|
بغداد
/ البينة الجديدة
قد تبدو الصورة على غير ما هي عليه، فثمة فرق
كبير، بين ان تسمع، وان ترى بأم عينك، صور ربما
تشعر معها بالحزن، وربما بالفرح، وكلا الصورتين
لمكان واحد. فسيارات الاسعاف، صارت مألوفة الوجود
اينما اتجهت، في كرخ بغداد، ورصافتها، ترافقك
صافراتها المميزة، وسرعتها التي تحاول اختراق
الكون لتصل الى غايتها، وهي غاية، سامية، انسانية،
نبيلة
البعض منا، لا يعرف شيئا، عن هذا الاسطول، مثل
خلية نحل، وربما ادق وانظم، ليل نهار، يسلمه رنين
الهاتف الى نداء، ونداء الى حادث، وما يلبث الحادث
ان يصير حكاية.
كنت اتصوره، مكانا فخما، لانه ابو العمل كله..
وللناس فيه حقوق، وله على الناس حقوق وكنت اتصور
العاملين من السيدات والرجال، على غير ما نحن
عليه، فهؤلاء اناس استثنائيون وهم كهذا فعلا، لكن
الامر اختلف، ما ان دلفت مبتسما الى غرفة تشبه
مدفنا عتيقا، تسمى الاستعلامات.
الادارة.. والصحافة.. ووجوه الحديد!
قال لي موظف الاستعلامات، بوجه بشوش، وبصوت جنوبي
فيه من الحزن والاسى ما فيه، تفضل!! فقلت.. اريد
استئجار سيارة اسعاف! ظل صافنا لبرهة وقت، لكنه
تمالك هدوءه وسألني أتريد الاسعاف بين مستشفى
ومستشفى ام من محافظة الى محافظة؟!
اخبرته بأني اريد ان اعرف ما انتم فاعلون.. ومن
اين تأتيكم هذه العزيمة، لتكونوا حاضرين اينما طلب
اليكم الحضور!
صحبني الجنوبي، صوب غرفة المدير، وهناك، طالعني
وجه اخر، اقل ابتساما، واكثر حساسية، سلمته الكتاب
لتسهيل مهمتي، فذهب دون حتى ان ينبس ببنت شفه،
ليعود مع مسؤول الاعلام الذي ادخل الكتاب الى
المدير الدكتور “احمد سلطان احمد”. وما لبث ان
عاد، ليخبرني، ان عليّ ان احصل على تسهيل مهمة من
وزارة الصحة!
قلت ــ ما دخل الوزارة بالامر؟
قال ــ هذه هي الاوامر!
لم يشأ الدكتور المدير، حتى بالسلام؟، او الحديث،
فلقد ظللت واقفا، لكن وجوه الحديد هي السائدة هذه
الايام مع الصحفيين!.
حكايات.. وصور!
دخلت قاعة استلام النداءات والسيطرة.. وهنا وجدت
العجب.. وربما ما بعد العجب.. تسعة هواتف هن مركز
عمل هذا القسم الذي يستلم طلبات المواطنين، ومنه
تستمد الدائرة عنوانها “الاسعاف الفوري”. لكن
التسعة هواتف هذه خمسة منها عاطلة.. والاربعة
الاخريات لا يعملن بسبب عطل البدالة.
أوليست هذه لعبة.
يقول السيد عادل توفيق.. معاون مدير شعبة السيطرة.
ربما لا يستطيع المواطن، ان يحصل على اتصال معنا
لأكثر من خمسين مرة، ولان هواتفنا مشغولة بغير ما
مخصصة اليه، والمواطن يستطيع الاتصال بنا عن طريق
النقال اثير، والسبب هو ان هذه الشبكة لا تتقاضى
اجرا، ولكن ثمة اكثر من مشكلة تسببها لنا هذه
الاتصالات وخاصة بعد منتصف الليل!.
الصورة 1: رن الهاتف، فقالت لي، السيدة انعام
جواد.. موظفة السيطرة. اسمع هذا النداء.. كان
الصوت، صوتا رجاليا، تبدو عليه علامات الوجاهة،
لكنه ما لبث ان انهمر بوابل غريب من الكلمات التي
لا تستخدم حتى في احط الامكنة!. اقفلت السيدة
الهاتف، بكل هدوء، والتفتت اليّ، لتقول: يوميا
نستمع الى مثل هذه الامور، وغيرها، وهي التي
تشغلنا عن اداء الواجب، وتمنع المواطن صاحب الحاجة
من الاتصال بنا، لان الخطوط مشغولة دوما بهذه
الترهات، وخاصة بعد ان رفعت الاثير التكلفة وجعلته
مجانا، وقد رفعنا مجموعة من الارقام التي تتصل بنا
يوميا الى الجهات صاحبة الشأن دون ان نتلقى حلا.
الصورة 2: السيدة اشراق عبدالواحد.. موظفة سيطرة..
نتعرض طيلة اليوم الى انواع من الاستهزاء
والمضايقات، ومن مستويات عدة بينهم الطفل والمرأة
والشيخ كبير السن، ولا نعرف للامر حلا.. رغم
مناشدتنا المسؤولين، ونحن نطالب شركة اثير ان تعمل
كما عراقنا حيث جعلت الاتصال مدفوع الثمن فلم نعد
نتلقى سوى الاتصالات المهمة وصرنا نعرف انها
صادقة.
الصورة 3: ــ الو..
ـ نعم.. تفضل
ـ عيني انتو الاسعاف
ـ نعم اخي.. تفضل
ـ عيني هايشتنه مريضة.. شأسوي!
حكايات.. وافعال
السائق الذي اردت مصاحبته.. هو مجيد بجاي
الزايداوي... يقود الاسعاف منذ اثنتي عشرة سنة.
قال.. شاركت بقيادة الاسعاف، منذ السقوط وحتى
الان، ولم انقطع عن العمل يوما واحدا، وقد تعرضت
لأكثر من حادث، كان اهمها ما حدث لي في شارع حي
الجامعة، حيث ارادت مجموعة تسليب سيارة الاسعاف،
لكني قاومتهم، وقد تعرضت الى اصابة في عيني ادت
الى دخولي الى المستشفى، وبدلا من ان تكرمني
الدائرة، او تهتم بأموري الصحية، فتحت معي محضرا
تحقيقيا متهمة اياي بأني تعمدت الحادث.. والحوادث
التي عشتها وزملائي سائقي سيارات الاسعاف كثيرة،
وربما احيانا، اغرب من الخيال.
مشهد 1: المكان/ قرب مركز شباب الكرخ
الزمان/ منتصف العام الماضي
النداء: انفجار سيارة مفخخة قرب المركز..
توجهت سيارات الاسعاف الى هناك، وما ان دخلت مكان
الحادث، حتى حدث انفجار اخر. حيث تعرض السائق
والمسعف الى جروح بليغة ورغم هذا انقذوا بعض
المصابين!
المشهد 2: الو.. ج .. ارجو ان تتجه صوب مدينة
الطب، م/الجراحات التخصصية لنقل المريض “جمعة فهد
عواد” من بغداد الى الرمادي.
استلمت! كانت المهمة صعبة، فالوقت بدأ بالازوف،
وقد غادر الثانية بقليل، والمسافة بعيدة، والموقف
حرج يقول “يوسف عبود علي” مسؤول الوجبة الصباحية/
اسعاف. لا بد من تنفيذ الامر، ونحن واجبنا ان ننقل
المريض من البيت، او مكان الحادث الى المستشفى ومن
مستشفى لاخر، او الى مدينة اخرى، ولا يتقاضى
سواقنا والمسعفون اية مبالغ مالية وقد كتبت يافطة
بهذا الخصوص، تمنع المواطن من التعامل بالمال مع
السائق او المسعف.
الغريب..والعجيب.. والنسيان
السائق سلام خزعل يقول: نحن نتعرض الى مخاطر جمة،
وقد اعطت دائرتنا لوحدها 45 شهيدا، ولا يمكن ان
تتعرض منطقة الى حادث الا وتكون الاسعاف اول
الحاضرين.. والنداء الذي بين الاسعاف والسيطرة، هو
اجراء سريع.. وهذا يعني ان الحال يتطلب سرعة لكن
عدم تعاون شرطة المرور واكثرة المفارز والسيطرات
كثيرا ما تعيق عملنا، رغم ان ما نشعره من تعاون
واحترام من هذه الجهات، والتي نتمنى ان تفهم مهمة
الاسعاف ودورها في الشارع اليوم، وكذلك المواطن
الذي يقود المركبة، عليه ان يفكر بمهمة الاسعاف
ويفسح لها الطريق!
واعجبي.. وما يحملون!
السيد طارق محمد جواد.. رئيس ممرضين ماهرين.. منذ
اكثر من 32 سنة.. يقول لك ان تتصور كم نحن مظلومون
راتبي لا يتجاوز 382 وبهذه الخدمة الطويلة.. ولا
ندري لم لا يلتفت الينا احد.. رغم اننا نربط الليل
بالنهار!
السيد عمر موفق شكر.. موظف سيطرة.. يقول: اعمل في
الاسعاف الفوري منذ ربع قرن، والسيطرة تعاني ما
تعاني من مشاكل وهموم وآلام ورغم كل هذا راتبي 200
الف دينار، ونحن لم نحظ بأهتمام الوزارة او احد من
المسؤولين، ولم يزرنا وزير او مسؤول، ليتعرف على
واقعنا وما نعيش!
الحاج فوزي هادي.. مشرف السيطرة المسائي.. يقول:
متاعبنا كثيرة، مع المواطن، ومع المسؤول، ومع
الدائرة، المواطن وخاصة بعد منتصف الليل يتحول
الامر الى لعبة، ويقوم بالسب والشتم دونما سبب،
واتمنى ان لا يقوم هؤلاء بمثل هذه الاعمال التي
تعطلنا حقيقة عن اداء واجبنا الانساني بشكل سليم،
وتسهل صاحب الحاجة للاتصال بنا لمد له العون!.
سؤال.. وجواب!
سألت الحاج فوزي هادي، عن الاشاعة التي تقول ان
الاسعاف تقوم بأداء واجبات هي غير واجباتها
الاصلية، قال: لسنا الجهة الوحيدة التي تمتلك
سيارات اسعاف في الكرخ والرصافة، فهناك المستشفيات
والمراكز الصحية، والدفاع والداخلية وجهات اخرى،
وهذه الاسعافات لا تخضع لسيطرتنا، اما نحن
فالاسعاف تخرج بوقت وعداد، وبعلم السيطرة،
وقواطعنا معروفة، ولا يمكن لسائق الاسعاف ان يتصرف
كيفما يشاء!.
يوم آخر.. والحكاية مستمرة
بأتجاه مستشفى عدنان كانت السيارة تتجه مسرعة،
وثمة تعب باد على الوجوه، فالقلق بدأ يأخذ مأخذه،
ذلك لان المهمة عسيرة، والمسافة هي المغامرة التي
لا نعرف لها حساب.. كان المصاب عسكريا.. وقد طلب
ذووه نقله الى مستشفى الرمادي، ولا احد يقوم بهذه
المهمة غير ذلك الرقم العجيب.. الو.. 122 اسعاف.
امنيات
كنت اتمنى، والامنيات كثار، ان لا تغفل الدولة عن
هؤلاء الافذاذ، فهم مكافحو المحن، وصدمة الالم
اللذيذ.. الوجوه المفعمة بالخير.. المتعاملون مع
كل اسى. كانت ساعاتي معهم جميلة، وقد داعبتهم
بود.. فهم صانعو حكايات من الطراز الاول، واحبه
عشاق من الطراز الخاص. |