|
عقيل
العذاري
لم يتصور طيلة بقائه في هذا المكان انه يستطيع
الخروج إلى دائرة الضوء ثانية لان مدة سجنه طالت
وربما ستطول.. لكن ثمة أفكار كانت تساور مخيلته
المعتمة بان الأوهام ربما تصبح حقيقة يوما ما...
رفع رأسه إلى الأعلى وراح يتمعن في الجدران
الملساء المكسوة باللون الرمادي . ثم انز ل حدقتيه
ليصب غضب عينيه على ذلك الباب الحديدي الهائل ذي
القضبان السوداء الغليظة وكأنه يبحث عن منفذ صغير
ليكون طريقا للخلاص. بينما كان الباب الحديدي
متوثبا إمامه كغراب اسود فاردا جناحيه وهو يناديه,
بصوت ناعق, أن يتعلق بهما لينفلت به في الفضاء
بعيدا عن كل سجون الأرض الضاجة بالعسس ورائحة
التبغ المحترق المنبعثة من الأفواه المتكلسة من
الصمت المطبق.
قال له الغراب هيا تقدم ما بالك متسمر كالأبله !؟
إستك جسده من الذهول وراحت عيناه تبرزان من
محجريهما حتى صارتا كعيني ضفدع ميت...
قام من مكانه وراح يتقدم الى ذلك الغراب الهائل
فامسكه بكلتا يديه وادخل وجهه عنوة بين طيات ريشه
السوداء المتشابكة وراح يهمس بصوت خافت.
هيا انطلق ها أنذا متعلق بريشك العملاق هيا ما لك
متسمرا كالأبله...!!! عندما كنت صغيرا عرفت إن
الغراب لا يجلب إلا شؤما فكيف به اليوم يصبح
منقذا!!؟ هيهات أن يكون..
صاح بصوت متهدج فلتعلم و ليعلم الجميع خارج هذا
القبو إن بمقدوري...وهو يصيح بأعلى صوته...إن
بمقدوري... ثم صمت برهة ..واطرق ليسمع, فلم يجبه
إلا صوته وهو يتلاشى وسط الظلام.
انزل رأسه إلى الأسفل ويداه تنزلقان بهدوء حتى
انسدلتا متدليتين إمام فخذيه.. اخذ يتراجع إلى
الخلف مرددا جزعا إن بمقدوري..إن بمقدوي... تهالك
على الأرض باكيا بمرارة وراح يخفت صوته بين النشيج
مطلقا أخر كلماته ليصبح فحيحا يحتضر إن بمقدوري أن
ألوذ.. بال... صــــمــــت.. |