعل من الكلمة سيفا.
ولا تناقض بين هذه الفكرة وتعدد صور الشاعر في دواوين صلاح فهو يبدو اولا يفتتح كلماته بما اثر عن المسيح ..اقول لكم ..ويبدو ثانيا صوفيا يعاني بوارق الرؤيا وتجليات الشهود ويبدو ثالثا رحالة في دروب المعرفة يلهث وراء العلوم سنين ككلب يشم روائح صيد ويبدو رابعا ذا بصيرة لاتكف عن رؤية الكارثة الممتدة المتصلة ويكبر احيانا او يصغر احيانا اخرى حتى ليصف نفسه بقوله:
اتسمع طلقا ناريا يتماوج حولي مثل ذبابة
يهوي بجسمي المجروح
ويرفرف حينا
ثم يغوص بطيئا في جوف الكون
وهي صورة لاتختلف جوهريا عن الصورة الموازية التي نقرا فيها:
اتجمع فأرا اهوي من عليائي
اذ تنقطع حبالي الليلية
يلقي بي في مخزن عاديات
كي اتامل بعيون مرتبكة
من تحت الارض اقدام المارة في الطرقات.

 

 

القرأن الكريم


الوقت والتأريخ


القـامــوس

 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة البينة الجديدة© 2007          تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com